المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الروايات الاسطورية والقصص الخرافية = ألف ليلة وليلة =


الصفحات : 1 [2] 3 4

هانى رفعت
04-13-2010, 07:51 AM
وفي الليلة الستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قمر الزمان لما فتح البقجتين صار يقلب ثياب أولاده وبكى فلما فتح ثياب ولده الأسعد وجد في جيبه ورقة مكتوبة بخط زوجته بدور ومعها جدائل شعرها ففتح الورقة وقرأها وفهم معناها فعل أن ولده الأسعد مظلوم ولما قلب ثياب الأمجد وجد في جيبه ورقة مكتوبة بخط زوجته حياة النفوس وفيها جدائل شعرها ففتح الورقة وقرأها فعلم أنه مظلوم فدق يداً على يد وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد قتلت أولادي ظلماً ثم صار يلطم على وجهه ويقول: واولداه.. واطول حزناه وأمر ببناء قبرين في بيت الأحزان وكتب على القبرين اسمي ولديه وترامى على قبر الأمجد وبكى وأن واشتكى وانشد هذه الأبيات: يا قـــمـــر قـــد غـــاب تـــحـــت الـــثـــرىبـــكـــت عـــلـــيه الأنـــجـــم الـــزاهـــــرة يا قـــضـــياً لـــــم يمـــــــس بـــــــعـــــــدهمـــعـــاطـــف لـــلأعـــين الـــنـــاظـــــــرة مـنـعـت عـينــيي عـــنـــك مـــن غـــيرتـــيعـــــــلـــــــيك لا أراك لـــــــلآخــــــــــرة وأغـــرقـــت بـــالـــســـهـــد فـــي دمـــهـــاوإنـــنـــي مـــن ذاك بـــالـــعـــــــاهـــــــرة ثم ترامى على قبر الأسعد وبكى وأن واشتكى وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: قـد كـنـت أهـــوى أن أشـــاطـــرك الـــردىلـــكـــن الـــلــــه أراد غـــــــير الـــــــردى
سـودت مـا بــين الـــفـــضـــاء ونـــاظـــريومـــحـــوت مـــن عـــينـــي كـــل ســــواد لا ينـــفـــذ الـــدمـــع الـــذي أبـــكـــي بــــهإن الـــفـــــؤاد لـــــــه مـــــــن الأمـــــــداد أعـــز عـــلـــي بـــأن أراك بـــمـــرضــــعمـــتـــشـــابـــه الأوغـــاد والأمـــــجـــــــاد و لما فرغ من شعره هجر الأحباب والخلان وانقطع في البيت الذي سماه بيت الأحباب وصار يبكي على أولاده وقد هجر نسائه وأصحابه وأصدقائه. هذاما كان من أمره وأما ما كان من أمر الأمجد والأسعد فإنهما لم يزالا سائران في البرية وهما يأكلان من نبات الأرض ويشربان من متحصلات الأمطار مدة شهر كامل حتى انتهى بهما المسير إلى جبل من الصوان الأسود لا يعلم أين منتهاه والطريق افترقت عند ذلك الجبل طريقين طريق تشقه من وسطه وطريق ساعده إلى أعلاه فسلكا الطريق التي في أعلى الجبل واستمرا سائران خمسة أيام فلم يرله منتهى وقد حصل لهما الإعياء من التعب وليسا معتادين على المشي في جبل ولا في غيره ولما يئسا من الوصول إلى منتهاه رجعا وسلكا الطريق التي في وسط الجبل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:51 AM
وفي الليلة الحادية والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأمجد والأسعد ولدي قمر الزمان لم عادا من الطريق الصاعدة في الجبل إلى الطريق المسلوكة في وسطه مشيا طول النهار إلى الليل وقد تعب الأسعد من كثرة السير فقال له لأخيه: يا أخي أنا ما بقيت أقدر على المشي فإني ضعفت جداً فقل له الأمجد: يا أخي شد حيلك لعل الله يفرج عنا ثم إنهما مشيا ساعة من الليل وقد تعب الأسعد تعباً شديداً ما عليه من مزيد وقال: يا أخي إني تعبت وكليت من المشي ثم وقع في الأرض وبكى فخمله أخوه الأمجد ومشى به وصار ساعة يمشي وساعة يستريح إلى أن لاح الفجر حتى استراح أخوه فطلع هو وإياه فوق الجبل فوجد عيناً نابعة يجري منها الماء وعندها شجرة رمان ومحراب فما قصدا أنهما يريان ذلك ثم جلسا عند تلك العين وشربا من مائها وأكلا من رمان تلك الشجرة وناما في ذلك الموضع حتى طلعت الشمس ثم جلسا واغتسلا من العين وأكلا من الرمان الذي في الشجرة وناما إلى العصر وأرادا أن يسيرا فما قدر الأسعد على السير وقد ورمت رجلاه فأقاما هناك ثلاثة أيام حتى استراحا ثم سارا في الجبل مدة أيام وهما سائران فوق الجبل وقد تعبا من العطش إلى أن لاحت لهما مدينة من بعيد ففرحا وسارا حتى وصلا إليها.
فلما قربا منها شكرا الله تعالى وقال الأمجد للأسعد: يا أخي اجلس هنا وأنا أسير إلى هذه المدينة وأنظر ما شأنها وأسأل عن أحوالها لأجل أن نعرف أين نحن من أرض الله الواسعة ونعرف الذي قطعناه من البلاد في عرض هذا الجبل ولو أننا مشينا في وسطه ما كنا نصل إلى هذه المدينة في سنة كاملة فالحمد لله على السلامة فقال له الأسعد: والله يا أخي ما يذهب إلى المدينة غيري وأنا فداؤك فإنك إن تركتني ونزلت وغبت عني تستغرقني الأفكار من أجلك وليس لي قدرة على بعدك عني فقال له الأمجد: توجه ولا تبطئ فنزل السعد من الجبل وأخذ معه دنانير وخلى أخاه ينتظره وسار ماشياً إلى أسفل الجبل حتى دخل المدينة وشق في أزقتها فلقيه رجل كبير طاعن في السن وقد نزلت لحيته على صدره وافترقت فرقتين وبيده عكاز وعليه ثياب فاخرة وعلى رأسه عمامة كبيرة حمراء فلما رآه الأسعد تعجب من لبسه وهيئته وتقدم إليه وسلم عليه وقال له: أين طريق السوق يا سيدي فلما سمع الشيخ كلامه تبسم في وجهه وقال له: يا ولدي كأنك غريب فقال له الأسعد: نعم أنا غريب يا عم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:52 AM
وفي الليلة الثالثة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الذي لقي الأسعد تبسم في وجهه وقال له: يا ولدي كأنك غريب فقال له الأسعد: نعم غريب فقال له الشيخ: قد آنست ديارنا وأوحشت ديار أهلك فما الذي تريده من السوق فقال الأسعد: يا عم إن لي أخاً تركته في الجبل ونحن مسافران من بلاد بعيدة ولنا في السفر مدة ثلاثة شهور وقد أشرفنا على هذه المدينة فجئت إلى هنا لأشتري طعاماً وأعود به إلى أخي لأجل أن نقتات به فقال الشيخ له: يا ولدي أبشر بكل خير واعلم أنني عملت وليمة وعندي ضيوف كثيرة وجمعت فيها من أطيب الطعام وأحسنه ما تشتهيه النفوس فهل لك أن تسير معي إلى مكاني فأعطيك ما تريد ولا آخذ منك ثمناً وأخبرك بأحوال هذه المدينة والحمد لله يا ولدي حيث وقعت بك ولم يقع بك أحد غيري. فقال الأسعد افعل ما أنت آملهو عجل فإن أخي ينتظرني وخاطره عندي فأخذ الشيخ بيد الأسعد ورجع به إلى زقاق ضيق وصار يبتسم في وجهه ويقول له: سبحان من نجاك من أهل هذه المدينة ولم يزل ماشياً به حتى دخل داراً واسعة وفيها قاعة جالساً فيها أربعون شيخاً طاعنون في السن
وهم مصطفون حلقة وفي وسطهم نار موقدة والمشايخ جالسون حولها يعبدونها ويسجدون لها فلما رأى ذلك الأسعد اقشعر بدنه ولم يعلم ما خبرهم ثم إن الشيخ قال لهؤلاء الجماعة: يا مشايخ النار ما أبركه من نهار ثم نادى قائلاً يا غضبان فخرج عبد أسود بوجه أعبس وأنف أفطس وقامة مائلة وصورة هائلة ثم أشار إلى العبد فشد وثاق الأسعد. وبعد ذلك قال للعبد: انزل به إلى القاعة التي تحت الأرض واتركه هناك وقل للجارية الفلانية تتولى عذابه بالليل والنهار فأخذه العبد وأنزله تلك القاعة وسلمه إلى الجارية فصارت تتولى عذابه وتعطيه رغيفاً واحداً في أول النهار ورغيفاً واحداً في أول الليل وكوز ماء مالح في الغداة ومثله في العشاء ثم إن المشايخ قالوا لبعضهم: لما يأتي أوان عيد النار نذبحه على الجبل ونتقرب به إلى النار ثم إن الجارية نزلت إليه وضربته ضرباً وجيعاً حتى سالت الدماء من أعضائه وغشي عليه ثم حطت عند رأسه رغيفاً وكوز ماء مالح وراحت وخلته فاستفاق في نصف الليل فوجد نفسه مقيداً وقد آلمه الضرب فبكى بكاءً شديداً وتذكر ما كان فيه من العز والسعادة والملك والسيادة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:53 AM
وفي الليلة الثالثة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأسعد لما رأى نفسه مقيداً وقد آلمه الضرب تذكر ما كان فيه من العز والسعادة والملك والسيادة فبكى وصعد الزفرات وانشد هذه الأبيات: قـفـوا بـرسـم الـدار واسـتـخـبـروا عـنـــهـــاتـحـسـبـونـــا فـــي الـــديار كـــمـــا كـــنـــا لـقـد فـرق الـدهـر الـمـشـتــت شـــمـــلـــنـــاوهـنـا تـشـتـفـي أكـبــادحـــســـادنـــا مـــنـــا تـــولـــت عـــذابـــي بـــالـــســـياط لــــئيمةوقـد مـلـئت مـنـهـا جـوانــحـــي طـــعـــنـــا عـسـى ولـعـل الـلـه يجـمـــع شـــمـــلـــنـــاويدفـعـوا بـالـتـنـــكـــيل أعـــداءنـــا عـــنـــا فلما فرغ الأسعد من شعره مد يده فوجد رغيفاً وكوز ماء مالح فأكل قليلاً ليسد رمقه وشرب قليلاً من الماء ولم يزل ساهراً إلى الصباح من كثرة البق والقمل فلما أصبح الصباح جاءت إليه الجارية ونزعت عنه ثيابه وكانت قد غمرت بالدم والتصقت بجلده وهو مقيد في الحديد بعيداً عن الأحباب فتذكرأخاه والعز الذي كان فيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

هانى رفعت
04-13-2010, 07:53 AM
وفي الليلة الرابعة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأسعد تذكرأخاه والعز الذي كان فيه وأن واشتكى وسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: يا دهـــر كـــم تـــجـــور وتـــعــــــتـــــــديولـكـم بـأحــبـــابـــي تـــروح وتـــعـــتـــدي مـا آن أن تـرثــي لـــطـــول تـــشـــتـــتـــيوتـرق يا مــن قـــلـــبـــه كـــالـــجـــلـــمـــد وأسـأت أحـبـابـــي بـــمـــا أشـــمـــت بـــيكـل الـعـداة بـمـا صـنــعـــت مـــن الـــردي وقـد اشـتـفـى قـلـــب الـــعـــدو بـــمـــا رأىمـن غـربـتـي وصـبـــابـــتـــي وتـــوحـــدي لــم يكـــفـــه مـــا حـــل بـــي مـــن كـــربةوفـــراق أحـــبـــابـــي وطـــرف أرمـــــدي حـتـى بـلـيت بـضـيق ســجـــن لـــيس لـــيفـــيه أنـــيس غـــير عـــضـــي بـــالـــــــيد ومـدامـع تــهـــمـــي كـــفـــيض ســـحـــائبوغـــلـــيل شـــوق نـــاره لـــم تـــخـــمــــد وكــــآبة وصـــــــبـــــــابة وتـــــــذكـــــــروتـــحـــســـر وتـــنـــفـــس وتـــنــــهـــــــد شـــوق أكـــابـــده وحـــزن مـــتــــلـــــــفووقـعـــت فـــي وجـــد مـــقـــيم مـــقـــعـــد فلما فرغ من شعره ونثره حن وبكى وأن واشتكى وتذكر ما كان فيه من وما حصل له من فراق أخيه. هذا ما كان من أمره وأمام ما كان من أمر أخيه الأمجد فإنه مكث ينتظر الأسعد إلى نصف النهار فلم يعد إليه فخفق فؤاده واشتد به ألم الفراق وأفاض دمعه المهراق.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:54 AM
وفي الليلة الخامسة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأمجد لما مكث ينتظر الأسعد إلى نصف النهار فلم يعد إليه فخفق فؤاده واشتد به ألم الفراق وأفاض دمعه المهراق وصاح واحسرتاه ما كان اخوفني من الفراق ثم نزل من فوق الجبل ودمعه سايل على خديه ودخل المدينة ولم يزل ماشياً فيها حتى وصل إلى السوق وسأل الناس عن اسم هذه المدينة وعن أهلها فقالوا له: هذه تسمى مدين المجوس وأهلها يعبدون النار دون الملك الجبار ثم سأل عن مدينة فقالوا له: إن المسافة التي بيننا وبينها من الب سنة ومن البحر ستة أشهر وملكها يقال له أرمانوس وقد صاهر اليوم ملكاً وجعله مكانه وذلك الملك يقال له قمر الزمان وهو صاحب عدل وإحسان وجود وأمان.
فلما سمع الملك الأمجد ذكر أبيه حن وبكى وأن واشتكى وصار لا يعلم أين يتوجه وقد اشترى معه شيئاً للأكل وذهب إلى موضع يتوارى فيه ثم قعد وأراد أن يأكل فتذكر أخيه فبكى ولم يأكل إلا قدر سد الرمق ثم قام ومشى في المدينة ليعلم خبر أخيه فوجد رجلاً مسلماً خياطاً في دكان فجلس عنده وحكى له قصته فقال الخياط: إن كان وقع في يد أحد المجوس فما بقيت تراه إلا بعسر ولعل الله يجمع بينك وبينه ثم قال: هل لك يا أخي أن تنزل عندي قال: نعم. ففرح الخياط بذلك وأقام عنده أياماً وهو يسليه ويصبره ويعلمه الخياطة حتى صار ماهراً ثم خرج يوماً إلى شاطئ البحر وغسل أثوابه ودخل الحمام ولبس ثياباً نظيفة ثم خرج من الحمام يتفرج في المدينة فصادف في طريقه امرأة ذات حسن وجمال وقد واعتدال ليس لها في الحسن مثال فلما رأته رفعت القناع عن وجهها وغمزته بحواجبها وعيونها وغازلته باللحظات وقد لعبت به أيادي الصبابات فأشار لها وأنشد هذه الأبيات: ورد الـــخـــدود ودونـــه شـــوك الـــقـــنـــافـمـن الـمـحـدث نــفـــســـه أن يجـــتـــنـــي لا تـــمـــدد الأيدي إلـــيه فـــطـــالــــمـــــــاشـنـوا الـحـــروب لأن مـــددنـــا الأعـــينـــا قـل لـلـتـي ظــلـــمـــت وكـــانـــت فـــتـــنةولـو أنـهـا عـدلـــت لـــكـــانـــت أفـــتـــنـــا لـيزاد وجـــهـــك بـــالـــتـــبـــرقـــع ضـــلةوأرى الـسـفـور لـمـثـل حـسـنـك أصـــونـــا كـالـشـمـس يمـتـنـع اجـتـلاءك وجـــهـــهـــاوإن اكـتـســت بـــرقـــيق غـــيم أمـــكـــنـــا غـدت الـنـحـيلة فـي حـمـى مـن نـحــلـــهـــافـسـلـوا حـمـاة الـــحـــي عـــم تـــصـــدنـــا مـا هـم بــأعـــظـــم فـــتـــكة لـــو بـــارزوامـن طـرف ذات الـخـال إذا بـــرزت لـــنـــا فلما سمعت من الأمجد هذا الشعر تنهدت بصاعد الزفرات وأشارت وأشارت إليه وأنشدت هذه الأبيات: أنـت الـذي سـلـك الإعـراض لـــســـت أنـــاجـسـد بـالـوصـال إذا كـــان الـــوفـــاء أنـــا يا فـالـق الـــصـــبـــح مـــن لالاء غـــرتـــهوجـاعـل الـلـيل مـن أصـداغـــه ســـكـــنـــا بـصـورة الـوثـن اسـتـعـبـدتـــنـــي وبـــهـــافـتـنـتـنـي وقـديمـاً هــجـــت لـــي فـــتـــنـــا لا غـرو إن أحـرقـت نـار الـهـوى كـــبـــديفـالـنـار حـق عـلـى مـن يعـبـــد الـــوثـــنـــا تـبـيع مــثـــلـــي مـــجـــانـــاً بـــلا ثـــمـــنإن كـان لا بـد مـن بـيع فـخــذ الـــثـــمـــنـــا فلما سمع الأمجد منها هذا الكلام قال لها: أتجيئين عندي أو أجيء عندك فأطرقت رأسها حياء إلى الأرض وتلت قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض ففهم الأمجد إشارتها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:55 AM
وفي الليلة السادسة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأمجد فهم إشارة المرأة وعرف أنها تريد الذهاب معه حيث يذهب فالتزم لها بالمكان وقد استحى أن يروح عند الخياط الذي هو عنده فمشى قدامها ومشت خلفه ولم يزل ماشياً بها من زقاق إلى زقاق ومن موضع إلى موضع حتى تعبت الصبية فقالت له: يا سيدي أين دارك فقال لها: قدام وما بقي عليها إلا شيء يسير ثم انعطف بها في زقاق مليح ولم يزل ماشياً فيه وهي خلفه حتى وصلا إلى آخره فوجده غير نفاذ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم التفت بعينه فرأى في صدر الزقاق باباً كبيراً بمصطبتين ولكنه مغلق فجلس الأمجد على مصطبة وجلست المرأة على مصطبة ثم قالت له: يا سيدي ما الذي تنتظره فأطرق برأسه إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال لها: أنتظر مملوكي فإن المفتاح معه وكنت قد قلت له: هيء لنا المأكول والمشروب وصحبة المدام حتى أخرج من الحمام ثم قال في نفسه: ربما يطول عليها المطال فتروح إلى حال سبيلها وتخليني في هذا المكان فلما طال عليها الوقت قالت له: يا سيدي إن المملوك قد أبطأ علينا ونحن قاعدون في الزقاق ثم قامت الصبية إلى الضبة بحجر فقال لها الأمجد: لا تعجلي واصبري حتى يجيء المملوك فلم تسمع كلامه ثم ضربت الضبة بالحجر فقسمتها نصفين فانفتح الباب فقال لها: وأي شيء خطر لك حتى فعلت هذا فقالت له: يا سيدي أي شيء جرى أما هو بيتك فقال: نعم ولكن لا يحتاج إلى كسر الضبة ثم إن الصبية دخلت البيت فصار الأمجد متحيراً في نفسه خوفاً من أصحاب المنزل ولم يدر ماذا يصنع فقالت الصبية: لم لا تتدخل يا سيدي يا نور عيني وحشاشة قلبي فقال لها: سمعاً وطاعة ولكن قد أبطأ علي المملوك وما أدري هل فعل شيئاً مما امرته به أم لا ثم إنه دخل معها وهو غاية ما يكون من الهم خوفاً من أصحاب المنزل فقالت: يا سيدي مالك واقفاً هكذا ثم شهقت شهقة وأعطت الأمجد قبلة مقل كسر الجوز وقالت: يل سيدي إن كنت مواعد غيري فإني أشد ظهري وأخدمها فضحك الأمجد عن قلب مملوء بالغيظ ثم طلع وجلس وهو ينفخ وقال في نفسه: يا قبلة الشوم إذا جاء صاحب المنزل.
فبينما هو كذل إذا بصاحب الدار قد جاء وكان مملوكاً من أكابر المدينة لأنه كان أمير ياخو عند الملك وقد جعل تلك القاعة معدة لحظه لينشرح به صدره ويختلي فيها بمن يريد وكان في ذلك اليوم قد أرسل إلى معشوق يجيء له ويجهز له ذلك المكان وكان اسم ذلك المملوك بهادر
وكان سخي اليد صاحب جود وإحسان وصدقات وامتنان فلما وصل إلى قريب القاعة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:56 AM
وفي الليلة السابعة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بهادر صاحب القاعة لما وصل إلى قريب القاعة وجد الباب مفتوحاً فدخل قليلاً قليلاً وطل برأسه فنظر الأمجد والصبية وقدامهما طبق فاكهة وآلة المدام وفي ذلك الوقت كان الأمجد ماسكاً قدحاً وعينيه إلى الباب فلما صارت عينه في عين صاحب الدار اصفر لونه وارتعدت فرائصه فلما رآه بهادر وقد اصفر لونه وتغير حاله غمزه بإصبعه على فمه يعني أسكت وتعال عندي فحط الأمجد الكأس من يده وقام إليه فقالت الصبية: إلى أين فحرك رأسه وأشار لها أنه يريد الماء ثم خرج إلى الدهليز خافياً فلما رأى بهادر علم أنه صاحب الدار فأسرع إليه وقبل يديه ثم قال له: بالله عليك يا سيدي قبل أن تؤذيني اسمع مني مقالي ثم حدثه بحديثه من أوله إلى آخره وأخبره بسبب خروجه من أرضه ومملكته وأنه ما دخل القاعة باختياره ولكن الصبية هي التي كسرت الضبة وفتحت الباب وفعلت هذه الفعال فلما سمع بهادر كلام الأمجد وعرف أنه ابن ملك حن عليه ورحمه ثم قال: اسمع يا أمجد كلامي وأطعني وأنا أتكفل لك بالأمان مما تخاف وإن خالفتني قتلتك. فقال الأمجد: آمرني بما شئت فأنا لا أخالفك أبداً لأنني عتيق مرؤتك فقال له بهادر: ادخل إلى هذه القاعة واجلس في المكان الذي كنت فيه واطمئن وهاأنا داخل عليك واسمي بهادر فإذا دخلت إليك فاشتمني وانهرني وقل لي: ما سبب تأخرك إلى هذا الوقت ولا تقبل لي عذراً بل قم اضربني. وإن شفقت علي أعدمتك حياتك فادخل وانبسط ومهما طلبته مني تجده حاضراً بين يديك في الوقت وبت كما تحب في هذه الليلة وفي غد توجه إلى حال سبيلك إكراماً لغربتك فإني أحب الغريب وواجب علي إكرامه فقبل الأمجد يده ودخل وقد اكتسى وجهه حمرة وبياضاً فأول ما دخل قال للصبية: يا سيدتي آنست موضعك وهذه ليلة مباركة فقالت له الصبية: إن هذا عجيب منك حيث بسطت لي الأنس فقال الأمجد: والله يا سيدتي إني كنت أعتقد أن مملوكي بهادر أخذ لي عقود جواهر كل عقد يساوي عشرة آلف دينار ثم خرجت الآن وأنا متفكر في ذلك ففتشت عليها فوجدتها في موضعها ولأم أدر ما سبب تأخر المملوك إلى هذا الوقت ولابد لي من عقوبته فاستراحت الصبية بكلام الأمجد ولعبا وشربا وانشرحا ولم يزالا في حظ إلى قريب المغرب ثم دخل عليهما بهادر وقد غير لبسه وشد وسطه وجعل في رجليه زرنوباً على عادة المماليك ثم سلم وقبل الأرض وكتف يديه وأطرق برأسه إلى الأرض كالمعترف بذنبه فنظر إليه الأمجد بعين الغضب وقال له: ما سبب تأخرك يا أنحس المماليك فقال له: يا سيدي إني اشتغلت بغسل أثوابي وما علمت أنك ههنا فإن ميعادي وميعادك العشاء لا بالنهار فصرخ الأمجد وقال له: تكذب يا أخس المماليك والله لا بد من ضربك ثم قام الأمجد وسطح بهادر على الأرض وأخذ عصا وضربه برفق فقامت الصبية وخلصت العصا من يده ونزلت بها على بهادر بضرب وجيع حتى جرت دموعه واستغاث وصار يكز على أسنانه والأمجد يصيح على الصبية: لا تفعلي هكذا وهي تقول له: دعني أشفي غيظي ثم إن الأمجد خطف العصا من يدها ودفعها فقام بهادر ومسح دموعه عن وجهه ووقف في خدمته ساعة ثم مسح القاعة وأوقد القناديل وصارت الصبية كلما دخل بهادر وخرج تشتمه وتلعنه والأمجد يغضب عليها ويقول لها: بحق الله تعالى أن تتركي مملوكي فإنه غير معهود بهذا وما زالا يأكلان ويشربان وبهادر في خدمتهما إلى نصف الليل حتى تعب من الخدمة والضرب فنام في وسط القاعة وشخر ونخر.
فسكرت الصبية وقالت للأمجد: قم خذ هذا السيف المعلق واضرب رقبة هذا المملوك وإن لم تفعل ذلك عملت أنا على هلاك روحك فقال الأمجد: وأي شيء خطر لك أن أقتل مملوكي قالت: لا يكمل الحظ إلا بقتله وإن لم تقم قمت أنا وقتلته فقال الأمجد: بحق الله عليك أن لا تفعلي فقالت: لا بد هذا وأخذت السيف وجردته وهمت بقتله فقال الأمجد في نفسه: هذا رجل عمل معنا خيراً وسترنا وأحسن إلينا وجعل نفسه مملوكاً فأنا أحق بقتله منك ثم أخذ السيف من يدها ورفع يده وضرب الصبية في عنقها فأطاح رأسها عن جثتها فوقع رأسها على صاحب الدار فاستيقظ وجلس وفتح عينيه فوجد الأمجد واقفاً والسيف في يده مخضباً بالدم ثم نظر إلى الصبية فوجدها مقتولة فاستخبره عن أمرها فاعاد عليه حديثها وقال له إنها أبت إلا أن تقتلك وهذا جزاؤها فقام بهادر وقبل رأس الأمجد أطاحو قال له: يا سيدي ليتك عفوت عنها وما بقي في الأمر إلا إخراجها في هذا الوقت قبل الصباح ثم إن بهادر شد وسطه وأخذ الصبية ولفها في عباءة ووضعها في فرد وحملها وقال للأمجد: أنت غريب ولا تعرف أحد فاجلس في مكانك وانتظر طلوع الشمي فإن عدت إليك لا بد أن أفعل معك خيراً كثيراً وأجتهد في كشف خبر أخيك وإن طلعت الشمس ولم أعد إليك فاعلم أنه قد قضي علي والسلام عليك وهذه الدار لك بما فيها من الأموال والقماش.
ثم إنه حمل الفرد وخرج من القاعة وشق بها الأسواق وقصد بها طريق البحر المالح ليرميها فيه فلما صار قريباً من البحر التفت فرأى الوالي والمقدمين قد أحاطوا به ولما عرفوه تعجبوا وفتحوا الفرد فوجدوا فيه قتيلة فقبضوا على عليه وبيتوه في الحديد إلى الصباح ثم طلعوا به هو والفرد إلى الملك وأعلموه بالخبر فلما رأى الملك غضب غضباً شديداً وقال له: ويلك إنك تفعل هكذا دائماً فتقتل القتلى وترميهم في البحر وتأخذ جميع مالهم وكم فعلت ذلك من قتل فأطرق بهادر برأسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:56 AM
وفي الليلة الثامنة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بهادر أطرق برأسه إلى الأرض قدام الملك فصرخ الملك وقال له: ويلك من قتل هذه الصبية فقال له: يا سيدي أنا قتلتها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فغضب الملك وأمر بشنقه فنزل به السياف حين أمره الملك وأمر الوالي المنادي أن ينادي في أزقة المدينة بالفرجة على بهادر أمير ياخور الملك ودار به في الأزقة والأسواق هذا ما كان من أمر بهادر.
و أما ما كان من أمر الأمجد فإنه لما طلع عليه النهار وارتفعت الشمس ولم يعد إليه بهادر قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أي شيء جرى له فبينما هو يتفكر إذا بالمنادي ينادي بالفرجة على بهادر فإنهم يشنقونه في وسط النهار فلما سمع الأمجد ذلك بكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون قد أراد هلاك نفسه من أجلي وانا الذي قتلتها والله لا كان هذا أبداً ثم خرج من القاعة وقفلها وشق في وسط المدينة حتى أتى إلى بهادر ووقف قدام الوالي وقال له: يا سيدي لا تقتل بهادر فإنه بريء والله ما قتلها إلا أنا فلما سمع الوالي كلامه أخذه هو وبهادر وطلع بهما إلى الملك وأعلمه بما سمعه من الأمجد فنظر الملك إلى الأمجد وقال له: أنت قتلت الصبية قال: نعم فقال له الملك: احك لي ما سبب قتلك إياها وأصدقني ن قال له: أيها الملك أنه جرى لي حديث عجيب وأمر غريب لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر ثم حكى للملك حديثه وأخبره بما جرى له ولأخيه من المبتدأ إلى المنتهى فتعجب الملك من ذلك غاية العجب وقال: إني قد علمت أنك معذور ولكن يا فتى هل لك أن تكون عندي وزيراً فقال له: سمعاً وطاعة وخلع عليه الملك وعلى بهادر خلعاً سنية وأعطاه داراً حسنة وحشماً
وأنعم عليه بجميع ما يحتاج إليه ورتب له الرواتب والجرايات وأمره أن يبحث عن أخيه الأسعد فجلس الأمجد في رتبة الوزارة وحكم وعدل وعزل وأخذ وأعطى وأرسل المنادي في أزقة المدينة ينادي على أخيه الأسعد فمكث مدة أيام ينادي في الشوارع والأسواق فلم يسمع له بخبر ولم يقع له على أثر. هذا ما كان من أمر الأمجد.
و أما ما كان من أمر الأسعد فإن المجوس ما زالوا يعاقبونه بالليل والنهار وفي العشي والأبكار مدة سنة كاملة حتى قرب عيد المجوس وهيأ له مركباً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 07:57 AM
وفي الليلة التاسعة والستين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بهرام المجوسي جهز مركباً للسفر ثم حط الأسعد في صندوق وأقفله عليه ونقله إلى المركب وسافروا ولم يزالوا مسافرين أياماً وليالي وكل يومين يخرج الأسعد ويطعمه قليلاً من الزاد ويسقيه قليلاً من الماء إلى أن قربوا من جبل النار فخرج عليهم ريح وهاج بهم البحر حتى تاه المركب عن الطريق وسلكوا طريقاً غير طريقهم ووصلوا إلى مدينة مبنية على شاطئ البحر ولها قلعة بشبابيك تطل على البحر والحاكمة على تلك المدينة امرأة يقال لها الملكة مرجانة فقال الريس لبهرام: يا سيدي إننا تهنا عن الطريق ولا بد لنا من دخول هذه المدينة لأجل الراحة وبعد ذلك يفعل الله ما يشلء. فقال له بهرام: ما رأيت والذي تراه افعله فقال له الريس: إذا أرسلت لنا الملكة تسألنا ماذا يكون جوابنا فقال له بهرام: أنا عندي هذا المسلم الذي معنا فنلبسه لبس المماليك ونخرجه معنا إذا رأته الملكة تظن أنه مملوك فأقول لها إني جلاب مماليك أبيع وأشتري فيهم وقد كان عندي مماليك كثيرة فبعتهم ولم يبق غير هذا المملوك فقال له الريس ك هذا كلام مليح ثم إنهم وصلوا إلى المدينة وأرخوا القلوع ودقوا المراسي وإذا بالملكة وإذا بالملكة مرجانة نزلت إليهم ومعها عسكرها ووقفت على المركب ونادت على الريس فطلع عندها وقبل الأرض بين يديها. فقالت له: أي شيء في مركبك هذه ومن معك فقال لها: يا ملكة الزمان معي رجل تاجر يبيع المماليك فقالت: علي به وإذا ببهرام طلع ومعه الأسعد ماش وراءه في صفة مملوك فلما وصل إليهم بهرام قبل الأرض بين يديها فقالت له: ما شأنك فقال لها: أنا تاجر رقيق فنظرت إلى الأسعد فحن قلبها عليه فقالت: أتعرف الكتابة قال: نعم فناولته دواة وقلماً وقرطاساً وقالت له: اكتب شيئاً حتى أراه فكتب
هذي البيتين: مـــا حـــيلة الـــعـــبـــد والأقـــدار جــــاريةعـلـيه فــي مـــكـــل حـــال إيهـــا الـــرائي ألـقـاه فـي الــيم مـــكـــتـــوفـــاً وقـــال لـــهإياك إياك أن تـــبـــتـــل بـــــالـــــــمـــــــاء فلما رأت الورقة رحمته ثم قالت لبهرام: بعني هذا المملوك فقال لها: يا سيدتي لا يمكنني بيعه لأني بعت جميع مماليكي ولم يبق عندي غير هذا فقالت الملكة مرجانة: لا بد من أخذه منك إما ببيع أو بهبة فقال لها: لا أبيعه ولا أهبه فقبضت على الأسعد وأخذت وطلعت به القلعة وأرسلت تقول له: إن لم تقلع في هذه الليلة عن بلدنا أخذت جميع مالك وكسرت مركبك فلما وصلت إليه الرسالة اغتم غماً شديداً وقال: هذه سفرة غير محمودة ثم قام وتجهز وأخذ جميع ما يريده وانتظر الليل ليسافر فيه وقال للبحرية: خذوا أهبتكم واملأوا قربكم من الماء واقلعوا بنا في آخر الليل فصار البحرية يقضون أشغالهم. هذا ما كان من أمرهم.
و اما ما كان من أمر الملكة مرجانة فإنها أخذت الأسعد ودخلت القلعة وفتحت الشبابك المطلة على البحر وأمرت الجواري أن يقدمن لهم الطعام فقدمن لهم الطعام فأكلا ثم أمرتهن أن يقدمن المدام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة مرجانة أمرت الجواري أن يقدمن المدام فقدمنه فشربت مع الأسعد وألقى الله سبحانه وتعالى محبة الأسعد في قلبهخا وصارت تملأ القدح وتسقيه حتى غاب عقله فقام يريد قضاء حاجة ونزل من القاعة فرأى باباً مفتوحاً فدخل فيه وتمشى فانتهى به السير إلى بستان عظيم فيه جميع الفواكه والأزهار فجلس تحت شجرة وقضى حاجته وقام إلى الفسقية التي في البستان فاستلقى على قفاه ولباسه محلول فضربه الهواء فنام ودخل عليه الليل. هذا ما كان من أمره.
وأما ما كان من أمر بهرام فإنه لما دخل عليه الليل صاح على بحرية المركب وقال له: خلوا قلوعكم وسافروا بنا فقالوا سمعاً وطاعة ولكن اصبر علينا حتى نملأقربنا ونحل ثم طلع البحرية بالقرب وداروا حول القلعة فلم يجدوا غير حيطان البستان فتعلقوا بها ونزلوا البستان وتتبعوا أثر الأقدام الموصلة إلى الفسقية فلما وصلوا وجدوا الأسعد مستلقياً على قفاه فعرفوه وفرحوا به وحملوه بعد أن ملأوا قربهم ونطوا من الحائط وأتوا به مسرعين إلى بهرام المجوسي وقالوا له: أبشر بحصول المراد وشفاء الأكباد فقد طبل طبلك وزمر زمرك فإن أسيرك الذي أخذته الملكة مرجانة منك غصباً قد وجدناه واتينا به معنا ثم رموه قدامه. فلما نظره بهرام طار قلبه من الفرح واتسع صدره وانشرح ثم خلع عليهم وأمرهم أن يحلوا القلوع بسرعة فحلوا و ام ما كان من أمر الملكة مرجانة فإنها بعد نزول الأسعد من عندها مكثت تنتظره ساعة فلم يعد إليها فقامت وفتشت عليه فما وجدته فأوقدت الشموع وامرت الجواري أن يفتشن عليه ثم نزلت هي بنفسها فرأت البستان مفتوحاً فعلمت أنه دخله فدخلت البستان فوجدت نعله بجانب الفسقية فصارت تفتش عليه في جوانب البستان إلى الصباح ثم سألت عن المراكب فقالوا لها: قد سافرت في ثلث الليل فعلمت أنهم أخذوه معهم فصعب عليها واغتاظت غيظاً شديداً ثم أمرت بتجهيز عشر مراكب في الوقت وتجهيزات الحرب ونزلت في مركب من العشر مراكب ونزل معها عسكرها متهيئين بالعدة الفاخرة وآلات الحرب وحلوا القلوع وقالت للرؤساء: متى لحقتم مركب المجوسي فلكم عندي الخلع والأموال وإن لم تلحقوها قتلتكم عن آخركم فحصل للبحرية خوف عظيم ثم سافروا بالمراكب ذلك النهار وتلك الليلة وثاني يوم وثالث يوم وفي اليوم الرابع لاحت لهم مركب بهرام ولم ينقض النهار حتى أحاطت المراكب بمركب المجوسي وكان بهرام في ذلك الوقت قد أخرج الأسعد وضربهو صار يعاقبه والأسعد يستغيث ويستجير فلم يجد مغيثاً ولا مجيراً من الخلق وقد آلمه الضرب الشديد.
فبينما هو يعاقبه إذ لاحت منه نظرة فوجد المراكب قد أحاطت بمركبه ودارت حولها كما يدور بياض العين بسوادها فتيقن أنه هالك لا محالة فتحسر بهرام وقال: ويلك يا أسعد هذا كله من تحت رأسك ثم أخذه من يده وامر البحرية أن يرموه في البحر وقال: والله لأقتلنك قبل موتي فاحتملته البحرية من يديه ورجليه ورموه في وسط البحر فأذن الله سبحانه وتعالى لما يريد من سلامته وبقية أجله أنغطس ثم طلع وخبط بيديه ورجليه إلى أنسهل الله عليه وآتاه الفرج وضربه الموج وقذفه بعيداً عن مركب المجوسي ووصل إلى البر فطلع وهو لايصدق بالنجاة ولما صار في البر قلع أثوابه وعصرها ونشرها وقعد عرياناً يبكي على ما جرى له من المصائب والأسر ثم أنشد هذين البيتين: إلـــهـــي قـــل صـــبـــري واحـــتـــيالــــيوضـاق صـدري وانـصـرمــي حـــبـــالـــي إلـى مـن يشـــتـــكـــي الـــمـــســـكـــين إلاإلـــى مـــولاه يا مـــولـــى الـــمـــوالـــــي فلما فرغ من شعره قام ولبس ثيابه ولم يعلم أين يروح ولا أين يجيء فصلر يأكل من نبات الأرض
وفواكه الأشجار ويشرب من ماء الأنهار وسافر بالليل والنهار حتى أشرف على مدينة ففرح وأسرع في مشيته نحو المدينة فلما وصل إليها أدركه المساء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:00 AM
وفي الليلة الحادية والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأسعد لما وصل إلى المدينة أدركه المساء وقد قفل بابها وكانت هي التي كان أسيراً فيها وأخوه الأمجد وزير ملكها فلما رآها الأسعد مقفلة رجع إلى جهة المقابر فلما وصل إلى المقابر وجد تربة بلا باب فدخلها ونام فيها فحط وجهه في غيه وكان بهرام المجوسي لما وصلت إليه الملكة مرجانة بالمراكب كسرها بمكره وسحره ورجع سالماً نحو مدينته وسار من وقته وساعته وهو فرحان فلما جاز على المقابر طلع من المركب بالقضاء والقدر ومشى بين المقابر فرأى التربة التي فيها الأسعد مفتوحة فتعجب وقال: لا بد أن أنظر في هذه التربة. فلما نظر فيها رأى الأسعد وهو نائم ورأسه في عبه فنظر في وجهه فعرفه فقال في نفسه: هل أنت تعيش إلى الآن ثم أخذه وذهب به إلى بيته وكان له في بيته طابق تحت الأرض معد لعذاب المسلمين وكان له بنت تسمى بستان فوضع في رجلي الأسعد قيداً ثقيلاً وأنزله في ذلك الطابق ووكل بنته بتعذيبه ليلاً ونهاراً إلى أن يموت ثم إنه ضربه الضرب الوجيع وأقفل عليه الطابق وأعطى المفاتيح لبنته ثم إن بنته بستان نزلت لضربه فوجدته شاباً ظريف الشمال حلو المنظر مقوس الحاجبين كحيل المقلتين فوقعت محبته في قلبها فقالت له: ما اسمك قال لها: اسمي الأسعد فقالت له: سعدت وسعدت أيامك أنت ما تستاهل العذاب وقد علمت أنك مظلوم وصارت تؤانسه بالكلام وفكت قيوده ثم غنها سألته عن دين الإسلام فأخبرها أنه هو الدين الحق القويم أن سيدنا محمد صاحب المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة وأن النار تضر ولا تنفع وعرفها قواعد الإسلام فأذعنت إليه ودخل حب الإيمان في قلبها ومزج الله محبة الأسعد بفؤادها فنطقت الشهادتين وصارت من أهل السعادة وصارت تطعمه وتسقيه وتتحدث معه وتصلي هي وهو وتصنع له المساليق بالدجاج حتى اشتد وزال ما به من الأمراض ورجع إلى ما كان عليه من الصحة.
ثم إن بنت بهرام خرجت من عند الأسعد ووقفت على الباب وإذا بالمنادي ينادي ويقول: كل من عنده شاب مليح صفته كذا وكذا وأظهره فله جميع ما طلب من الأموال ومن كان عنده
وانكره فإنه يشنق على باب داره وينهب ماله ويهدر دمه وكان الأسعد قد اخبر بستان بنت بهرام بجميع ما جرى له فلما سمعت ذلك عرفت أنه هو المطلوب فدخلت عليه وأخبرته بالخبر فخرج وتوجه إلى دار الوزير فلما رأى الوزير قال: والله إن هذا هو أخي الأمجد وعرفه فألقى نفيه عليه وتعانقا واحتاطت بهما المماليك وغشي على الأسعد والأمجد ساعة فلما أفاقا من غشيتهما أخذه الأمجد وطلع به إلى السلطان وأخبره بقصته فأمر السلطان بنهب بهرام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السلطان أمر الأمجد بنهب دار بهرام فأرسل الوزير جماعة لذلك فتوجهوا إلى بيت بهرام ونهبوه وطلعوا بابنته إلى الوزير فأكرمها وحدث الأسعد أخاه بكل ما جرى له من العذاب وما عملت معه بنت بهرام من الإحسان فزاد الأمجد في إكرامها ثم حكى الأمجد للأسعد جميع ما جرى له مع الصبية وكيف سلم من الشنق وقد صار وزيراً وصار يشكو أحدهما للآخر ما وجد من فرقة أخيه ثم إن السلطان أحضر المجوسي وأمر بضرب عنقه فقال بهرام: أيها الملك العظيم هل صممت على قتلي قال: نعم فقال بهرام: اصبرعلي أيها الملك قليلاً ثم أطرق برأسه إلى الأرض وبعد ذلك رفع رأسه وتشهد وأسلم على يد السلطان ففرحوا بإسلامه ثم حكى الأمجد والأسعد ما جرى لهما فقال لهما: يا سيدي تجهزوا للسفر وأنا أسافر بكما ففرحا بذلك وبإسلامه وبكيا بكاءً شديداً فقال لهما بهرام: يا سيدي لا تبكيا فمصيركما تجتمعان كما اجتمع نعمة ونعم فقالا له: وما جرى لنعمة ونعم
حكاية نعم ونعمة
قال بهرام: ذكروا الله اعلم أنه كان بمدينة الكوفة رجلاً من وجهاء أهلها يقال له الربيع بن حاتم وكان كثير المال مرفه الحال وكان قد رزق ولداً فسماه نعمة الله فبينما هو ذات يوم بدكة النخاسين إذ نظر جارية تعرض للبيع وعلى يدها وصيفة صغيرة بديعة في الحسن والجمال فأشار الربيع إلى النخاس وقال له: بكم هذه الجارية وابنتها فقال: بخمسين ديناراً فقال الربيع: اكتب العهد وخذ المال وسلمه لمولاها ثم دفع للنخاس ثمن الجارية وأعطاه دلالته وتسلم الجارية وابنتها ومضى بهما إلى بيته فلما نظرت ابنة عمه إلى الجارية قالت له: يا ابن العم ما هذه الجارية قال: اشتريتها رغبة في هذه الضغيرة التي على يديها واعلمي أنها إذا كبرت ما يكون في بلاد العرب والعجم مثلها أو أجمل منها فقالت لها ابنة عمه: ما اسمك يا جارية فقالت: يا سيدتي اسمي توفيق قالت: وما اسم ابنتك قالت: سعد قالت: صدقت لقد سعدت وسعد من اشتراك ثم قالت: يا ابن عمي ما تسميها قال: ما تختارينه أنت قالت: نسميها نعم قال الربيع: لا بأس بذلك ثم إن الصغيرة نعم ترتب مع نعمة بن الربيع في مهد واحد إلى حين بلغا من العمر عشر سنين وكان كل شخص منهما أحسن من صاحبه وصار الغلام يقول لها: يا ثم أقبل الربيع على ولده نعمة حين بلغا هذا السن وقال له: يتا ولدي ليست نعم أختك بل هي جاريتك وقد اشتريتها على اسمك وأنت في المهد فلا تدعها بأختك من هذا اليوم قال نعمة لأبيه: فإذا كان كذلك فأنا أتزوجها ثم إنه دخل على والدته وأعلمها بذلك فقالت: يا ولدي هي جاريتك فدخل نعمة بتلك الجارية وأحبها ومضى عليهما تسع سنين وهما على تلك الحالة ولم يكن بالكوفة جارية أحسن من نعم ولا احلى ولا أظرف منها وقد كبرت وقرأت القرآن وعرفت أنواع اللعب والآلات وبرعت في المغنى وآلات الملاهي حتى إنها فاقت جميع أهل عصرها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:25 AM
وفي الليلة الحادية والثلاثين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد بأن نعم فاقت أهل عصرها وبينما هي جالسة ذات يوم من الأيام مع زوجها نعمة بن الربيع في مجلس الشراب وقد أخذت العود وشدت أوتاره وأنشدت هذين البيتين: إذا كـنـت لـي مـولـي أعـيش بــفـــضـــلـــهوسـيفـــاً بـــه أفـــنـــي رقـــاب الـــنـــوائب
فـمـا لــي إلـــى زيد وعـــمـــرو شـــفـــاعةسـواك إذا ضـاقــت عـــلـــي مـــذاهـــبـــي فطرب نعمة طرباً عظيماً ثم قال لها: بحياتي يا نعم أن تغني لنا على الدف وآلات الطرب فأطربت نعم بالنغمات وغنت بهذه الأبيات: وحـــياة مـــن مـــلـــســـــت يداه قـــــــياديلأخـالـفــن عـــلـــى الـــهـــوى حـــســـادي ولأعـــصـــين عـــواذلـــي وأطـــيعـــكــــمولأهـــجـــرن تـــــــلـــــــذذي ورقـــــــادي ولأجـعـلـن لـكــم بـــأكـــنـــاف الـــحـــشـــاقـــبـــراً ولـــم يشـــعـــر بـــذاك فـــــــؤادي فقال الغلام: لله درك يا نعم فبينما هما في أطيب عيش وإذا بالحجاج في دار نيابته يقول لا بد لي أن أحتال على أخذ هذه الجارية التي اسمها نعم وأرسلها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لأنه لا يوجد في قصره مثلها ولا أطيب من غنائها ثم إنه استدعى بعجوز قهرمانة وقال لها: امضي إلى دار الربيع واجتمعي بالجارية نعم وتسببي في أخذها لأنه لم يوجد على وجه الأرض مثلها فقبلت العجوز من الحجاج ما قاله ولما أصبحت لبست أثوابها الصوف وحطت في رقبتها سبحة عدد حباتها ألوف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:26 AM
وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قبلت ما قاله الحجاج ولما أصبحت لبست أثوابها الصوف وحطت في رقبتها سبحة عدد حباتها ألوف وأخذت بيدها عكازاً وركوة يمانية وسارت وهي تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولم تزل في تسبيح وابتهال وقلبها ملآن بالمكر والإحتيال حتى وصلت إلى دار نعمة بن الربيع عند صلاة الظهر فقرعت الباب ففتح لها البواب وقال: ما تريدين قالت: أنا فقيرة من العابدات وادركتني صلاة الظهر وأريد أن أصلي في هذا المكان المبارك فقال لها البواب: يا عجوز إن هذه دار نعمة بن الربيع وليست بجامع ولا مسجد. فقالت: أنا أعرف أنه لا جامع ولا مسجد مثل دار نعمة بن الربيع وأنا قهرمانة من قصر أمير المؤمنين خرجت طالبة العبادة والسياحة فقال لها البواب: لا أمكنك من أن تدخلي وكثر بينهما الكلام فتعلقت به العجوز وقالت له: هل يمنع مثلي من دخول دار نعمة بن الربيع وأنا أعبر إلى ديار الأمراء والأكابر فخرج نعمة وسمع كلامها فضحك وامرها أن تدخل خلفه فدخل نعمة وسارت العجوز خلفه حتى دخل بها على نعم فسلمت عليها العجوز بأحسن سلام ولما نظرت إلى نعم تعجبت من فرط جمالها ثم قالت لها: يا سيدتي أعذك بالله الذي آلف بينك وبين مولاك في الحسن والجمال ثم انتصبت العجوز في المحراب وأقبلت على الركوع والسجود والدعاء إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالإعتكار فقالت الجارية: يا امي أريحي قدميك ساعة ن فقالت العجوز: يا سيدتي من طلب الآخرة أتعب نفسه في الدنيا ومن لم يتعب نفسه في الدنيا لم ينل منازل الأبرار في الآخرة ثم إن نعم قدمت الطعام للعجوز وقالت لها: كلي من طعامي وادعي لي بالتوبة والرحمة فقالت العجوز: يا سيدتي إني صائمة وأما أنت فصبية يصلح لك الأكل والشرب والطرب والله يتوب عليك وقد قال الله تعالى: (إلا من تاب وعمل عملاً صالحاً) ولم تزل الجارية جالسة مع العجوز ساعة تحدثها ثم قالت لسيدها: يا سيدي احلف على هذه العجوز أن تقيم عندنا مدة فإن على وجهها أثر العبادة فقال: اخلي لها مجلساً للعبادة ولا تخلي أحداً يدخل عليها فلعل الله سبحانه وتعالى نفعنا ببركتها ولا يفرق بيننا ثم باتت العجوز ليلتها تصلي وتقرأ إلى الصباح.
فلما أصبح الصباح جاءت إلى نعمة ونعم وصبحت عليهما وقالت لهما: أستودعكما الله فقالت لها نعم: إلى أين تمضين يا أمي وقد أمرني سيدي أن أخلي لك مجلساً تعتكفين فيه للعبادة فقالت العجوز: الله يبقيكما ويديم نعمته عليكما ولكن أريد أن توصوا البواب أن لا يمنعني من الدخول إليكما وإن شاء الله تعالى أدور في الأماكن الطاهرة وأدعو لكما عقب الصلاة والعبادة في كل يوم وليلة.
ثم خرجت من الدار والجارية نعم تبكي على فراقها وما تعلم السبب الذي أتت إليها من أجله ثم إن العجوز توجهت إلى إلى الحجاج فقال لها: ما وراءك فقالت له: إني نظرت إلى الجارية فرأيتها لم تلد النساء أحسن في زمانها فقال لها الحجاج: إن فعلت ما أمرتك به يصل إليك مني خير جزيل فقالت له: أريد منك المهلة شهراً كاملاً فقال لها: أمهلتك شهر ثم إن العجوز جعلت تتردد إلى دار نعمة وجاريته نعم.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:27 AM
وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز صارت تتردد إلى دار نعمة ونعم وهما يزيدان في إكرامها ومازالت العجوز تمسي وتصبح عندهما ويرحب بها كل من في الدار حتى إن العجوز اختلت بالجارية يوماً من الأيام وقالت: يا سيدتي والله إني حضرت إلى الأماكن الطاهرة ودعوت
لك وأتمنى أن تكوني معي حتى تري المشايخ الواصلين ويدعو لك بما تختارين فقالت الجارية نعم: بالله يا أمي أن تأخذيني معك فقالت لها: استاذني حماتك وأنا آخذك معي فقالت الجارية لحماتها أم نعمة: يا سيدتي اسألي سيدي أن يخليني أخرج أنا وأنت يوماً من الأيام مع أمي العجوز إلى الصلاة والدعاء مع الفقراء في الأماكن الشريفة فلما أتى نعمة وجلس تقدمت إليه العجوز تقبل يديه فمنعها من ذلك ودعت له وخرجت من الدار فلما كان ثاني يوم جاءت العجوز ولم يكن نعمة في الدار فأقبلت على الجارية نعم وقالت لها: دعونا لكم البارحة ولكن قومي في هذه الساعة تفرجي وعودي قبل أن يجيء سيدك فقالت لحماتها: سألتك الله أن تأذني لي في الخروج مع هذه المرأة الصالحة لأتفرج على أولياء الله في الأماكن الشريفة وأعود بسرعة قبل مجيء سيدي فقالت لها أم نعمة: أخشى أن يعلم سيدك فقالت العجوز: والله لا أدعها تجلس على الأرض بل تنظر وهي واقفة على أقدامها ولا تبطيء. ثم أخذت الجارية بالجيلة وتوجهت إلى قصر الحجاج وعرفته بجيئها بعد أن حطتها في مقصورة فأتى الحجاج ونظر إليها فرآها أجمل أهل زمانها ولم ير مثلها فلما رأته سترت وجهها فلم يفارقه حتى استدعى بحاجبه وأركب معه خمسين فارساً وأمره أن يأخذ الجارية على نجيب سابق ويتوجه بها إلى دمشق ويسلها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وكتب له كتاباً وقال له: أعطه هذا الكتاب وخذ منه الجواب وأسرع لي بالرجوع فتوجه الحاجب وأخذ الجارية على هجين وسافربها وهي باكية العين من أجل فراق سيدها حتى وصلوا إلى دمشق واستأذن على أمير المؤمنين فأذن له فدخل الحاجب عليه وأخبره بخبر الجارية فأخلى لها مقصورة ثم دخل الخليفة حريمه فرأى زوجته فقال لها: إن الحجاج قد اشترى لي جارية من بنات ملوك الكوفة بعشرة آلاف دينار وأرسل إلي هذا الكتاب وهي صحبة الكتاب فقالت له زوجته. وأدرك شهرزاد الصباح

هانى رفعت
04-13-2010, 08:28 AM
وفي الليلة السادسة والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لما اخبر زوجته بقصة الجارية قالت له زوجته: زادك الله من فضلك ثم دخلت أخت الخليفة على الجارية فلما رأتها قالت: والله ما خاب من أنت في منزله ولو كان ثمنك مائة ألف دينار فقالت لها الجارية نعم: يا صبيحة الوجه هذا قصر من من الملوك وأي مدينة هذه المدينة قالت لها: هذه مدينة دمشق وهذا قصر أخي أمير المؤمنين عبد الله بن مروان ثم قالت ثم قالت الجارية: كأنك ما علمت هذا قالت: والله يا سيدتي لا علم لي بهذا قالت: والذي باعك وقبض ثمنك أما أعلمك بأن الخليفة قد اشتراك فلما سمعت الجارية هذا الكلام سكبت دموعها وبكت وقالت الجارية لنفسها:: إن تكلمت فما يصدقني أحد ولكن أسكت وأصبر لعلمي أن فرج الله قريب ثم إنها أطرقت رأسها حياء وقد احمرت خدودها من أثر السفر والشمس فتركتها أخت الخليفة في ذلك اليوم وجاءتها في اليوم الثاني بقماش وقلائد من الجوهر وألبستها فدخل عليها أمير المؤمنين وجلس إلى جانبها.
فقالت له أخته: انظر إلى هذه الجارية التي كمل الله فيها من الحسن والجمال فقال الخليفة لنعم: أزيحي القناع عن وجهك فلم تز ل القناع عن وجهها وإنما رأى معصمها فوقعت محبتها في قلبه وقال لأخته: لا أدخل عليها إلا بعد ثلاثة ايام حتى تستانس بك ثم قام وخرج من عندها فصارت الجارية متفكرة في أمرها ومتحسرة على افتراقها من سيدها نعمة فلما أتى الليل ضعفت الجارية بالحمى ولم تأكل ولم تشرب تغير وجهها ومحاسنها فعرفوا الخليفة بذلك فشق عليه أمرها ودخل عليها الأطباء وأهل البصائر فلم لها أحد على طب. هذا ما كان من أمرها.
و أما ما كان من أمر سيدها نعمة فإنه أتى إلى داره وجلس على فراشه ونادى: يا نعم فلم تجبه فقام مسرعاً ونادى فلم يدخل عليه أحد وكل جارية بالبيت اختفت خوفاً منه فخرج نعمة إلى والدته فوجدها جالسة ويدها على خدها فقال لها: يا أمي أين نعم فقالت له: يا ولدي مع من هي أوثق مني مع العجوز الصالحة فإنها خرجت معها لتزور الفقراء وتعود فقال: ومتى كان لها عادة بذلك وفي أي وقت خرجت قالت: خرجت بكرة النهار قال: وكيف أذنت لها بذلك فقالت له: يا ولدي هي التي أشارت علي بذلك فقال نعمة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم خرج من بيته وهو غائب عن الوجود ثم توجه إلى صاحب الشرطة فقال له: أتحتال علي وتأخذ جاريتي من داري فلا بد لي أن أسافر وأشتكيك إلى أمير المؤمنين فقال صاحب الشرطة: ومن أخذها فقال: عجوز صفتها كذا وكذا وعليها ملبوس من الصوف وبيدها سبحة عدد حباتها ألوف فقال له صاحب الشرطة: أوقفني على العجوز وأنا أخلص لك جاريتك فقال: ومن يعرف العجوز فقال له صاحب الشرطة: ما يعلم بالغيب إلا الله سبحانه وتعالى وقد علم صاحب الشرطة أنها محتالة الحجاج فقال له نعمة: ما أعرف حاجتي إلا منك وبيني وبينك الحجاج فقال له: امض إلى من شئت فتوجه نعمة إلى قصر الحجاج وكان والداه من أكابر أهل الكوفة فلما وصل إلى بيت الحجاج دخل حاجب الحجاج عليه وأعلمه بالقضية فقال له: علي به فلما وقف بين يديه قال له الحجاج: ما بالك فقال له نعمة: كان من أمري ما هو كذا وكذا فقال هاتوا صاحب الشرطة فنأمره أن يفتش على العجوز فلما حضر صاحب الشرطة قال له: أريد منك أن تفتش على جارية نعمة بن الربيع فقال صاحب الشرطة: لا يعلم الغيب غير الله تعالى فقال له الحجاج: لا بد أن تركب الخيل وتبصر الجارية في الطرقات وتنظر في البلدان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:29 AM
وفي الليلة السابعة والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحجاج قال لصاحب الشرطة: لا بد أن تركب الخيل وتنظر في البلدان والطرقات وتفتش على الجارية ثم التفت إلى نعمة وقال له: إن لم ترجع جاريتك دفعت لك عشر جوار من داري وعشر جوار من دار صاحب الشرطة ثم قال لصاحب الشرطة اخرح في طلب الجارية فخرج صاحب الشرطة ونعمة مغموم وقد يئس من الحياة وكان قد بلغ من العمر أربع عشرة سنة ولا نبات بعارضيه فجعل يبكي وينتحب وانعزل عن داره ولم يزل يبكي إلى الصباح فأقبل والده عليه وقال له: يا ولدي إن الحجاج قد احتال على الجارية وأخذها من ساعة إلى ساعة يأتي فيها الله بالفرج م عنده فتزايدت الهموم على نعمة وصار لا يعلم ما يقول ولا يعرف من يدخل عليه وأقام ضعيفاً ثلاثة أشهر حتى تغيرت أحواله ويئس منه أبوه ودخلت عليه الأطباء فقالوا: ما له دواء إلا الجارية.
فبينما والده جالس يوماً من الأيام إذ سمع بطبيب وهو أعجمي وقد وصفه الناس بإتقان الطب والتنجيم وضرب الرمل فدعا به الربيع فلما حضر أجلسه الربيع وأكرمه وقال له: انظر ما حال ولدي فقال لنعمة: هات يدك فاعطاه يده فجس مفاصله ونظر في وجهه وضحك والتفت إلى أبيه وقال: ليس بولدك مرض غير مرض في قلبه فقال: صدقت يا حكيم فانظر في شأن ولدي بمعرفتك واخبرني بجميع أحواله ولا تكتم عني شيئاً من امره فقال الأعجمي: إنه متعلق بجارية وهذه الجارية في البصرة أو دمشق وما دواء ولدك غير اجتماعه به فقال الربيع: إن جمعت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الربيع قال للعجمي: إن جمعت بينهما فلك عندي ما يسرك وتعيش عمرك كله في المال والنعمة فقال له الأعجمي: إن هذا الأمر قريب وسهل ثم التفت إلى
نعمة وقال له: لا بأس عليك فطب نفساً وقر عيناً ثم قال للربيع: اخرج من مالك أربعة آلاف دينار فأخرجها وسلمها للأعجمي فقال له الأعجمي: أريد م ولدك أن يسافر معي إلى دمشق ثم إن نعمة ودع والده ووالدته وسافر مع الحكيم إلى حلب فلم يقع على خبر الجارية ثم إنهما وصلا إلى دمشق وأقاما فيها ثلاثة ايام. وبعد ذلك أخذ الأعجمي دكاناً وملأ رفوفها بالصيني النفيس والأغطية وزركش الرفوف بالذهب والقطع المثمنة وحط قدامه أواني من القناني فيها سائر الأدهان والأشربة ووضع حول القناني أقداحاً من البلور وحط الإصطرلاب قدامه ولبس أثواب الحكمة والطب وأوقف بين يديه نعمة وألبسه قميصاً وملوط من الحرير بفوطة في وسطه م الحرير مزركشة بالذهب ثم قال الأعجمي لنعمة: يا نعمة أنت من اليوم ولدي فلا تدعني إلا بأبيك وأنا لا أدعوك إلا بولدي. فقال نعمة: سمعاً وطاعة ثم إن أهل دمشق اجتمعوا على دكان الأعجمي ينظرون إلى حسن نعمة وإلى حسن الدكان والبضائع التي فيها والعجمي يكلم نعمة بالفارسية ونعمة يكلمه كذلك بتلك اللغة لأنه كان يعرفها على عادة أولا د الأكابر واشتهر ذلك العجمي عند أهل دمشق وجعلوا يصفون له الأوجاع وهو يعطيهم الأدوية فبينما هو ذات يوم جالس إذ أقبلت عليه عجوز راكب على حمار بردعته من الديباج المرصع بالجواهر فوقفت على دكان العجمي وشدت لجام الحمار وأشارت للعجمي وقالت له: أمسك يدي فأخذ يدها فنزلت من فوق الحمار وقالت له: أنت الطبيب العجمي الذي جئت من العراق قال: نعم قالت: اعلم أن لي بنتاً وبها مرض وأخرجت له قارورة. فلما نظر العجمي إلى ما فوق القارورة قال لها: يا سيدتي ما اسم تلك الجارية حتى أحسب لها نجمها وأعرف ساعة يوافقها فيها شرب الدواء فقالت: يا أخا الفرس اسمها نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:29 AM
وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي لما سمع اسم نعم جعل يحسب ويكتب على يده وقال لها: يا سيدتي ما أصف لها دواء حتى أعرف من أي أرض هي لأجل اختلاف الهواء فعرفيني في أي أرض تربت وكم سنة سنها فقالت العجوز: سنها أربع عشرة سنة ومر بها بأرض الكوفة من العراق فقال: وكم شهراً لها في هذه الديار فقالت له: قامت في هذه الديار شهوراً قليلة. فلما سمع نعمة كلام العجوز وعرف اسم جاريته خفق قلبه فقال لها الأعجمي: يوافقها من الأدوية كذا وكذا فقالت له العجوز: أعطني ما وصفت على بركة الله
تعالى ورمت له عشرة دنانير على الدكان فنظر الحكيم إلى نعمة وامره أن يهيء لها عقاقير الدواء وصارت العجوز تنظر إلى نعمة وتقول: أعيذك بالله يا ولدي إن شكلها مثل شكلك ثم قالت العجوز للعجمي: يا أخا الفرس هل هذا مملوكك أم ولدك فقال لها: إنه ولدي ثم إن نعمة وضع لها الحوائج في علبة وأخذ ورقة وكتب فيها هذين البيتين: إذا أنـعـمــت نـــعـــم عـــلـــي بـــنـــظـــرةفـلا أسـعـدت سـعـدي ولا أفــلـــت جـــمـــل وقالوا أسـل عـنـهـا تـعـط عـشـرين مـثـلـهـاولـيس لـهـا مـثـل ولـسـت لـــهـــا أســـلـــو ثم خبأ الورقة في داخل العلبة وختمها وكتب على غطاء العلبة بالخط الكوفي: أنا نعمة بن الربيع ثم وضعت العلبة قدام العجوز فأخذتها وودعتهما وانصرفت متوجهة إلى قصر الخلافة فلما طلعت العجوز بالحوائج إى القاعة وضعت الدواء قدامها ثم قالت لها: يا سيدتي اعلمي أنه قد أتى مدينتنا طبيب أعجمي ما رأيت أحداً أعرف بأمور الأمراض منه فذكرت له اسمك بعد أن رأى القارورة فعرف مرضك ووصف دواءك ثم أمر ولد فشد لك هذا الدواء وليس في دمشق جمل ولا أظرف من ولده ولا أحسن ثياباً منه ولا يوجد لأحد دكاناً مثل دكانه فأخذت العلبة فرأت مكتوباً على غطائها اسم سيدها واسم أبيه فلما رأت ذلك تغير لونها وقالت: لاشك أن صاحب الدكان قد أتى في شأني ثم قالت للعجوز: صفي لي هذا الصبي فقالت اسمه نعمة وعلى حاجبه الأيمن أثر وعليه ملابس فاخرة وله حسن كامل فقالت الجارية: ناوليني الدواء على بركة الله وعونه وأخذت الدواء وشربته وهي تضحك وقالت لها: إنه دواء مبارك ثم فتشت في العلبة فرأت الورقة ففتحتها وقرأتها فلما فهمت معناها تحققت أنه سيدها فطابت نفسها وفرحت فلما رأتها العجوز قد ضحكت قالت لها: هذا اليوم يوم مبارك فقالت نعم: يا قهرمانة أريد منك الطعام والشراب فقالت العجوز للجواري: قدمن الموائد والأطعمة الفاخرة لسيدتكن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:30 AM
وفي الليلة الثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت للجواري: أحضرن الطعام فقدمن إليها الأطعمة وجلست للأكل وإذا بعبد الملك بن مروان قد دخل عليهن ونظر الجارية جالسة وهي تأكل الطعام ففرح ثم قالت القهرمانة: يا أمير المؤمنين يهنيك عافية جاريتك نعموذلك أنه وصل إلى هذه المدينة رجل طبيب ما رأيت أعرف منه بالأمراض ودوائها فأتيتت لها منه بدواء
فتعافت منه مرة واحدة فحصلت لها العافية فقال لها أمير المؤمنين: خذخي ألف دينار وأعطيها للذي أبرأها ثم خرج وهو فرحان بعافية الجارية وراحت العجوز إلى دكان العجمي بالألف دينار وأعطته إياها وأعلمته أنها جارية الخليفة وناولته ورقة كانت نعم قد كتبتها فأخذها العجمي وناولها لنعمة فلما رآها عرف خطها فرقع مغشياً عليه فلما أفاق فتح الورقة فوجد مكتوباً فيها: من الجارية المسلوبة من نعمتها المخدوعة في عقلها المفارقة لحبيب قلبها أما بعد. فإنه قد ورد كتابكم علي فشرح الصدر وسر الخاطر وكان كقول الشاعر: وورد الـكـتـــاب فـــلا عـــدمـــت أنـــامـــلاًكـتـبـت بـه حـــتـــى تـــضـــمـــخ طـــيبـــاً فـــكـــأن مـــوســـى قـــد أعـــــيد لأمـــــــهأو ثـــوب يوســـف قـــد أتـــى يعـــقـــــوب فلما قرأ نعمة هذا الشعر هملت عيناه بالدموع فقالت له القهرمانة: ما الذي يبكيك يا ولدي لا أبكى الله لك عيناً فقال العجمي: يا سيدتي كيف لا يبكي ولدي وهذه جاريته وهو سيدها نعمة بن الربيع الكوفي وعافية هذه الجارية مرهونة برؤيته وليس لها علة إلا هواه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:30 AM
وفي الليلة الحادية والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال للعجوز: كيف لا يبكي ولدي وهذه جاريته وهو سيدها نعمة بن الربيع الكوفي وعافية هذه الجارية مرهونة برؤيته وليس لها علة إلا هواه فخذي أنت يا سيدتي هذه الألف دينار لك ولك عندي أكثر من ذلك وانظري لنا بعين الرحمة وإننا لا نعرف إصلاح هذا الأمر إلا منك فقالت العجوز لنعمة: هل أنت مولاها قال: نعم قالت: صدقت فإنها لا تفتر عن ذكرك فأخبرها نعمة بما جرى من الأول إلى الآخر فقالت العجوز: يا غلام لا تعرف اجتماعك بها إلا مني ثم ودعته وذهبت إلى الجارية وقالت لها: إن سيدك قد ذهبت روحه في هواك وهو يريد الإجتماع بك فما تقولين في ذلك فقالت نعم: وأنا كذلك قد ذهبت روحي وأريد الإجتماع به. فعند ذلك أخذت العجوز بقجة فيها حلي ومصاغ وبدلة من ثياب النساء وتوجهت إلى نعمة وقالت له: ادخل بنا مكاناً وحدنا فدخل معها قاعة خلف الدكان ونقشته وزينت معاصمه وزوقت شعره وألبسته لباس جارية وزينته بأحسن ما تزين به الجواري فصار كأنه من حور الجنان فلما رأته القهرمانة في تلك الصفة قالت: تبارك الله أحسن الخالقين والله إنك لأحسن من الجارية ثم قالت له: امشو قدم الشمال وأخر
اليمين وهز أردافك فمشى قدامها كما أمرته فلما رأته قد عرف مشي النساء قالت له: امكث حتى آتيك ليلة غد إن شاء الله تعالى فآخذك وادخل بك القصر وإذا نظرت الحجاب والخدامين فقو عزمك وطاطئ رأسك ولا تتكلم مع أحد وأنا أكفيك كلامهم وبالله التوفيق.
فلما أصبح الصباح أتته القهرمانة في ثاني يوم وأخذته وطلعت به القصر ودخلت قدامه ودخل وراءها في أثرها فأراد الحاجب أن يمنعه من الدخول فقالت له: يا أنحس العبيد إنها الجارية نعم محظية أمير المؤمنين فكيف تمنعها من الدخول ثم قالت: ادخلي يا جارية فدخل مع العجوز ولم يزالا داخلين إلى الباب الذي يتوصل منه إلى صحن القصر فقالت له العجوز: يا نعمة قو نفسك وثبت قلبك وادخل القصر وخذ على شمالك وعد خمسة أبواب وادخل الباب السادس فإنه باب المكان المعد لك وتخف وإذا كلمك أحد فلا تتكلم معه ثم سارت حتى وصلت إلى الأبواب فقابلها الحاجب المعد لتلك الأبواب قال لها: ما هذه الجارية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:31 AM
وفي الليلة الثانية والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب قابل العجوز وقال لها: ما هذه الجارية فقالت له العجوز: إن سيدتنا تريد شراءها فقال الخادم: ما يدخل أحد إلا بإذن أمير المؤمنين فارجعي بها فإني لا أخليها تدخل لأني أمرت بهذا فقالت له القهرمانة: أيها الحاجب الكبير أين عقلك إن نعماً جارية للخليفة الذي قلبه معلقق بها قد توجهت إليها العافية وما صدق أمير المؤمنين بعافيتها وتريد شراء هذه الجارية فلا تمنعها من الدخول لئلا يبلغها أنك منعتها فتغضب عليك وإن غضبت عليك تسببت في قطع رأسك ثم قالت: ادخلي يا جارية ولا تسمعي كلامه ولا تخبري سيدتك أن الحاجب منعك من الدخول فطأطأ نعمة رأسه ودخل القصر وأراد أن يمشي إلى جهة يمينه وأراد أن يعد الخمسة أبواب ويدخل السادس فعد ستة ودخل السابع فلما دخل ذلك الباب رأى موضعاً مفروشاً بالديباج وحيطانه عليها ستائر الحرير المرقومة بالذهب وفيه مباخر العود والعنبر والمسك والأذفر ورأى سريراً في الصدر مفروشاً بالديباج فجلس عليه نعمة ولم يعلم بما كتب له في الغيب فبينما هو جالس متفكر في أمره إذ دخلت عليه أخت أمير المؤمنين ومعها جاريتها فلما رأت الغلام جالساً ظنته جارية فقدمت إليه وقالت له: من تكوني يا جارية وما خبرك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:31 AM
وفي الليلة الحادية والثلاثين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخت الخليفة قالت لنعمة ما خبرك وما سبب دخولك في هذا المكان فلم يتكلم نعمة ولم يرد عليها جواباً فقالت: يا جارية إن كنت من محاظي أخي وقد غضب عليك فأنا أستعطفه عليك فلم يرد نعمة عليها جواباً فعند ذلك قالت لجاريتها: قفي على باب المجلس ولا تدعي احداً يدخل. ثم تقدمت إليه ونظرت إلى جماله وقالت: يا صبية عرفيني من تكوني وما اسمك وما سبب دخولك هنا فأنا لم أنظرك في قصرنا فلم يرد عليها جواباً فعند ذلك غضبت أخت الخليفة وو وضعت يدها على صدر نعمة فلم تجد له نهوداً فأرادت أن تكشف ثيابه لتعلم خبره فقال لها نعمة: يا سيدتي أنا مملوك فاشتريني وأنا مستجير بك فأجيريني فقالت له: لا بأس عليك فمن أنت ومن أدخلك مجلسي هذا فقال لها نعمة: أنا أيتها الملكة أدعى نعمة بن الربيع الكوفي وخاطرت بروحي لأجل جاريتي نعم التي احتال عليها الحجاج وأخذها وأرسلها إلى هنا فقالت له: لا بأس عليك ثم صاحت على جاريتها وقالت لها: امض إلى مقصورة نعم وقد كانت القهرمانة أتت إلى مقصورة نعم وقالت لها: هل وصل إليك سيدك فقالت لا والله فقالت القهرمانة: لعله غلط فدخل غير مقصورتك وتاه عن مكانك فقالت نعم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد فرغ أجلنا وهلكنا وجلستا متفكرتان فبينما هما كذلك إذ دخلت عليهما جارية أخت الخليفة فسلمت على نعم وقالت لها: إن مولاتي تدعوك إلى ضيافتها فقالت سمعاً وطاعة فقالت القهرمانة: لعل سيدك عند أخت الخليفة وقد انكشف الغطاء فنهضت نعم من وقتها وساعتها ودخلت على أخن الخليفة فقالت لها: هذا مولاك جالس عندي وكأنه غلط في المكان وليس عليك ولا عليه خوف إن شاء الله تعالى.
فلما سمعت نعم هذا الكلام من أخت الخليفة اطمأنت إلى نفسها وتقدمت إلى مولاها نعمة فلما نظرها قام إليها وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:32 AM
وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نعمة لما نظر إلى جاريته نعم قام إليها وضم كل واحد منهما صاحبه إلى صدره ثم وقعا على الأرض مغشياً عليهما فلما أفاقا قالت لهما أخت الخليفة: اجلسا حتى نتدبر في الخلاص من الأمر الذي وقعنا فيه فقالا لها: سمعاً وطاعة والأمر لك فقالت: والله ما ينالكما سوء قط ثم قالت لجاريتها: أحضري الطعام والشراب فأحضرت فأكلوا بحسب الكفاية ثم جلسوا يشربون فدارت الأقداح وزالت عنهم الأتراح فقل نعمة: ليت شعري بعد ذلك ما يكون فقالت له أخت الخليفة: يا نعمة هل تحب نعماً جاريتك فقال لها: يا سيدتي إن هواها هو الذي حملني على ما أنا فيه من المخاطرة بروحي ثم قالت لنعم: يا نعم هل تحبين سيدك قالت: يا سيدتي هواه هو الذي أذاب جسمي وغير حالي فقالت والله أنكما متحابان فلا كان من يفرق بينكما فقرا عيناً وطيبا نفساً ففرحا بذلك وطلبت نعم عوداً فأحضروه لها فأخذته وأصلحته وأطربت بالنغمات ن وانشدت هذه الأبيات: وشـنـوا عـلـى أسـمـــاعـــنـــا كـــل غـــارةوقـلـت حـمـانـي عــنـــد ذاك وأنـــصـــاري غـزوتـهـم مــن مـــقـــلـــتـــيك وأدمـــعـــيومـن نـفـسـي بـالـسـيف والـسـيل والـــنـــار ثم إن نعماً أعطت العود لسيدها وقالت له إن لنا شعراً فأخذه وأصلحه وأطرب بالنغمات ثم أنشد هذه الأبيات: الـــبـــدر يحـــكـــيك لـــولا أنـــه كـــلــــفوالشـمـس مـثـلـك لـولا الـشـمـس تـنـكـسـف إنـي عـجـبـت وكـم فـي الـحـب مـن عـجـبفـيه الـهـمـوم وفـيه الــوجـــد والـــكـــلـــف أرى الـطـريق قـــريبـــاً حـــين أســـلـــكـــهإلـى الـحـبـيب بــعـــيداً حـــين أنـــصـــرف فلما فرغ من شعره ملأت له قدحاً وناولته إياه فأخذه وشربه ثم ملأت قدحاً آخر وناولته لأخت الخليفة فشربته وأخذت العود وأصلحته وشدت اوتاره وأنشدت هذين البيتين: غـــم وحـــزن فـــي الـــفـــؤاد مـــــقـــــــيموجــودي تـــردد فـــي حـــشـــاي عـــظـــيم ونـحـول جـسـمـي قــد تـــبـــدى ظـــاهـــراًفـالـجـســـم مـــنـــي بـــالـــغـــرام ســـقـــيم ثم ناولت العود لنعمة بن الربيع فأخذه وأصلح أوتاره وأنشد هذين البيتين: يا مـن وهـبـت لـه روحـي فــعـــذبـــتـــهـــاورمـت تـخـلـيصـــه مـــنـــه فـــلـــم أطـــق دارك مـحـبـاً بـمــا ينـــجـــيه مـــن تـــلـــفقـبـل الـمــمـــات فـــهـــذا آخـــر الـــرمـــق و لم يزالوا ينشدون الأشعار ويشربون على نغمات الأوتار وهم في لذة وحبور وفرح وسرور فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أمير المؤمنين فلما نظروه قاموا وقبلوا الأرض بين يديه فنظر إلى نعم والعود معها فقال يا نعم الحمد لله الذي أذهب عنك اليأس والوجع ثم التفت إلى نعمة وهو عل تلك الحالة وقال: يا أختي من هذه الجارية التي في جانب نعم فقالت له أخته يا أمير
المؤمنين إن هذه الجتارية من المحاظي أنيسة لا تأكل نعم ولا تشرب إلا وهي معها ثم أنشدت قول الشاعر: ضـدان واجـتـمـعـا افـتـراقـا فـي الــبـــهـــاءوالـضـد يظــهـــر حـــســـنـــه بـــالـــضـــد فقال الخليفة: والله العظيم أنها مليحة وفي غد أخلي لها مجلساً بجانب مجلسها وأخرج لها الفرش والقماش وأنقل إليها جميع ما يصلح لها أكثر مما لنعم واستدعت أخت الخليفة بالطعام فقدمته لأخيها فأكل وجلس معهم في تلك الحضرة ثم ملأ قدحاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:33 AM
وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن الخليفة لما مل القدح وأومأ إلى نعم بأن تنشد له الشعر إذا مـا نـديمـي عـــلـــنـــي ثـــم عـــلـــنـــيثــــلاثة أقـــــــداح لـــــــهـــــــن هـــــــدير لأبـــيت أجـــر الـــذيل تـــيهـــاً كـــأنـــــــيعـــلـــيك أمـــير الـــمـــؤمـــنـــين أمـــــير فطرب أمير المؤمنين وملأ قدحاً آخر وناوله إلى نعم وأمرها أن تغني فبعد أن شربت القدح حسبت الأوتار وأنشدت هذه الأشعار: يا أشـرف الـنـاس فـي هـذا الـزمـــان ومـــالـــه مـــثـــيل بـــهـــذا الأمـــر يفـــتـــخـــر يا واحـداً فـي الـعـلا والـجـود مـنــصـــبـــهيا سـيداً مـلـكــاً فـــي الـــكـــل مـــشـــهـــر يا مـالــكـــاً لـــمـــلـــوك الأرض قـــاطـــبةتـعـطـي الـجــزيل ولا مـــن ولا ضـــجـــر أبـقـاك ربـي عـلـى رغـم الـــعـــدا كـــمـــداًوزان طـالـــعـــك الإقـــبـــال والـــظـــفـــر فلما سمع الخليفة من نعم هذه الأبيات قال لها: لله درك يا نعم ما أفصح لسانك وأوضح بيانك ولم يزالوا في فرح وسرور إلى نصف الليل ثم قالت أخت الخليفة: اسمع يا أمير المؤمنين أنني رأيت حكاية في الكتب عن بعض أرباب المراتب قال الخليفة: وما تلك الحكاية فقالت له أخته: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان بمدين الكوفة صبي يسمى نعمة بن الريع وكان له جارية يحبها وكانت قد تربت معه في فراش واحد فلما بلغا وتمكن حبهما من بعضهما رماهما الدهر بنكباته وجار عليهما الزمان بآفاته وحكم عليهما بالفراق وتحيلت عليها الوشاة حتى خرجت من داره وأخذوها سرقة من مكانه ثم إن سارقها باعها لبعض الملوك بعشرة آلاف دينار وكان عند الجارية لمولاها من المحبة مثل ما عنده لها ففارق أهله وداره وسافر في طلبها وتسبب باجتماعه
بها وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:34 AM
وفي الليلة السادسة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نعمة لم يزل معارفاً لأهله ووطنه وخاطر بنفسه وبذل مهجته حتى توصل إلى اجتماعه بجاريته وكان يقال لها نعم فلما اجتمع بها سراً لم يستقر بهما الجلوس حتى دخل عليهما الملك الذي كان اشتراها من الذي سرقها فعجل عليهما وامر بقتلهما ولم ينصف من نفسه ولم يمهل عليه في حكمه فما تقول يا أمير المؤمنين في قلة إنصاف هذا الملك فقال أمير المؤمنين إن هذا شيء عجيب فكان ينبغي لذلك الملك العفة عند المقدرة لأنه يجب عليه أن يحفظ ثلاثة أشياء الأول أنهما متحابان والثاني أنهما في منزله وتحت قبضته والثالث أن الملك ينبغي له في الحكم بين الناس فكيف بالأمر الذي يتعلق به فهذا الملك قد فعل فعلاً لا يشبه فعل الملوك فقالت له أخته يا أخي بحق ملك السموات والأرض أن تأمر نعماً بالغناء وتسمع ما تغني به فقال: يا نعم إن لي فأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: ويفـــرق الأحـــبـــاب بـــعـــد تـــجـــمـــــعفـتـرى الـدمـوع عـلــى الـــخـــدود غـــزارا كـانـوا وكـنـت وكـان عـيشـــي نـــاعـــمـــاًوالـدهــر يجـــمـــع شـــمـــلـــنـــا مـــدرارا فـــلأبـــكـــين دمـــاً ودمـــعـــاً ســـاجـــمـــاًأســـفـــاً عـــلـــيك لـــيالـــياً ونــــهـــــــارا فلما سمع أمير المؤمنين هذا الشعر طرب طرباً عظيماً فقالت له أخته: يا أخي من حكم على بشيء ألزمه القيام به والعمل بقوله وأنت قد حكمت على نفسك هذا الحكم ثم قالت: يا نعمة قف على قدميك وكذا قفي أنت يا نعم فوقفا فقالت أخت الخليفة أمير المؤمنين: إن هذه الواقفة هي نعم المسروقة سرقها الحجاج بن يوسف الثقفي وأوصلها لك وكذب فيما ادعاه في كتابه من انه اشتراها بعشرة آلاف دينار وهذا الواقف هو نعمة بن الربيع سيدها وأنا أسألك بحرمة آبائك الطاهرين أن تعفو عنهما وتهبهما لبعضهما لتغنم أجرهما فإنهما في قبضتك وقد أكلا من طعامك وشربا من شرابك وان الشافعة فيهما المستوهبة دمهما.
فعند ذلك قال الخليفة: صدقت أنا حكمت بذلك وما أحكم بشيء وأرجع فيه ثم قال: يا نعم هل هذا مولاك قالت له: نعم يا أمير المؤمنين فقال: لا بأس عليكما فقد وهبتكما لبعضكما ثم قال: يا نعمة وكيف عرفت مكانها ومن وصف لك هذا المكان. فقال: يا أمير المؤمنين اسمع خبري وأنصت إلى حديثي فوحق آبائك الطاهرين لا أكتم عنك شيئاً ثم حدثه
بجميع ما كان من أمره وما فعله معه الحكيم العجمي وما فعلته القهرمانة وكيف دخلت به في الأبواب.
فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب ثم قال: علي بالعجمي فأحضروه بين يديه فجعله من جملة خواصه وخلع عليه خلعة وأمر له بجائزة سنية وقال من يكون هذا تدبيره يجب أن نجعله من خواصنا ثم إن الخليفة أحسن على نعمة وأنعم على القهرمانة وقعدا عنده سبعة أيام في سرور وحظ وأرغد عيش ثم طلب نعمة اإذن بالسفر هو وجاريته فأذن له بالسفر إلى الكوفة فسافر واجتمع بوالده ووالدته وأقاموا في أطيب عيش إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فلما سمع الأمجد والأسعد هذا الحديث من بهرام تعجبا منه غاية العجب وقالا: إن هذا لشيء عجيب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:34 AM
وفي الليلة السابعة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن الأمجد والأسعد لما سمعا من بهرام المجوسي الذي استلم هذه الحكاية تعجبا منها غاية العجب وباتا تلك الليلة ولما أصبح وركب الأمجد والأسعد وأرادا أن يدخلا على الملك استأذنا في الدخول فأذن لهما فلما دخلا أكرمهما وجلسوا يتحدثون فبينما هم كذلك إذا بأهل المدينة يصيحون ويتصارخون ويستغيثون فدخل الحاجب على الملك وقال له: إن ملكاً من الملوك نزل بعساكره على المدينة وهم شاهرون السلاح وما ندري ما مرادهم فأخبر الملك ووزيره الأمجد وأخاه الأسعد بما سمعه من الحاجب. فقال الأمجد: أنا أخرج إليه وأكشف خبره فخرج الأمجد إلى ظاهر المدينة فوجد الملك ومعه عسكر كثير ومماليك راكبة فلما نظروا إلى الأمجد عرفوا أنه رسول من عند ملك المدينة فأخذوه وأحضروه قدام السلطان فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه وإذا بالملك إمرأة ضاربة لها لثاماً فقالت: اعلم أنه ما لي عندكم غرض في هذه المدينة إلا مملوك أمرد فإن وجدته عندكم فلا بأس عليكم وإن لم أجده وقع بيني وبينكم القتال الشديدلأنني ما جئت إلا في طلبه فقال الأمجد: أيتها الملكة ما صفة هذا المملوك وما اسمه فقالت: اسمه الأسعد وانا اسمي مرجانة وهذا المملوك جاءني صحبة بهرام المجوسي وما رضي أن يبيعه فأخذته منه غصباً فعدا عليه وأخذه من عندي بالليل سرقة واما أوصافه فإنها كذا وكذا.
فلما سمع الأمجد ذلك علم أنه أخوه الأسعد فقال لها: يا ملكة الزمان الحمد لله الذي جاء
بالفرح وإن هذا المملوك هو أخي ثم حكى لها حكايته وما جرى لهما في بلاد الغربة وأخبرها بسبب خروجهما من جزائر الآبنوس فتعجبت الملكة مرجانة من ذلك وفرحت بلقاء الأسعد وخلعت على أخيه الأمجد ثم بعد ذلك عاد الأمجد إلى الملك وأعلمه بما جرى ففرحوا بذلك ونزل الملك هو والأمجد والأسعد قاصدين الملكة فلما دخلوا عليها وجلسوا يتحدثون فبينما هم كذلك إذا بالغبار طار حتى سد الأقطار وبعد ساعة انكشف الغبار عن عسكرجرار مثل البحر الذخار وهم مهيئون بالعدد والسلاح فقصدوا المدينة ثم داروا بها كما يدور الخاتم بالخنصر وشهروا سيوفهم فقال الأمجد والأسعد: إنا لله وإنا إليه راجعون ماهذا الجيش الكبير إن هذه أعداء لا محالة وإن لم نتفق مع هذه الملكة مرجانة على قتالهم أخذوا منا المدينة وقتلونا وليس لنا حيلة إلا أننا نخرج إليهم ونكشف خبرهم ثم قام الأمجد وخرج من باب المدينة وتجاوز جيش الملكة مرجانة فلما وصل إلى العسكر وجده عسكر جده الملك الغيور وابا أمه الملكة بدور.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:35 AM
وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأمجد لما وصل إلى العسكر وجدها عسكر الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور فلما صار قدامه قبل الأرض بين يديه وبلغه الرسالة وقال له: ما اسمك قال: اسمي الملك الغيور وقد جئت عابر سبيل لأن الزمان قد فجعني في بنتي بدور فإنها فارقتني وما رجعت إلي وما سمعت لها ولزوجها قمر الزمان خبراً فهل عندكم خبرها فلما سمع الأمجد ذلك أطرق رأسه إلى الرض ساعة يتفكر حتى تحقق أنه جده أبو أمه ثم رفع رأسه وقبل الأرض بين يديه واخبره أنه ابن بنته بدور. فلما سمع الملك أنه ابن ابنته بدور رمى نفسه عليه وصارا يبكيان ثم قال الملك الغيور: والحمد لله يا ولدي على السلامة حيث اجتمعت بك ثم قال له الأمجد: إن ابنته بدور في عافية وكذلك أبوه قمر الزمان وأخبره أنهما في مدينة يقال لها جزيرة الأبنوس وحكى له أن قمر الزمان والده غضب عليه وعلى أخيه وامر بقتله وأن الخازندار رق لهما وتركهما بلا قتل فقال الملك الغيور: وانا أرجع بك وبأخيك إلى والدك وأصلح بينكما وأقيم عندكم فقبل الأرض بين يديه ثم خلع الملك الغيور على الأمجد ابن ابنته ورجع مبتسماً إلى الخليفة وأعلمه بقصة الملك الغيور فتعجب منها غاية العجب ثم أرسل له آلات الضيافة من الخيل والجمال والغنم والعليق وغير ذلك وأخرج للملكة مرجانة كذلك
وأعلموها بما جرى فقالت: أنا أذهب معكم بعسكري وأكون ساعية في الصلح. فبينما هم كذلك إذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار واسود منه النهار وسمعوا من تحته صياحاً وصراخاً وصهيل الخيل ورأوا سيوفاً تلمع ورماحاً تشرع فلما قربوا من المدينة ورأوا العسكرين ودقوا الطبول فلما رأى الملك ذلك قال: ما هذا النهار إلا نهار مبارك الحمد لله الذي أصلحنا مع هذين العسكرين وإن شاء الله تعالى يصلحنا مع هذا العسكر أيضاً ثم قال: يا أمجد أخرج أنت وأخوك الأسعد اكشفا لنا خبر هذه العساكر فإنه جيش ثقيل ما رأيت أثقل منه فخرج الاثنان الأمجد وأخوه الأسعد بعد أن أغلق الملكباب المدينة خوفاً من العسكر المحيط بها ففتحا البواب وسارا حتى وصلا إلى العسكر فوجداه عسكر ملك الآبنوس وفيه والدهما قمر الزمان فلما نظراه قبلا الأرض بين يديه وبكيا.
فلما رآهما قمر الزمان رمى نفسه عليهما وبكى بكاءً شديداً واعتذر لهما وضمهما إلى صدره ثم أخبرهما بما قاساه بعدهما من الوحشة الشديدة لفراقهما ثم إن الأمجد والأسعد ذكرا له عن الملك الغيور أنه وصل إليهم فركب قمر الزمان في خواصه وأخذ ولديه الأمج والأسعد معه وساروا حتى وصلوا إلى قرب عسكر الملك الغيور فسبق واحد منهم إلى الملك الغيور وأخبروه أن قمر الزمان وصل فطلع إلى ملاقاته فاجتمعوا ببعضهم وتعجبوا من هذه الأمور وكيف اجتمعوا في هذا المكان وصنع أهل المدينة الولائم وأنواع الأطعمة والحلويات وقدموا الخيول والجمال والضيافات والعليق وما تحتاج إليه العساكر.
فبينما هم كذلك إذا بغبار ثار حتى سد الأقطار وقد ارتجفت الأرض من الخيول وصارت الطبول كعواصف الرياح والجيش جميعه بالعدد والأزاد وكلهم لابسون السواد وفي وسط شيخ كبير ولحيته واصلة إلى صدره عليه ملابس سوداء فلما نظر أهل أهل المدينة هذه العساكر العظيمة قال صاحب المدينة للملوك: الحمد لله الذي اجتمعتم بإذنه تعالى في يوم واحد وكنتم كلكم معارف فما هذا العسكر الجرار الذي قد سد الأقطار فقال له الملوك: لا تخف فنحن ثلاثة ملوك وكل ملك له عساكر كثيرة فإن كانوا أعداء نقاتله معك ولو زادوا ثلاثة أمثالهم.
فبينما هما كذلك إذا برسول من تلك العساكر قد أقبل متوجهاً إلى هذه المدينة فقدموه بين يدي قمر الزمان والملك الغيور والملكة مرجانة والملك صاحب المدينة فقبل الأرض وكان هذا الملك من بلاد العجم وقد فقد ولده من مدة سنتين وهو دائر يفتش عليه في الأقطار فإن وجده
عندكم فلا بأس عليكم وإن لم يجده وقع الحرب بينه وبينكم وأخرب مدينتكم فقال له قمر الزمان: ما يصل إلى هذا ولكن ما يقال له في بلاد العجم فقال الرسول: يقال له الملك شهرمان صلحب جزائر خالدات وقد جمع هذه العساكر من الأقطار التي مر بها وهو دائر يفتش على ولده.
فلما سمع قمر الزمان كلام الرسول صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه واستمر في غشيته ساعة ثم أفاق وبكى بكاءً شديداً وقال للأمجد والأسعد وخواصهما: امشوا يا أولادي مع الرسول وسلموا على جدكم والدي الملك شهرمان وبشروه بي فإنه حزين على فقدي وهو الآن لابس الملابس السود من أجلي ثم حكى للملوك الحاضرين جميع ما جرى له في أيام صباه فتعجب جميع الملوك من ذلك ثم نزلوا هم وقمر الزمان وتوجهوا إلى والده فسلم قمر الزمان على والده وعانقا بعضهما ووقعا مغشياً عليهما من شدة الفرح. فلما أفاقا حكى لابنه جميع ما جرى له ثم سلم عليه بقية الملوك وردوا مرجانة إلى بلادها بعد أن زوجوها للأسعد ووصوها أنها لا تقطع عنهم مراسلتها ثم زوجوا الأمجد بستان بنت بهرام وسافروا كلهم إلى مدينة الآبنوس وخلا قمر الزمان بصهره وأعلمه بجميع ما جرى له وكيف اجتمع بأولاده ففرح وهنأه بالسلامة ثم دخل الملك الغيور أبو الملكة بدور على ابنته وسلم عليها وبل شوقه منها وقعدوا في مدينة الآبنوس شهراً كاملاً ثم سافر الملك الغيور بابنته إلى بلده.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:37 AM
وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك الغيور سافر بابنته وجماعته إلى بلده وأخذ الأمجد معهم فلما استقر في مملكته أجلس الأمجد يحكم مكان جده وأما قمر الزمان فإنه أجلس ابنه الأسعد يحكم في مكانه في مدينة جده أرمانوس ورضي به جده ثم تجهز قمر الزمان وسافر مع أبيه الملك شهرمان إلى أنوصل إلى جزائر خالدات فزينت له المدينة فاستمرت البشائر شهراً كاملاً وجلس قمر الزمان يحكم مكان أبيه إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات والله أعلم.
فقال الملك: يا شهرزاد إن هذه الحكاية عجيبة جداً قالت أيها الملك ليست هذهبأعجب من حكاية علاء الدين أبو الشامات قال: ما حكايته

(وَكُنتُم أَزواجاً ثَلاثَة) فالمعدود في هذه الآيات كلها مذكر وقد حذف في الآية الأولى والثانية

حكاية علاء الدين أبو الشامات
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والآوان رجل تاجر بمص يقال له شمس الدين وكان من أحسن التجار وأصدقهم مقالاً وهو صاحب خدم وحشم وعبيد وجوار ومماليك ومال كثير وكان شاهبندر التجار بمصر وكان معه زوجة يحبها وتحبه إلا أنه عاش معها أربعين عاماً ولم يرزق منها بنت ولا ولد فقعد يوماً من الأيام في دكانه فرأى التجار وكل واحد منهم له ولد وولدان أو أكثر وهم قاعدون في دكاكين مثل آبائهم وكان ذلك اليوم يوم جمعة. فدخل ذلك التاجر الحمام واغتسل غسل الجمعة ولما طلع أخذ مرآة المزين فرأى وجهه فيها وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنمحمداً رسول الله ثم نظر إلى لحيته فرأى البياض غطى السواد وتذكر أن الشيب نذير الموت وكانت زوجته تعرف ميعاد مجيئه فتغتسل وتصلح من شأنها له فدخل عليها فقالت له: مساء الخير فقال لها: أنا ما رأيت الخير وكانت قالت للجارية: هاتي سفر العشاء فأحضرت الطعام وقالت له: تعش يا سيدي فقال لها ك ما آكل شيئاً واعرض عن السفر بوجهه فقالت له: ما سبب ذلك وأي شيء أحزنك فقال لها: أنت سبب حزني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شمس الدين قال لزوجته: أنت سبب حزني فقالت له: لأي شيء فقال لها: إني فتحت دكاني في هذا اليوم ورأيت كل واحد من التجار له ولد أو ولدان أو أكثر وهم قاعدون في الدكاكين مثل آبائهم فقلت لنفسي: إن الذي أخذ أباك ما يخليك وليلة دخلت بك حلفتيني أنني ما أتزوج عليك ولا أتسرى بجارية حبشية ولا رومية ولا غير ذلك من الجواري ولم آت ليلة بعيداً عنك والحالة انك عاقر والنكاح فيك كالنحت في الحجر فقالت: اسم الله على أن العاقة منك ما هي مني لأن بيضك رائق. فقال لها: وما شأن الذي بيضه رائق فقالت: هو الذي لا يحبل النساء وهو لايجيء باولاد فقال لها: وأين معكر البيض وأنا أشتريه لعله يعكر بيضي فقالت له: فتش عليه عند العطارين فبات التاجر وأصبح متندماً حيث عاير زوجته وندمت هي حيث عايرته ثم توجه إلى السوق فوجد رجلاً عطاراً فقال له: السلام عليكم فرد السلام فقال له: هل يوجد عندك معكر البيض فقال له: كان عندي وجبر ولكن اسأل جاري فدار يسأل حتى سأل جميع العطارين وهم يضحكون عليه وبعد ذلك رجع إلى دكانه وقعد فكان في السوق نقيب الدلالين وكان رجلاً حشاشاً يتعاطى الأفيون والبرش ويستعمل الحشيش الأخضر وكان ذلك النقيب يسمى الشيخ محمد سمسم وكان فقير الحال وكانت عادته أن يصبح على التاجر في كل يوم فجاءه على عادته وقال له: السلام عليك فرد عليه السلام وهو مغتاظ. فقال له: يا سيدي ما لك مغتاظ فحكى له جميع ما جرى بينه وبين زوجته وقال له: لي أربعين سنة وأنا متزوج بها ولم تحبل مني بولد ولا ببنت وقالوا لي: إن سبب عدم حبلها منك أن بياضك رائق ففتشت على شيء أعكر به بيضي فلم أجده فقال له: يا سيدي أنا عندي معكر البيض فما تقول فيمن يجعل زوجتك تحبل منك بعد هذه الأربعين سنة التي مضت فقال له التاجر: إن غعلت هذا فأنا أحسن إليك وأنعم عليك فقال له: هات لي ديناراً فقال له: خذ هذين الدينارين فأخذهما وقال: هات هذه السلطانية الصيني فأعطاه السلطانية فأخذها وتوجه إلى بياع الحشيش وأخذ منه المكرر الرومي والحبهان والزنجبيل والفلفل الأبيض والسقنقور الجبلي ودق الجميع وغلاهم بالزيت الطيب وأخذ ثلاث أوراق حصا لبان ذكر وأخذ مقدار قدح من الحبة السوداء ونقعه وعمل جميع ذلك معجوناً بالعسل النحلي وحطه في السلطانية ورجع بها إلى التاجر وأعطاها له وقال: هذا معكر البيض فينبغي أن تأخذ منه على رأس الملوق بعد أن تأكل اللحم الضاني البيتي وتكثر له الحرارات والبهارات وتتعشى وتشر بالسكر المكرر.
فأحضر التاجر جميع ذلك وأرسله إلى زوجته وقال لها: اطبخي ذلك طبخاً جيداً وخذي معكر البيض واحفظيه عندك حتى أطلبه ففعلت ما أمرها به ووضعت له الطعام فتعشى ثم غنه طلب السلطانية فأكل بقيتها وواقع زوجته فعلقت منه تلك الليلة ففات عليها الشهر الأول والثاني والثالث ولم ينزل عليها الدم فعلمت أنها ثم وفت حملها ولحقها الطلق وقامت الأفراح فقاست الداية المشقة في الخلاص ورقته باسم محمد وعلي وكبرت وأذنت في أذنه ولفته وأعطته لأمه فأعطته ثديها وأرضعته فشرب وشبع ونام وأقامت الداية عنده ثلاثة أيام حتى عملوا الحلاوة ليفرقوها في اليوم السابع ثم رشوا ملحه ودخل التاجر وهنأ زوجته بالسلامة وقال لها: أين وديعة الله فقدمت له مولوداً بديع الجمال صنع المدبر الموجود وهو ابن سبعة أيام ولكن الذي ينظره يقول عليه أنه ابن عام فنظر التاجر في وجهه فرآه بدراً مشرقاً وله شامات على الخدين فقال لها: ما سميته فقالت له: لو كان بنتاً كنت سميتها وهذا ولد فلا يسميه إلا أنت وكان أهل ذلك الزمن يسمون أولادهم بالفال فبينما هم يتشاورون في الاسم وإذا بواحد يقول:
يا سيدي علاء الدين فقال لها نسميه علاء الدين أبي الشامات ووكل به المراضع والدايات فشرب اللبن عامين وفطموه فكبر وانتشى وعلى الأرض مشى فلما بلغ من العمر سبع سنين أدخلوه تحت طابق خوفاً عليه من العين وقال هذا لا يخرج من الطابق حتى تطلع لحيته ووكل به جارية وعبداً فصارت الجارية تهيء له السفرة والعبد يحملها إليه ثم إنه طاهره وعمل له وليمة عظيمة ثم بعد ذلك أحضر له فقيهاً يعلمه فعلمه الخط والقرآن والعلم إلى أن صار ماهراً وصاحب معرفة فاتفق أن العبد أوصل إليه السفرة في بعض الأيام ونسي الطابق مفتوحاً فطلع علاء الدين من الطابق ودخل على أمه وكان عندها محضر من أكابر النساء.
فبينما النساء يتحدثن مع أمه وإذا هو داخل عليهن كالمملوك السكران من فرط جماله فحين رأينه النسوة غطين وجوههن وقلن لأمه: الله يجازيك يا فلانة كيف تدخلين علينا هذا المملوك الأجنبي أما تعلمين أن الحياء من الإيمان فقالت لهن: سمين الله إن هذا ولدي وثمرة فؤادي وابن شاه بندر التجار شمس الدين ابة الدارة والقلادة والقشفة واللبانة فقلن لها: عمرنا ما رأينا لك ولداً فقالت: إن أباه خاف عليه من العين فجعل مرباه في طابق تحت الأرض. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:38 AM
وفي الليلة الحادية والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم علاء الدين قالت للنسوة: إن أباه خاف عليه من العين فجعل مرباه في طابق تحت الأرض فلعل الخادم نسي الطابق مفتوحاً فطلع منه ولم يكن مرادنا أن يطلع منه حتى تطلع لحيته فهنأها النسوة بذلك وطلع الغلام من عند النسوة إلى حوش البيت ثم طلع المقعد وجلس فيه فبينما هة جالس وإذا بالعبيد قد دخلوا ومعهم بغلة أبيه فقال لهم علاء الدين: أين كانت هذه البغلة فقالوا له: نحن أوصلنا أباك إلى الدكان وهو راكب عليها وجئنا بها. فقال لهم: أي شيء صنعه أبي فقالوا إن أباك شاه بندر التجار بأرص مصر وهو سلطان أولاد العرب. فدخل علاء الدين على على أمه وقال له: يا أمي ما صناعة أبي فقالت له: يا ولدي إن أباك تاجر وهو شاه بندر التجار بأرض مصر وسلطان أولاد العرب وعبيده لا تشاوره في البيع إلا على البيعة التي تكون أقل ثمنها ألف دينار وأما البيع التي تكون بتسعمائة دينار فأقل فإنهم لا يشاورنه عليها بل يبيعونها بأنفسهم ولا يأتي متجر من من بلاد الناس قليلاً أو كثيراً إلا ويدخل تحت يده ويتصرف فيه كيف يشاء ولا ينحزم متجراً ويروح بلاد الناس إلا ويكون من بيت أبيك والله تعالى أعطى أباك يا ولدي مالاً كثيراً لا يحصى. فقال لها: يا أمي الحمد لله الذي جعلني ابن سلطان أولاد العرب ووالدي شاه بندر التجار ولأي شيء تجطونني في الطابق وتتركوني محبوساً فيه فقالت له: يا ولدي نحن ما حطيناك في الطابق إلا خوفاً عليك من أعين الناس فإن العين حق وأكثر أهل القبور من العين فقال لها: يا أمي وأين المفر من القضاء والحذر لا يمنع القدر والمكتوب ما منه مهروب وإن الذي أخذ جدي لا يترك أبي فإنه عاش اليوم وما يعيش غداً وإذا مات أبي وطلعت أنا علاء الدين ابن التاجر شمس الدين لا يصدقني أحد من الناس والإختيارية يقولون عمرنا ما رأينا لشمس الدين ولداً ولا بنتاً فينزل بيت المال ويأخذ يمـــوت الـــرجـــل ويذهـــب مــــــالـــــــهويأخـــذ أنـــذال الـــرجـــال نــــــســـــــاءه فأنت يا أمي تكلمين أبي حتى يأخذني معه إلى السوق ويفتح لي دكاناً وأقعد فيه ببضائع ويعلمني البيع والشراء والأخذ والعطاء فقالت له: يا ولدي إذا حضر أبوك أخبرته بذلك فلما رجع التاجر إلى بيته وجد ابنه علاء الدين أبي الشامات قاعداً عند أمه فقال لها: لأي شيء أخرجتيه من الطابق فقالت له: يا ابن عمي أنا ما أخرجته ولكن الخدم نسوا الطابق مفتوحاً فبينما أنا قاعدة وعندي محضر من أكابر النساء وإذا به دخل علينا وأخبرته بما قال ولده فقال له: يا ولدي في غد إن شاء تعالى آخذك معي إلى السوق ولكن يا ولدي قعود الأسواق والدكاكين يحتاج إلى الأدب والكمال في كل حال فبات علاء الدين وهو فرحان من كلام أبيه.
فلما أصبح الصباح أدخله الحمام وألبسه بدلة تساوي جملة من المال ولما أفطروا وشربوا الشرابات ركب بغلته واركب ولده بغلة وأخذه وراءه وتوجه به إلى السوق فنظر أهل السوق شاه بندر التجار مقبلاً ووراءه غلام كأن وجهه القمر في ليلة أربعة عشر فقال واحد منهم لرفقيه: انظر هذا الغلام الذي وراء شاه بندر التجار وقد كنا نظن به الخير وهو مثل الكرات شائب وقلبه أخضر فقال الشيخ محمد سمسم المتقدم ذكره للتجار: نحن ما بقينا نرضى به أن يكون شيخاً علينا أبداً وكان من عادة شاه بندر التجار أنه لما يأتى من بيته في الصباح ويقعد في دكانه يتقدم نقيب السوق ويقرأ الفاتحة للتجار فيقومون معه ويأتون شاه بندر التجار ويصبحون عليه ثم ينصرف كل واحد منهم إلى دكانه.
فلما قعد شاه بندر التجار في دكانه ذلك اليوم على عادته لم يأت إليه التجار عادته فنادى النقيب وقال له: لأي شيء لم يجتمع التجار على جري عادتهم فقال له: أنا ما أعرف نقل الفتن إن التجار اتفقوا على على عزلك من المشيخة ولا يقرأون لك فاتحة فقال له: ما سبب ذلك فقال له: ما شان هذا الولد الجالس بجانبك وانت إختيار ورئيس التجار فهل هذا الولد هو مملوكك او يقرب لزوجتك وأظن انك تعشقه وتميل إلى الغلام. فصرخ عليه وقال له: اسكت قبح الله ذاتك وصفاتك هذا ولدي.
فقال له: عمرنا ما رأينا لك ولداً فقال له: لما جئتني بمعكر البيض جملت زوجتي وولدته ولكن من خوفي عليه من العين ربيته في طابق تحت الأرض وكان مرادي أنه لا يطلع حتى يمسك لحيته بيده فما رضيت أمه وطلب مني أن أفتح له دكاناً وأحط عنده بضائع وأعلمه البيع والشراء فذهب النقيب إلى التجار وأخبرهم بحقيقة الأمر فقاموا كلهم بصحبته وتوجهوا إلى شاه بندر التجار ووقفوا بين يديه وقرأوا الفاتحة وهناوه بذلك الغلام وقالوا له: ربنا يبقي الأصل والفرع ولكن الفقير منا لما ياتيه ولداً أو بنتالا بد أن يصنع لأخوانه دست عصيدة ويعزمة معارفه وأقاربه وأنت لم تعمل ذلك فقال لهم: لكم علي ذلك ويكون اجتماعنا في البستان.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:39 AM
وفي الليلة الثانية والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شاه بندر التجار وعد التجار بالسماط وقال لهم: يكون اجتماعنا في البستان.
فلما أصبح الصباح أرسل الفراش للقاعة والقصر الذين في البستان وأمره بفرشهما وأرسل آلة الطبخ من خرفان وسمن وغير ذلك مما يحتاج إليه الحال وعمل سماطين سماطاً في القصر وسماطاً في القاعة وتحرم التاجر شمس الدين وتحرم ولده علاء الدين وقال له: يا ولدي إذا دخل الرجل الشائب فأنا اتلقاه وأجلسه على السماط الذي في القصر وأنت ولدي إذا دخل الولد الأمر فخذه وادخل به القاعة واجلسه على السماط فقال له: لأي شيء يا أبي تعمل سماطين واحد للرجال وواحد للأولاد فقال: يا ولدي إن الأمرد يستحي أن يأكل عند الرجال فاستحسن ذلك ولده فلما جاء التجار صلر شمس الدين يقابل الرجال ويجلسهم في القصر وولده علاء الدين يقابل الأولاد ويجلسهم في القاعة ثم وضعوا الطعام وشربوا الشرابات وأطلقوا البخور ثم قعد الإختيارية في مذاكرة العلم والحديث وكان بينهم تاجر يسمى محمود البلخي وكان مسلماً في الظاهر ومجوساً في الباطن وكان يبغي الفساد ويهوى الأولاد فنظر إلى علاء الدين نظرة أعقبته ألف حسرة وعلق له الشيطان جوهرة في وجهه فأخذه به الغرام والوجد والهيام وكان ذلك التاجر الذي اسمه محمود البلخي يأخذ القماش والبضائع من والد علاء الدين. ثم إن محمود البلخي قام يتمشى وانعطف نحوا الأولاد فقاموا لملتقاه وكن علاء الدين فقام يزيل الضرورة فالتفت التاجر محمود إلى الأولاد وقال لهم: إن طيبتم خاطر علاء الدين على السفر مغي أعطيت كل واحد منكم بدلة تساوي جملة من المال ثم توجه منعندهم إلى مجلس الرجال فبينما الأولاد جالسون وإذا بعلاء الدين أقبل عليهم فقاموا لملتقاه وأجلسوه بينهم في صدر المقام فقام ولد منهم وقال لرفيقه: يا سيدي حسن أخبرني برأس المال الذي عندك تبيع فيه وتشتري من أين جاءك فقال له: أنا لما كبرت ونشات وبلغت مبلغ الرجال قلت لأبي: يا والدي أحضر لي متجراً فقال: يا ولدي أنا ما عندي شيء ولكن رح خذ مالاً من واحد تاجر واتجر به وتعلم البيع والشراء والأخذ والعطاء فتوجهت إلى واحد من التجار واقترضت منه ألف دينار فاشتريت بهما قماشاً وسافرت به إلى الشام فربحت المثل مثلين ثم أخذت من الشام وسافرت به إلى بغداد وبعته فربحت المثل مثلين ولم أزل حتى صار رأس مالي نجو عشرة آلاف دينار وصار كل واحد من الأولاد يقول لرفيقه مثل ذلك إلى أن دار الدور وجاء الكلام إلى علاء الدين أبي الشامات فقالوا له: وانت يا سيدي علاء الدين فقال لهم: أنا تربيت في طابق تحت الأرض وطلعت منه في هذه الجمعة وأنا أروح الدكان وأرجع منه إلى البيت فقالوا له: أنت متعود على قعود البيت ولا تعرف لذة السفر والسفر ما يكون إلا للرجال فقال لهم: أنا ما لي حاجة بالسفر وليس للراحة قيمة فقال واحد منهم لرفيقه: هذا مثل السمك إن فارق الماء مات ثم قالوا له: يا علاء الدين ما فخر أولاد التجار لإلا بالسفر لأجل المكسب فحصل لعلاء الدين غيظ بسبب ذلك وطلع من عندالولاد وهو باكي العين فقالت له أمه: ما يبكيك يا ولدي فقال لها: إن أولاد التجار جميعاً يعايرونني وقالوا لي: ما فخر أولاد التجار إلا بالسفر لأجل أن يكسبوا الدراهم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:40 AM
وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين قال لوالدته: إن أولاد التجار عايروني وقالوا لي: ما فخر أولاد التجار إلا بالسفر لأجل أن يكسبوا الدراهم والدنانير فقالت أمه: يا ولدي هل مرادك السفر قال: نعم فقالت له: تسافر إلى أي البلاد فقال لها: إلى مدينة بغداد فإن الإنسان يكسب فيها المثل مثلين فقالت: يا ولدي إن أباك عنده مال كثير وإن لم يجهز لك متجراً من ماله فأنا أجهز لك متجراً من عندي فقال لها: خير البر عاجله فإن كان معروفاً فإن هذا وقته فاحضرت العبيد وأرسلتهم إلى الذين يحزمون القماش وفتحت حاصلاً واخرجت منه قماشاً وحزموا عشرة أحمال. هذا ما كان من أمر أمه.
و أما ما كان من أمر أبيه فإنه التفت فلم يجد ابنه علاء الدين في البستان فسأل عنه فقالوا انه ركب بغلته وراح إلى البيت فركب وتوجه خلفه فلما دخل منزله رأى أحمالاً محزومة فسأل عنها فأخبرته زوجته بما وقع من أولاد التجار لولده علاء الدين فقال له: يا ولدي خيب الله الغربة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سعادة المرء أن يرزق في بلده. وقال الأقدمون: دع السفر ولو كان ميلاً ثم قال لولده: عل صممت على السفر ولا رجع عنه فقال له ولده: لا بد لي من السفر إل بغداد بمتجر وإلا قلعت ثيابي ولبس ثياب الدراويش وطلعت سائحاً في البلاد فقال له: ما أنا محتاج ولا معدم بل عندي منال كثير وأراه جميع ما عنده من المال والمتاجر والقماش وقال له: أنا عندي لكل بلد ما يناسبها من القماش والمتاجر وأراه من جمل ذلك أربعين حملاً محزمين ومكتوباً على كل حمل ثمنه ألف دينار ثم قال: يا ولدي خذ الأربعين حملاً والعشرة أحمال التي من عند أمك وسافر مع سلامة الله تعالى ولكن يا ولدي أخاف عليك من غابة في طريقك تسمى غابة الأسد وواد هناك يقال له واد الكلاب فإنهما تراوح فيهما الأرواح بغير سماح فقال له: لماذا يا والدي فقال: من بدوي قاطع الطريق يقال له: عجلان فقال له: الرزق رزق الله وإن كان لي فيه نصيب لم يصبني ضرر ثم ركب علاء الدين مع والده وسار إلى سوق الدواب وإذا بعكام نرل من فوق بغلته وقبل يد شاه بندر التجار وقال له: والله زمان يا سيدي ما استقضينا في تجارات فقال له: لكل زمان دولة ورجال ورحم الله من قال: وشـــيخ فـــي جـــهـــات الأرض يمـــشـــيولـــحـــيتـــه تـــقـــابـــل ركـــبــــــتـــــــيه فـــقـــلـــت لـــه لـــمـــاذا أنـــت مـــحـــــنفـــقـــال وقـــد لــــوى نـــــــحـــــــوي يديه شـبـابـي فـي الـثـــرى قـــد ضـــاع مـــنـــيوهـــاأنـــا مـــنـــحـــن بـــحـــثـــاً عـــلـــيه فلما فرغ من شعره قال: يا مقدم ما مراده السفر إلا ولدي هذا فقال له العكام: الله يحفظه
عليك ثم إن شاه بندر التجار عاهد بين ولده وبين العكام وجعله ولده وأوصاه عليه وقال له: خذ هذه المائة دينار لغلمانة ثم إن شاه بندر التجار اشترى ستين بغلاً وستر السيد عبد القادر الجيلاني وقال له: يا ولدي أنا غائب وهذا أبوك عوضاً عني وجميع ما يقوله لك طاوعه فيه ثم توجه بالبغال والغلمان وعملوا في تلك الليلة ختمة ومولد الشيخ عبد القادر الجيلاني ولما أصبح الصباح أعطى شاه بندر التجار لولده عشرة آلاف دينار وقال له: إذا دخلت بغداد ولقيت القماش رائجاً معه فبعه وإن لقيت حاله واقفاً اصرف من هذه الدنانير ثم حملوا البغال وودعوا بعضهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:41 AM
وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين والعكام لما أمروا العبيد أن يحملوا البغال ودعوا شاه بندر التجار والد علاء الدين وساروا حتى خرجوا من المدينة وكان محمود البلخي تجهز للسفر إلى جهة بغداد وأخرج حموله ونصب صواوينه خارج المدينة وقال في نفسه: ما تحظى بهذا الولد إلا في الخلاء لأنه لا واشي ولا رقيب يعكر عليك وكان لأب الولد ألف دينار عند محمود البلخي بقية معاملة فذهب إليه وودعه وقال له: أعط اللف دينار لولدي علاء الدين وأوصاه عليه وقال: إنه مثل ولدك فاجتمع علاء الدين بمحمود الذي قدم لعلاء الدين المأكل والمشرب هو وجماعته ثم توجهوا للسفر وكان للتاجر محمود البلخي أربعة بيوت واحد في مصر وواحد في الشام وواحد في حلب وواحد في بغداد ولم يزالوا مسافرين في البراري والقفار حتى أشرفوا على الشام فأرسل محمود عبده إلى علاء الدين فرآه قاعداً يقرأ فتقدم وقبل يديه فقال: ما تطلب فقال له: سيدي يسلم عليك ويطلبك لعزومتك في منزله فقال له: لما أشاور أبي المقدم كمال الدين العكام فشاوره على الرواح فقال له: لا ترح ثم سافروا من الشام إلى أن دخلوا إلى حلب فعمل محمود البلخي عزومة وأرسل يطلب علاء الدين فشاور المقدم فمنعه وسافروا من حلب إلى أن بقي بينهم وبين بغداد مرحلة فعمل محمود البلخي عزومة وأرسل بطلب علاء الدين فشاور المقدم فمنعه فقال علاء الدين: لا بد لي من الرواح ثم قام وتقلد بسيف تحت ثيابه وسار إلى أن دخل على محمود البلخي فقام لملتقاه وسلم عليه وأحضر له سفرة عظيمة فأكلوا وشربوا وغسلوا أيديهم ومال محمود البلخي على علاء الدين ليأخذ منه قبلة فلاقاه في كفه وقال له: ما مرادك أن تعمل فقال: إني أحضرتك ومرادي أعمل معك حظاً في هذا المجال ونفسر قول من قال: أيمــكـــن أن تـــجـــيء لـــنـــا لـــحـــظـــهكـــجـــلـــب شـــويهة أو شـــي بـــيضـــــه وتـــأكـــل مـــا تـــيســـر مـــن خـــبـــــــيزوتـقـبـض مـا تـحـمــل مـــن فـــضـــيضـــه وتـحـمــل مـــا تـــشـــاء بـــغـــير عـــســـرشـــبـــيراً أو فـــتـــيراً أو قـــبـــــيضـــــــه ثم إن محمود البلخي هم بعلاء الدين وأراد أن يفترسه فقام علاء الدين وجرد سيفه وقال له: احـفـظ مــشـــيبـــك مـــن عـــيب يدنـــســـهإن الـبـياض سـريع الـحــمـــل لـــلـــدنـــس فلما فرغ علاء الدين من شعره قال لمحمود: إن هذه البضاعة أمانة الله لا تباع ولو بعتها لغيرك لبعتها لك بالفضة ولكن والله يا خبيث ما بقيت أرافقك أبداً ثم رجع علاء الدين إلى المقدم كمال الدين وقال له: إن هذا رجل فاسق فأنا ما بقيت أرافقه أبداً ولا أمشي معه في الطريق فقال له: يا ولدي قلت لك لا تروح عنده ولكن يا ولدي إن افترقنا منه نخشى على انفسنا التلف فخلنا قفلاً واحداً.
فقال له: لا يمكن أن أرافقه في الطريق أبداً ثم حمل علاء الدين حموله وسار هو ومن معه إلى أن نزلوا في واد وأرادوا أن يحطوا فيه فقال العكام: لا تحطوا هنا واستمروا رائحين وأسرعوا في المسير لعلنا نحصل بغداد قبل أن تقفل أبوابها فإنهم لا يفتحونها ولا يقفلونها إلا بعد الشمس خوفاً على المدينة أنيملكها الروافض ويرموا كتب العلم في دجلة فقال له: يا والدي أنا ما توجهت بهذا المتجر إلى هذا البلد لأجل أن أتسبب بل لأجل الفرجة على بلاد الناس فقال له: يا والدي نخشى عليك وعلى مالك من العرب فقال له علاء الدين: عل أنت خادم أو مخدوم أنا ما أدخل بغداد لإلا في وقت الصباح لأجل أن تنظر أولاد بغداد إلى متجري ويعرفونني فقال له العكام: افعل ما تريد فأنا أنصحك وأنت تعرف خلاصك فأمرهم علاء الدين بتنزيل الأحمال عن البغال فأنزلوا الأحمال ونصبوا الصيوان واستمروا مقيمين إلى نصف الليل. ثم طلع علاء الدين يزيل ضرورة فرأى شيئاً يلمع على بعد فقال للعكام: يا مقدم ما هذا الشيء الذي يلمع فتأمل العكام وحقق النظر فرأى الذي يلمع أسنة رماح وسيوفاً بدوية وإذا بهم عرب ورئيسهم يسمى شيخ العرب عجلان أبو ناب ولما قرب العرب منهم ورأوا حمولهم قالوا لبعضهم: يا ليلة الغنيمة.
فلما سمعوهم يقولون ذلك قال المقدم كمال الدين العكام: حاس يا أقل العرب فلطشه أبو ناب
بحربته في صدره فخرجت تلمع من ظهره فوقع على باب الخيمة قتيلاً فقال السقا: حاس يا أخس العرب فضربوه بسيف على عاتقه فخرج يلمع من علائقه ووقع قتيلاً كل هذا جرى وعلاء الدين واقف ينظر. ثم إن العرب جالوا وصالوا على القافلة فقتلوهم ولم يبق أحد من طائفة علاء الدين ثم حملوا الأحمال على ظهور البغال وراحوا فقال علاء الدين لنفسه: ما يقتلك إلا بغلتك وبدلتك هذه فقام وقطع البدلة ورماها على ظهر البغلة وصار بالقميص واللباس فقط والتفت قدامه إلى باب الخيمة فوجد بركة دم سائلة من القتلى فصار يتمرغ فيها بالقميص واللباس حتى صار كالقتيل الغريق في دمه. هذا ما كان من أمره.
و أما ما كان من أمر شيخ العرب عجلان فإنه قال لجماعته: يا عرب هذه القافلة داخلة من

هانى رفعت
04-13-2010, 08:42 AM
وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن البدوي لما قال لجماعته: يا عرب هذه القافلة داخلة من مصر أو خارجة من بغداد فقالوا له: داخلة من مصر إلى بغداد فقال لهم: ردوا على القتلى لأني أظن أن صاحب هذه القافلة لم يمت فرد العرب على القتلى وصاروا يردون القتلى بالطعن والضرب إلى أن وصلوا إلى علاء الدين وكان قد ألقى نفسه بين القتلى. فلما وصلوا إليه قالوا: أنت جعلت نفسك ميتاً فنحن نكمل قتلك وسحب البدوي الحربة وأراد أن يغرزها في صدر علاء الدين فقال علاء الدين: يا بركتك يا سيدتي نفيسة هذا وقتك وإذا بعقرب لدغ البدوي في كفه فصرخ وقال: يا عرب تعالوا إلي فإني لدغت ونزل من فوق ظهر فرسه فأتاه رفقاؤه وأركبوه ثانية على فرسه وقالوا له: أي شيء أصابك فقال لهم: لدغني عقرب ثم أخذوا القافلة وساروا. هذا ما كان من أمرهم.
و أما ما كان من أمر محمود البلخي فإنه أمر بتحميل الأحمال وسافر إلى أن وصل إلى غابة الأسد فوجد غلمان علاء الدين كلهم قتلى وعلاء الدين نائماً وهو عريان بالقميص واللباس فقط فقال له: من فعل بك هذه الفعال وخلاك في أسوأ حال فقال له: العرب فقال: يا ولدي فداك إذا سـلـمـت هـام الـــرجـــال مـــن الـــردىفـمـا الـمـال إلا مـــثـــل قـــص الأظـــافـــر و لكن يا ولدي انزل ولا تخشى بأساً فنزل علاء الدين من شباك الصهريج وأركبه بغلة وسافروا إلى أن دخلوا مدينة بغداد في دار محمود البلخي فأمر بدخول علاء الدين الحمام وقال له: المال والأحمال فداؤك يا ولدي وإن طاوعتني أعطيك قدر مالك وأحمالك مرتين وبعد طلوعه من الحمام أدخله قاعو مزركشة بالذهب لها أربعة لواوين ثم أمر بإحضار سفرة فيها جميع الأطعمة فأكلوا وشربوا ومال محمود البلخي على علاء الدين ليأخذ من خده قبلة فلقيها علاء الدين بكفه وقال له: هل أنت إلى الآن قابع لضلالك أما قلت لك: أنا لو كنت بعت هذه البضاعة لغيرك بالذهب ما كنت أبيعها لك بالفضة فقال: أنا ما أعطيتك المتجر والبغلة والبدلة إلا لأجل هذه القضية فإنني من غرامي بك في خيال ولله در من قال: حـــدثـــنـــا عـــن بـــعـــض أشـــياخـــــــهأبـــو بـــلال شـــيخـــنـــا عـــن شـــــــريك لا يشـــتـــفـــي الـــعـــاشـــق مـــمـــا بــــهبـالـضـــم والـــتـــقـــبـــيل حـــتـــى ينـــيك فقال له علاء الدين: إن هذا شيء لا يمكن أبداً فخذ بدلتك وبغلتك وافتح الباب حتى أروح ففتح الباب فطلع علاء الدين والكلاب تنبح وراءه وسار فبينما هو سائر إذ بباب مسجد فدخل في دهليز المسجد واستكن فيه وإذا بنور مقبل عليه فتأمله فرأى فانوسين في يد عبدين قدام اثنين من التجار واحد منهما إختيار حسن الوجه والثاني شاب فسمع الشاب يقول لإختيار: بالله يا عمي أن ترد لي بنت عمي. فقال له: أما نهيتك مراراً عديدة وانت جاعل الطلاق مصحفك ثم إن الإختيار التفت على يمينه فرأى ذلك الولد كأنه فلقة قمر فقال: يا غلام من أنت فقال له: أنا علاء الدين بن شمس الدين شاه بندر التجار بمصر وتمنيت على والدي المتجر فجهز لي خمسين حملاً من البضاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:43 AM
وفي الليلة السادسة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين: فجهز لي خمسين حملاً من البضاعة وأعلطاني عشرة آلاف دينار وسافرت حتى وصلت إلى غابة الأسد فطلع علي العرب وأخذوا مالي وأحمالي فدخلت هذه المدينة وما أدري أين أبيت فرأيت هذا المحل فاستكنت فيه فقال له: يا ولدي ما تقول في أني أعطيك ألف دينار وبدلة بألف دينار فقال له علاء الدين: على أي وجه تعطيني ذلك يا عمي فقال له: إن هذا الغلام الذي معي ولم يكن لأبيه غيره وأنا عندي بنت لم يكن لي غيرها تسمى زبيدة العودية وهي ذات حسن وجمال فزوجتها له وهو يحبها وهي تكرهه فحنث يمينه بالطلاق الثلاث فما صدقت زوجته بذلك حتى افترقت منه فشاروا علي جميع الناس أني أردها له فقلت له: هذا لا يصح إلا بالمحلل واتفقت معه على أن نجعل المحلل له واحداً
غريباً لا يعايره أحد بهذا الأمر وحيث كنت أنت غريباً فتعال معنا لكتب كتابك عليها وتبيت عندها هذه الليلة وتصبح تطلقها ونعطيك ما ذكرته لك فقال علاء الدين في نفسه: مبيتي ليلة مع عروس في بيت على فراش أحسن من مبيتي في الأزقة والدهاليز فسار معهما إلى القاضي.
فلما نظر القاضي لإلى علاء الدين وقعت محبته في قلبه وقال لأبي البنت: أي شيء مرادكم فقال: مرادنا أن نعمل هذا محللاَ لبنتنا ولكن نكتب عليه حجة بمقدم الصداق عشرة آلاف دينار فإذا بات عندها وأصبح طلقها أعطيناه بدلة بألف دينار فعقدوا العقد على هذا الشرط وأخذ أبو البنت حجة بذلك ثم أخذ علاء الدين معه وألبسه البدلة وساروا به إلى أن وصلوا دار ابنته فأوقفه على باب الدار ودخل على ابنته وقال لها: خذي حجة صداقك فإني كتبت على شاب مليح يسمى علاء الدين أبي الشامات فتوصي به غاية الوصاية ثم أعطاها الحجة وتوجه إلى بيته.
و اما ابن عم البنت فإنه كان له قهرمانة تتردد على زبيدة العودية بنت عمه وكان يحسن إليها فقال لها: يا أمي إن زبيدة بنت عمي متى رأت هذا الشاب المليح لا تقبلني بعد ذلك فأنا أطلب منك أنتعملي حيلة وتمنعي الصبية عنه فقالت له ك وحياة شبابك ما أخليه يقربها. ثم إنها جاءت لعلاء الدين وقالت له: يا ولدي أنصحك بالله تعالى فاقبل نصيحتي ولا تقرب تلك الصبية ودعها تنام وحدها وتلمسها ولا تدن منها فقال: لأي شيء فقالت له: إن جسدها ملآن بالجذام وأخاف عليك منها أنتعدي شبابك المليح فقال لها: ليس لي بها حاجة ثم انتقلت إلى الصبية وقالت لها مثل ما قالت لعلاء الدين فقالت لها: لا حاجة لي به بل أدعه ينام وحده ولما يصبح الصباح يروح لحال سبيله.
ثم دعت الجارية وقالت لها: خذي سفرة الطعام وأعطيها له يتعشى فحملت الجارية سفرة الطعام ووضعتها بين يديه فاكل حتى اكتفى ثم قعد وقرأ سورة يس بصوت حسن فصغت له الصبية فوجدت صوته يشبه مزامير آل داود فقالت في نفسها: الله ينكد على هذه العجوز التي قالت لي عليه انه مبتلى بالجذام فمن كانت به هذه الحالة لا يكون صوته هكذا وغنما هذا الكلام كذب.
ثم إنها وضعت في يديها عوداً من صنعة الهنود وأصلحت أوتاره وغنت عليه بصوت يوقف الطير في كبد السماء وأنشدت هذين البيتين:
تـعـشـقـت ظـبـياً نـاعـس الـطــرف أحـــوراتـغـار غـصـون الـبـان مــنـــه إذا مـــشـــى فلما سمعها انشدت هذا الكلام بعد أن ختم السورة غنى وانشد هذا البيت: سـلامـي عـلـى مـا فـي الـثـياب مـن الــقـــدومـا فـي خـدود الـبـســاتـــين مـــن الـــورد فقامت الصبية وقد زادت محبتها له ورفعت الستارة فلما رآها علاء الدين أنشد هذين البيتين: بـــدت قـــمـــر ومـــالـــت غـــصـــن بـــانوفـــاحـــت عـــنـــبـــراً ورنـــت غــــــزالا كـأن الـحــزن مـــشـــغـــوف بـــقـــلـــبـــيفــســـاعة هـــجـــرهـــا يجـــد الـــوصـــالا ثم غنها خطر تهز اردافاً تميل بأعطاف صنعة خفي الألطاف ونظر كل واحدمنهما نظرة أعقبتها ألف حسرة فلما تمكن في قلبه منها سهم اللحظين أنشد هذين البيتين: بـدت قـمـــر الـــســـمـــاء فـــأذكـــرتـــنـــيلـــيالـــي وصـــلـــهـــا بـــالـــرقـــمـــتـــين كـــلانـــا نـــاظـــر قـــمـــراً ولــــــكـــــــنرأيت بـــعـــينـــهـــا ورأت بـــعـــــينـــــــي فلما قربت منه ولم يبقبينه وبينها غير خطوتين وانشد هذين البيتين: نـشـــرت ثـــلاث ذوائب مـــن شـــعـــرهـــافـــي لـــيلة فـــأرت لـــيالـــي أربــــعـــــــا واسـتـقـبـلـت قـمـر الـسـمـاء بــوجـــهـــهـــافـأرتـنـي الـقـــمـــرين فـــي وقـــت مـــعـــا فلما أقبلت عليه قال لها: ابعدي عني لئلا تعديني فكشفت عن معصمها فانفرق المعصم فرقتين وبياضه كبياض اللجين ثم قالت له: ابعد عني فإنك مبتلى بالجذام لئلا تعديني فقال لها: وأنا الآخر أخبرتني العجوز أنك مصابة بالبرص ثم كشف لها عن ذراعه فوجدت بدنه كالفضة النقية فضمته إلى حضنها وضمها إلى صدره واعتنق الاثنان بعضهما.
ثم أخذته وراحت على ظهرها وفكت لباسها فتحرك عليها الذي خلفه له الوالد فقالت: مددك يا شيخ زكريا يا أبا العروق وحط يديه على خاصرتيها ووضع عرق الحلاوة في الخرق فوصل إلى باب الشعرية وكان مورده من باب الفتوح وبعد ذلك دخل سوق الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس فوجد البساط على قدر الليوان ودور الحق على غطاه حتى ألقاه.
فلما أصبح الصباح قال لها: يا فرحة ما تمت أخذها الغراب وطار فقالت له: ما معنى هذا الكلام فقال لها: سيدتي ما بقي لي قعود معك غير هذه الساعة فقالت له: من يقول ذلك فقال لها: إن أباك كتب علي حجة بعشرة آلاف دينار مهرك وإن لم أوردها هذا اليوم حبسوني
عليها في بيت القاضي والآن يدي قصيرة عن نصف فضة واحد من العشرة آلاف دينار فقالت له: يا سيدي هل العصمة بيدك أو بأيديهم فقال لها: العصمة بيدي ولكن ما معي شيء فقالت له: إن الأمر سهل ولا تخشى شيئاً ولكن خذ هذه المائة دينار ولو كان معي غيرها لأعطيتك ما تريد فإن أبي من محبته لابن أخيه حول جميع ماله من عندي إلى بيته حتى صيغتي أخذها كلها وإذا أرسل إليك رسولاً من طرف الشرع في غد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:55 AM
وفي الليلة الحادية والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية قالت لعلاء الدين: وإذا أرسلوا إليك رسولاً من طرف الشرع في غد وقال لك القاضي وأبي: طلق فقل لهما: في أي مذهب يجوز أنني أتزوج في العشاء وأطلق في الصباح ثم إنك تقبل يد القاضي وتعطيه إحساناً وكذا كل شاهد تقبل يده وتعطيه عشرة دنانير فكلهم يتكلمون معك فإذا قالوا لك: لأي شيء ما تطلق وتأخذ ألف دينار والبغلة والبدلة على حكم الشرط الذي شرطناه عليك فقل لهم: أنا ما عندي فيها كل شعرة بألف دينار ولا أطلقها أبداً ولا آخذ بدلة ولا غيرها فإذا قال لك القاضي: ادفع المهر فقل له: أنا معسر الآن وحينئذ يسترفق بك القاضي والشهود ويمهلونك مدة.
فبينما هما في الكلام وإذا برسول القاضي يدق الباب فخرج إليه فقال له الرسول: كلم الأفندي فإن نسيبك طالبك فأعطاه خمسة دنانير وقال له: يا محضر في أي شرع أني أتزوج في العشاء وأطلق في الصباح فقال له: لا يجوز عندنا أبداً وإن كنت تجهل الشرع فأنا أعمل وكيلك وساروا إلى المحكمة فقالوا له: لأي شيء لم تطلق المرأة وتأخذ ما وقع عليه الشرط فتقدم إلى القاضي وقبل يده ووضع فيها خمسين ديناراً وقال له: يا مولانا القاضي في أي مذهب أني أتزوج في العشاء وأطلق في الصباح قهراً عني فقال القاضي: لا يجوز الطلاق بالإجبار في أي مذهب من المسلمين. فقال أبو الصبية: إن لم تطلق فادفع الصداق عشرة آلاف دينار فقال علاء الدين: أمهلني ثلاثة أيام فقال القاضي: لا تكفي ثلاثة أيام في المهلة يمهلك عشرة أيام واتفقوا على ذلك وشرطوا عليه بعد عشرة أيام وإما الطلاق فطلع من عندهم على هذا الشرط فأخذ اللحم والأرز والسمن وما يحتاج إليه من المأكل وتوجه إلى البيت فدخل على الصبية وحكى جميع ما جرى له بين الليل والنهار يساوي عجائب ولله در من قال:
كـــن حـــلـــيمـــاً إذا بـــلـــيت بـــغـــــــيظوصـــبـــوراً إذا أتـــتــــك مـــــــصـــــــيبة فـالـلـــيالـــي مـــن الـــزمـــان حـــبـــالـــىمـــثـــقـــلات يلـــدن كـــل عـــــــجـــــــيبة ثم قامت وهيأت الطعام وأحضرت السفرة فأكلا وشربا وتلذذا وطربا ثم طلب منها أن تعمل نوبة سماع فأخذت العود وعملت نوبة يطرب منها الحجر الجلمود ونادت الأوتار في الحضرة يا داود ودخلت في دارج النوبة فبينما هما في حظ ومزاح وبسط وانشراح وإذا بالباب يطرق فقالت له: قم انظر من في الباب فنزل وفتح الباب فوجد أربعة دراويش واقفين فقال لهم: أي شيء تطلبون فقالوا له: يا سيدسي نحن دراويش غرباء الديار وقوت روحنا السماع ورقائق الأشعار ومرادنا أن نرتاح عندك هذه الليلة إلى وقت الصباح ثم نتوجه إلى حال سبيلنا وأجرك على الله تعالى فإننا نعشق السماع وما فينا واحد إلا ويحفظ القصائد والأشعار والموشحات.
فقال لهم: علي مشورة ثم طلع وأعلمها فقالت له: افتح له الباب وأطلعهم وأجلسهم ورحب بهم ثم احضر لهم طعاماً فلم يأكلوا وقالوا له: يا سيدي إن زاردنا ذكر الله بقلوبنا وسماع المغاني بآذاننا ولله در من قال: وام الـقـصـد إلا أن يكـون اجـتــمـــاعـــنـــاومـــا الأكـــل إلا ســـمة الـــبـــــــهـــــــائم و قد كنا نسمع عندك سماعاً لطيفاً فلما طلعنا بطل السماع فيا هل ترى التي كانت تعمل النوبة جارية بيضاء أو سوداء أو بنت ناس فقال لهم: هذه زوجتي وحكى لهم كل ما جرى له وقال لهم: إن نسيبي عمل علي عشرة آلاف دينار مهرها وأمهلوني عشرة أيام فقال درويش منهم: لا تحزن ولا تأخذ في خاطرك إلا الطيب فأنا شيخ التكية وتحت يدي أربعون درويشاً أحكم عليهم وسوف أجمع لك العشرة آلاف دينار منهم وتوفي المهر الذي عليك لنسيبك ولكن قل لها أن تعمل لنا نوبة لأجل نحظى بسماعها ويحصل لنا انتعاش فإن السماع لقوم كالغذاء لقوم ولقوم كالدواء ولقوم كالمروحة.
و كان هؤلاء الدراويش الأربعة: الخليفة هارون الرشيد والوزير جعفر البرمكي وأبو نواس الحسن بن هانئ ومسرور سياف النقمة وسبب مرورهم على هذا البيت أن الخليفة حصل له ضيق صدر فقال للوزير: إن مرادنا أن ننزل ونشق في المدينة لأنه حاصل عندي ضيق صدر فلبسوا لبس الدراويش ونزلوا في المدينة فجازوا على تلك الدار فسمعوا النوبة فأحبوا أن يعرفوا حقيقة الأمر ثم إنهم باتوا في حظ ونظام ومناقلة كلام إلى أن أصبح الصباح فحط الخليفة مائة
دينار تحت السجادة ثم أخذوا خاطره وتوجهوا إلى حال سبيلهم فلما رفعت الصبية السجادة رأت مائة دينار تحتها فقالت لزوجها: خذ هذه المائة دينار التي وجدتها تحت السجادة لأن الدراويش حطوها قبل ما يروحوا وليس عندنا علم بذلك فأخذها علاء الدين وذهب إلى السوق واشترى اللحم والأرز والسمن وكل ما يحتاج إليه وفي ثاني ليلة أوقد الشمع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:56 AM
وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين أوقد الشمع في ثاني ليلة وقال لزوجته زبيدة: إن الدراويش لم يأتوا بالعشرة آلف دينار التي وعدوني بها ولكن هؤلاء فقراء فبينما هما في الكلام وإذا بالدراويش قد طرقوا الباب فقالت له: انزل افتح لهم ففتح لهم وطلعوا فقال لهم: هل أحضرتم العشرة آلاف دينار التي وعدتموني بها فقالوا: ما تيسر منها شيء ولكن لا تخشى بأساً إن شاء الله في غد نطبخ لك طبخة كيمياء وأأمر زوجتك أن تسمعنا نوبة على العود ترقص الحجر الجلمود فباتوا في هناء وسرور ومسامرة وحبور إلى أن طلع الصباح وأضاء بنوره ولاح فحط الخليفة مائة دينار تحت السجادة ثم أخذوا خاطره وانصرفوا من عنه إلى حال سبيلهم. ولم يزالوا يأتون إليه على هذه الحال مدة تسع ليال وكل ليلة يحط الخليفة تحت السجادة مائة دينار إلى أن أقبلت الليلة العاشرة فلم يأتوا وكان السبب في انقطاعهم أن الخليفة أرسل إلى رجل عظيم من التجار وقال له: أحضر لي خمسين حملاً من الأقمشة التي تجئ من مصر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:57 AM
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد المئتين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن أمير المؤمنين قال لذلك التاجر: أحضر لي خمسين حملاً من القماش الذي يجئ من مصر يكون كل حمل ثمنه ألف دينار واكتب على كل حمل ثمنه وأحضر لي عبداً حبشياً فأحضر له التاجر كل ما أمره به الخليفة ثم إن الخليفة أعطى العبد طشتاً وإبريقاً من الذهب وهدية والخمسين حملاً وكتب كتاباً على لسان شمس الدين شاه بندر التجار بمصر والد علاء الدين وقال له: خذ هذه الأحمال وما معها ورح بها إلى الحارة الفلانية التي فيها بيت شاه بندر التجار وقل: أين سيدي علاء الدين أبو الشامات فإن الناس يدلونك على الحارة وعلى البيت فأخذ العبد الأحمال وما معها وتوجه كم أمره الخليفة. هذا ما كان من أمره.
و أما ما كان من أمر ابن عم الصبية فإنه توجه إلى أبيها وقال له: تعالى نروح لعلاء الدين لنطلق بنت عمي فنزل وسار هو وأبوه وتوجها إلى علاء الدين فلما وصل إلى البيت وجدا خمسين بغلاً وعليها خمسين حملاً من القماش وعبداً راكب بغلة فقالا له: لمن هذه الأحمال فقال: لسيدي علاء الدين أبو الشامات فإن أباه كان قدجهز له متجراً وسفره إلى مدينة بغداد فطلع عليه العرب فأخذوا ماله وأحماله فبلغ الخبر إلى أبيه فأرسلني إليه بأحمال عوضها وأرسل معي بغلاً عليه خمسون ألف دينار وبقجة تساوي جملة من المال وكرك سمور وطشتاً وإبريقاً من الذهب فقال أبوالبنت: هذا نسيبي وأنا أدلك على بيته.
فبينما علاء الدين قاعد في البيت وهو في غم شديد وإذا بالباب يطرق فقال علاء الدين: يا زبيدة الله أعلم أن أباك أرسل لي رسولاً من طرف القاضي أو من طرف الوالي فقالت له: انزل وانظر الخبر فنرل وفتح الباب فرأى نسيبه شاه بندر التجار أبا زبيدة ورأى عبداً حبشياً أسمر اللون حلو المنظر راكباً فوق بغلة فنزل العبد وقبل يديه فقال له: أي شيء تريد فقال له العبد: أنا عبد سيدي علاء الدين أبي الشامات بن شمس الدين شاه بندر التجار بأرض مصر وقد أرسلني إليه أبوه بهذه الأمانة ثم أعطاه الكتاب فأخذه علاء الدين وفتحه وقرأه فرأى مكتوباً فيه: يا كـــتـــابـــي إذا رآك حــــــبـــــــيبـــــــيقـــبـــل الأرض والـــنــــعـــــــال لـــــــديه وتـــمـــهـــل ولا تـــكـــن بـــعــــجـــــــولإن روحـــــــي وراحـــــــت فــــــــــي يديه بعد السلام والتحية والإكرام من شمس الدين إلى ولده علاء الدين: اعلم يا ولدي أنه بلغني خبر قتل رجالك ونهب أموالك وأحمالك فأرسلت إليك غيرها هذه الخمسين حملاً من القماش المصري والبدلة والكر السمور والطشت والإبريق الذهب ولا تخشى بأساً والمال فداؤك يا ولدي ولا يحصل لك حزن أبداً وإن أمك وأهل البيت طيبون بخير وهم يسلمون عليك كثير السلام وبلغني يا ولدي خبر وهو أنهم عملوك محللاً للبنت زبيدة العودية وعملوا عليك مهرها خمسين ألف دينار فهي واصلة إليك صحبة الأحمال مع عبدك سليم فلما فرغ من قراءة الكتاب تسلم الأحمال ثم التفت إلى نسيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن علاء الدين لما التفت إلى نسيبه قال له: يا نسيبي خذ الخمسين ألف دينار مهر ابنتك زبيدة وخذ الأحمال تصرف فيها ولك المكسب ورد لي رأس
المال فقال له: لا والله لا آخذ شيئاً وأما مهر زوجتك فاتفق أنت وإياها من جهته فقام علاء الدين هو ونسيبه ودخلا البيت بعد إدخال الحمول فقالت زبيدة لأبيها: يا أبي لمن هذه الأحمال فقال لها: هذه الأحمال لعلاء الدين زوجك أرسلها إليه أبوه عوضاً عن الأحمال التي أخذها العرب منه وأرسل إليه الخمسين ألف دينار وبقجة وكرك سمور وبغلة وطشتاً وإبريقاً ذهباً وأما من جهة مهرك فالرأي إليه لك فيه فقام علاء الدين وفتح الصندوق وأعطاها إياه فقال الولد ابن عم البنت: يا عم خل علاء الدين يطلق لي امرأتي قال له: هذا شيء ما بقي يصح أبداً والعصمة بيده فراح الولد مهموماً مقهوراً ورقد في بيته ضعيفاً فكانت القاضية فمات. وأما علاء الدين فإنه طلع إلى السوق بعد أناخذ الأحمال وأخذ ما يحتاج إليه من المأكل والمشرب والسمن وعمل نظاماً مثل كل ليلة وقال لزبيدة: انظلاي هؤلائ الدراويش الكذابين قد وعدونا وأخلفوا وعدهم فقالت له: أنت ابن شاه بندر التجار وكانت يدك قصيرة عن نصف فضية فكيف بالمساكين الدراويش فقال لها: أغنانا الله تعالى عنهم ولكن ما بقيت أفتح لهم الباب إذا أتوا إلينا فقالت له: لأي شيء والخير ما جاءنا إلا إلى قدومهم وكل ليلة يحطون تحت السجادة لنا مائة دينار فلا بد أن تفتح لهم الباب إذا جاؤوا فلما ولى النهار بضيائه وأقبل الليل أوقد الشمع وقال لها: يا زبيدة قومي اعملي لنا نوبة وإذا بالباب يطرق فقالت له: قم انظر من بالباب فنزل وفتح الباب رآهم الدراويش فقال: مرحباً بالكذابين اطلعوا فطلعوا معه وأجلسهم وجاء لهم بسفرة الطعام فأكلوا وشربوا وتلذذوا وبعد ذلك قالوا له: يا سيدي إن قلوبنا عليك مشغولة أي شيء جرى لك مع نسيبك فقال لهم: عوض الله علينا بما فوق المراد فقالوا له: والله إنا كنا خائفين عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:58 AM
وفي الليلة الواحدة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن الدراويش قالوا لعلاء الدين: والله إنا كنا خائفين عليك وما منعنا إلا قصر أيدينا عن الدراهم فقال لهم: قد أتناي الفرج القريب من ربي وقد أرسل لي والدي خمسين ألف دينار وخمسين حملاً من القماش ثمن كل حمل ألف دينار وبدلة وكرك سمور وبغلة وعبداً وطشتاً وإبريقاً من الذهب ووقع الصلح بيني وبين نسيبي وطابت لي زوجتي والحمد لله على ذلك ثم إن الخليفة قام يزيل ضرورة فمال الوزير جعفر على علاء الدين وقال له: الزم الأدب فإنك في حضرة أمير المؤمنين فقال له: أي شيء وقع مني من قلة الأدب في حضرة أمير
المؤمنين ومن هو أمير المؤمنين منكم فقال له: إنه الذي كان يكلمك وقام يزيل الضرورة هو أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد وأنا الوزير جعفر البرمكي وهذا مسرور سياف نقمته وهذا أبو نواس الحسن بن هانئ فتأمل بعقلك يا علاء الدين وانظر مسافة كم يوم في السفر من مصر إلى بغداد فقال له الخمسة والأربعين يوماً فقال له: إن حمولك نهبت منذ عشرة أيام فقط فكيف يروح الخبر لأبيك ويجزم لك الأحمال وتقطع مسافة خمسة وأربعين يوماً في العشرة أيام فقال له: يا سيدي ومن أين أتاني هذا فقال له: من عند الخليفة أمير المؤمنين بسبب فرط محبته لك فبينما هما في هذا الكلام وإذا بالخليفة قد أقبل فقام علاء الدين وقبل الأرض بين يديه وقال له: الله يحفظك يا أمير المؤمنين ويديم بقاءك ولا عدم الناس فضلك وإحسانك. فقال: يا علاء الدين خل زبيدة تعمل لنا نوبة حلاوة السلامة فعملت النوبة على العود من غرائب الموجود إلى أن طرب لها الحجر الجلمود وصباح العود في الحضرة يا داود فباتوا على أسر حال إلى الصباح فلما أصبحوا قال الخليفة لعلاء الدين: في غد اطلع الديوان فقال له: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى وأنت بخير ثم إن علاء الدين أخذ عشرة أطباق ووضع فيها هدية سنية وطلع بها الديوان في ثاني يوم فبينما الخليفة قاعد على الكرسي في الديوان وإذا بعلاء الدين مقبل من ابا الديوان وهو ينشد هذين البيتين: ولا زالــــــت الأيام لـــــــك بـــــــيضـــــــاًوأيام الـــــــذي عــــــــاداك ســـــــــــــــود فقال له الخليفة: مرحباً يا علاء الدين فقال له علاء الدين: يا أمير المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية وهذه عشرة أطباق وما فيها هدية مني إليك فقبل منه ذلك أمير المؤمنين وأمر له بخلعة سنية وجعله شاه بندر وأقعده في الديوان. فبينما هو جالس وإذا بنسيبه أبي زبيدة مقبل فوجد علاء الدين جالساً في رتبته وعليه خلعة فقال لأمير المؤمنين: يا ملك الزمان لأي شيء هذا جالس في رتبتي وعليه هذه الخلعة فقال له الخليفة: إني جعلته شاه بندر التجار والمناصب تقليد لا تخليد وأنت معزول فقال له: إنه منا وإلينا ونعم ما فعلت يا أمير المؤمنين الله يجعل خيارنا أولياء أمورنا وكم من صغير صار كبيراً ثم إن الخليفة كتب فرماناً لعلاء الدين وأعطاه للوالي والوالي أعطاه للمشاعل ونادى في الديوان: ما شاه بندر التجار إلا علاء الدين أبو الشامات وهو مسموع الكلمة محفوظ الحرمة يجب له الإكرام والاحترام ورفع المقام. فلما انفض الديوان نزل الوالي بالمنادي بين يدي علاء الدين وصار المنادي يقول: ما شاد
بندر التجار إلا سيدي علاء الدين أبو الشامات فلما أصبح الصباح فتح دكاناً للعبد وأجلسه فيه يبيع ويشتري وأما علاء الدين فإنه كان يركب ويتوجه إلى مرتبته في ديوان الخليفة.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين كان يركب ويتوجه إلى ديوان الخليفة فاتفق أنه جلس في مرتبته يوماً على عادته فبينما هو جالس وإذا بقائل يقول للخليفة: يا أمير المؤمنين تعيش رأسك في فلان النديم فإنه توفي إلى رحمة الله تعالى وحياتك الباقية فقال الخليفة: أين علاء الدين أبو الشامات فحضر بين يديه فلما رآه خلع عليه خلعة سنية وجعله نديمه وكتب له جامكية ألف دينار في كل شهر وأقام عنده يتنادم معه فاتفق أنه كان جالساً يوماً من الأيام في مرتبته على عادته في خدمة الخليفة وإذا بأمير المؤمنين طالع إلى الديوان بسيف وترس وقال: يا أمير المؤمنين يعيش رأسك رئيس الستين فإنه مات في هذا اليوم فأمر الخليفة لعلاء الدين أبي الشامات وجعله رئيس الستين مكانه وكان رئيس الستين لا ولد له ولا زوجة فنزل علاء الدين ووضع يده على ماله وقال الخليفة لعلاء الدين: واره في التربا وخذ جميع ما تركه من مال وعبيد وجوار وخدم.
ثم نفض الخليفة المنديل وانفض الديوان فنزل علاء الدين وفي ركابه المقدم أحمد الدنف مقدم ميمنة الخليفة هو وأتباعه الأربعون وفي يساره المقدم حسن شومان مقدم ميسرة الخليفة وأتباعه الأربعون فالتفت علاء الدين وقال لهم: أنتم سياق على المقدم أحمد الدنف لعله يقبلني ولده في عهد الله فقبله وقال له: أنا واتباعي نمشي قدامك إلى الديوان في كل يوم ثم إن علاء الدين مكث في خدمة الخليفة مدة أيام فاتفق أن علاء الدين نزل من الديوان يوماً من الأيام وسار إلى بيته وصرف أحمد الدنف ومن معه في سبيلهم ثم جلس مع زوجته زبيدة العودية وقد أوقدت الشموع وبعد ذلك قامت تزيل ضرورة فبينما هو جالس في مكانه إذ سمع صرخة عظيمة فقام مسرعاً لينظر الذي صرخ فرأى صاحب الصرخة زبيدة العودية وهي مطروحة فوضع يده على صدرها فوجدها ميتة وكان بيت أبيها قدام بيت علاء الدين فسمع صرختها فقال لعلاء الدين: ما الخبر يا سيدي علاء الدين فقال له: يعيش رأسك يا والدي في بنتك زبيدة العودية ولكن ياوالدي إكرام الميت دفنه فلما أصبح الصباح واروها التراب وصار علاء الدين يعزي أباها وأباها يعزيه.

هذا ما كان من أمر زوجته وأما ما كان من أمر علاء الدين فإنه لبس ثياب الحزن وانقطع عن الديوان وصار باكي العين حزين القلب فقال الخليفة لجعفر: يا وزيري ما سبب انقطاع علاء الدين عن الديوان فقال له الوزير: يا أمير المؤمنين إنه حزين القلب على زوجته زبيدة ومشغول بعزائها فقال الخليفة للوزير: واجب علينا أن نعزيه فقال الوزير: سمعاً وطاعة ثم نزل الخليفة هو والوزير وبعض الخدم وتوجهوا إلى بيت علاء الدين فبينما هو جالس وإذا بالخليفة والوزير معهما مقبلون عليه فقام لملتقاهم وقبل الأرض بين يدي الخليفة فقال له: عوضك الله خيراً فقال علاء الدين: أطال الله لنا بقاءك يا أمير المؤمنين فقال له الخليفة: يا علاء الدين ما سبب انقطاعك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 08:58 AM
وفي الليلة الثالثة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن الخليفة قال لعلاء الدين: ما سبب انقطاعك عن الديوان فقال له: حزني على زوجتي زبيدة يا أمير المؤمنين فقال له الخليفة ادفع الهم عن نفشك فإنها ماتت إلى رحمة الله تعالى والحزن عليها لا يفيدك شيئاً أبداً فقال: يا أمير المؤمنين إنا لا أترك الحزن عليها إلا إذا مت ودفنوني عندها فقال له الخليفة: إن في الله عوضاً من كل فائت ولا يخلص من الموت حيلة ولا مال ولله در من قال: كـل ابـن أنـثـى وإن طـالـــت ســـلامـــتـــهيومـاً عـــلـــى آلة حـــدبـــاء مـــحـــمـــول وكـــيف يلـــهـــو بـــعـــيش أو يلـــذ لــــــهمـن الــتـــراب عـــلـــى حـــديه جـــعـــول و لما فرغالخليفة من تعزيته أوصاه أنه لا ينقطع عن الديوان وتوجه إلى محله وبات علاء الدين ولما أصبح الصباح ركب وسار إلى الديوان فدخل على الخليفة وقبل الأرض بين يديه فتحرك له الخليفة من على الكرسي ورحب به وحياه وأنزله في منزلته وقال له: يا علاء الدين أنت ضيفي في هذه الليلة ثم دخل به سرايته ودعا بجارية تسمى قوت القلوب وقال لها: إن علاء الدين كان عنده زوجة تسمى زبيدة العودية وكانت تسليه عن الهم والغم فماتت إلى رحمة الله تعالى ومرادي أن تسمعيه نوبة على العود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 09:01 AM
وفي الليلة الرابعة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن الخليفة قال لجاريته قوت القلوب: مرادي أن تسمعيه نوبة على العود من غرائب الموجود لأجل أن يتسلى عن الهم والأحزان فقامت الجارية وعملت نوبة
من الغرائب فقال الخليفة: ما تقول يا علاء الدين في صوت هذه الجارية فقال له: إن زبيدة أحسن صوتاً منها إلا أنها صاحبة صناعة في ضرب العود لأنها تطرب الحجر الجلمود فقال له: هل هي أعجبتك فقال له: أعجبتني يا أمير المؤمنين فقال الخليفة: وحياة رأسي وتربة جدودي أنها هبة مني إليك هي وجواريها فظن علاء الدين أنالخليفة يمزح معه فلما أصبح الخليفة دخل على جاريته قوت القلوب وقال لها: أنا وهبتك لعلاء الدين ففرحت بذلك لأنها رأته وأحبته ثم تحول الخليفة من قصر السرايا إلى اديوان ودعا بالحمالين وقال لهم: انقلوا أمتعة قوت القلوب وحطوها في التختروان هي وجواريها إلى بيت علاء الدين فنقلوها هي وجواريها وامتعتها وأدخلوها القصر وجلس الخليفة في مجلس الحكم إلى آخر النهار ثم انفض الديوان ودخل قصره.
هذا ما كان من أمره.
و أما ما كان من أمر قوت القلوب فإنها لما دخلت قصر علاء الدين هي وجواريها وكانوا أربعين جارية غير الطواشية قالت لاثنين من الطواشية: أحدكما يقعد على كرسي في ميمنة الباب والثاني يقعد على كرسي في ميسرته وحين يأتي علاء الدين قبلا يديه وقولا له: إن سيدتنا قوت القلوب تطلبك إلى القصر فإن الخليفة وهبها لك هي وجواريها فقالا: سمعاً وطاعة ثم فعلا ما أمرتهما به فلما أقبل علاء الدين وجد اثنين من طواشية الخليفة جالسين بالباب فاستغرب الأمر وقال في نفسه: لعل هذا ما هو بيتي وإلا فما الخبر فلما رأته الطواشية قاموا إليه وقبلوا يديه وقالوا: نحن من أتباع الخليفة ومماليك قوت القلوب وهي تسلم عليك وتقول لك أن الخليفة قد وهبها لك هي وجواريها وتطلبك عندها. فقال لهم: قولوا لها: مرحبا بك ولكن ما دمت عنده ما يدخل القصر الذي أنت فيه لأن ما كان للمولى لا يصلح أن يكون للخدام وقولا لها: ما مقدار مصروفك عند الخليفة في كل يوم فطلعوا إليها وقالوا لها ذلك فقالت: كل يوم مائة دينار فقال لنفسه أنا ليس لي حاجة بأن يهب لي الخليفة قوت القلوب حتى أصرف عليها هذا المصروف ولكن لا حيلة في ذلك.
ثم إنها أقامت عنده مدة أيام وهو مرتب لها في كل يوم مائة دينار إلى أن انقطع علاء الدين عن الديوان يوماً من الأيام فقال الخليفة للوزير جعفر: أنا ما وهبت قوت القلوب لعلاء الدين إلا لتسليته عن زوجته وما سبب انقطاعه فقال جعفر: لعله ما قطعه عنا إلا عذر ولكن نحن نزوره وكان قبل ذلك بأيام قال علاء الدين للوزير: أنا شكوت للخليفة ما أجده من الحزن على
زوجتي زبيدة العودية فوهب لي قوت القلوب. فقال له الوزير: لولا أنه يحبك ما وهبها لك وهل دخلت بها يا علاء الدين فقال: لا والله لا أعرف لها طولاً من عرض فقال له: ما سبب ذلك فقال: يا وزير الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام ثم إن الخليفة وجعفر اختفيا وسارا لزيارة علاء الدين ولم يزالا سائرين إلى أندخلا على علاء الدين فعرفهما وقام وقبل يد الخليفة فلما رآه الخليفة وجد عليه علامة الحزن فقال له: يا علاء الدين ما سبب هذا الحزن الذي أنت فيه أما دخلت على قوت القلوب فقال: يا أمير المؤمنين الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام وإني إلى الآن ما دخلت عليها ولا أعرف لها طولاً من عرض فأقلني منها فقال الخليفة: إن مرادي الإجتماع بها حتى أسألها عن حالها فقال علاء الدين: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين فدخل عليها الخليفة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة دخل على قوت القلوب فلما رأته قامت وقبلت الأرض بين يديه فقال لها: هل دخل بك علاء الدين فقالت: لا يا أمير المؤمنين وقد أرسلت أطلبه للدخول فلم يرض فأمر الخليفة برجوعها إلى السرايا وقال لعلاء الدين: لا تنقطع عنا ثم توجه الخليفة إلى داره فبات علاء الدين تلك الليلة ولما أصبح ركب وسار إلى الديوان فجلس في رتبة رئيس الستين فأمر الخليفة الخازندار يعطي للوزير جعفر عشرة آلف دينار فأعطاه ذلك المبلغ ثم قال الخليفة للوزير: ألزمتك أن تنزل إلى سوق الجواري وتشتري لعلاء الدين بالعشرة آلف دينار جارية فامتثل الوزير لأمر الخليفة وأخذ معه علاء الدين وسار به إلى سوق الجواري فاتفق في هذا اليوم أن والي بغداد الذي من طرف الخليفة وكان اسمه الأمير خالد نزل إلى السوق لأجل اشتراء جارية لولده وسبب ذلم أنه كان له زوجة تسمى خاتون وكان رزق منها بولد قبيح المنظر يسمى حبظلم بظاظة واكن بلغ من العمر عشرين سنة ولا يعرف أن يركب الحصان وكان أبوه شجاعاً قرماً مناعاً وكان يركب الخيل ويخوض بحار الليل فنام حبظلم بظاظة في ليلة من الليالي فاحتلم فأخبر والدته بذلك ففرحت وأخبرت والده بذلك وقالت: مرادي أن تزوجه فإنه صار يستحق الزواج فقال لها: هذا قبيح المنظر كريه الرائحة دنس وحش لا تقبله واحدة من النساء فقالت: تشتري له جارية فلأمر قدره الله تعالى أن اليوم الذي نزل فيه الوزير وعلاء فبينما هم في السوق وإذا بجارية ذات حسن وجمال وقد واعتدال في يد رجل دلال فقال الوزير: شاور يا دلال عليها بألف دينار فمر بها على الوالي فرآها حبظلم بظاظة نظرة أعقبته
ألف حسرة وتولع بها وتمكن منه حبها فقال: يا أبت اشتري هذه الجارية فنادى الدلال وسأل الجارية عن اسمها فقالت له: اسمي ياسمين فقال له أبوه يا ولدي إن كانت أعجبتك فزد في ثمنها فقال: يا دلال كم معك من الثمن قال: ألف دينار قال: علي بألف دينار ودينار فجاء لعلاء الدين فعملها بألفين فصار كلما يزيد ابن الوالي ديناراً في الثمن يزيد علاء الدين ألف دينار فاغتاظ ابن الوالي وقال: يا دلال من يزيد علي في ثمن الجارية فقل له الدلال: إن الوزير جعفر يريد أن يشتريها لعلاء الدين أبي الشامات فعملها علاء الدين بعشرة آلف دينار فسمح له سيدها وقبض ثمنها وأخذها علاء الدين وقال لها: أعتقتك لوجه الله تعالى.
ثم إنه كتب كتابه عليها وتوجه بها إلى النيت ورجع الدلال ومعه دلالته فناداه ابن الوالي وقال له: أين الجارية فقال له: اشتراها علاء الدين بعشرة آلاف دينار وأعتقها وكتب كتابه عليها فانكمد الولد وزادت به الحسرات ورجع ضعيفاً إلى البيت من محبته لها وارتمى في الفراش وقطع الزاد وزاد به العشق والغرام. فلما رأته أمه ضعيفاً قالت له: سلامتك يا ولدي ما سبب ضعفك قال لها: اشتري لي ياسمين يا أمي قالت له: لما يفوت صاحب الرياحين أشتري لك جنينة ياسمين فقال لها: ليس الياسمين الذي يشم وإنما هي جارية اسمها ياسمين لم يشترها لي أبي فقالت لزوجها: لأي شيء ما اشتريت له هذه الجارية فقال لها: الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام وليس لي قدرة على أخذها فإنه ما اشتراها إلا علاء الدين رئيس الستين فزاد الضعف بالولد حتى جفا الرقاد وتعصبت امه بعصائب الحزن.
فبينما هي في بيتها حزينة على ولدها وإذا بعجوز دخلت عليها اسمها أم أحمد قماقم السراق وكان هذا السراق ينقب وسطانياً ويلقف فرقانياً ويسرق الكحل من العين وكان بهذه الصفات القبيحة في أول أمره ثم عملوه مقدم الدرك فسرق عملة ووقع بها وهجم عليه الوالي فأخذه وعرضه على الخليفة فأمر بقتله في بقعة الدم فاستجار بالوزير وكان للوزير عند الخليفة شفاعة لا ترد فشفع فيه فقال له الخليفة: كيف تشفع في آفة تضر الناس فقال له: يا أمير فإن الذي بنى السجن كان حكيماً لأن السجن قبر الأحياء وشماتة الأعداء فأمر الخليفة بوضعه في السجن في قيد وكتب عليه قيد مخلد إلى الممات لا يفك إلا على دكة المغسل فوضعوه مقيداً في السجن وكانت أمه تتردد على بيت الأمير خالد الوالي وتدخل لابنها في السجن وتقول له: أما قلت لك ثب عن الحرام فيقول لها قدر الله ذلك ولكن يا أمي إذا دخلت على زوجة الوالي فخليها تشفع
لي عنده.
فلما دخلت العجوز على زوجة الوالي وجدتها معصبة بعصائب الحزن فقالت لها: ما لك حزينة فقالت لها: على فقد ولدي حبظلم بظاظة فقالت لها: سلامة ولدك ما الذي أصابه فحكت لها الحكاية فقالت لها العجوز: ما تقولين فيمن يلعب منصفاً يكون فيه سلامة ولدك فقالت لها: وما الذي تفعلينه فقالت: أنا لي ولد يسمى أحمد قماقم السراق وهو مقيد في السجن مكتوب على قيده مخلد إلى الممات فأنت تقومين وتلبسين أفخر ما عندك وتتزينين بأحسن الزينة وتقابلين زوجك ببشر وببشاشة فإذا طلب منك ما يطلبه الرجال من النساء فامتنعي منه ولا تمكنيه وقولي له: يا لله العجب إذا كان للرجل حاجة عند زوجته يلح عليها حتى يقضيها منها وإذا كان للزوجة عند زوجها حاجة فإنه لا يقضيها لها فيقول لك وما حاجتك. فتقولي له: حتى تحلف لي فإذا حلف لك بحياة رأسه وبالله فقولي له: حلف لي بالطلاق مني ولا تمكنيه إلا أن يحلف لك بالطلاق فإذا حلف لك بالطلاق فقولي له: عندك في السجن واحد مقدم اسمه أحمد قماقم وله أم مسكينة وقد وقعت علي وساقتني عليك وقالت لي: خليه يشفع عند الخليفة لأجل أن يتوب ويحصل له الثواب فقالت لها: سمعاً وطاعة فلما دخل الوالي على زوجته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوالي لما دخل على زوجته قالت له ذلك الكلام وحلف لها بالطلاق فمكنته وبات ولما أصبح الصباح اغتسل وصلى الصبح وجاء إلى السجن وقال: يا أحمد قماقم يا سراق هل تتوب مما أنت فيه فقال: إني تبت إلى الله تعالى ورجعت وأقول بالقلب واللسان: أستغفر الله فأطلقه الوالي من السجن وأخذه معه إلى الديوان وهو في القيد ثم تقدم إلى الخليفة وقبل الأرض بين يديه.
فقال له: يا أمير خالد أي شيء تطلب فتقدم أحمد قماقم يخطر في القيد قدام الخليفة فقال له: يا قماقم هل أنت حي إلى الآن فقال: يا أمير المؤمنين إن عمر الشقي بقي فقال: يا أمير خالد لأي شيء جئت به هنا فقال له: إن له أماً مسكينة منقطعة وليس لها أحد غيره وقد وقعت على عبدك أن يتشفع عندك يا أمير المؤمنين في أنك تفكه من القيد وهو يتوب عما كان فيه وتجعله مقدم الدرك كما كان أولاً. فقال الخليفة لأحمد قماقم: هل تبت عما كنت فيه فقال له: تبت إلى الله يا أمير المؤمنين فأمر بإحضار الحداد وفك قيده على دكة المغسل وجعله مقدم الدرك وأوصاه بالمشي الطيب فقبل يد الخليفة ونزل بخلعة الدرك ونادوا له بالتقديم فمكث مدة من الزمن في منصبه ثم دخلت أمه على زوجة الوالي فقالت لها: الحمد لله الذي خلص ابنك من السجن وهو على قيد الصحة والسلامة فلأي شيء لم تقولي له يدبر أمراً في مجيئه بالجارية ياسمين إلى ولدي حبظلم بظاظة فقالت: أقول له ثم قامت من عندها ودخلت على ولدها فوجدته سكراناً. فقالت له: يا ولدي ما سبب خلاصك من السجن إلا زوجة الوالي وتريد منك أن تدبر لها أمراً في قتل علاء الدين أبي الشامات وتجيء بالجارية ياسمين إلى ولدها حبظلم بظاظة فقال لها: هذا أسهل ما يكون ولا بد أن أدبر له أمراً في هذه الليلة وكانت تلك الليلة أول ليلة في الشهر الجديد وعادة أمير المؤمنين أن يبيت فيها عند السيدة زبيدة لعتق جارية أو مملوك أو نحو ذلك وكان من عادة الخليفة أن يقلع بدلة الملك ويترك السبحة والنمشة وخاتم الملك ويضع الجميع فوق الكرسي في قاعة الجلوس وكان عند الخليفة مصباح من ذهب وكان ذلك المصباح عزيزاً عند الخليفة.
ثم إن الخليفة وكل الطواشية بالبدلة والمصباح وباقي الأمتعة ودخل مقصورة السيدة زبيدة فصبرأحمد قماقم السراق لما انتصف الليل وأضاء سهيل ونامت الخلائق وتجلى عليهم بالستر الخالق ثم سحب سيفه في يمينه وأخذ مقفله في يساره وأقبل على قاعة الجلوس فتعلق بها وطلع على السلم إلى السطوح ورفع طابق القاعة ونزل فيها فوجد الطواشية نائمين فبنجهم وأخذ بدلة الخليفة والسبحة والنمشة والمنديل والخاتم والمصباح الذي بالجواهر ثم نزل من الموضع الذي طلع منه وسار إلى بين علاء الدين أبي الشامات وكان علاء الدين في هذه الليلة مشغولاً بفرح فنزل أحمد قماقم السراق على قاعة علاء الدين وقلع لوحاً رخاماً من دار القاعة وحفر تحته ووضع بعض المصالح وأبقى بعضها معه ثم جبس اللوح الرخام كما كان ونزل من الموضع الذي طلع منه وقال في نفسه: أنا أقعد أسكر وأحط المصباح قدامي وأشرب الكأس على نوره ثم سار إلى بيته فما أصبح ذهب الخليفة إلى القاعة فوجد الطواشية مبنجين فأيقظهم وحط يده فلم يجد البدلة ولا الخاتم ولا السبحة ولا النمشة ولا المنديل ولا المصباح فاغتاظ لذلك غيظأ شديداً ولبس بدلة الغضب وهي بدلة حمراء وجلس في الديوان فتقدم الوزير وقبل الأرض بين يديه وقال له: أي شيء حصل فحكى له جميع ما وقع وإذا بالوالي طالع وفي ركابه أحمد قماقم السراق فوجد الخليفة في غيظ عظيم فلما نظر الخليفة إلى الوالي قال له: يا أمير خالد
كيف حال بغداد فقال له: سالمة أمينة فقال له: تكذب فقال له: لأي شيء يا أمير المؤمنين فقص عليه القصة وقال له: ألزمتك أن تجيء بذلك كله فقال له: يا أمير المؤمنين دود الخل منه فيه ولا يقدر غريب أن يصل إلى هذا المحل أبداً فقال: إن لم تجيء لي بهذه الأشياء قتلتك فقال له: قبل أن تقتلني أقتل أحمد قماقم السراق فإنه لا يعرف الحرامي والخائن إلا مقدم الدرك فقام أحمد قماقم وقال للخليفة: شفعني في الوالي وأنا أضمن لك عهدة الذي سرق وأقص الأثر وراءه حتى أعرفه ولكن أعطني اثنين من طرف القاعة واثنين من طرف الوالي فإن الذي فعل هذا لا يخشاك ولا يخشى من الوالي ولا من غيره. فقال الخليفة: لك ما طلبت ولكن أول التفتيش يكون في سرايتي وبعدها سراية الوزير وفي سرايا رئيس الستين فقال أحمد قماقم: صدقت يا أمير المؤمنين ربما يكون الذي عمل هذه العملة واحد قد تربى في سرايا أمير المؤمنين أو في أحد من خواصه فقال الخليفة: وحياة رأسي كل من ظهرت عليه هذه العملة لا بد من قتله ولو كان ولدي ثم إن أحمد قماقم أخذ ما أراده وأخذ فرماناً بالهجوم على البيوت وتفتيشها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 09:02 AM
وفي الليلة السابعة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أحمد قماقم أخذ ما أراده وأخذ فرماناً بالهجوم على البيوت وتفتيشها ونزل وبيده قضيب ثلثه من الشؤم وثلثه من النحاس وثلثه من الحديد والفولاذ وفتش سرايا الخليفة وسرايا الوزير جعفر ودار على بيوت الحجاب والنواب إلى أن مر على بيت علاء الدين أبي الشامات فلما سمع الضجة علاء الدين قام من عند ياسمين زوجته وفتح الباب فوجد الوالي في كوكبة فقال له: ما الخبر يا أمير خالد فحكى له جميع القضية فقال علاء الدين: أدخلوا بيتي وفتشوه. فقال الوالي: العفو يا سيدي أنت أمين وحاشا أن يكون الأمين خائناً فقال له: لا بد من تفتيش بيتي فدخل الوالي والقضاة والشهود وتقدم أحمد قماقم إلى داره أرض القاعة وجاء إلى الرخامة التي دفن تحتها الأمتعة وأرخى القضيب على اللوح الرخام بعزمه فانكسرت الرخامة وإذا بشيء ينور تحتها فقال المقدم: باسم الله ما شاء الله على بركة قدومنا انفتح لنما كنز وأريد أن أنزل إلى هذا المطلب وأنظر ما فيه. فنظر القاضي والشهود إلى ذلك المحل فوجدوا الأمتعة بتمامها فكتبوا ورقة مضمونها أنهم وجدوا الأمتعة في بيت علاء الدين ثم وضعوا في تلك الورقة ختومهم وأمروا بالقبض على علاء الدين وأخذوا عمامته من فوق رأسه
وضبطوا جميع ماله ورزقه في قائمة وقبض أحمد قماقم السراق على الجارية ياسمين وكانت أحسن حالاً من علاء الدين وأعطاها لأمه وقال لها: سلميها لخاتون امرأة الوالي فأخذت ياسمين ودخلت بها على زوجة الوالي فلما رآها حبظلم بظاظة جاءت له العافية وقام من وقته وساعته وفرح فرحاً شديداً وتقرب إليها فسحبت خنجراً من حياصتها وقالت له: ابعد عني وإلا أقتلك وأقتل نفسي فقالت لها أمه خاتون: يا عاهرة خلي ولدي يبلغ منك مراده فقالت لها: يا كلبة في أي مذهب يجوز للمرأة أن تتزوج باثنين وأي شيء أوصل الكلاب أن تدخل في مواطن السباع فزاد بالولد الغرام وأضعفه الوجد والهيام وقطع الزاد ولزم الوساد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حبظلم بظاظة قطع الزاد ولزم الوساد فقالت لها امرأة الوالي: يا عاهرة كيف تحسريني على ولدي لا بد من تعذيبك وأما علاء الدين فإنه لا بد من شنقه فقالت لها: أنا أموت على محبته فقامت زوجة الوالي ونزعت عنها ما كان عليها من الصيغة وثياب الحرير وألبستها لباساً من الخيش وقميصاً من الشعر وأنزلتها في المطبخ وعملتها من الجواري الخدمة وقالت لها: جزاؤك أنك تكسرين من الحطب وتقشرين البصل وتحطين النار تحت الحلل فقالت لها: أرضى بكل عذاب وخدمة ولا أرضى رؤية ولدك فحنن الله عليها قلوب الجواري وصرت يتعاطين الخدمة عنها في المطبخ. هذا ما كان من أمر ياسمين.
و أما ما كان من أمر علاء الدين أبي الشامات فأنهم أخذوه هو وأمتعة الخليفة وساروا به إلى أن وصلوا إلى الديوان فبينما الخليفة جالساً على الكرسي وإذا هم طالعون بعلاء الدين ومعه الأمتعة فقال الخليفة: أين وجدتموها فقالوا له: في وسط بيت علاء الدين أبي الشامات فامتزج الخليفة بالغضب وأخذ الأمتعة فلم يجد المصباح فقال الخليفة: أين المصباح فقال له علاء الدين: أنا ما سرقت ولا علمت ولا رأيت ولا معي خبر فقال له: يا خائن كيف أقربك إلي وتبعدني عنك وأستأمنك وتخونني ثم أمر بشنقه فنزل به الوالي والمنادي ينادي عليه: هذا جزاء من يخون الخلفاء الراشدين فاجتمع الخلائق عند المشنقة. هذا ما كان من أمر علاء الدين.
و أما ما كان من أمر أحمد الدنف كبير علاء الدين فإنه كان قاعداً هو وأتباعه على بستان فبينما هم جالسون في حظ وسرور وإذا برجل سقاء من السقايين في الديوان دخل عليهم وقبل يد أحمد الدنف وقال: يا مقدم أحمد يا دنف أنت قاعد في صفاء الماء تحت رجليك وما
عندك علم بما حصل فقال له أحمد الدنف: ما الخبر فقال السقاء إن ولدك في عهد الله علاء الدين نزلوا به إلى المشنقة فقال الدنف: ما عندك من الحيلة يا حسن شومان فقال له: أستغرب هذا الأمر وهذا ملعوب عليه من واحد عدو فقال له: ما الرأي عندك فقال: خلاصه علينا إن شاء المولى ثم إن حسن شومان ذهب إلى السجن وقال للسجان: أعطنا واحداً يكون مستوجباً للقتل فأعطاه واحداً وكان شبه البرايا بعلاء الدين أبي الشامات فغطى رأسه وأخذه أحمد الدنف بينه وبين علي الزيبق المصري وكانوا قدموا علاء الدين إلى الشنق فتقدم الدنف وحط رجله على رجل المشاعلي فقال له المشاعلي: أعطني الوسع حتى أعمل صنعتي فقال له: يا لعين خذ هذا الرجل واشنقه موضع علاء الدين أبي الشامات فإنه مظلوم وانفدى إسماعيل بالكبش فأخذ علي المشاعلي ذلك الرجل وشنقه عوضاً عن علاء الدين ثم إن أحمد الدنف وعلي الزيبق المصري أخذا علاء الدين وسارا به إلى قاعة أحمد الدنف فلما دخلوا عليه قال له علاء الدين: جزاك الله خيراً يا كبيري فقال له أحمد الدنف: ما هذا الفعل الذي فعلته

هانى رفعت
04-13-2010, 09:03 AM
وفي الليلة التاسعة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أحمد الدنف قال لعلاء الدين: ما هذا الفعل الذي فعلته ورحم الله من قال: من ائتمنك فلا تخونه ولو كنت خائناً والخليفة مكنك عنده وسماك بالثقة الأمين كيف تفعل معه هكذا وتأخذ أمتعته فقال علاء الدين: والاسم الأعظم يا كبيري ما هي عملتي ولا لي فيها ذنب ولا أعرف من عملها فقال أحمد الدنف: إن هذه العملة ما عملها إلا عدو مبين ومن فعل شيئاً يجازي به ولكن يا علاء الدين أنت ما بقي لك إقامة في بغداد فإن الملوك لا تعادى يا ولدي ومن كانت الملوك في طلبه يطول تعبه فقال علاء الدين: أين أروح يا كبيري فقال له: أنا أوصلك إلى الإسكندرية فإنها مباركة وعتبتها خضراء وعيشتها هنيئة فقال له: سمعاً وطاعة يا كبيري فقال أحمد الدنف لحسن شومان: خل بالك وإذا سأل عني الخليفة فقل له: أنه راح يطوف على البلاد ثم أخذه وخرج من بغداد ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى الكروم والبساتين فوجدا يهوديين من عمال الخليفة راكبين على بغلتين فقال أحمد الدنف لليهوديين: هاتوا الغفر فقال اليهوديان: نعطيك الغفر على أي شيء فقال لهما أنا غفير هذا الوادي فأعطاه كل منهما مائة دينار وبعد ذلك قتلهما أحمد الدنف وأخذ البغلتين في خان وباتا و لما أصبح الصباح باع علاء الدين بغلته وأوصى البواب على بغلة أحمد الدنف ونزل في مركب
من مينة إياس حتى وصلا إلى الإسكندرية فطلع أحمد الدنف ومعه علاء الدين ومشيا في السوق وإذا بدلال يدلل على دكان ومن داخل الدكان طبقة على تسعمائة وخمسين ديناراً فقال علاء الدين: علي بألف فسمح له البائع وكانت لبيت المال فتسلم علاء الدين المفاتيح وفتح الطبقة فوجدها مفروشة بالفرش والمساند ورأى فيها حاصلاً فيه قلاع وصواري وحبال وصناديق وأجرة ملآنة خرزاً وودعاً وركابات وأطياراً ودبابيس وسكاكين ومقصات وغير ذلك لأن صاحبه كان سقطياً.
فقعد علاء الدين أبي الشامات في الدكان وقال له أحمد الدنف: يا ولدي الدكان والطبقة وما فيهما صارت ملكك فاقعد فيها وبع واشتري ولا تنكر فإن الله تعالى بارك في التجارة وأقام عنده ثلاثة أيام واليوم الرابع أخذ خاطره وقال له: استقر في هذا المكان حتى أروح وأعود إليك بخبر من الخليفة بالأمان عليك وأنظر الذي عمل معك هذا الملعوب ثم توجه مسافراً حتى وصل إلى إياس فأخذ البغلة من الخان وسار إلى بغداد فاجتمع بحسن شومان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أحمد الدنف اجتمع بحسن شومان واتباعه وقال: يا حسن هل الخليفة سأل عني فقال: ولا خطرت على باله فقام في خدمة الخليفة وصار يستنشق الأخبار فرأى الخليفة التفت إلى الوزير جعفر يوماً من الأيام وقال له: انظر يا وزير هذا العملة التي فعلها معي علاء الدين فقال له: يا أمير المؤمنين أنت جازيته بالشنق وجزاؤه ما حل به فقال له: يا وزير مرادي أن أنزل وأنظره وهو مشنوق فقال الوزير: افعل ما شئت يا أمير المؤمنين.
فنزل الخليفة ومعه الوزير جعفر إلى جهة المشنقة ثم رفع طرفه فرأى المشنوق غير علاء الدين أبي الشامات الثقة الأمين فقال الخليفة: هذا ما هو علاء الدين فقال له: كيف عرفت أنه غيره فقال: إن علاء الدين كان قصيراً وهذا طويل فقال له: إن المشنوق يطول فقال إن علاء الدين كان أبيض وهذا وجهه أسود فقال له: أما تعلم يا أمير المؤمنين أن الموت له غبرات فأمر بتنزيله من فوق المشنقة فلما أنزلوه وجد مكتوباً على كعبيه الاثنين اسما الشيخين فقال له: يا وزير إن علاء الدين كان سنياً وهذا رافضي فقال له: سبحان الله علام الغيوب ونحن لا نعلم هل هذا علاء الدين أو غيره فأمر الخليفة بدفنه وصار نسياً منسياً. هذا ما كان من أمره.
و أما ما كان من أمر حبظلم بظاظة ابن الوالي فإنه قد طاب به العشق والغرام حتى مات وواروه في التراب. وأما ما كان من أمر الجارية ياسمين فإنها وفت حملها ولحقها الطلق فوضعت ذكراً كأنه القمر فقالت لها الجواري: ما تسميه فقالت: لو كان أبوه طيباً كان سماه ولكن أنا أسميه أصلان ثم إنها أرضعته اللبن عامين متتابعين وفطمته وحبى ومشى فاتفق أن أمه اشتغلت بخدمة المطبخ يوماً من الأيام فمشى الغلام ورأى سلم فقعد فطلع عليه وكان الأمير خالد الوالي جالساً فأخذه وأقعده في حجره وسبح مولاه فيما خلق وصور وتأمل وجهه فرآه شبه النوايا بعلاء الدين أبي الشامات ثم إن أمه ياسمين فتشت عليه فلم تجده فطلعت المقعد فرأت الأمير خالد جالساً والولد في حجره يلعب وقد ألقى الله محبة الولد في قلب الأمير خالد. فالتفت الولد فرأى أمه فرمى نفسه عليها فزنقه الأمير خالد في حضنه وقال لها: تعالي يا جارية فلما جاءت قال لها هذا الولد ابن من فقالت له: هذا ولدي وثمرة فؤادي فقال لها: ومن أبوه فقالت له: أبوه علاء الدين أبي الشامات والآن صار ولدك فقال لها: إن علاء الدين كان خائناً فقالت: سلامته من الخيانة حاشا وكلا أن يكون الأمين خائناً فقال لها: إذا كبر هذا الولد ونشأ وقال: من أبي فقولي له: أنت ابن الأمير خالد الوالي صاحب الشرطة فقالت سمعاً وطاعة.
ثم إن الأمير خالد طاهر الولد ورباه وأحسن تربيته وجاء له بفقيه خطاط فعلمه الخط والقراءة فقرأ وأعاد وختم وصار يقول للأمير خالد: يا والدي وصار الوالي يعمل في الميدان ويجمع الخيل وينزل يعلم الولد أرباب الحرب ومقاصد الطعن والضرب إلى أن انتهى في الفروسية وتعلم الشجاعة وبلغ من العمر أربع عشرة سنة ووصل إلى درجة الإمارة.
فاتفق أن أصلان اجتمع مع أحمد قماقم السراق يوماً من الأيام وصارا أصحاباً فتبعه إلى الخمارة وإذا بأحمد قماقم السراق أطلع المصباح الجوهر الذي أخذه من أمتعة الخليفة وحطه قدامه وتناول الكأس على نوره وسكر فقال له أصلان: يا مقدم أعطني هذا المصباح فقال له: ما أقدر أن أعطيك إياه فقال له: لأي شيء و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 09:04 AM
وفي الليلة الحادية عشرة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أصلان قال لأحمد قماقم: لأي شيء فقال له: لأنه راحت على شأنه الأرواح فقال له: أي روح راحت على شأنه فقال له: كان واحد جاءنا هنا وعمل رئيس الستين يسمى علاء الدين أبي الشامات ومات بسبب ذلك فقال له: وما حكايته وسبب موته فقال له: كان لك أخ يسمى حبظلم بظاظة وبلغ من العمر ستة عشرة عاماً حتى استحق الزواج وطلب أبوه أن يشتري له جارية وأخبره بالقصة من أولها إلى آخرها وأعلمه بضعف فقال أصلان في نفسه: لعل هذه الجارية ياسمين أمي وما أبي إلا علاء الدين أبي الشامات فطلع الولد أصلان من عنده حزيناً فقابل المقدم أحمد الدنف فلما رآه أحمد الدنف قال: سبحان من لا شبيه له فقال له حسن شومان: يا كبيري من أي شيء تتعجب فقال له: من خلقة هذا الولد أصلان فإنه أشبه البرايا بعلاء الدين أبي الشامات فنادى أحمد الدنف وقال: يا أصلان فرد عليه فقال له: ما سام أمك فقال له تسمى الجارية ياسمين فقال له: يا أصلان طب نفساً وقر عيناً فإنه ما أبوك إلا علاء الدين أبي الشامات ولكن يا ولدي ادخل على أمك واسألها عن أبيك فقال سمعاً وطاعة.
ثم دخل على أمه وسألها فقالت له: أبوك الأمير خالد فقال لها: ما أبي إلا علاء الدين أبي الشامات فبكت أمه وقالت له: من أخبرك بهذا يا ولدي فقال المقدم أحمد الدنف أخبرني بذلك فحكت له جميع ما جرى وقالت له: يا ولدي قد ظهر الحق واختفى الباطل واعلم أن أباك علاء الدين أبي الشامات إلا أنه ما رباك إلا الأمير خالد وجعلك ولده فيا ولدي إن اجتمعت بالمقدم أحمد الدنف قل له: يا كبيري سألتك بالله أن تأخذ ثأري من قاتل أبي علاء الدين أبي الشامات فطلع من عندها وسار.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أصلان طلع من عند أمه وسار إلى أن دخل على المقدم أحمد الدنف وقبل يده فقال له: ما لك يا أصلان فقال له: إني عرفت وتحققت من أن أبي علاء الدين أبي الشامات ومرادي أنك تأخذ لي ثأري من قاتله فقال له: من الذي قتل أباك فقال له: أحمد قماقم السراق فقال له: ومن أعلمك بهذا الخبر فقال له: رأيت معه المصباح الجوهر الذي ضاع من جملة أمتعة الخليفة وقلت له أعطني هذا المصباح فما رضي وقال لي: هذا راحت على شأنه الأرواح وحكى لي أنه هو الذي نزل وسرق الأمتعة ووضعها في دار أبي فقال له أحمد الدنف: إذا ما رأيت الأمير خالد يلبس ثياب الحرب فقل له: ألبسني مثلك فإذا طلعت معه وأظهرت باباً من أبواب الشجاعة قدام أمير المؤمنين فإن الخليفة يقول لك تمن علي يا أصلان فقل له أتمنى عليك أن تأخذ ثأر أبي من قاتله فيقول لك أباك حي وهو الأمير خالد فقل له: إن أبي علاء الدين أبي الشامات وخالد الوالي له علي حق التربية فقط وأخبره بجميع ما وقع بينك وبين أحمد قماقم السراق وقل له: يا أمير المؤمنين أؤمر بتفتيشه وأنا أخرجه من جيبه فقال له: سمعاً وطاعة.
ثم طلع أصلان فوجد المير خالد يتجه إلى طلوعه ديوان الخليفة فقال له: مرادي أن تلبسني لباس الحرب مثلك وتأخذني معك إلى ديوان الخليفة فألبسه وأخذه معه إلى الديوان ونزل الخليفة بالعسكر خارج البلد ونصبوا الصواوين والخيام واصطفت الصفوف وطلع بالأكرة والصولجان منهم فصار الفارس يضرب الأكرة وبالصولجان فيردها عليه الفارس الثاني وكان بين العسكر واحد جاسوس مغري على قتل الخليفة فأخذ الأكرة وضربها بالصولجان وحررها على وجه الخليفة وإذا بأصلان استلقاها عن الخليفة وضرب بها راميها فوقعت بين أكتافه فوقع على الأرض فقال الخليفة: بارك الله فيك يا أصلان.
ثم نزلوا على ظهور الخيل وقعدوا على الكراسي وأمر الخليفة بإحضار الذي ضرب الأكرة فلما حضر بين يديه قال له: من أغراك على هذا الأمر وهل أنت عدو أم حبيب فقال له: أنا عدو وكنت مضمر قتلك فقال: ما سبب ذلك أما أنت مسلم فقال: لا وإنما أنا رافضي فأمر الخليفة بقتله وقال لأصلان: تمن علي فقال له: أتمنى عليك أن تأخذ لي ثأر أبي من قاتله فقال له: إن أباك حي وهو واقف على رجليه فقال له: من هو أبي فقال له: الأمير خالد الوالي فقال له: يا أمير المؤمنين ما هو أبي إلا في التربية وما والدي إلا علاء الدين أبي الشامات. فقال له: إن أباك كان خائناً فقال: يا أمير المؤمنين حاشا أن يكون الأمين خائناً وما الذي خانك فيه فقال: سرق بدلتي وما معها فقال: يا أمير المؤمنين حاشا أن يكون أبي خائناً ولكن يا سيدي لما عدمت بدلتك وعادت إليك هل رأيت المصباح رجع إليك أيضاً فقال: ما وجدناه فقال أنا رأيته مع أحمد قماقم السراق وطلبته منه فلم يعطني إياه وقال: هذا راحت عليه الأرواح وحكى لي عن ضعف حبظلم بظاظة ابن الأمير خالد الوالي وعشقه للجارية ياسمين وخلاصه من القيد وأنه هو الذي سرق البدلة والمصباح وأنت يا أمير المؤمنين تأخذ لي بثأر والدي من قاتله فقال الخليفة: اقبضوا على أحمد قماقم فقبضوا عليه وقال: أين المقدم أحمد الدنف فحضر بين يديه فقال الخليفة: فتش قماقم فحط يديه في جيبه فأطلع منه المصباح الجوهر.
فقال الخليفة: تعال يا خائن من أين لك هذا المصباح فقال اشتريته يا أمير المؤمنين فقال الخليفة: من أين اشتريته ومن يقدر على مثله حتى يبيعه لك وضربوه فأقر أنه هو الذي سرق البدلة والمصباح فقال له الخليفة: لأي شيء تفعل هذه الفعال يا خائن حتى ضيعت علاء الدين أبا الشامات وهو الثقة الأمين ثم أمر الخليفة بالقبض عليه وعلى الوالي فقال الوالي: يا أمير المؤمنين أنا مظلوم وأنت أمرتني بشنقه ولم يكن عندي خبر بهذا الملعوب فإن التدبير كان بين العجوز وأحمد قماقم وزوجتي وليس عندي خبر وأنا في جيرتك يا أصلان فتشفع فيه أصلان عند الخليفة ثم قال: يا أمير المؤمنين ما فعل الله بأم هذا الولد فقال له: عندي فقال: أمرتك أن تأمر زوجتك أن تلبسها بدلتها وصيغتها وتردها إلى سيادتها وإن لم تفك الختم الذي على بيت علاء الدين وتعطي ابنه رزقه وماله فقال: سمعاً وطاعة.
ثم نزل الوالي وأمر امرأته فألبستها بدلتها وفك الختم عن بيت علاء الدين وأعطى أصلان المفاتيح ثم قال للخليفة: تمن علي يا أصلان فقال له: تمنيت عليك أن تجمع شملي بأبي فبكى الخليفة وقال: الغالب أن أباك هو الذي شنق ومات ولكن وحياة جدودي كل من بشرني بأنه على قيد الحياة أعطيته جميع ما يطلبه فتقدم أحمد الدنف وقبل الأرض بين يديه وقال له: أعطني الأمان يا أمير المؤمنين فقال له: عليك الأمان. فقال: أبشرك أن علاء الدين أبا الشامات الثقة الأمين طيب على قيد الحياة فقال له: ما الذي تقوله فقال له: وحياة رأسك إن كلامي حق وفديته بغيره ممن يستحق القتل وأوصلته إلى الإسكندرية وفتحت له دكان سقطي فقال الخليفة: ألزمتك أن تجيء به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 09:06 AM
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة قال لأحمد الدنف: ألزمتك أن تجيء به فقال سمعاً وطاعة فأمر الخليفة بعشرة آلاف دينار وسار متوجهاً إلى الإسكندرية. هذا ما كان من أمر أصلان.
و أما ما كان من أمر والده علاء الدين أبي الشامات فإنه باع ما كان في الدكان كله جميعه ولم يبق في الدكان إلا القليل وجراب قديم فنفض الجراب فنزلت منه خرزة تملأ الكف في سلسلة من الذهب ولها خمسة وجوه وعليها أسماء وطلاسم كدبيب النمل فدعك الخمسة وجوه فلم يجاوبه أحد فقال في نفسه: لعلها خرزة من جزع ثم علقها في الدكان وإذا بقنصل فائت في الطريق فرفع
بصره فرأى الخرزة معلقة على دكان علاء الدين وقال له: يا سيدي هل هذه الخرزة للبيع فقال له جميع ما عندي للبيع فقال له: أتبيعني إياها بثمانين ألف دينار فقال علاء الدين: يفتح الله فقال له: أتبيعها بمائة ألف دينار فقال: بعتها لك بمائة ألف دينار فانقدني الدنانير فقال له القنصل: ما أقدر أن أحمل ثمنها معي والإسكندرية فيها حرامية وشرطية فأنت تروح معي إلى مركبي وأعطي لك الثمن ورزمة صوف أنجوري ورزمة أطلس ورزمة قطيفة ورزمة خوخ فقام علاء الدين وقفل الدكان بعد أن أعطاه الخرزة وأعطى المفاتيح لجاره وقال له: خذ هذه المفاتيح عندك أمانة حتى أروح إلى المركب مع هذا القنصل وأجيء بثمن خرزتي فإن عوقت عنك وورد المقدم أحمد الدنف الذي كان وطنني في هذا المكان فأعطه المفاتيح وأخبره بذلك.
ثم توجه مع قنصل إلى المركب فلما نزل إلى المركب فلما نزل به المركب نصب له كرسياً وأجلسه عليه وقال: هاتوا المال: فدفع الثمن والخمس رزم التي وعده بها وقال له: يا سيدي أقصد جبري بلقمة أو شربة ماء فقال: إن كان عندك ماء فاسقني فأمر بالشرابات فإذا فيها بنج فلما شرب انقلب على طهره فرفعوا الكراسي وحطوا المداري وحلوا القلوع وأسعفته الرياح حتى وصلوا إلى وسط البحر فأمر القبطان بطلوع علاء الدين من الطنبر فطلعوه وشمموه ضد البنج ففتح عينيه وقال: أين أنا فقال له: أنت معي مربوط وديعة ولو كنت تقول يفتح الله لكنت أزيدك فقال له علاء الدين: ما صناعتك فقال له: أنا قبطان ومرادي أن آخذك إلى حبيبة قلبي فبينما هما في الكلام وإذا بمركب فيها أربعون من تجار المسلمين فطلع القبطان بمركبه عليهم ووضع الكلاليب في مراكبهم ونزل هو ورجاله فنهبوها وأخذوها وساروا بها إلى مدينة جنوة فأقبل القبطان الذي معه علاء الدين إلى باب قصر قيطون وإذا بصبية نازلة وهي ضاربة لثاماً فقالت له: هل جئت بالخرزة وصاحبها فقال لها: جئت بهما فقالت له: هات الخرزة فأعطاها لها وتوجه إلى الميناء وضرب مدافع السلامة فعلم ملك المدينة بوصول ذلك القبطان فخرج إلى مقابلته وقال له: كيف كانت سفرتك فقال له: كانت طيبة جداً وقد كسبت فيها مركباً واحداً وأربعون من تجار المسلمين فقال له: أخرجهم إلى المدينة فأخرجهم في الحديد ومن جملتهم علاء الدين. وركب الملك هو والقبطان وأمشوهم قدامهم إلى أن وصلوا إلى الديوان وقدموا أول واحد.
فقال له الملك من أين يا مسلم فقال من الإسكندرية فقال يا سياف اقتله فرمى رقبته والثاني
والثالث هكذا إلى تمام الأربعين وكان علاء الدين في آخرهم فشرب حسرتهم وقال لنفسه رحمة الله عليك يا علاء الدين فرغ عمرك فقال له الملك وأنت من أي البلاد فقال من الإسكندرية فقال السياف ارم عنقه فرفع السياف يده بالسيف وأراد أن يرمي رقبة علاء الدين وإذا بعجوز ذات هيبة تقدمت بين أيادي الملك فقام إليها تعظيماً لها.
فقالت يا ملك الزمان أما قلت لك لما يجيء القبطان بالأسارى تذكر الدير بأسيرين يخدمان في الكنيسة فقال لها: يا أمي ليتك سبقت بساعة ولكن خذي هذا الأسير الذي فضل.
فالتفتت إلى علاء الدين وقالت له: هل أنت تخدم في الكنيسة أو أخلي الملك يقتلك فقال لها أنا أخدم في الكنيسة فأخذته وطلعت به من الديوان وتوجهت إلى الكنيسة فقال لها علاء الدين: ما أعمل من الخدمة فقالت له: تقوم في الصبح وتأخذ خمسة بغال وتسير بها إلى الغابة وتقطع ناشف الحطب وتكسره وتجيء به إلى مطبخ الدير وبعد ذلك تلم البسط وتكنس وتمسح البلاط وترد الفرش مثل ما كان وتأخذ نصف إردب قمح وتغربله وتطحنه وتعمله منينات للدير وتأخذ وجبة عدس تغربلها وتدشها وتطبخها ثم تملأ الأربع فساقي ما وتحول بالبرميل وتملأ ثلثمائة وست وستين قطعة وتفت فيها المنينات وتسقيها من العدس وتدخل لكل راهب أو بطريق قصعته فقال لها علاء الدين رديني إلى الملك وخليه يقتلني أسهل لي من هذه الخدمة فقالت له إن خدمت ووفيت الخدمة التي عليك خلصت من القتل وإن لم توف خليت الملك يقتلك فقعد علاء الدين حامل الهم وكان في الكنيسة عشر عميان مكسحين فقال له واحد منهم هات لي قصرية فأتى له فتغوط فيها وقال له ارم الغائط فرماه فقال له يبارك فيك المسيح يا خدام الكنيسة وإذا بالعجوز أقبلت وقالت له لأي شيء ما وفيت الخدمة في الكنيسة فقال لها: أنا لي كم يد على عمل هذه الخدمة فقالت له: يا مجنون أنا ما جئت بك للخدمة ثم قالت له: خذ يا ابني هذا القضيب وكان من النحاس وفي رأسه صليب واخرج إلى الشارع فإذا قابلك والي البلد فقل له أني أدعوك إلى خدمة الكنيسة من أجل السيد المسيح فإنه لا يخالفك فخليه يأخذ القمح ويغربله ويطحنه وينخله ويخبزه منينات وكل من يخالفك اضربه ولا تخف أحد فقال سمعاً وطاعة وعمل كما قالت ولم يزل يسخر الأكابر والأصاغر مدة سبعة عشر عاماً فبينما هو قاعد في الكنيسة وإذا بالعجوز داخلة عليه فقال له: اطلع إلى خراج الدير. فقال لها: أين أروح فقالت له: بت هذه الليلة في خمارة أو عند واحد من أصحابك فقال لها: لأي شيء
تطرديني من الكنيسة فقالت له أن حسن مريم بنت الملك يوحنا ملك هذه المدينة مرادها أن تدخل الكنيسة للزيارة ولا ينبغي أن تقعد في طريقها فامتثل كلامها وقام وأراها أنه رائح إلى خارج الكنيسة وقال في نفسه: يا هل ترى بنت الملك مثل نسائنا أو أحسن منهن فأنا لا أروح فبينما هو ينتظر في الكنيسة وإذا ببنت الملك مقبلة فنظر إليها نظرة أعقبته ألف حسرة لأنه وجدها كأنها البدر إذا بزغ من تحت الغمام وصحبتها صبية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-13-2010, 09:08 AM
وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين لما نظر إلى بنت الملك ورأى صحبتها صبية وهي تقول لتلك الصبية آنست يا زبيدة فأمعن علاء الدين النظر في تلك الصبية فرآها زوجته زبيدة العودية التي كانت ماتت ثم إن بنت الملك قالت لزبيدة قومي اعملي لنا نوبة على العود فقالت لها أنا لا أعمل لك نوبة حتى تبلغني مرادي وتفي لي بما وعدتني به.
فقالت لها ما الذي وعدتك به قالت لها: وعدتني بجمع شملي بزوجي علاء الدين أبي الشامات الثقة الأمين فقالت لها: يا زبيدة طيبي نفساً وقري عيناً واعملي لنا نوبة حلاوة اجتماع شملك بزوجك علاء الدين فقالت لها: وأين هو فقالت لها: إنه هنا في هذا المخدع يسمع كلامنا فعملت نوبة على العود ترقص الحجر الجلمود فلما سمع ذلك علاء الدين هاجت بلابله وخرج من المخدع وهجم عليهما وأخذ زوجته زبيدة العودية بالحضن وعرفته فاعتنق الاثنان بعضهما ووقعا على الأرض مغشياً عليهما فتقدمت الملكة حسن مريم ورشت عليهما ماء الورد ونبهتهما وقالت جمع الله شملكما.
فقال لها علاء الدين على محبتك يا سيدتي ثم التفت علاء الدين إلى زوجته زبيدة العودية وقال لها: أنت قد مت يا زبيدة ودفناك في القبر فكيف حييت وجئت إلى هذا المكان فقالت له: يا سيدي أنا ما مت وإنما اختطفني عون من أعوان الجان وطار بي إلى هذا المكان وأما التي دفنتموها فإنها جنية وتصورت في صورتي وعملت أنها ميتة وبعدما دفنتوها شقت القبر وخرجت منه وراحت إلى خدمة سيدتها حسن مريم بنت الملك.
و أما أنا فإني صرعت وفتحت عيني فرأيت نفسي عند حسن مريم بنت الملك وهي هذه فقلت لها: لأي شيء جئت بي إلى هنا فقالت لي أنا موعودة بزواجي بزوجك علاء الدين أبي
الشامات فهل تقبليني يا زبيدة أن أكون ضرتك ويكون لي ليلة ولك ليلة فقلت لها سمعاً وطاعة يا سيدتي ولكن أين زوجي فقالت: إنه مكتوب على جبينه ما قدره الله تعالى فمتى استوفى ما على جبينه لا بد أن يجيء إلى هذا المكان ولكن نتسلى على فراقه بالنغمات والطرب على الآلات حتى يجمعنا الله بع فمكثت عندها هذه المدة إلى أن جمع الله شملي بك في هذه الكنيسة.
ثم إن حسن مريم التفتت إليه وقالت له: يا سيدي علاء الدين هل تقبلني أن أكون أهلاً وتكون بعلاً فقال لها: يا سيدتي أنا مسلم وأنت نصرانية فكيف أتزوج بك فقالت: حاشا الله أن أكون كافرة بل أنا مسلمة ولي ثمانية عشر عاماً وأنا متمسكة بدين الإسلام وإني بريئة من كل دين يخالف دين الإسلام فقال لها: يا سيدتي مرادي أن أروح إلى بلادي فقالت له: اعلم أني رأيت مكتوباً على جبينك أموراً لا بد أن تستوفيها وتبلغ غرضك ونهنيك يا علاء الدين أنه ظهر لك ولد اسمه أصلان وهو الآن جالس في مرتبتك عند الخليفة وقد بلغ من العمر ثمانية عشر عاماً واعلم أنه ظهر الحق واختفى الباطل وربنا كشف الستر عن الذي سرق أمتعة الخليفة وهو أحمد قماقم السراق الخائن وهو الآن في السجن محبوس ومقيد واعلم أني أنا التي أرسلت إليك الخرزة ووضعتها لك في داخل الجراب الذي كان في الدكان وأنا التي أرسلت القبطان وجاء لك بالخرزة واعلم أن هذا القبطان متعلق بي ويطلب مني الوصال فما رضيت أن أمكنه من نفسي إلا إذا جئت لي بالخرزة وصاحبها وأعطيته مائة كيس وأرسلته في صفة تاجر وهو قبطان ولما قدموك إلى القتل بعد قتل الأربعين الأسارى الذين كنت معهم أرسلت إليك هذه العجوز فقال لها: جزاك الله عني كل خير.
ثم إن حسن مريم جددت إسلامها على يديه ولما عرف صدق كلامها قال لها: خبريني عن فضيلة هذه الخرزة من أين هي فقالت له: هذه الخرزة من كنز مرصود وفيها خمس فضائل تنفعنا عند الاحتياج إليها وإن جدتي أم أبي كانت ساحرة تحل الرموز وتختلس ما في الكنوز فوقعت لها هذه الخرزة من كنز فلما كبرت أنا وبلغت من العمر أربعة عشر عاماً قرأت الإنجيل وغيره من الكتب السماوية فرأيت اسم محمد صلى الله عليه وسلم في الأربعة كتب التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فآمنت بمحمد وأسلمت وتحققت بعقلي أنه لا يعبد بحق إلا الله تعالى وأن رب الأنام لا يرضى إلا دين الإسلام وكانت جدتي حين ضعفت وهبت لي هذه الخرزة
وأعلمتني بما فيها من الخمس فضائل وقبل أن تموت جدتي قال أبي: اضربي لي تخت رمل وانظري عاقبة أمري وما يحصل لي. فقالت له: إن البعيد يموت قتيلاً من أسير يجيء من الإسكندرية فحلف أبي أن يقتل كل أسير يجيء منها وأخبر القبطان بذلك وقال له: لا بد أن تهجم على مراكب المسلمين وكل من رأيته من الإسكندرية تقتله أو تجيء به إلي فامتثل أمره حتى قتل عدد شعر رأسه.
ثم هلكت جدتي فطلعت أنا وضربت لي تخت رمل وأضمرت ما في نفسي وقلت: يا هل من يتزوج بي فظهر أنه لا يتزوج بي إلا واحد يسمى علاء الدين أبا الشامات الثقة الأمين فتعجبت من ذلك وصبرت إلى أن آن الأوان واجتمعت بك ثم إنه تزوج بها وقال لها: أنا مرادي أن أروح إلى بلادي فقالت له: إذا كان الأمر كذلك فتعال معي ثم أخذته وخبأته في مخدع قصرها ودخلت على أبيها فقال لها: يا ابنتي أنا عندي اليوم قبض زائد فاقعدي حتى أسكر معك فقعد ودعا بسفرة المدام وصارت تملأ وتسقيه حتى غاب عن الوجود ثم إنها وضعت له البنج في قدح فشربه وانقلب على قفاه ثم جاءت إلى علاء الدين وأخرجته من المخدع وقالت له: إن خصمك مطروح على قفاه فافعل به ما شئت فإني أسكرته وبنجته فدخل علاء الدين فرآه مبنجاً فكتفه تكتيفاً وثيقاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:13 AM
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علاء الدين أعطى الملك أبا حسن مريم ضد البنج فأفاق فوجد علاء الدين وابنته راكبين على صدره فقال لها: يا ابنتي أتفعلين معي هذه الفعال فقالت له: إن كنت ابنتك فأسلم لأنني أسلمت وقد تبين لي الحق تبعته والباطل فاجتنبته وقد أسلمت لله رب العالمين وإنني بريئة من كل دين خالف دين الإسلام في الدنيا والآخرة فإن أسلمت حباً وكرامة وإلا فقتلتك أو لما حياتك ثم نصحه علاء الدين فأبى وتمرد فسحب علاء الدين خنجراً ونحره من الوريد إلى الوريد وكتبت ورقة بصورة الذي جرى ووضعها على جبهته واخذ ما خف حمله وغلا ثمنه وطلعا من القصر وتوجها إلى الكنيسة. فأحضرت الخرزة وحطت يدها على الوجه الذي هو منقوش عليه السرير ودعكته وإذا بسرير وضع قدامها فركبت هي وعلاء الدين وزوجته زبيدة العودية على ذلك السرير وقالت: بحق ما كتب لنا بهذه الخرزة من الأسماء والطلاسم وعلوم الأقلام أن ترتفع بنا يا سرير فارتفع بهما السرير وسارا إلى واد لا نبات فيه فأقامت الأربعة وجوه الباقية من الخرزة إلى الأسماء وقلبت الوجه المرسوم عليه السماء فنزل بهما إلى الأرض وقلبت الوجه المرسوم عليه هيئة صيوان في هذا الوادي فانتصب الصيوان وجلسوا فيه وكان ذلك الوادي أقفر لا نبات فيه ولا ماء. فقلبت الأربعة وجوه إلى السماء وقالت بحق أسماء الله تنبت هنا أشجار ويجري بجانبها بحر فنبتت الأشجار في الحال وجرى بجانبها بحر عجاج متلاطم بالأمواج فتوضأ منه وصلا وشربا وقلبت الثلاثة وجوه الباقية من الخرزة إلى الوجه الذي عليه هيئة سفرة الطعام وقالت: بحق أسماء الله يمتد السماط وإذا بسماط امتد وفيه سائر الأطعمة الفاخرة فأكلا وشربا وتلذذا وطربا. هذا ما كان من أمرهما.
وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه دخل ينبه أباه فوجده قتيلاً ووجد الورقة التي كتبها علاء الدين فقرأها وعرف ما فيها ثم فتش على أخته فلم يجدها فذهب إلى العجوز في الكنيسة وسألها عنها فقالت: من أمس ما رأيتها فعاد إلى العسكر وقال لهم: الخيل يا أربابها وأخبرهم بالذي جرى فركبوا الخيل وسافروا إلى أن قربوا من الصيوان فالتفتت حسن مريم فرأت الغبار قد سد الأقطار وبعد أن علا وطار وانكشف فظهر من تحته أخوها والعسكر وهم ينادون: إلى أين تقصدون نحن وراءكم فقالت الصبية لعلاء الدين: كيف ثباتك في الحرب والنزال فقال لها: مثل الوتد في النخال فإني ما أعرف الحرب والكفاح ولا السيوف والرماح فسحبت الخرزة ودعكت الوجه المرسوم عليه صورة الفرس والفارس وإذا بفارس ظهر من البر ولم يزل يضرب فيهم بالسيف إلى أن كسرهم وطردهم ثم قالت له: أتسافر إلى مصر أو الإسكندرية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:14 AM
وفي الليلة السادسة عشر بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسن مريم قالت: أتسافر إلى مصر أو الإسكندرية فقال: إلى الإسكندرية فركبوا على السرير وعزمت فسار بهم في لحظة إلى أن نزلوا في الإسكندرية فأدخلهم علاء الدين في مغارة وذهب إلى الإسكندرية فأتاهم بثياب وألبسهم إياها وتوجه بهم إلى الدكان والطبقة ثم طلع يجيء لهم بغذاء وإذا بالمقدم أحمد الدنف قادم من بغداد فرآه في الطريق فقابله بالعناق وسلم عليه ورحب به ثم إن المقدم أحمد الدنف بشره بولده أصلان وانه بلغ من العمر عشرين عاماً وحكى له علاء الدين ما جرى له من الأول إلى الآخر وأخذه إلى الدكان والطبقة فتعجب أحمد الدنف من ذلك غاية و لما أصبحوا باع علاء الدين الدكان ووضع ثمنها على ما معه ثم إن أحمد الدنف أخبر علاء الدين بأن الخليفة يطلبه فقال له: أنا رائح إلى مصر أسلم على أبي وأمي وأهل بيتي فركبوا السرير جميعاً وتوجهوا إلى مصر السعيدة ونزلوا في الرب الأصفر لأن بيتهم كان في تلك الحارة ودق باب بيتهم فقالت أمه: من بالباب بعد فقد الأحباب فقال: أنا علاء الدين فنزلوا وأخذوه بالأحضان ثم أدخل زوجته وما معه في البيت وبعد ذلك دخل وأحمد الدنف صحبته وأخذوا لهم راحة ثلاثة أيام ثم طلب السفر إلى بغداد فقال له أبوه: يا ولدي اجلس عندي. فقال: ما أقدر على فراق ولدي أصلان ثم إنه أخذ أباه وأمه معه وسافروا إلى بغداد فدخل أحمد الدنف وبشر الخليفة بقدوم علاء الدين وحكى له حكايته فطلب الخليفة ملتقاه وأخذ معه ولده أصلان وقابلوه بالأحضان وأمر الخليفة بإحضار أحمد قماقم السراق فلما حضر بين يديه قال: يا علاء الدين دونك وخصمك فسحب علاء الدين السيف وضرب أحمد قماقم فرمى عنقه ثم إن الخليفة عمل لعلاء الدين فرحاً عظيماً بعد أن أحضر القضاة والشهود وكتب كتابه على حسن مريم ولما دخل عليها وجدها درة لم تثقب ثم جعل ولده أصلان رئيس الستين وخلع عليه الخلع
بعض حكايات تتعلق بالكرام
أما حكايات الكرام فإنها كثيرة جداً منها ما روي عن حاتم الطائي أنه لما مات دفن في رأس جبل وعملوا على قبره حوضين من حجر وصور بنات محلولات الشعر من حجر وكان تحت ذلك الجبل نهر جار فإذا نزلت الوفود يسمعون الصراخ في الليل من العشاء إلى الصباح فإذا أصبحوا لم يجدوا أحد غير البنات المصورة من الحجر فلما نزل ذو الكراع ملك حمير بذلك الوادي خارجاً من عشيرته بات تلك الليلة هناك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:15 AM
وفي الليلة السابعة عشر بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذا الكراع لما نزل بذلك الوادي بات تلك الليلة هناك وتقرب من ذلك الموضع فسمع الصراخ فقال: ما هذا العويل الذي فوق الجبل فقالوا له: إن هذا قبر حاتم الطائي وإن عليه حوضين من حجر وصور بنات من حجر محلولات الشعور وكل ليلة يسمع النازلون هذا العويل والصراخ فقال ذا الكراع ملك حمير يهزأ بحاتم الطائي: يا حاتم نحن الليلة ضيوفك ونحن خماً فغلب عليه النوم ثم استيقظ وهو مرعوب وقال: يا عرب الحقوني وأدركوا راحلتي فلما جاءوه وجدوا الناقة تضطرب فنحروها وشووا لحمها وأكلوه ثم سألوه عن سبب
ذلك فقال: إني نمت فرأيت حاتم الطائي في المنام قد جاءني بسيف وقال: جئنا ولم يكن عندنا شيء وعقر ناقتي بالسيف ولو لم تنحروها لماتت.
فلما أصبح الصباح ركب ذو الكراع راحلة واحد من أصحابه ثم أردفه خلفه فلما كان في وسط النهار رأوا راكباً على راحلة وفي يده راحلة أخرى فقالوا له: من أنت قال: أنا عدي بن حاتم الطائي ثم قال: أين ذو الكراع أمير حمير فقالوا له: اركب هذه الناقة عوضاً عن راحلتك فإن ناقتك نحرها أبي لك قال: ومن أخبرك قال: أتاني في المنام في هذه الليلة وقال لي: يا عدي إن ذو الكراع ملك حمير استضافني فنحرت له ناقته فأدركه بناقة يركبها فإني لم يكن عندي شيء فأخذها ذو الكراع وتعجب من كرم حاتم حياً وميتاً.

ومن حكايات الكرام أيضاً
ما يروى عن معن بن زائدة أنه كان في يوم من الأيام في الصيد والقنص فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء فبينما هو كذلك وإذا بثلاث جوار أقبلن عليه حاملات ثلاث قرب ماء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:16 AM
وفي الليلة الثامنة عشر بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن إن الجواري أقبلن على معن حاملات ثلاث قرب ماء فاستقاهن فأسقينه فطلب شيئاً من غلمانه ليعطيه للجواري فلم يجد معه مالاً فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم من كنانته نصولها من الذهب فقالت إحداهن لصاحبتيها: لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة فلتقل كل واحدة منكن شيئاً من الشعر مدحاً فيه فقالت الأولى: يركـب فـــي الـــســـهـــام نـــصـــول يبـــرويرمـــي الـــعـــدا كـــرمـــــــاً وجـــــــودا فـــلـــلـــمـــرضـــى عـــلاج مـــن جـــراحوأكــفـــان لـــمـــن ســـكـــن الـــلـــحـــودا و قالت الثانية: ومـحـــارب مـــن فـــرط جـــود بـــنـــانـــهعـمـمــت مـــكـــارمـــه الأحـــبة والـــعـــدا و قالت الثالثة: ومـن جـوده يرمـــي الـــعـــداة بـــأســـهـــممـن الـذهـب الإبـريز صـيغـت نـصـولـــهـــا لـينـفـقـهــا الـــمـــجـــروح عـــنـــد دوائهـــاويشـتـــري الأكـــفـــان مـــنـــهـــا قـــتـــيلا و قيل إن معن بن زائدة خرج في جماعته إلى الصيد فقرب منهم قطيع ظباء فافترقوا في طلبه
وانفرد معن خلف ظبي فلما ظفر به نزل فذبحه فرأى شخصاً مقبل من البرية على حمار فركب فريه واستقبله فسلم عليه وقال له: من أين أتيت قال: أتيت من أرض قضاعة وإن مدة من السنين مجدبة وقد أخصبت هذه السنة فزرعت فيها القثاء فطرحت في غير وقتها فجمعت منها ما استحسنته من القثاة وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور فقال له: كم أملت منه قال: ألف دينار. فقال: فإن قال لك هذا القدر كثير قال: خمسمائة دينار قال: فإن قال لك كثير قال مائة دينار قال: فإن قال لك كثير قال خمسين دينار قال فإن قال لك هذا كثير قال أدخلت قوائم حماري في حرامه ورجعت إلى أهلي صفر اليدين فضحك معن من كلامه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل في منزله وقال لحاجبه: إذا أتاك شخص على حمار بقثاة فأدخله علي فأتى ذلك الرجل بعد ساعة فأذن له الحاجب بالدخول فلما دخل على الأمير مهن لم يعرف أنه هو الذي قابله في البرية لهيبته وجلاله وكثرة خدمه وحشمه وهو فلما سلم عليه قال له الأمير: ما الذي أتى بك يا أخا العرب قال: أملت من الأمير واتيت له بقثاة في غير أوانها فقال له: كم أملت منها قال: ألف دينار قال ك هذا القدر كثير قال: خمسمائة دينار قال: كثير قال: كثير قال: ثلثمائة دينار قال: كثير قال: مائتي دينار قال: كثير قال: مائة دينار قال: كثير قال خمسين ديناراً قال: كثير قال ثلاثين ديناراً قال: كثير. قال: والله لقد كان ذلك الرجل الذي قابلني في البرية مشؤوماً أفلا أقل من ثلاثين ديناراً فضحك معن وسكت فعلم الإعرابي أنه هو الرجل الذي قابله في البرية فقال له: يا سيدي إذا لم تجيء بالثلاثين فها هو الحمار مربوط بالباب وها معن جالس فضحك معن حتى استلقى على قفاه ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وثلاثين دينار ودع الحمار مربوطاً مكانه فبهت الإعرابي وتسلم الألفين ومائة وثمانين ديناراً فرحمة الله عليهم أجمعين.
حكاية تتعلق ببعض مدائن الأنلس التي فتحها طارق بن زياد و بلغني أيها الملك السعيد أن مملكة يقال لها البطة وكانت مملكة للإفرنج وكان فيها قصر مقفل دائماً وكلما مات ملك وتولى بعده ملك آخر من الروم رمي عليه قفلاً محكماً فاجتمع على الباب أربعة وعشرون قفلاً من كل ملك قفل ثم تولى بعدهم رجل ليس من اهل بيت المملكة فأراد فتح تلك الأقفال ليرى ما في ذلك القصر فمنعه من ذلك أكابر الدولة وأنكروا عليه وزجروه فأبى وقال: لا بد من فتح ذلك القصر فبذلوا له جميع ما بأيديهم من نفائس الأموال والذخائر على عدم فتحه فلم يرجع. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:16 AM
وفي الليلة التاسعة عشر بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المملكة بذلوا لذلك الملك جميع ما في أيديهم من الأموال والذخائر على عدم فتح ذلك القصر فلم يرجع عن فتحه ثم أن أزال الأقفال وفتح الباب فوجد فيه صورة العرب على خيلهم وجمالهم وعليهم العمائم المسبلة وهم متقلدون بالسيوف وبأيديهم الرماح الطوال ووجد كتاباً فيه فأخذه وقرأه فوجد مكتوباً فيه: إذا فتح هذا الباب يغلب على هذه الناحية قوم من العرب وهم على هيئة هذه الصور فالحذر ثم الحذر من فتحه وكانت تلك المدينة بالأندلس.
ففتحها طارق بن زياد في تلك السنة في خلافة الوليد بن عبد الملك من بني أمية وقتل ذلك الملك أقبح قتلة ونهب بلاده وسبى بها من النساء والغلمان وغنم أموالها ووجد فيها ذخائر عظيمة فيها ما ينوب عن مائة وسبعين تاجاً من الدر والياقوت ووجد فيها أحجاراً نفيسة وإيواناً ترمح فيه الخيالة برماحهم ووجد بها من أواني الذهب والفضة ولا يحيط به وصف ووجد بها على المائدة التي كانت لنبي الله سليمان بن داود عليه السلام وكانت على ما ذكر من زمر أخضر. وهذه المائدة إلى الآن باقية في مدينة روما وأوانيها من الذهب وصحافها من الزبرجد ونفيس الجواهر ووجد فيها الزبور مكتوباً بخط يوناني في ورق من الذهب مفصص بالجواهر ووجد فيها كتاباً يذكر فيه منافع الأحجار الكريمة والبيوت والمدائن والقرى والطلاسم وعلم الكيمياء من الذهب والفضة ووجد كتاباً آخر يحكي فيه صناعة اليواقيت والأحجار وتركيب السموم والترياقات وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن ووجد فيها قاعة كبيرة ملآنة من الأكسير الذي الدرهم منه يقلب ألف درهم من الفضة ذهباً خالصاً ووجد بها مرآة كبيرة مستديرة عجيبة مصنوعة من أخلاط صنعت لنبي الله سليمان بن داود عليه السلام إذا نظر الناظر فيها رأى الأقاليم السبعة عياناً ووجد فيها ليواناً فيه من الياقوت البهرماني ما لا يحيط به وصف فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك وتفرق العرب في مدنها وهي من أعظم البلاد.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:17 AM
حكاية هشام بن عبد الملك مع غلام من الأعراب
و مما يحكى أيضاً أن هشام بن عبد الملك بن مروان كان ذاهباً إلى الصيد في بعض الأيام فنظر إلى ظبي فتبعه ابلكلاب فبينما هو خلف الظبي إذ نظر إلى صبي من الأعراب يرعى غنماً فقال هشام له: يا غلام دونك هذا الظبي فاتني به فرفع رأسه إليه وقال: يا جاهلاً بقدر الأخبار لقد نظرت إلي بالإستصغار وكلمتني بالإحتقار فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار فقال هشام: ويلك أما تعرفني فقال: قد عرفني بك سوء أدبك إذ بداتني بكلامك دون سلامك فقال له: ويلك يا هشام بن عبد الملك فقال له الإعرابي: لا قرب الله ديارك ولا حيا مزارك فما أكثر كلام وأقل إكرامك.
فما استتم كلامه حتى أحدقت به الجند من كل جانب وكل واحد منهم يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال هشام: اقصروا عن هذا الكلام واحفظوا هذا الغلام فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال: علي بالغلام البدوي لإاتي به فلما رأى الغلام كثرة الحجاب والوزراء وأرباب الدولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم بل جعل ذقنه على صدره ونظر حيث يقع قدمه إلى أنوصل إلى هشام فوقف بين يديه ونكس رأسه إلى الأرض وسكت عن السلام وامتنع عن الكلام فقال له بعض الخدام: يا كلب العرب ما منعك أن تسلم على أمير فالتفت إلى الخادم مغضباً وقال: يا بردعة الحمار منعني من ذلك طول الطريق وصعود الدرجة والتعويق فقال هشام وقد تزايد به الغضب: يا صبي لقد حضرت في يوم حضر فيه أجلك وغاب عنك أملك وانصرم عمرك فقال: والله يا هشام لئن كان في المدة تاخير ولم يكن في الأجل تقصير فقال له الحاجب: هل بلغ من مقامك يا أخس العرب أن تخاطب أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة فقال مسرعاً: لقيت الخبل ولا فارقك الويل والهبل أما سمعت ما قال الله تعالى: يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. فعند ذلك اغتاظ هشام غيضاً شديداً وقال: يا سياف علي برأس هذا الغلام فإنه أكثر بالكلام ولم يخش الملام ففأخذ الغلام ونزل به إلى أن نطع الدم وسل سيفه على رأسه وقال: يا أمير المؤمنين هذا عبدك المذل بنفسه السائر إلى رمسه هل أضرب عنقه وانا بريء من دمه قال ك نعم فاستأذن ثانياً ففهم الفتى أنه إن أذن له هذه المرة يقتله فضحك حتى بدت نواجذه فازداد هشاماً غضباً وقال: يا صبي أظنك معتوهاً أما ترى أنك مفارق الدنيا فكيف تضحك هزءاً بنفسك فقال ك يا أمير المؤمنين لئن كان في العمر تأخير لا يضرني قليل ولا كثير ولكن حضرتني أبياتاً فاسمعها فإن قتلي لا يفوتك فقال هشام: هات وأوجز فأنشد هذه الأبيات: فـتـكـلـم الـــعـــصـــفـــور فـــي أظـــفـــارهوالـــبـــاز مـــنـــهـــمـــك عـــلـــيه يطـــير مـثـلـي مـا يغـنـــي لـــمـــثـــلـــك شـــبـــعةولـــئن أكـــلـــت فـــإنـــنـــي حـــــقـــــــير فـتـبـســم الـــبـــاز الـــمـــذل بـــنـــفـــســـهعـجـبـاً وأفـــلـــت ذلـــك الـــعـــصـــفـــور فتبسم هشام وقال: وحق قرابتيمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تلفظ بهذا اللفظ من أول كلامه وطلب مادون الخلافة لأعطيتها إياه يا خادم احش فاه جوهراً وأحسن جائزته فأعطاه الخادم حلة عظيمة فأخذها وانصرف إلى حال سبيله. انتهى.
حكاية اسحق الموصلي وتزوج المأمون بخديجة بنت الحسن بن سهل و مما يحكى أن اسحق الموصلي قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي فضايقني حصر البول فعمدت إلى زقاق وقمت أبول خوفاً أن يضر بي شيء إذا جلست في جانب الحيطان فرأيت شيئاً معلقاً من تلك الدور فلمسته لأعرف ما هو فوجدته زنبيلاً كبيراً باربعة آذان ملبساً ديباجاً فقلت في نفسي: لا بد هذا من سبب وصرت متحيراً في أمري فحملني السكر على أن أجلس فيه فجلست فيه وإذا بأصحاب الدار جذبوه بي وظنوا انني الذي كانوا يترقبونه. ثم رفعوا الزنبيل إلى رأس الحائط وإذا بأربع جوار يقلن لي إنزل على الرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار فيها مجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة فجلست فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية الجدار وإذا بوصائف يتماشين وفي أيديهن الشموع ومجامر البخور من العود القاقلي وبينهن جارية كأنها البدر الطالع فنهضت وقالت: مرحباً بك من زائر ثم أجلستني وسألتني عن خبري. فقلت لها: إني انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحصرني البول في الطريق فملت إلى هذا الزقاق فوجدت زنبيلاً ملقى فأجلسني النبيذ في الزنبيل ورفع بي الزنبيل إلى هذا الدار هذا ما كان من أمري. فقالت: لا ضير عليك وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك ثم قالت لي: فما صناعتك فقلت: أنا تاجر في سوق بغداد فقالت: هل تروي من الأشعار شيئاً قلت: شيئاً ضعيفاً قالت: فذاكرنا فيه وأنشدنا شيئاً منه فقلت: إن للداخل دهشة ولكن تبدأين أنت. قالت: صدقت ثم انشدت شعراً رقيقاً من كلام القدماء والمحدثين وهو من أجود أقاويلهم وأنا أسمع ولا أدري أأعجب من حسنها وجماله أم من حسن روايتها ثم قالت: هل ذهب ما كان عندك من الدهشة قلت: أي والله قالت: إن شئت فأنشدنا شيئاً من روايتك فأنشدتها شعر الجماعة من القدماء ما فيه الكفاية فاستحسنت ذلك ثم قالت: والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة مثيل هذا ثم أمرت بالطعام فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحلى حديثك وأحسنه وأطيبه وأعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:18 AM
وفي الليلة العشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اسحق الموصلي قال: ثم إن الجارية أمرت بإحضار الطعام فحضر فجعلت تأخذ وتضع قدامي وكان في المجلس م أصناف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند الملوك ثم دعت بالشراب فشربت قدحاً ثم ناولتني قدحاً وقالت هذا المذاكرة والأخبار فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أنه كذا وكذا وكان رجل يقول كذا حتى حكيت لها عدة أخبار حسان فسرت بذلك وقالت: إني لأعجب كيف يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذه الأخبار وغنما هي أحاديث ملوك. فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم وإذا تعطل حضرت بيته فربما حدث بما سمعت فقالت: لعمري لقد أحسنت الحفظ ثم أخذنا في المذاكرة وكلما سكت ابتدأت هي حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها فقالت لي: إنك من ألطف الرجال وأظرفهم لأنك ذو أدب بارع وما بقي إلا شيء واحد فقلت لها: وما هو قالت: لو كنت تترنم بالأشعار على العود فقلت لها: إني كنت تعلقت بهذا قديماً ولكن لما لم أرزق حظاً فيه أعرضت عنه وفي قلبي منه حرارة وكنت أحب في هذا المجلس أن أحسن شيئاً منه لتكتمل ليلتي قالت: كأنك عرضت بإحضار العود فقلت: الرأي لك وأنت صاحبة الفضل ولك المنة في ذلك. فأمرت بعود فحضرت وغنت بصوت ما سمعت بمثل حسنه مع حسن الأدب وجودة الضرب والكمال الراجح ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت لمن وهل تعرف الشعر لمن قلت: لا. قالت الشعر لفلان والمغنى لإسحق. قلت: وهل اسحق جعلت فداءك بهذه الصفة قالت: بخ بخ اسحق بارع هذا الشأن فقلت: سبحان الله الذي أعطى هذا الرجل ما لم يعطه أحد سواه قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان انشقاق الفجر أقبلت عليها عجوز كأنها داية لها وقالت: إن الوقت قد حضر فنهضت عند قولها وقالت: فتستر ما كان منا فإن المجالس بالأمانات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:18 AM
وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: فتستر ما كان منا فإن المجالس بالأمانات فقلت لها: جعلت فداءك فلست محتاجاً إلى وصية في ذلك ثم ودعتها وأرسلت جارية تمشي بين يدي إلى باب الدار ففتحت لي وخرجت متوجهاً إلى داري فصليت الصبح ونمت فأتاني رسول المأمون فسرت إليه وأقمت نهاري عنده فلما كان وقت العشاء تفكرت ما كنت فيه البارحة وهو شيء لا يصبر عنه الجهلاء فخرجت إلى الزنبيل وجلست فيه ورفعت إلى موضعي الذي كنت فيه البارحة.
فقالت لي الجارية: لقد عاودت فقلت: لا أظن إلا أنني قد غفلت ثم أخذنا في المحادثة على عادتنا في الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الحكايات منها ومني إلى الفجر ثم انصرفت إلى منزلي وصليت الصبح ونمت فأتى رسول المأمون فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده فلما كان وقت العشاء قال لي أمير المؤمنين: أقسمت عليك أن تجلس حتى أذهب إلى غرض وأحضر فلما ذهب الخليفة وغاب عني جالت وساوسي وتذكرت ما كنت فيه فهان علي ما يحصل لي من أمير المؤمنين فوثبت مدبراً وخرجت جارياً حتى وصلت إلى الزنبيل فجلست فيه ورفع بي إلى مجلسي فقالت: لعلك صديقنا قلت: أي والله قالت: أجعلتنا دار إقامة قلت: جعلت فداءك حتى الضيافة ثلاثة أيام فإن رجعت بعد ذلك فأنتم في حل من دمي ثم جلسنا على تلك الحالة فلما قرب الوقت علمت أن المأمون لا بد أن يسألني فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت لها: أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجهاً وأشرف قدراً وأكثر أدباً وأعرق خلق الله تعالى باسحق. قالت: أطفيلي وتقترح قلت لها: أنت المحكمة في الأمر فقالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكرر معرفته ثم جاء الوقت فنهضت وقمت متوجهاً إلى داري فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:19 AM
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن اسحق الموصلي قال: فلم أصل إلى داري إلا ورسل
المأمون هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً وذهبوا بي إليه فوجدته قاعداً على كرسي وهو مغتاظ مني فقال: يا اسحق اخرجوا عن الطاعة فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين فقال: فما قصتك أصدقني الخبر فقلت: نعم ولكن في خلوة فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا فحدثته الحديث وقلت له: إني وعدتها بحضورك قال: أحسنت ثم أخذنا في لذتنا ذلك اليوم والمأمون متعلق القلب بها فما صدقنا بمجيء الوقت وسرنا وأنا أوصيه وأقول له: تجنب أن تنادين باسمي قدامها بل أنا لك تبع في حضرتها واتفقنا على ذلك. ثم سرنا إلى أن أتينا مكان الزنبيل فوجدنا زنبيلين فقعنا فيهما ورفعنا إلى الموضع المعهود فأقبلت وسلمت علينا. فلما رآها المأمون تحير من حسنها وجمالها وأخذت تذاكره الأخبار وتناشده الأشعار ثم أحضرت النبيذ فشربنا وهي مقبلة عليه مسرورة به وهو أيضاً مقبل لإليها مسرور بها ثم أخذت العود وغنت طريقة وبعد ذلك قالت لي: وهل ابن عمك من التجار وأشارت إلى المأمون قلت: نعم. قالت لي: إنكما لقريبا الشبه من بعضكما. قلت: نعم فلما فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب فصاح وقال: يا اسحق قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: عن بهذه الطريقة فلما علمت أنه الخليفة مضت إلى مكان ودخلت فيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:20 AM
وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية دخلت في المكان ولما فرغ اسحق من الغناء قال له المأمون: انظر من رب هذه الدار فبادرت عجوز بالجواب وقالت: هي للحسن بن سهيل فقال: علي به فغابت العجوز ساعة وإذا بالحسن قد حضر فقال له المأمون: ألك بنت قال: نعم.
قال: ما اسمها قال اسمها خديجة. قال: هل هي متزوجة قال: لا والله. قال: فإني أخطبها منك. قال: هي جاريتك وأمرها إليك يا أمير المؤمنين قال الخليفة: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار تحمل إليك صبيحة يومنا هذا فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتها. قال: سمعاً وطاعة ثم خرجنا فقال: يا اسحق لا تقص هذا الحديث على أحد فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في هذه الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار ومجالسة خديجة بالليل والله ما رأيت أحداً من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة من النساء مثل خديجة بل ولا تقارب خديجة فهماً ولا عقلاً ولا لفظاً. والله أعلم.
حكاية الحشاش مع حريم بعض الأكابر و مما يحكى أنه كان وأن الحج والناس في الطواف فبينما المطاف مزدحم بالناس إذا بإنسان متعلق بأستار الكعبة وهو يقول من صميم قلبه: أسألك يا الله أنها تغضب على زوجها وأجامعها. قال: فسمعه جماعة من الحجاج فقبضوا عليه وأتوا به إلى أمير الحجاج بعد أن أشبعوه ضرباً وقالوا له: أيها الأمير إنا وجدنا هذا في الأماكن الشريفة يقول: كذا وكذا فأمر أمير الحجاج بشنقه فقال له: أيها الأمير بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمع قصتي وحديثي وبعد ذلك افعل بي ما تريد. قال: حدث قال اعلم أيها الأمير أنني رجل حشاش أعمل في مسالخ الغنم فأحمل الدم والوسخ إلى الكيمان فاتفق أنني رائح بحماري يوماً من الأيام وهو محمل فوجدت الناس هاربين فقال واحد منهم: أدخل هذا الزقاق لئلا يقتلوك فقلت: ما للناس هاربين فقال لي واحد خدام: هذا حريم لبعض الأكابر وصار الخدم ينحون الناس من الطريق قدامه ويضربون جميع الناس ولا يبالون بأحد فدخلت بالحمار في عطفة. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:21 AM
وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الثلاثمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل قال: فدخلت بالحمار عطفة ووقفت أنتظر انفضاض الزحمة فرأيت الخدم وبأيديهم العصي ومعه نجو ثلاثين امرأة بينهن واحدة كأنها قضيب بان كاملة الحسن والظرف والدلال والجميع في خدمتها فلما وصلت إلى باب العطفة التي أنا واقف فيها التفتت يميناً وشمالاً ثم دعت بطواشي فحضر بين يديها فساورته في أذنه وإذا بالطواشي جاء إلي وقبض علي فتهاربت الناس وإذا بطواشي آخر أخذ حماري ومضى به ثم جاء الطواشي وربطني بحبل وجرني خلفه وأنا لم أعرف ما الخبر والناس من خلفنا يصيحون ويقولون: ما يحل من الله هذا رجل حشاش فقير الحال ما سبب ربطه بالحبال ويقولون للطواشية: ارحموه يرحمكم الله تعالى وأطلقوه فقلت أنا في نفسي: ما أخذني الطواشية إلا لأن سيدتهم شمت رائحة الوسخ فاشمأزت من ذلك أو تكون حبلى أو حصل لها ضرر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما زلت ماشياً خلفهم إلى أن وصلوا إلى باب دار كبير فدخلوا وأنا خلفهم واستمروا داخلين بي حتى وصلت إلى قاعة كبيرة ما أعرف كيف أصف محاسنها وهي مفروشة بفرش عظيم ثم دخلت النساء تلك القاعة وأنا مربوط مع الطواشي فقلت في نفسي: لا بد أن يعاقبونني في هذا البيت حتى أموت ولا يعلم بموتي أحد ثم بعد ذلك أدخلوني حماماً لطيفاً من داخل القاعة فبينما أنا في الحمام إذا بثلاث جوار دخلن وقعدن حولي وقلن لي: اقلع
ملابسك فقلعت ما علي من الخلقان وصارت واحدة منهن تحك رجلي وواحدة منهن تغسل رأسي وواحدة تكبسني فلما فرغن من ذلك حطوا لي بقجة قماش وقالوا لي: البس هذه فقلت: والله ما أعرف كيف ألبس فتقدمن إلي وألبسنني وهن يتضاحكن علي ثم جئن بقماقم مملوءة بماء الورد ورششن علي وخرجت معهن إلى قاعة أخرى والله ما أعرف كيف أصف محاسنها من كثرة ما فيها من النقش والفرش فلما دخلت تلك القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران. وأدرك شهرزاد الصباح

هانى رفعت
04-17-2010, 12:22 AM
وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الثلاثمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل قال: فلما دخلت القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران قوائمه من عاج وبين يديها جملة جوار فلما رأتني قامت إلي ونادتني فجئت عندها فأمرتني بالجلوس فجلست إلى جانبها وأمرت الجواري أن يقدمن الطعام الفاخر من سائر الألوان ما أعرف اسمه ولا أعرف صفته في عمري فأكلت منه قدر كفايتي وبعد رفع الزبادي وغسل الأيادي أمرت بإحضار الفواكه فحضرت بين يديها بالحال فأمرتني بالأكل فأكلت فلما فرغنا من الأكل أمرت بعض الجواري بإحضار سلاحيات الشراب فأحضرن مختلف الألوان ثم أطلقن المباخر من جميع البخور وقامت جارية مثل القمر تسقينا على نغمات الأوتار فسكرت أنا وتلك السيدة الجالسة كل ذك جرى وأنا أعتقد أنه حلم في المنام. ثم بعد ذلك أشارت إلى بعض الجواري أن يفرشن لنا في مكان ففرشن في المكان الذي أمرت به ثم قامت وأخذت بيدي إلى ذلك المكان المفروش ونمت معها إلى الصباح وكنت كلما ضممتها إلى صدري أشم منها رائحة المسك والطيب وما أعتقد إلا أني في الجنة أو أني أحلم في المنام فلما أصبحت سألتني عن مكاني فقلت: في المحل الفلاني فأمرت بخروجي وأعطتني منديلاً مطرزاً بالذهب والفضة وعليه شيئ مربوط فقالت لي: أدخل الحمام بهذا ففرحت وقلت في نفسي: إن كان ما عليه خمسة فلوس فهي غدائي في هذا اليوم ثم خرجت من عندها كأني خارج من الجنة وجئت إلى المخزن الذي أنا فيه ففتحت المنديل فوجدت فيه خمسين مثقالاً من الذهب فدفنتها وقعدت عند الباب بعد أن اشتريت بفلسين خبزاً وإداماً وتغديت ثم صرت متفكراً في أمري فبينما أنا كذلك إلى وقت العصر إذا بجارية قد أتت وقالت لي: إن سيدتي تطلبك فخرجت معها إلى باب الدار فاستأذنت لي فدخلت وقبلت الأرض بين يديها فأمرتني الطعام والشراب على العادة ثم نمت معها على جري العادة التي تقدمت أول ليلة فلما أصبحت ناولتني منديلاً ثانياً فيه خمسون مثقالاً من الذهب فأخذتها وخرجت وجئت إلى المخزن ودفنتها ومكثت على هذه الحالة مدة ثمانية أيام أدخل عندها في كل يوم وقت العصر وأخرج من عندها في أول النهار. فبينما أنا نائم عندها ليلة ثامن يوم إذا بجارية دخلت وهي تجري وقالت لي: قم اطلع إلى هذه الطبقة فطلعت في تلك الطبقة فوجدتها تشرف على وجه الطريق فبينما أنا جالس إذا بضجة عظيمة ودربكة خيل في الزقاق وكان في الطبقة طاقة تشرف على الباب فنظرت منها فرأيت شاباً راكباً كأنه القمر الطالع ليلة تمامه وبين يديه مماليك وجند يمشون في خدمته فتقدم إلى الباب وترجل ودخل القاعة فرآها قاعدة على السرير فقبل الأرض بين يديها ثم تقدم وقبل يدها فلم تكلمه فما برح يتخضع لها حتى صالحها ونام عندها تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:23 AM
وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبيى لما صالحها زوجها نام عندها تلك الليلة فلما أصبح الصباح أتته الجنود وركب وخرج من الباب فطلعت عندي وقالت لي: أرأيت هذا قلت: نعم قالت: هو زوجي وأحكي لك ما جرى لي معه. اتفق أنني كنت وإياه يوماً قاعدين في الجنينة داخل البيت وإذا هو قد قام من جنبي وغاب عني ساعة طويلة فاستبطأته فقلت في نفسي: لعله يكون في بيت الخلاء فنهضت إلى بيت الخلاء فلم أجده فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه فأرتني إياه وهو راقد مع جارية من جواري المطبخ فعند ذلك حلفت يميناً عظيماً أنني لا بد أن أزني مع أوسخ الناس وأقذرهم ويوم قبض عليك الطواشي كان لي أربعة أيام وأنا أدور في البلد على واحد يكون بهذه الصفة فما وجدت أحداً أوسخ ولا أقذر منك فطلبتك وقد كان ما كان من قضاء الله علينا وقد خلصت من اليمين التي حلفتها ثم قالت: فمتى وقع زوجي على الجارية ورقد معها مرة أخرى أعدتك إلى ما كنت عليه معي فلما سمعت منها هذا الكلام ورمت قلبي من لحاظها بالسهام جرت دموعي حتى قرحت المحاجر وأنشدت قول الشاعر: مـكـنـينـي مـــن بـــوس يســـراك عـــشـــراًواعـرفـي فـضـــلـــهـــا عـــلـــى يمـــنـــاك إن يســـراك لـــهـــي أقـــرب عـــــهـــــــداًوقـت غـسـل الـخـرا بـــمـــســـتـــنـــجـــاك
ثم إنها أمرت بخروجي من عندها وقد تحصل لي منها أربعمائة مثقال من الذهب فأنا أصرف منها وجئت إلى ههنا أدعو الله سبحانه وتعالى أن زوجها يعود إلى الجارية مرة لعلي أعود إلى ما كنت عليه. فلما سمع أمير الحج قصة الرجل أطلقه وقال للحاضرين: بالله عليكم أن تدعو له فإنه معذور.

حكاية هارون الرشيد مع محمد علي الجوهري
و مما يحكى أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي قلقاً شديداً فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي وقال له: صدري ضيق ومرادي في هذه الليلة أن أتفرج في شوارع بغداد وأنظر في مصالح العباد بشرط أننا نتزيا بزي التجار حتى لا يعرفنا أحد من الناس فقال له الوزير: سمعاً وطاعة. ثم قاموا في الوقت والساعة ونزعوا ما عليهم من ثياب الافتخار ولبسوا ثياب التجار وكانوا ثلاثة: الخليفة وجعفر ومسرور السياف وتمشوا من مكان إلى مكان حتى وصلوا إلى الدخلة فرأوا شيخاً قاعداً في زورق فتقدموا إليه وسلموا عليه وقالوا له: يا شيخ إنا نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا في مركبك هذا وخذ هذا الدينار في أجرتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:23 AM
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أنهم قالوا للشيخ: إنا نشتهي أن تفرجنا في مركبك وخذ هذا الدينار قال لهم: من ذا الذي يقدر على الفرجة والخليفة هارون الرشيد ينزل في كل ليلة بحر الدجلة في زورق صغير ومعه مناد ينادي ويقول: يا معشر الناس كافة من كبير وصغير وخاً وعام وصبي وغلام كل من نزل في مركب وشق الدجلة ضربت عنقه أو شنقته على صاري مركبه وكأنكم به في هذه الساعة وزورقه مقبل فقال الخليفة وجعفر: يا شيخ خذ هذين الدينارين وادخل بنا قبة من هذه القباب إلى أن يروح زورق الخليفة فقال لهم الشيخ: هاتوا الذهب والتوكل على الله تعالى فأخذ الذهب وعوم بهم قليلاً وإذا بالزورق قد أقبل من كبد الدجلة وفيه الشموع والمشاعل مضيئة فقال لهم الشيخ: أما قلت لكم أن الخليفة يشق في كل ليلة ثم إن الشيخ صار يقول: يا ستار لا تكشف الأستار ودخل بهم في قبة ووضع عليهم مئزر أسود وصاروا يتفرجون من تحت المئزر فرأوا في مقدم الزورق رجلاً بيده مشعل من الذهب الأحمر وهو يشعل فيه بالعود القاقلي وعلى ذلك الرجل قباء من الأطلس الأحمر وعلى
كتفه مزركش أصفر وإلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفه الآخر محلاة من الحرير الأخضر ملآنة بالعود القاقلي يوقد منها المشعل عوضاً عن الحطب ورأوا رجلاً آخر في الزورق لابساً مثا لبسه وبيده مشعل مثل المشعل الذي معه ورأوا في الزورق مائتي مملوك واقفين يميناً ويساراً ووجد كرسياً من الذهب الأحمر منصوباً وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطراز من الذهب الأصفر وبين يديه انسان كانه الوزير جعفر وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور وبيده سيف مشهور ورأوا عشرين نديماً.
فلما رأى الخليفة ذلك قال: يا جعفر. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: لعل هذا واحد من أولادي إما المأمون وإما الأمين ثم تأمل الشاب وهو جالس على الكرسي فرآه كامل الحسن والجمال والقد والإعتدال فلما تأمله التفت إلى الوزير وقال: يا وزير قال: لبيك قال: والله إن هذا الجالس لم يترك شيئاً من سكل الخلافة والذي بين يديه كأنك أنت يا جعفر والخادم الذي وقف على رأسه كأنه مسرور وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي وقد حار عقلي في هذا الأمر.
فقالت لها أختها دنيازاد: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه وأعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع حديثها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:24 AM
وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لما رأى هذا الأمير تحير في عقله وقال: والله إني تعجبت من هذا الأمر يا جعفر فقال له جعفر: وأنا والله يا أمير المؤمنين ثم ذهب الزورق حتى غاب عن العين فعند ذلك خرج الشيخ بزورقه وقال: الحمد لله على السلامة حيث لم يصادفنا أحد فقال الخليفة: يا شيخ وهل الخليفة في كل ليلة ينزل دجلة قال: نعم يا سيدي وله على هذه الحالة سنة كاملة. فقال الخليفة: يا شيخ نشتهي من فضلك أن تقف لنا هنا الليلة القابلة ونحن نعطيك خمسة دنانير ذهباً فإننا قوم غرباء وقصدنا النزهة ونحن نازلون في الفندق فقال له الشيخ: حباً وكرامة ثم إن الخليفة وجعفراً ومسروراً توجهوا من عند الشيخ إلى القصر وقلعوا ما كان عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك وجلس كل واحد في مرتبته ودخل الأمراء والوزراء والحجاب والبواب وانعقد المجلس بالناس فلما انقضى المجلس وتفرقت أجناس الناس وذهب كل واحد إلى حال سبيله قال الخليفة هارون رشيد: يا جعفر رنهض بنا للفرجة
على الخليفة الثاني فضحك جعفر ومسرور ولبسوا لبس التجار وخرجوا يشقون وهم في غاية الإنشراح وكان خروجهم من باب السر. فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الزورق قاعداً لهم في الإنتظار فنزلوا عنده في المركب فما استقر بهم الجلوس مع الشيخ ساعة حتى جاء زورق الخليفة الثاني وأقبل عليهم فالتفتوا إليه وأمعنوا فيه النظر فوجدوا فيه مائتي مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية ينادون على عادتهم فقال الخليفة: يا وزير هذا شيء لو سمعت به ما كنت أصدقه ولكنني رأيت ذلك عياناً ثم إن الخليفة قال لصاحب الزورق الذي هم فيه: خذ يا شيخ هذه العشرة دنانير وسر بنا في محاذاتهم فإنهم في النور ونحن في الظلام فننظرهم ونتفرج عليهم وهم لا ينظروننا فأخذ الشيخ العشرة دنانير ومشى بزورقه في محاذاتهم وساروا في ظلام

هانى رفعت
04-17-2010, 12:26 AM
وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد قال للشيخ: خذ هذه العشرة دنانير ومر بنا في محاذاتهم فقال: سمعاً وطاعة ثم أخذ الدنانير وسار بهم وما زالوا سائرين في ظلام الزورق إلى البساتين. فلما وصلوا إلى البستان رأوا زريبة فرسي عليها الزورق وإذا بغلمان واقفين ومعهم بغلة مسرجة بلجمة فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء وصاحت المشاعلية واشتغلت الحاشية بشأن الخليفة الثاني هارون الرشيد هو وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم فلاحت من المشاعلية التفاتة فرأوا ثلاثة أشخاً لبسهم لباس تجار وهم غرباء الديار فأنكروا عليهم وغمزوا وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني فلما نظرهم قال لهم: كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي أتى بكم في هذا الوقت قالوا: يا مولانا نحن قوم من التجار غرباء الديار وقدمنا في هذا اليوم وخرجنا نتمشى الليلة وإذا بكم قد أقبلتم فجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين يديك وهذا خبرنا. فقال الخليفة الثاني: لا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم ثم التفت إلى وزيره وقال: خذ هؤلاء صحبتك فإنهم ضيوفنا في هذه الليلة فقال: سمعاً وطاعة لك يا مولانا ثم ساروا معه إلى أن وصلوا إلى قصر عال عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب وبابه من خشب الصاج مرصع بالذهب الوهاج يصل منه الداخل إلى إيوان بفسقية وشاذروان وبسط ومخدات من الديباج ونمارق وطاولات وهناك ستر مسبول وفرش يذهل العقول ويعجز من يقول وعلى الباب مكتوب هذان البيتان:
قـــصـــر عـــلـــيه تـــحـــــــية وســـــــلامخـــلـــعـــت عـــلـــيه جـــمـــالـــهـــا الأيام فـيه الــعـــجـــائب والـــغـــرائب نـــوعـــتفـــتـــحـــيرت فـــي فـــنـــهــــا الأقـــــــلام ثم دخل الخليفة الثاني والجماعة صحبته إلى أن جلس على كرسي مذهب مرصع بالجواهر وعلى الكرسي سجادة من الحرير الأصفر وقد جلست الندماء ووقف سياف النقمة بين يديه فمدوا السماط وأكلواو رفعت الأواني وغسلت الأيادي وأحضروا آلة المدام واصطفت القناني والكاسات ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد فامتنع من الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب فقال: يا مولاي إن له مدة ما شرب من هذا. فقال الخليفة الثاني: عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك وهو شراب التفاح ثم امر به فأحضروه في الحال فتقدم الخليفة الثاني بين يدي هارون الرشيد وقال له: كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا الشراب وما زالوا في انشراح وتعاطي أقداح الراح إلى أن تمكن الشراب من رؤوسهم .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:26 AM
وفي الليلة الثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة الثاني هو وجلساؤه ما زالوا يشربون حتى تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم فقال الخليفة هارون الرشيد لوزيره جعفر: والله ما عندنا آنية مثل هذه الآنية فيا ليت شعري ما شأن هذا الشاب فبينما هما يتحدثان سراً إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يتساور مع الخليفة فقال: إن المساورة عربدة فقال الوزير: ما ثم عربدة إلا رفيقي هذا يقول: إني سافرت إلى غالب البلاد ونادمت أكابر الملوك وعاشرت الأجناد فما رأيت أحسن من هذا النظام ولا أبهج من هذه الليلة غير أن أهل بغداد يقولون: الشراب بلا سماع ربما أورث الصداع. فلما سمع الخليفة الثاني ذلك تبسم وانشرح وكان بيده قضيب فضرب به على مدوره وإذا بباب فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من العاج مصفحاً بالذهب الوهاج وخلفه جارية بارعة في الحسن والجمال والبهاء والكمال فنصب الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية في السماء الصافية وبيدها عود عمل صناع الهنود فوضعته في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وغنت عليه بعد أن أطربت وقلبت أربعاً وعشرين طريقة حتى أذهلت العقول ثم عادت إلى طريقتها الأولى وأطربت بالنغمات لـسـان الـهـوى فـي مـهـجـتـي لـك نــاطـــقيخـبـــر عـــنـــي أنـــنـــي لـــك عـــاشـــق ولـي شـاهـد مــن حـــر قـــلـــب مـــعـــذبوطـــرف قـــريح والـــدمـــوع ســـوابـــــق
ومـا كـنــت أدري حـــبـــك مـــا الـــهـــوىولـكـن قـضـاء الـلـه فـي الـخـلـق ســـابـــق فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة وشق البدلة التي كانت عليه من الذيل وأسبلت عليه الستارة وأتوه ببدلة غيرها أحسن منها فلبسها ثم جلس على عادته فلما وصل إليه القدح ضرب بالقضيب على المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من الذهب وخلفه الجارية الثاتية أحسن من الأولى فجلست على ذلك الكرسي وبيدها عود يكمد قلب الحسود فغنت عليه هذين البيتين: كيف اصطـبـاري ونـار الـشـوق فـي كـبـديوالـدمـع مـن مـقـلـتـي طـــوفـــانـــه أبـــدي والـلـه مـا طـــاب لـــي عـــيش أســـر بـــهفـكـيف يفـرح قـــلـــب حـــشـــوه كـــمـــدي فلما سمع الشاب هذا الشعر صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من الثياب إلى الذيل وانسبلت عليه الستارة وأتوه ببدلة أخرى فلبسها واستوى جالساً إلى حالته الأولى وانبسط في الكلام فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة فخرج خادم وراءه جارية أحسن من التي قبلها ومعه كرسي فجلست الجارية على الكرسي وبيدها عود فغنت عليه هذه الأبيات: وارحـمـــوا مـــدنـــفـــاً كـــئيبـــاً حـــزينـــاًذا غـــرام مـــتـــيمـــاً فـــي هــــــواكـــــــم قـد بـرتـــه الـــســـقـــام مـــن فـــرط وجـــدفـــتـــمـــنـــى مـــن الإلـــه رضــــاكـــــــم يا بـــدوراً مـــحـــلـــهـــا فــــي فـــــــؤاديكـــيف أخـــتـــار فـــي الأنـــام ســـواكـــــم فلما سمع الشاب هذه الأبيات صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من الثياب فأرخوا عليه الستارة وأتوه بثياب غيرها ثم عاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة فانفتح الباب وخرج منه غلام ومعه كرسي وخلفه جارية فنصب لها الكرسي وجلست عليه وأخذت العود وأصلحته وغنت عليه بهذه الأبيات: حـتـى مـتـى يبـقـى الـتـهـاجـر والـــقـــلـــىويعـود لـــي مـــا قـــد مـــضـــلا لـــي أولا مــن أمـــس كـــنـــا والـــديار تـــلـــمـــنـــافـي أنـسـنـا ونـرى الـــحـــواســـد عـــقـــلا غـدر الـزمـان بــنـــا وفـــرق شـــمـــلـــنـــامـن بـعـد مـا تـرك الـمـنـــازل كـــالـــخـــلا أتـــروم مـــنـــي يا عـــذولـــي ســـلــــــوةوأرى فـــؤادي لا يطــــــيع الـــــــعـــــــدلا فـدع الـمـلام وخـلــنـــي بـــصـــبـــابـــتـــيفـالـقـلــب مـــن أنـــس الأحـــبة مـــا خـــلا يا سـادة نـقـضـــوا الـــعـــهـــود وبـــذلـــوالا تـحـسـبـوا قـــلـــبـــي بـــعـــدكـــم ســـلا
فلما سمع الخليفة الثاني إنشاد الجارية صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه. وأدرك شهرزاد

هانى رفعت
04-17-2010, 12:27 AM
وفي الليلة الحادية والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة الثاني لما سمع شعر الجارية صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من ثياب وخر مغشياً عليه فأرادوا أن يرخوا عليه الستارة بحيب العادة فتوقفت حبالها فلاحت من هارون الرشيد التفاتة إليه فنظر إلى بدنه آثار ضرب مقارع فقال هارون الرشيد بعد النظر والتأكيد: يا جعفر والله إنه شاب مليح إلا انه لص قبيح. فقال جعفر: من أين عرفت ذلك يا أمير المؤمنين فقال: أما رأيت ما على جنبيه من أثر السياط ثم أسبلوا عليه الستارة وأتوه ببدلة غير التي كانت عليه واستوى جالساً على حالته الأولى مع الندماء فلاحت منه التفاتة فوجد الخليفة وجعفر يتحدثان سراً فقال لهما: ما الخبر يا فتيان فقال جعفر: يا مولانا خيراً غير أنه لا خفاء عليك إن رفيقي هذا نت التجار وقد سافر جميع الأمصار والأقطار وصحب الملوك والخيار وهو يقول لي: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم ولم أر أحداً فعل مثل فعله في سائر الأقاليم لأنه شق كذا وكذا بدلة كل بدلة بألف دينار وهذا إسراف زائد. فقال الخليفة الثاني: يا هذاإن المال مالي والقماش قماشي وهذا من بعض الإنعام على الخدامو الحواشي فإن كل بدلة شققتهالواحد من الندماء الحضار وقد رسمت لهم مع كل بدلة بخمسمائة دينار فقال الوزير جعفر: نعك ما فعلت يا مولانا ثم أنشد هذين البيتين: بـنـت الـمـكــارم وســـط كـــفـــك مـــنـــزلاوجـعـلـــت كـــالـــك لـــلأنـــام مـــبـــاحـــا فـإذا الـمــكـــارم أغـــلـــقـــت أبـــوابـــهـــاكـانـت يداك لـــقـــفـــلـــهـــا مـــفـــتـــاحـــا فلما سمع الشاب هذا الشعر من الوزير جعفر رسم له بألف دينار وبدلة ثم دارت بينهم الأقداح وطاب لهم الراح فقال الرشيد: يا جعفر اسأله عن الضرب الذي على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه. فقال: لا تعجل يا مولاي وترفق بنفسك فإن الصبر أجمل فقال: وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله لأخمدن منك الأنفاس فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال له: مالك مع رفيقك تتساوران فأخبرني بشأنكما فقال: خير. فقال: سألتك بالله أن تخبرني بخبركما ولا تكتما عني شيئاً من امركما. فقال: يا مولاي إنه أبصر على جنبيك ضرباً وأثر سياط ومقارع فتعجب من ذلك غاية العجب وقال: كيف يضرب الخليفة وقصده أن يعلم ما
السبب فلما سمع الشاب ذلك تبسم وقال: اعلموا أن حديثي غريب وأمري عجيب لو كتب بالإبر على أماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر ثم صعد الزفرات وانشد هذه الأبيات: حـديثـي عـجـيب فــاق كـــل الـــعـــجـــائبوحـق الـهـوى ضـاقـت عـلـى مــذاهـــبـــي واصـغـوا إلـــى قـــولـــي فـــفـــيه إشـــارةوإن كـــلامـــي صـــادق غــــير كـــــــاذب فـــإنـــي قـــتـــيل مـــن غـــرام ولــــــوعةوقـاتـلـتـي فـاقــت جـــمـــيع الـــكـــواكـــب لـهـا مـقـــلة كـــحـــلاء مـــثـــل مـــهـــنـــدوتـرمـي سـهـامـاً مـن قـسـي الـحـــواجـــب وقـد حـس قـلـبـــي أن فـــيكـــم أمـــامـــنـــاخـلــيفة هـــذا الـــوقـــت وابـــن الأطـــايب وثـانـيكـم هــو الـــمـــنـــادي بـــجـــعـــفـــرلـديه وزير صـاحــب وابـــن الأصـــاحـــب وثـالــثـــكـــم مـــســـرور ســـياف نـــقـــمةفـإن كـان هــذا الـــقـــول لـــيس بـــكـــاذب لـقـد نـلـت مـا أرجـو مــن الـــمـــر كـــلـــهوجـاء سـرورالـقـلـب مـــن كـــل جـــانـــب فلما سمعا منه هذا الكلام حلف له جعفر وروى في يمينه أنهم لم يكونوا المذكورين فضحك الشاب وقال: اعلموا يا سادتي أن لست أمير المؤمنين وغنما سميت نفسي بهذا لأبلغ ما أريد من أولاد المدينة وإنما اسمي محمد علي بن علي الجواهري وكان أبي من الأعيان فمات وخلف لي مالاً كثيراً م ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وياقوت وزبرجد وجواهر وعقارات وحمامات وغيطان وبساتين ودكاكين وطوابين وعبيد وجواري وغلمان فاتفق في بعض الأيام إني كنت جالساً في دكاني وحولي الخدم والحشم وإذا بجارية قد أقبلت راكبة على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار. فلما قربت من نزلت على دكاني وجلست عندي وقالت لي: هل أنت محمد الجوهري فقلت لها: نعم هو أنا مملوكك وعبدك. فقالت: هل عندك جوهر يصلح لي فقلت لها: يا سيدتي الذي عندي أعرضه عليك وأحضره بين يديك فإن أعجبك منه شيء كان بسعد المملوك شيء فبسوء حظي وكان عندي مائة عقد من الجوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء من ذلك وقالت: أريد أحسن ممارأيت وكان عندي عقد صغير اشتراهوالدي بمائة ألف دينار ولم يوجد مثله عند أحد من السلاطين الكبار فقلت لها: يا سيدتي بقي عندي عقد من الفصوص والجواهر التي لا يملك مثلها أحد من الأكابر والأصاغر. فقالت لي: أرني إياه.
فلما رأته قالت: هذا مطلوبي وهو الذي طول عمري أتمناه ثم قالت لي: كم ثمنه فقلت لها: ثمنه على والدي مائة ألف دينار فقالت: ولك خمسة آلاف دينار فائدة فقلت: يا سيدتي العقد
وصاحبه بين يديك ولا خلاف عندي فقالت: لا بد من الفائدة ولك المنة الزائدة.
ثم قامت من وقتها وركبت البغلة بسرعة وقالت لي: يا سيدي باسم الله تفضل صحبتنا لتأخذ الثمن فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن فقمت وأقفلت الدكان وسرت معها في أمان إلى أن وصلنا الدار فوجدتها داراً عليها آثار السعادة لائحة وبابها مزركش بالذهب والفضة واللازورد مكتوب عليه هذان البيتان: ألا يا دار لا يدخـــــــلـــــــك حـــــــــــــزنولا يغـــدر بـــصـــاحـــبـــك الـــزمـــــــان فنزلت الجارية ودخلت الدار وأمرتني بالجلوس على مصطبة الباب إلى أن يأتي الصيرفي فجلست على باب الدار ساعة وإذا بجارية خرجت إلي وقالت: يا سيدي أدخل الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح فقمت ودخلت الدهلي وجلست على الدكة فبينما أنا جالس إذا بجارية خرجت إلي وقالت لي: يا سيدي إن سيدتي تقول لك ادخل واجلس على باب الديوان حتى تقبض مالك فقمت ودخلت البيت وجلست لحظة وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اترت مني ذلك العقد وقد أسفرت عن وجه كأنه دارة القمر والعقد في عنقها فطاش عقلي واندهش لبي من تلك الجارية لفرط حسنها وجمالها. فلما رأتني قامت من فوق الكرسي وسعت نحوي وقالت لي: يا نور عيني هل كان من كان مليح مثلك ما يرثي لمحبوبته فقلت: يا سيدتي الحسن كله فيك وهو من بعض معانيك فقالت: يا جوهري اعلم أني أحبك وما صدقت أني أجيء بك عندي ثم إنها مالت علي فقبلتها وقبلتني وإلى جهتها جذبتني وعلى صدرها رمتني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:28 AM
وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجوهري قال ثم إنها مالت علي فقبلتها وقبلتني وإلى جهتها جذبتني وعلى صدرها رمتني وعلمت من حالي أنني أريد وصالها فقالت: يا سيدي أتريد أن تجتمع بي في الحرام والله لا كان من يفعل مثل هذه الآثام ويرضى بقبح الكلام فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد ولست مجهولة في البلد أتعلم من أنا فقلت: لا والله يا سيدتي فقالت أنا السيدة دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي وأخي جعفر وزير الخليفة.
فلما سمعت ذلك منها أحجمت بخاطري عنها وقلت لها: يا سيدتي ملي ذنب في التهجم
عليك أنت من أطمعتني في وصالك بالوصول إليك فقالت: لا بأس عليك ولا بد من بلوغك المراد بما يرضي الله فإن أمري بيدي والقاضي ولي عقدي والقصد أن أكون لك أهلاً وتكون لي بعلاً ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود فلما حضروا قالت لهم: محمد عيلي بن علي الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد في مهري وانا قبلت ورضيت فكتبوا كتابي عليها ودخلت بها وأحضرت آلات الراح ودارت الأقداح بأحسن نظام وأتم أحكام ولما شعشعت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عوادة أن تغني فأخذت العود وأطربت النغمات وأنشدت هذه الأبيات: بـدا فـأرانـي الـظـبـي والـغـصـن والــبـــدرافـتـبــاً لـــقـــلـــب لا يبـــيت بـــه مـــعـــزى أغـــالـــط عـــذابـــي إذا ذكــــــروا لـــــــهحـــديثـــاً كـــأنـــي لا أحـــب لـــه ذكـــــرا وأصـغـــي إذا فـــاهـــو بـــغـــير حـــديثـــهبـسـمـعـي ولـــكـــنـــي أذوب بـــه فـــكـــرا نـبـي جـمـــال كـــل مـــا فـــيه مـــعـــجـــزالـحـسـن ولـكـن وجـهـــه الآية الـــكـــبـــرا أقـام بـلال الــحـــال فـــي صـــحـــن خـــدهتــراقـــب مـــن لألأ غـــرتـــه الـــفـــجـــرا يريد ســـلـــوى الـــعـــاذلـــون جـــبـــــــالةومـا كـنـت أرضـى بـعـد إيمـانـي الـكــفـــرا فأطربت الجارية بما أبدته من نغمات الوتار ورقيق الأشعار ولم تزل الجواري تغني جارية بعد جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوار ثم إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه فرش من سائر الألوان ونزعت ما عليهامن الثياب وخلوت بها خلوة الأحباب فوجدتها درة لم تثقب مرة ومهرة لم تركب ففرحت بها ولم أر في عمري ليلة أطيب من تلك الليلة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:28 AM
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن محمد بن علي الجوهري قال: لما دخلت بالسيدة دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي رأيتها درة لم تثقب ومهرة لم تركب فأنشدت هذين البيتين: هـذا هـو الـفــوز الـــعـــظـــيم ولـــم نـــزلمـــتـــعـــانـــقـــين فـــلا نـــريد بـــراحـــــا ثم أقمت عندها شهراً كاملاً وقد تركت الدكان والأهل والأوطان فقالت لي يوماً: يا نور العين يا سيدي محمد إني قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام فاستقر أنت على هذا السرير ولا تنتقل من مكانك إلى أن أرجع إليك وحلفتني على ذلك فقلت لها سمعاً وطاعة ثم إنها حلفتني
أني لا أنتقل من موضعي وأخذتجواريها وذهبت إلى الحمام فو الله يا أخواني ما لحقت أن تصل إلى رأس الزقاق إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وقالت يا سيدي محمد إن السيدة زبيدة تدعوك فإنها سمعت بأدبك وظرفك وحسن غنائك ن فقلت لها: والله ما أقوم من مكاني حتى تأتي السيدة دنيا.
فقالت العجوز يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك فقم كلمها وارجع إلى مكانك فقمت من وقتي وتوجهت إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى السيدة زبيدة فلما وصلت إليها قالت لي: يا نور العين هل أنت معشوق السيدة دنيا فقلت: أنا مملوكك وعبدك فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال والأدب والكمال فإنك فوق الوصف والمقال ولكن عن لي حتى أسمعك. فقلت: سمعاً وطاعة فأتتني بعود فغنيت عليه بهذه الأبيات: قـلـب الـمـحـب مـع الأحـبـاب مـــغـــلـــوبوجـســـمـــه بـــيد الأســـقـــام مـــنـــهـــوب أسـتـودع الـلـه فـي أطـنـــابـــكـــم قـــمـــراًيهـواه قـلـبـي وعـن عـينــي مـــحـــجـــوب يرضـى ويغـضـب مـا أحـــلـــى تـــدلـــلـــهوكـل مـا يفـعـلـه الـمـحـبـوب مـــحـــبـــوب فلما فرغت من الغناء قالت لي: أصح الله بدنك وطيب أنفاسك فلقد كملت في الحسن والأدب والغناء فقم وامض إلى مكانك قبل أن تجيء السيدة دنيا فلا تجدك فتغضب عليك فقبلت الأرض بين يديها وخرجت من عندها وجئت إلى السرير فوجدتها قد جاءت من الحمام وهي نائمة على السرير فقعدت عند رجليها وكبستها ففتحت عينيها فرأتني تحت رجلها فرفستني ورمتني من فوق السرير وقالت لي: يا خائن خنت اليمين وحنثت فيه ووعدتني أنك لا تنتقل من مكانك وأخلفت الوعد وذهبت إلى السيدة زبيدة والله لولا خوفي من الفضيحة لهدمت قصرها على رأسها فتقدم العبد وشرط من ذيله رقعة وعصب عيني وأراد أن يضرب عنقي وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:30 AM
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن محمد الجواهري قال: فتقدم العبد وشرط من ذيله رقعة وعصب عيني وأراد أن يضرب عنقي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار وقلن لها: يا سيدتنا ليس هذا أول من أخطأ وهو لا يعرف خلقك وما فعل ذنباً يوجب القتل. فقالت: والله لا بد أن أعمل فيه أثراً. ثم أمرت أن يضربوني فضربوني على أضلاعي وهذا الذي رأيتموه أثر
ذلك الضرب وبعد ذلك أمرت بإخراجي فأخرجوني وأبعدوني عن القصر ورموني فحملت نفسي ومشيت قليلاً حتى وصلت إلى منزلي وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مداواتي.
فلما شفيت ودخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام جئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت لي أربعمائة مملوك فما جمعهم أحد من الملوك وصار يركب معي منهم في كل يوم مائتان وعملت هذا الزورق وصرفت عليه خمسة آلاف دينار من الذهب وسميت نفسي بالخليفة ورتبت من معي من الخدم واحد في وظيفة واحد من أتباع الخليفة وهيأته بهيئته وناديت كل من يتفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة ولي على هذه الحال سنة كاملة وأنا لم أسمع لها خبراً ولم أقف لها على أثر ثم إنه بكى وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: والـلـه مـا كـنـت طـول الـدهـر نــاســـيهـــاولا دنـــوت إلـــى مـــن لـــيس يدنـــيهــــــا كـأنـهـا الـبـدر فـي تـكـوين خـــلـــقـــتـــهـــاسـبـحـان خـالـقـهــا ســـبـــحـــان بـــاريهـــا فلما سمع هارون الرشيد كلامه وعرف وجده ولوعته وغرامه تدله ولهاً وتخير عجباً وقال: سبحان الله الذي جعل لكل شيء سبباً ثم إنهم استأذنوا الشاب في الإنصراف فأذن لهم وأضمر له الرشيد على الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف.
ثم انصرفوا من عنده سائرين وإلى محل الخلافة متوجهين فلما استقر بهم الجلوس وغيروا ما عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب المواكب ووقف بين أيديهم مسرور سياف النقمة قال الخليفة لجعفر: يا وزير علي بالشاب الذي كنا عنده في الليلة الماضية فقال: سمعاً وطاعة ثم توجه إليه وسلم عليه وقال له: أجب أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حضر فلما دخل على الخليفة قبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والإقبال وبلوغ الآمال ودوام النعم وإزالة البؤس والنقم وقد أحسن ما به تكلم حيث قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حومة الدين ثم أنشد هذين البيتين: لا زال بـــاب كـــعـــبة مـــقــــــصـــــــودةوتـــرابـــهـــا فـــوق الـــجـــبـــاه رســـــوم حـتـى ينـاديك فـــي الـــبـــلاد بـــأســـرهـــاهـــذا الـــمـــقـــام وأنـــت ابـــــــراهـــــــيم فتبسم الخليفة في وجهه ورد عليه السلام والتفت إليه بعين الإكرام وقربه لديه وأجلسه بين يديه
وقال له: يا محمد علي أريد منك أن تحدثني بما وقع لك في هذه الليلة فإنه من العجائب وبديع الغرائب فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين أطني منديل الأمان ليسكن روعي ويطمئن قلبي فقال له الخليفة: عليك الأمان من الخوف والأحزان فشرع الشاب يحدثه بالذي حص له من أوله إلى آخره فعلم أن الصبي عاشق وللمعشوق مفارق فقال له: أتحب أن أردها عليك قال: هذا من فضل أمير المؤمنين ثم أنشد هذين البيتين: ألـــثـــم أنـــامـــلـــه فـــلـــســـن أنـــامــــلاًلـــكـــنـــهـــن كــــــفـــــــاتـــــــح الأرزاق وأشـكـر صـنـائعـــه فـــســـن صـــنـــائعـــاًلـــكـــنـــهــــــن قـــــــلائد أعـــــــنـــــــاق فعند ذلك التفت الخليفة إلى الوزير وقال له: يا جعفر أحضر لي أختك دنيا بنت الوزير يحيى بن خالد فقال: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين ثم أحضرها في الوقت والساعة فلما تمثلت بين يديه قال لها الخليفة: أتعرفين من هذا قالت: يا أمير المؤمنين من أين للنساء معرفة الرجال فتبسم الخليفة وقال لها: يا دنيا هذا حبيبك محمد بن علي الجوهري وقد عرفنا الحلا وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا ظاهرها والأمر لا يخفى وعن كان مستوراً. فقالت: يا أمير المؤمنين كان ذلك في الكتاب مسطوراً وأنا أستغفر الله العظيم مما جرى مني وأسألك من فضلك العفو عني. فضحك الخليفة هارون الرشيد وأحضر القاضي والشهود وجدد عقدها على زوجها محمد بن علي الجوهري وحصل لها وله سعد السعود وإكماد الحسود وجعله من جملة ندمائه
حكاية هارون الرشيد مع علي العجمي
وما يتبع ذلك من حديث الجراب الكردي
و مما يحكى أيضاً أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي فاستدعى بوزيره فلما حضر بين يديه قال له: يا جعفر إني قلقت الليلة قلقاً عظيماً وضاق صدري وأريد منك شيئاً يسر خاطري وينشرح به صدري. فقال له جعفر: يا أمير المؤمنينإن لي صديقاً اسمه علي العجمي وعنده من الحكايات والأخبار المطربة ما يسر النفوس ويزيل عن القلب البؤس فقال له: علي به فقال: سمعاً طاعة. ثم إن جعفر خرج من عند الخليفة في طلب العجمي فأرسل خلفه فلما حضر قال له: أجب أمير المؤمنين فقال: سمعاً وطاعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:31 AM
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال: سمعاً وطاعة ثم توجه معه إلى الخليفة فلما تمثل بين يديه أذن له بالجلوس فجلس فقال له الخليفة: يا علي إنه ضاق صدري في هذه الليلة وقد سمعت عنك أنك تحفظ حكايات وأخبار وأريدمنك أن تسمعني ما يزيل همي ويصقل فكري.
فقال: يا أمير المؤمنين هل أحدثك بالذي رأيته بعيني أو بالذي سمعته بأذني فقال: إن كنت رأيت شيئاً فاحكه فقال: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين إني سافرت في بعض السنين من بلدي هذه وهي مدينة بغداد وصحبتي غلام ومعه جراب لطيف ودخلنا المدينة.
فبينما أنا أبيع وأشتري وإذا برجل كردي ظالم متعدي قد هجم علي وأخذ مني الجراب وقال: هذا جرابي وكل ما فيه متاعي فقلت: يا معشر المسلمين خلصوني من يد أفجر الظالمين فقال الناس جميعاً: اذهبا إلى القاضي واقبلا حكمه بالتراضي فتوجهنا إلى القاضي وأنا بحكمه راضي فلما دخلنا عليه وتمثلنا بين يديه قال القاضي: في أي شيء جئتما وما قضية خبركما فقلت: نحن خصمان إليك تداعينا بحكمك تراضينا فقال: أيكما المدعي فتقدم الكردي وقال: أيد الله مولانا القاضي إن هذا الجراب جرابي وكل ما فيه متاعي وقد ضاع مني ووجدته مع هذا الرجل. فقال القاضي: ومتى ضاع منك فقال الكردي: من أمس هذا اليوم وبت لفقده بلا نوم. فقال القاضي: إن كنت تعرفه فصف لي ما فيه فقال الكردي: في جرابي هذا مردوان من لجين وفيه أكحال للعين ومنديل لليدين ووضعت فيه شرابتين وشمعدانين وهو مشتمل على
بيتين وطبقتين وملعقتين ومخدة ونطعين وابريقين وصينية وطشتين وقسدرة وزلعتين ومغرفة وسلة ومردوين وهرة وكلبتين وقصعة وقعيدتين وجبة وفروتين وناقتين وجاموسة وثورين ولبة وسبعين ودبة وثعلبين ومرتبة وسريرين وقصراً وقاعتين ورواقاً ومقعدين ومطبخاً ببابين وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: ما تقول أنت يا هذا فقلت إليه: يا أمير المؤمنين وقد أبهتني الكردي بكلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي أنا في جرابي هذا دويرة خراب واخرى بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه الصبيان كتاب وشباب يلعبون الكعاب وفيه خيام وأطناب ومدينة البصرة وبغداد وقصر شداد بن عاد وكور حداد وشبكة صياد وأوتاد وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي.
فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا مولانا القاضي إن جرابي هذا معروف وكل ما فيه موصوف في جرابي هذا حصون وقلاع وكراكي وسباع ورجال يلعبون بالشطرنج والرقاع وفي جرابي هذا حجرة ومهران وفحل وحصانان ورمحان طويلان وهو مشتمل على سبع وارنبين ومدينة وقريتين وقحبة وقوادين شاطرين ومخنث وعلقين وأعمى وبصيرين واعرج وكسيحين وقسيس وشماسين وبطريق وراهبين وقاض وشاهدين وهم يشهدون أن الجراب جرابي فقال القاضي: ما تقول يا علي فامتلأتغيظاً يا أمير المؤمنين وتقدمت إليه وقلت: أيد الله مولانا .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:32 AM
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجمي قال: فامتلأت غيظاً يا أمير المؤمنين وتقدمت إليه وقلت: أيد الله مولانا القاضي أنا في جرابي هذا زرد وصفاح وخزائن سلاح وألف كبش نطاح وفيه للغنم مراح وألف كلب نباح وبساتين وكروم وازهار ومشموم وتين وتفاح وصور وأشباح وقناني وأقداح وعرائس ومغاني وأفراح وهرج وصياح وأقطار فساح وأخوة نجاح ورفقة صباح ومعهم سيوف ورماح ملاح وقوس ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان وأصحاب ومحابس للعقاب وندماء للشراب وطنبور ونايات وأعلام ورايات وصبيان وبنات وعرائس مجليات وجوار مغنيات وخمس حبشيات وثلاث هنديات وأربع مدنيات وعشرون روميات وخمسون تركيات وسبعون عجميات وثمانون كرديات وتسعون جرجيات والدجلة والفرات وشبكة صياد وقداحة وزناد وإرم ذات العماد وألف علق وقواد وميادين واصطبلات ومساجد وحمامات وبناء وتجار
وخشبة ومسمار وعبد أسود ومزمار ومقدم وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار والكوفة مع الأنبار وعشرون صندوقاً ملآنة بالقماش وخمسون حاصلاً للمعاش وغزة وعسقلان من دمياط إلى أصوان وإيوان كسرى وأنوشروان وملك سليمان ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي غلائل وعراضي وألف موس ماض تحلق ذقن القاضي إن لم يخش عقابي ولم يحكم بأن الجراب جرابي.
فلما سمع القاضي هذا الكلام تحير عقله من ذلك وقال: ما أراكما إلا شخصين نحسين أو رجلين زنديقين تلعبان بالقضاة والحكام ولا تخشيان من الملام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون بأعجب مما وصفتما ولا تكلموا بمثل ما تكلمتما والله إن من الصين إلى شجرة أم غيلان ومن بلاد فارس إلى أرض السودان ومن وادي نعمان إلى أرض خراسان لا يسع ما ذكرتماه ولا يصدق ما ادعيتماه فهل هذا الجراب بحر ليس له قرار أو يوم العرض الذي يجمع الأبرار والفجار. ثم إن القاضي أمر بفتح الجراب ففتحه وإذا فيه خبز وليمون وجبن وزيتون ثم رميت الجراب قدام الكردي ومضيت فلما سمع الخليفة هذه الحكاية من علي العجمي استلقى على قفاه من الضحك وأحسن جائزته.

حكاية هارون الرشيد مع جعفر والجارية والإمام أبي يوسف
و مما يحكى أن جعفر البرمكي نادم الرشيد ليلة فقال الرشيد: يا جعفر بلغني أنك اشتريت الجارية الفلانية ولي مدة أطلبها فإنها على غاية الجمال وقلبي يحبها في اشتعال فبعها لي فقال: لا أبيعها يا أمير المؤمنين فقال: لا أهبها فقال الرشيد: زبيدة طالق ثلاثاً إن لم تبعها لي أو تهبها لي.
قال جعفر: زوجتي طالق ثلاثاً إن بعتها لك ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة.
فقال هارون الرشيد: هذه وقعة ليس لها غير أبي يوسف فطلبوه وكان ذلك نصف الليل فلما جاءه الرسول قام فزعاً وقال في نفسه: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام ثم خرج مسرعاً وركب بغلته وقال لغلامه: خذ معك مخلاة البغلة لعلها لم تستوف عليقها فإذا دخلنا دار الخلافة لتأكل ما بقي من عليقها إلى حين خروجي إذا لم تستوف عليقها في هذه الليلة. فقال الغلام: سمعاً وطاعة فلما دخل هارون الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه أحداً غيره وقال له: ما طلبناك في هذا الوقت إلا لأمر مهم هو كذا وكذا
وقد عجزنا في تدبير الحيلة فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر أسهل ما يكون ثم قال: ياجعفر بع لأمير المؤمنين نصفها وهب له نصفها وتبرآن يمينكما في بذلك فسر أمير المؤمنين بذلك وفعلا ما أمرهما به ثم قال هارون الرشيد: أحضروا الجارية في هذا الوقت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد قال: أحضروا الجارية في هذا الوقت فإني شديد الشوق إليها فأحضروها وقال للقاضي أبي يوسف أريد وطأها في هذا الوقت فإني لا أطيق الصبر عنها إلى مضي مدة الإستبراء وما الحيلة في ذلك فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذي لم يجر عليه العتق فأحضروا المملوك فقال أبو يوسف: أتأذن لي أن ازوجها منه ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء فأعجب هارون الرشيد ذلك أكثر من الأول. فلما حضر المملوك قال الخليفة للقاضي: أذنت لك في العقد فأوجب القاضي النكاح ثم قبله المملوك وبعد ذلك قال له القاضي: طلقها ولك مائة دينار فقال: لا أفعل ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار ثم قال للقاضي: هل الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين قال: بيدك قال: والله لا أفعل أبداً فاشتد غضب أمير المؤمنين وقال ما الحيلة يا أبا يوسف قال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين ملك هذا المملوك للجارية قال: ملكته لها. قال القاضي: قولي قبلت فقالت: قبلت.
فقال القاضي حكمت بينهما بالتفريق لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح فقام أمير المؤمنين على قدميه وقال: مثلك من يكون قاضياً في زماني واستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه وقال للقاضي: هل معك شيء تضعه فيه فتذكر مخلاة البغلة فاستدعي بها فملئت ذهباً فأخذها وانصرف إلى بيته فلما أصبح الصباح قال لأصحابه: لا طريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الوقعة فإنها اشتملت على محاسن منها دلال الوزير على هارون الرشيد وعلم الخليفة وزيادة علم القاضي فرحم الله أرواحهم أجمعين.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:32 AM
حكاية خالد بن عبد الله القسري مع الشاب السارق
و مما يحكى أن خالد بن عبد الله القسري كان أمير البصرة فجاء إليه جماعة متعلقون بشاب ذي جمال باهر وأدب ظاهر وعقل وافر وهو حسن الصورة طيب الرائحة وعليه سكينة ووقار فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منزلنا فنظر إليه خالد فأعجبه حسن هيئته ونظافته فقال: حلوا عنه ثم دنا منه وسأله عن قصته فقال: القوم صادقون فيما قالوه والأمر على ما ذكروا فقال له خالد: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة قال: حملني على ذلك الطمع في الدنيا وقضاء الله سبحانه وتعالى. فقال له خالد: ثكلتك أمك أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك زاجر يزجرك عن السرقة قال: دع عنك هذا أيها الأمير وامض إلى ما أمر الله تعالى به فذلك ما كسبت يداي وما الله بظلام العبيد فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى. ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وانا ما اظنك سارقاً ولعل لك قصة غير السرقة فأخبرني بها قال: أيها الأمير لا يقطع نفسك شيء سوى ما اعترفت به عندك وليس لي قصة أشرحها إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت ما أمكنني فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك فأمر خالد بحبسه وأمر مناد ينادي بالبصرة: إلى من أحب أن ينظر إلى عقوبة اللص وقطع يده فليحضر من الغداة إلى المحل الفلاني فلما استقر الفتى في الحبس ووضعوا في رجليه الحديد تنفس الصعداء وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: هـــددنـــي خـــالـــد بـــــقـــــــطـــــــع يديإذا لـــم أبـــح عـــنـــده بـــقـــصـــتـــهــــــا فـــقـــلـــت هـــيهـــات أن أبـــوح بـــمــــــاتـضـمـن الـقـــلـــب مـــن مـــحـــبـــتـــهـــا قـــطـــع يدي الـــذي اعـــتـــرفـــت بـــــــهأهـون لـلـقــلـــب مـــن فـــضـــيحـــتـــهـــا فسمع ذلك الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بما حصل منه فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده فلما حضر لمنطقته رآه عاقلاً أديباً فطناً لبيباً فأمر بطعام فأكل وتحدث معه ساعة كاملة ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة فإذا كان الصباح وحضر الناس وحضر القاضي وسألك عن السرقة فأنكرها واذكر ما يدرأ عنك حد القطع فقد قال رسول الله : ادرؤوا الحدود بالشبهات ثم أمر به إلى السجن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:35 AM
وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خالداً بعد أن تحدث مع الشاب أمر به إلى السجن فمكث فيه ليلته فلما أصبح الصباح حضر الناس يقطعون يد الشاب ولم يبق أحد في البصرة من رجل وامرأة إلا وقد حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى وركب خالد ومعه وجوه اهل البصرة وغيرهم ثم استدعى بالقضاة وأمر بإحضار الفتى فأقبل يحجل في قيوده ولم يره أحد من الناس إلا وبكى عليه. وارتفعت أصوات النساء بالنحيب فأمر القاضي بتسكيت النساء ثم قال له: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فلعلك سرقت دون النصائب قال: بل سرقت نصاباً كاملاً قال: لعلك شريك القوم في شيء منه قال: بل هو جميعه لهم ولا حق لي فيه فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط وقال متمثلاً بهذا البيت: يريد الـــمـــرء أن يعـــطـــى مـــــــنـــــــاهويأبـــــــى الـــــــلـــــــه إلا مــــــــــا يريد ثم دعا باجزار ليقطع يده وأخرج السكين ومد يده ووضع عليها السكين فبادرت جارية من وسط النساء عليها أطوار وسخة فصرخت ورمت نفسها عليه ثم أسفرت عن وجه كأنه القمر وارتفع في الناس ضجة عظيمة وكاد أن يقع بسبب ذلك فتنة طائرة الشر ثم نادت تلك الجارية بأعلى صوتها: ناشدتك الله أيها الأمير لا تعجل بالقطع حتى تقرأ هذه الرقعة ثم دفعت إليه رقعة ففتحها خالد وقرأها فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات: فـأصـمـاه سـيف الـلـــحـــظ مـــنـــي لأنـــهحــلـــيف جـــوري مـــن دائه غـــير فـــائق أقـــر بـــمـــا لـــم يقـــتـــرفـــه كــــأنـــــــهرأى ذلـك خـيراً مـــن هـــتـــيكة عـــاشـــق فـمـهـلاً عـن الــصـــب الـــكـــئيب فـــإنـــهكـريم الـسـجـايا فـي الـورى غـــير ســـارق فلما قرأ خالد هذه الأبيات تنحى وانفرد عن الناس وأحضر المرأة ثم سألها عن القصة فأخبرته بأن هذا الفتى عاشق لها وهي عاشقة له وإنما أراد زيارتها فتوجه إلى دار أهلها ورمى حجراً في الدار ليعلمها بمجيئه فسمع أبوها وأخوها صوت الحجر فصعدوا إليه فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وأراهم أنه سارق ستراً على معشوقته فلما رأوه على هذه الحالة أخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني وقد ارتكب هذه الأمور واتهم نفسه بالسرقة لفرط مرؤته وكرم نفسه. فقال خالد: إنه لخليق أن يسعف بمراده ثم استدعى الفتى إليه وقبله بين عينيه وامر بإحضار أبي الجارية وقال له: يا
شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع ولكن الله عز وجل قد حفظه من ذلك وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده حفظاً لعرضك عرض ابنتك وصيانتكما من العار وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم حيث أخبرتني بحقيقة الأمر وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه فقال الشيخ: أيها الأمير قد أذنت ك في ذلك فحمد الله خالد وأثنى عليه .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:37 AM
وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خالداً حمد الله وخطب خطبة حسنة وقال للفتى: قد زوجتك هذه الجارية فلانة الحاضرة بإذنها ورضاها وإذن أبيها على هذا المال وقدره عشرة آلاف درهم. فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج ثم إن خالداً أمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفاً في الصواني وانصرف الناس وهم مسرورون فما رأيت يوماً أعجب من ذلك اليوم أوله بكاء وشرور وآخره فرح وسرور.
حكاية أبي محمد الكسلان مع الرشيد و مما يحكى أن هارون الرشيد كان جالساً ذات يوم في تخت الخلافة إذ دخل عليه غلام من الطواشية ومعه تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجواهر وفيه من سائر اليواقيت والجواهر ما لا يفي به مال ثم إن الغلام قبل الأرض بين يدي الخليفة وقال له: يا أمير المؤمنين إن السيدة زبيدة.
فقالت لها أختها: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه واعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القادمة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية
وفي الليلة الأربعين بعد الثلاثمائة
قالت لها أختها: يا أختي أتمي لنا حديثك قالت: حباً وكرامة إن أذن لي الملك فقال الملك: احكي يا شهرزاد فقالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام قال للخليفة إن السيدة زبيدة تقبل الأرض بين يديك وتقول لك: أنت تعرف أنها قد عملت هذا التاج وأنه محتاج إلى جوهرة كبيرة تكون في رأسه وفتشت ذخائرها فلم تجد فيها جوهرة كبيرة على غرضها فقال الخليفة للحجاب والنواب: فتشوا على جوهرة كبيرة على غرض زبيدة ففتشوا فلم يجدوا شيئاً يوافقها فاعلموا الخليفو بذلك فضاق صدره وقال: كيف أكون خليفة وملك ملوك الأرض وأعجزعن جوهرة ويلكم اسألوا التجار فسألوا التجار فقالوا لهم: لا يجد مولانا الخليفة إلا عند رجل من البصرة يسمى أبا محمد الكسلان.
فأخبروا الخليفة بذلك فأمر وزيره جعفر أن يرسل بطاقة إلى الأمير محمد الزبيدي الميولي على البصرة أن يجهز أبا محمد الكسلان ويحضره بين يدي أمير المؤمنين فكتب الوزير بطاقة بمضمون ذلك وأرسلها مع مسرور ثم توجه مسرور بالبطاقة إلى مدينة البصرة ودخل على المير محمد الزبيدي ففرح به وأكرمه غاية الإكرام ثم قرأ عليه بطاقة أمير المؤمنين هارون الرشيد فقال: سمعاً وطاعة ثم أرسل مسرور مع جماعة من اتباعه إلى أبي محمد الكسلان فذهبوا إليه وطرقوا عليه الباب فخرج عليهم بعض الغلمان. فقال له مسرور: قل لسيدك أن أمير المؤمنين يطلبك فدخل الغلام وأخبره بذلك فخرج فوجد مسرور حاجب الخليفة ومعه أتباع الأمير محمد الزبيدي فقبل الأرض بين يديه وقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين ولكن ادخلوا عندنا فقالوا: ما نقدر على ذلك لأننا على عجل كما أمرنا أمير المؤمنين فإنه ينتظرنا قدومك فقال: اصبروا علي يسيراً حتى أجهز أمري.
ثم دخلوا معه إلى الدار بعد استعطاف زائد فرأوا في الدهليز ستاراً من الديباج الأزرق المطرز بالذهب الأحمر ثم إن أبا محمد الكسلان أمر بعض غلمانه أن يدخلوا مع مسرور الحمام الذي في الدار ففعلوا فرأوا حيطانه ورخامه من الغرائب وهو مزركش بالذهب والفضة وماؤه ممزوج بماء الورد واحتفل الغلمان بمسرور ومن معه وخدموهم أتم الخدمة ولما خرجوا من الحمام ألبسوهم خلعاً من الديباج منسوجة بالذهب. ثم دخل مسرور وأصحابه فنظروا أبا محمد الكسلان جالساً في قصره وقد علق على رأسه ستور من الديباج المنسوج بالذهب المرصع بالدر والجوهر والقصر مفروش بمساند مزركشة بالذهب الأحمر وهو جالس على مرتبة والمرتبة على سرير مرصع بالجواهر فلما دخل عليه مسرور ورحب به تلقاه وأجلسه بجانبه ثم أمر بإحضار السماط فلما رأى مسرور ذلك السماط قال: والله ما رأيت عند أمير المؤمنين مثل هذا السماط أبداً وكان في ذلك السماط أنواع الأطعمة وكلها موضوعة في أطباق صينينة مذهبة. قال مسرور: فاكلنا وشربنا وفرحنا إلى آخر النهار ثم أعطى كل واحد منا خمسة آلاف دينار ولما كان اليوم الثاني ألبسونا خلعاً خضراء مذهبة وأكرمونا غاية الإكرام.
ثم قال مسرور: لا يمكننا أن نقعد زيادة على تلك المدة خوفاً من الخليفة فقال له أبو محمد الكسلان: يا مولانا اصبر علينا إلى غد حتى نتجهز ونسير معكم فقعدوا ذلك اليوم وباتوا إلى الصباح ثم إن الغلمان شدوا لأبي محمد الكسلان بغلة بسرج من الذهب مرصع بأنواع الدر والجوهر فقال مسرور في نفسه: يا ترى إذا حضر أبو محمد بين يدي الخليفة بتلك الصفة هل يسأله عن سبب تلك الأموال ثم بعد ذلك ودعوا محمد الزبيدي وطلعوا من البصرة وساروا ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى مدينة بغداد فلما دخلوا على الخليفة ووقفوا بين يديه أمره بالجلوس فجلس ثم تكلم بأدب وقال: يا أمير المؤمنين إني جئت معي بهدية على وجه الخدمة فهل أحضرها عن إذنك قال الرشيد: لا بأس بذلك فأمر بصندوق وفتحه وأخرج منه تفاحاً من جملتها أشجار من الذهب وأوراقها من الزمرد الأبيض وثمارها ياقوت أحمر وأصفر ولؤلؤ أبيض فتعجب الخليفة من ذلك ثم أحضر صندوقاً ثانياً وأخرج منهخيمة من الديباج مكللة باللؤلؤ واليواقيت والزمرد والزبرجد وانواع الجوهر وقوائمها من عود هندي رطب وأذيال تلك الخيمة مرصعة بالزمرد الأخضر وفيها تصاوير كل الصور من سائر الحيوانات كالطيور والوحوش وتلك الصور مكللة بالجواهر واليواقيت والزمرد والزبرجد والبلخش وسائر المعادن. فلما رأى الرشيد ذلك فرح فرحاً شديداً ثم قال أبو محمد الكسلان: يا أمير المؤمنين لا تظن اني حملت لك هذا فزعاً من شيء ولا طمعاً في شيء وإنما رأيت نفسي رجلاً عامياً ورأيت هذا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين وإن أذنت لي فرجتك على بعض ما أقدر عليه فقال الرشيد: افعل ما شئت حنى ننظر فقال سمعاً وطاعة ثم حرك شفتيه وأومأ إلى شراريف القصر فمالت إليه ثم أشار إليها فرجعت إلى موضعها ثم أشار بعينه فظهرت إليه مقفل الأبواب ثم تكلم عليها وإذا بأصوات طيور تجاوبه فتعجب الرشيد من ذلك غاية العجب وقال له: من أين لك هذا كله وانت ما تعرف إلا بأبي محمد الكسلان وأخبروني أن أباك كان حلاقاً يخدم في حمام وما خلف لك شيئاً فقال: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:38 AM
وفي الليلة الحادية والربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال للخليفة: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي فإنه عجيب وامره غريب لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر فقال الرشيد: حدث بما عندك وأخبرني به يا أبا محمد فقال: يا أمير المؤمنين أدام الله لك العز والتمكين إن أخبار الناس بأني أعرف بالكسلان وأن أبي لم يخلف لي مالاً صدق لأن أبي لم يكن إلا كما
ذكرت فإنه كان حلاقاً في حمام وكنت أنا في صغري أكسل من يوجد على وجه الأرض وقد بلغ من كسلي أني كنت نائماً في أيام الحر وطلعت علي الشمس أكسل عن أن أقوم وانتقل من الشمس إلى الظل.
و أقمت على ذلك خمسة عشر عاماً ثم إن أبي توفي إلى رحمة الله تعالى ولم يخلف لي شيئاً وكانت أمي تخدم الناس وتطعمني وتسقيني وانا راقد على جنبي فاتفق أن أمي دخلت علي في بعض الأيام ومعها خمسة دراهم من الفضة وقالت لي يا ولدي بلغني أن الشيخ أبا المظفر عزم على أن يسافر إلى الصين وكان ذلك الشيخ يحب الفقراء وهو من أهل الخير فقالت أمي يا ولدي خذ هذه الخمسة دراهم وامض بنا إليه واسأله أن يشتري لك بها شيئاً من بلاد الصين لعله يحصل لك فيه ربح من فضل الله تعالى فكسلت عن القيام معها فأقسمت بالله إن لم أقم معها لا تطعمني ولا تسقيني ولا تدخل علي بل تتركني اموت جوعاً وعطشاً فلما سمعت كلامها يا أمير المؤمنين علمت انها تفعل ذلك لما تعلم من كسلي فقلت لها: اقعديني فأقعدتني وأنا باكي العين وقلت لها: ائتيني بمداسي فأتتني به فقلت ضعيه في رجلاي فوضعته فيهما. فقلت لها احمليني حتى ترفعيني من الرض ففعلت ذلك فقلت: اسنديني حتى أمشي فصارت تسندني وما زلت أمشي وأتعثر في أذيالي إلى أنوصلنا إلى ساحل البحر فسلمنا على الشيخ وقلت له يا عم أنت أبو المظفر قال: لبيك قلت: خذ هذه الدراهم واشتر لي بها شيئاً من بلاد الصين عسى الله يربحني فيه فقال الشيخ أبو المظفر لأصحابه: أتعرفون هذا الشاب قالوا: نعم هذا يعرف بأبي محمد الكسلان ما رأيناه قط خرج من دار إلا في هذا الوقت.
فقال الشيخ أبو المظفر: يا ولدي هات الدراهم على بركة الله ثم أخذ مني الدراهم وقال باسم الله ثم رجعت مع أمي إلى البيت وتوجه الشيخ أبو المظفر إلى السفر ومعه جماعة من التجار ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى بلاد الصين ثم إن الشيخ باع واشترى وبعد عزم على الرجوع هو ومن معه بعد قضاء أغراضهم وساروا في البحر ثلاثة أيام فقال الشيخ لأصحابه: قفوا بالمركب فقال التجار: ما حاجتك فقال: اعلموا أن الرسالة التي معي لأبي محمد الكسلان نسيتها فارجعوا بنا حتى نشتري له شيئاً حتى ينتفع به.
فقالوا له: سألناك بالله تعالى أن لا تردنا فإننا قطعنا مسافة طويلة زائدة وحصل لنا في ذلك أهوال عظيمة ومشقة زائدة فقال: لا بد لنا الرجوع فقالوا: خذ منا أضعاف ربح الخمسة دراهم
ولا تردنا فسمع مهم وجمعوا له مالاً جزيلاً ثم ساروا حتى أشرفوا على جزيرة فيها خلق كثير فأرسوا عليها وطلع التجار يشترون منها متجراً من معادن وجواهر ولؤلؤ وغير ذلك. ثم رأى أبو المظفر رجلاً جالساً وبين يديه قرود كثيرة وبينهم قرد منتوف الشعر وكانت تلك القرود كلما غفل صاحبهم يمسكون ذلك القرد المنتوف ويضربونه ويرمونه على صاحبهم فيقوم ويضربهم ويقيدهم ويعذبهم على ذلك فتغتاظ القرود كلها من ذلك القرد ويضربونه.
ثم إن الشيخ أبا المظفر لم رأى ذلك القرد حزن عليه ورفق به فقال لصاحبه: أتبيعني هذا القرد قال اشتر قال: إن معي لصبي يتيم خمسة دراهم هل تبيعني إياه بها قال له بعتك بارك الله لك فيه ثم تسلمه وأقبضه الدراهم وأخذ عبيد الشيخ القرد وربطوه في المركب.
ثم حلوا وسافروا إلى جزيرة أخرى فارسوا عليها فنزل الغطاسون الذين يغطسون على المعادن واللؤلؤ والجوهر وغير ذلك فأعطاهم التجار دراهم أجرة على الغطاس فغطسوا فرآهم القرد يفعلون ذلك فحل نفسه من رباطه ونط من المركب وغطس معهم فقال أبو المظفر لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد عدم القرد منا ببخت هذا المسكين الذي أخذناه له ويأسوا على القرد ثم طلع جماعة من الغطاسين وإذا بالقرد طالع معهم وفي يده نفائس الجواهر فرماها بين يدي أبي المظفر فتعجب من ذلك وقال: إن هذا القرد فيه سر عظيم ثم حلوا وسافروا إلى أن وصلوا إلى جزيرة الزنوج وهم قوم من السودان يأكلون لحم بني آدم فلما رأوهم السودان ركبوا عليهم في المراكب وكتفوهم واتوا بهم إلى الملك فأمر بذبح جماعة من التجار فذبحوهم وأكلوا لحومهم ثم عن بقية التجار باتوا محبوسين وهم في نكد عظيم فلما كان وقت الليل قام القرد إلى أبي المظفر وحل قيده فلما رأى التجار أبا المظفر قد انحل قالوا عسى الله أن يكون خلاصنا على يديك يا أبا المظفر فقال لهم اعلمو ا أنه ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:39 AM
وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا المظفر قال: ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد وقد خرجت لهعن ألف دينار فقال التجار: ونحن كذلك كل واحد منا خرج له عن ألف دينار إن خلصنا فقام القرد إليهم وصار يحل واحد بعد واحد حتى حل الجميع من قيودهم وذهبوا إلى المركب وطلعوا فيها فوجدوها سالمة ولم ينقص منها شيء ثم حلوا وسافروا. فقال
أبو المظفر يا تجار أوفوا بالذي قلتم عليه للقرد قالوا: سمعاً وطاعة ودفع كل واحد منهم ألف دينار وأخرج أبو المظفر من ماله ألف دينار فاجتمع للقرد من المال شيء عظيم ثم سافروا حتى وصلوا إلى مدينة البصرة فتلقاهم أصحابهم حين طلعوا من المركب.
فقال أبو المظفر أين ابو محمد الكسلان فبلغ الخبر إلى أمي فبينما أنا نائم إذ أقبلت علي أمي وقالت: يا ولدي إن الشيخ أبا المظفر قد أتى ووصل إلى المدينة فقم وتوجه إليه وسلم عليه واسأله عن الذي جاء به فلعل الله تعالى يكون قد فتح عليه بشيء فقلت لها احمليني من الأرض واسنديني حتى أخرج وأمشي إلى ساحل البحر ثم مشيت وأنا أتعثر في أذيالي حتى وصلت إلى الشيخ أبا المظفر.
فلما رآني قال لي: أهلاً بمن كانت دراهمه سبباً لخلاصي وخلاص هؤلاء التجار بإرادة الله تعالى ثم قال لي: خذ هذا القرد فإني اشتريته لك وامض به إلى بيتك حتى أجيء إليك فأخذت القرد ين يدي وقلت في نفسي والله ما هذا إلا متجر عظيم ثم دخلت وقلت لأمي كلما أنام تأمريني بالقيام لأتجر فانظري بعينك هذا المتجر. ثم جلست فبينما أنا جالس وإذا بعبيد أبي المظفر قد أقبلوا علي وقالوا لي: هل أنت أبو محمد الكسلان فقلت لهم: نعم. وإذا بأبي المظفر أقبل خلفهم فقمت إليه وقبلت يديه فقال لي: سر معي إلى داري فقلت: سمعاً وطاعة وسرت معه إلى أن دخلت وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال ثم سرت معه ودخلت الدار فأمر عبيده أن يحضروا به فقال: يا ولدي لقد فتح الله عليك بهذا المال من ربح الخمسة دراهم ثم حملوه في صناديقه على رؤوسهم وأعطاني مفاتيح تلك الصناديق وقال لي: امض قدام العبيد إلى دارك فإن هذا المال كله لك فمضيت إلى أمي ففرحت بذلك وقالت يا ولدي لقد فتح الله عليك بهذا المال الكثير فدع عنك هذا الكسل وانزل إلى السوق وبع واشتر فتركت الكسل وفتحت دكاناً في السوق وصار القرد يجلس معي على مرتبتي فإذا أكلت يأكل معي وإذا شربت يشرب معي وصار كل يوم من بكرة النهار يغيب إلى وقت الظهر ثم يأتي ومعه كيس فيه ألف دينار فيضعه في جانبي ويجل ولم يزل على هذه الحالة مدو من الزمان حتى اجتمع عندي مال كثير فاشتريت يا أمير المؤمنين الأملاك والربوع وغرست البساتين واشتريت المماليك والعبيد والجوار فاتفق في بعض الأيام أنني كنت جالساً والقرد جالس معي على المرتبة وإذا به تلفت يميناً وشمالاً فقلت في نفسي: أي شيء خبر هذا فأنطق الله القرد بلسان فصيح وقال: يا أبا محمد فلما سمعت كلامه فزعت فزعاً شديداً فقال لي: لا تفزع أنا أخبرك بحالي إني مارد من الجن ولكن جئت بسبب ضعف حالك وانت اليوم لا تدري قدر مالك وقد وقعت لي عندك حاجة وهي خير لك فقلت: ما هي قال: أريد أن أزوجك بصبية مثل البدر فقلت له: وكيف ذلك فقال لي: في غد ألبسك قماشك الفاخر وأركب بغلتك بالسرج المذهب وامض إلى سوق العلافين واسأل عن دكان الشريف واجلس عنده وقل له إني جئتخاطباً راغباً في ابنتك فإن قال لك: أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب فادفع له ألف دينار فإن قال زدني فزده ورغبه فقال: سمعاً وطاعة في غد أفعل ذلك إن شاء الله تعالى. قال أبو محمد: فلما أصبحت لبست أفخر قماشي وركبت البغلة بالسرج المذهب ثم مضيت إلى سوق العلافين وسألت عن دكان الشريف فوجدته جالساً في دكانه فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:40 AM
وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده وكان معي عشرة من العبيد والمماليك فقال الشريف: لعل لك عندنا حاجة نفوز بقضائها فقلت: نعم لي عندك حاجة قال: وما هي حاجتك فقلت: جئتك خاطباً راغباً في ابنتك فقال لكن أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب فأخرجت له كيساً فيه ألف دينار ذهباً أحمر وقلت له: هذا حسبي ونسبي وقد قال صلى الله عليه وسلم: نعم الحسب المال وما أحسن قول مـن كـان يمـلـك درهــمـــين تـــعـــلـــمـــتشـــفـــتـــاه أنـــواع الـــكـــلام فــــقـــــــالا وتـقــدم الأخـــوان فـــاســـتـــمـــعـــوا لـــهورأيتـــه بـــين الـــورى مـــخـــــــتـــــــالا لـــولا دراهـــمـــه الـــتـــي يزهـــو بـــهـــالـوجـــدتـــه فـــي الـــنـــاس أســـوأ حـــالا إن الـغــنـــي إذا تـــكـــلـــم بـــالـــخـــطـــأقـالـوا صـدقـت ومـا نـــطـــقـــت مـــحـــالا أمـــا الـــفـــقـــير إذا تـــكـــلـــم صـــادقــــاقـالــوا كـــذبـــت وأبـــطـــلـــوا مـــا قـــالا إن الـدراهـم فـي الـــمـــواطـــن كـــلـــهـــاتـكـســوا الـــرجـــال مـــهـــابة وجـــمـــالا فـهـي الـلـــســـان لـــمـــن أراد فـــصـــاحةوهـــي الـــســـلاح لـــمـــن أراد قـــتـــــالا فلما سمع الشريف مني هذا الكلام وفهم الشعر والنظام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع
رأسه وقال لي: إن كان ولابد فإني أريد منك ثلاثة آلاف دينار أخرى فقلت: سمعاً وطاعة ثم أرسلت بعض المماليك إلى منزلي فجاءني بالمال الذي طلبه فلما رأى ذلك وصل إليه قام من الدكان وقال لغلمانه: أقفلوها.
ثم دعا أصحابه من السوق إلى داره وكتب كتابي على ابنته وقال لي: بعد عشرة أيام أدخلك عليها ثم مضيت إلى منزلي وأنا فرحان فخلوت مع القرد وأخبرته بما جرى لي فقال: نعم ما فعلت.
فلما قرب ميعاد الشريف قال القرد: إن لي عندك حاجة إن قضيتها لي فلك عند ما شئت قلت: وما حاجتك قال لي: إن في صدر القاعة التي تدخل فيها على بنت الشريف خزانة وعلى بابها حلقة من نحاس والمفاتيح تحت الحلقة فخذها وافتح الباب تجد صندوقاً من حديد على أركانه أربع رايات من الطلسم وفي وسط ذلك طشت ملآن من المال وفي جانبه إحدى عشر حية وفي وسط الطشت ديك أفرق أبيض مربوط هناك سكين بجنب الصندوق فخذ السكين واذبح بها الديك واقطع الرايات واقلب الصندوق وبعد ذلك أخرج للعروسة وأزل بكارتها فهذه حاجتي عندك.
فقلت: سمعاً وطاعة ثم مضيت إلى دار الشريف فدخلت القاعة ونظرت إلى الخزانة التي وصفها لي القرد فلما خلوت بالعروسة تعجبت من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها لأنها لا تستطيع الألسن أن تصف حسنها وجمالها ففرحت بها فرحاً شديداً فلما كان نصف الليل ونامت العروسة قمت وأخذت المفاتيح وفتحت الخزانة وأخذت السكين وذبحت الديك وقطعت الرايات. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:40 AM
وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال لما ذبحت الديك وقطعت الرايات وقلبت الصندوق فاستيقظت الصبية فرأت الخزانة قد فتحت والديك قد ذبح فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد أخذني المارد فما استتمت كلامها إلا وقد أحاط المارد بالدار وخطف العروسة فعند ذلك وقعت الضجة وإذا بالشريف قد أقبل وهو يلطم على وجهه وقال: يا أبا محمد ما هذا الفعل الذي فعلته معنا هل هذا جزاؤنا منك وأنا قد عملت هذا الطلسم في هذه الخزنة خوفاً على ابنتي من هذا الملعون فإنه كان يقصد أخذ الصبية منذ ست سنين ولا يقدر على ذلك ولكن ما بقي لك عندنا مقام فامض إلى حال سبيلك.
فخرجت من دار الشريف وجئت إلى داري وفتشت على القرد فلم أجده ولم أر له أثراً فعلمت أنه هو المارد الذي أخذ زوجتي وتحيل علي حتى فعلت ذلك بالطلسم والديك اللذين كانا يمنعانه من أخذها فندمت وقطعت أثوابي ولطمت على وجهي ولم تسعني الأرض فخرجت من ساعتي وقصدت البرية ولم أزل سائراً إلى أن أمسى علي المساء ولم أعلم أين أروح فبينما أنا مشغول الفكر إذ أقبل علي حيتان واحدة سمراء والخرى بيضاء وهما يقتتلان فأخذت حجراً من الأرض وضربت به الحية السمراء فقتلتها فإنها كانت باغية على البيضاء فغابت ساعة وعادت ومعها عشر حيات بيض فجاؤوا إلى الحية التي ماتت وقطعوها قطعاً حتى لم يبق إلا رأسها ثم مضوا إلى حال سبيلهم واضطجعت في مكاني من التعب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:41 AM
وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال: ثم اضطجعت من التعب فبينما أنا مضطجع متفكر في أمري وإذا بهاتف أسمع صوته ولم أر شخصه وهو يقول هذين البيتين: دع الـمـقـادير تـجـــري فـــي أعـــنـــتـــهـــاولا تـــبـــتـــن إلا خـــالـــي الـــــــبـــــــال مـا بـين طـرفة عـين وانـــتـــبـــاهـــتـــهـــايغـــير الـــلـــه مـــن حـــال إلـــى حـــــال فلما سمعت ذلك لحقني يا أمير المؤمنين أمر شديد وفكر ما عليه من مزيد وإذا بصوت من خلفي أسمعه ينشد هذين البيتين: يا مـــســـلـــمـــاً أمـــامـــه الــــــقـــــــرآنأبـــشـــر بـــه قـــــد جـــــــاءك الأمـــــــان ولا تـــخـــف مـــا ســـول الـــشـــيطـــــانفـــنـــحـــن قـــوم دينـــــنـــــــا الإيمـــــــان فقلت له: بحق معبودك أن تعرفني من أنت فانقلب ذلك الهاتف في صورة إنسان وقال لي: لا تخف فإن جميلك قد وصل إلينا ونحن قوم من جن المؤمنين فإن كان لك حاجة أخبرنا بها حتى نفوز بقضائها فقلت له: إن لي حاجة عظيمة لأني أصبت بمصيبة جسيمة ومن الذي حصل له مثل مصيبتي فقال: لعلك أبو محمد الكسلان فقلت: نعم.
فقال: يا أبا محمد أنا أخو الحية البيضاء التي قتلت أنت عدوها ونحن أربع أخوة من أم وأب وكلنا شاكرون لفضلك واعلم أن الذي كان على صورة القرد وفعل معك المكيدة مارد من مردة
الجن ولولا أنه تحيل بهذه الحيلة ما كان يقدر على أخذها أبداً لأن له مدة طويلة وهو يريد أخذها فيمنعه من ذلك الطلسم ولو بقي ذلك الطلسم ما كان يمكنه الوصول إليها ولكن لا تجزع من هذا الأمر فنحن نوصلك إليها ونقتل المارد فإن جميلك لا يضيع عندنا ثم إنه صاح صيحة عظيمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:42 AM
وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت قال: فإن جميلك لا يضيع عندنا ثم إنه صاح صيحة عظيمة بصوت هائل وإذا بجماعة قد أقبلوا عليه فسألهم عن القرد فقال واحد منهم: أنا أعرف مستقره قال: أين مستقره قال: في مدينة النحاس التي لا تطلع عليها الشمس فقال: يا أبا محمد خذ عبد من عبيدنا وهو يخملك على ظهره ويعلمك كيف تأخذ الصبية واعلم أن ذلك العبد مارد من المردة فإذا حملك لا تذكر اسم الله وهو حاملك فإنه يهرب منك فتقع وتهلك فقلت: سمعاً وطاعة.
فأخذت عبداً من عبيدهم فانحنى وقال:: اركب فركبت ثم طار بي في الجو حتى غاب عن الدنيا ورأيت النجوم كالجبال الرواسي وسمعت تسبيح الملائكة في السماء كل ذلك والمارد يحدثني ويفرجني وينهيني عن ذكر الله.
فبينما أنا كذلك وإذا بشخص عليه لباس أخضر وله ذوائب ووجهه منير وفي يده حربة يطير منه الشرر قد أقبل علي وقال لي: يا أبا محمد قل لا إله إلا الله محمد رسول الله وإلا ضربتك بهذه الحربة وكانت مهجتي قد تقطعت من سكوتي عن ذكر الله فقلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم إن ذلك الشخص ضرب المارد بالحربة فذاب وصار رماداً فسقطت من فوق ظهره وصرت أهوي إلى الأرض حتى وقعت في بحر عجاج متلاطم بالأمواج وإذا بسفينة فيها خمسة أشخاً بحرية فلما رأوني أتوا إلي وحملوني في السفينة وصاروا يكلموني بكلام لا أعرفه فأشرت لهم أني لا أعرف كلامكم فساروا إلى آخر النهار ثم رموا شبكة واصطادوا حوتاً وشووه وأطعموني.
ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا بي إلى مدينتهم فدخلوا بي إلى ملكهم وأوقعوني بين يديه فقبلت الأرض فخلع علي خلعة وكان ذلك الملك يعرف اللغة العربية فقال: قد جعلتك من أعواني فقلت: ما اسم هذه المدينة قال: اسمها هناد وهي من بلاد الهند ثم إن الملك سلمني إلى وزير المدينة وأمره أن يفرجني في المدينة وكان أهل تلك المدينة في الزمن الأول كفار فمسخهم الله تعالى حجارة فتفرجت فيها فلم أر أكثر من أشجارها وأثمارها فأقمت فيها مدة شهر ثم أتيت إلى نهر وجلست على شاطئه.
فبينما أنا جالس وإذا بفارس قد أتى وقال: هل أنت أبو محمد الكسلان فقلت له: نعم. قال: لا تخف فإن جميلك وصل إلينا فقلت له: من أنت قال: أنا أخو الحية وأنت قريب من مكان الصبية التي تريد الوصول إليها ثم خلع أثوابه وألبسني إياها وقال لي: لا تخف فإن العبد الذي هلك من تحتك بعض عبيدنا نائم ثم إن ذلك الفارس أردفني خلفه وسار بي إلى البرية وقال: انزل من خلفي وسر بين هذين الجبلين حتى ترى مدينة النحاس فقف بعيداً عنها ولا تدخلها حتى أعود إليك وأقول لك كيف تصنع فقلت له: سمعاً وطاعة. ونزلت من خلفه ومشيت حتى وصلت إلى المدينة فرأيت سورها فأخذت أدور حولها وإذا بأخ الحية قد أقبل علي وأعطاني سيفاً مطلسماً حتى لا يراني أحد ثم إنه مضى في حال سبيله فلم يغب عني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال: لم يغب عني إلا قليلاً فإذا بصياح قد علا ورأيت خلقاً كثيراً وأعينهم في صدورهم فلما رأوني قالوا: من أنت وما الذي في هذا المكان فأخبرتهم بالواقعة فقالوا: الصبية التي ذكرتها مع المارد في هذه المدينة وما ندري ما فعل بها ونحن أخوة الحية ثم قالوا: امض إلى تلك العين من أين يدخل الماء وادخل معه فإنه يوصلك إلى المدينة ففعلت ذلك ودخلت مع الماء في سرداب تحت الأرض ثم طلعت معه فرأيت نفسي في وسط المدينة ووجدت الصبية جالسة على سرير من ذهب وعليها ستارة ديباج وحول الستارة بستان فيه أشجار من الذهب وأثمارها من نفيس الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان.
فلما رأتني الصبية عرفتني وابتدأتني بالسلام وقالت لي: يا سيدي من أوصلك إلى هذا المكان فأخبرتها بما جرى فقالت لي: اعلم أن هذا الملعون من كثرة محبته لي أعلمني بالذي يضره والذي ينفعه وأعلمني أن في هذه المدينة طلسمان إن شاء هلاك جميع من في المدينة أهلكهم به ومهما أمر العفاريت فإنهم يمتثلون أمره وذلك الطلسم في عمود فقلت لها: وأين العمود فقالت: في المكان الفلاني. فقلت: وأي شيء يكون ذلك الطلسم قالت: هو صورة عقاب وعليه كتابة لا أعرفها فخذه بين يديك وخذ مجمرة نار وارمِ فيه شيئاً من المسك فيطلع دخان يجذب العفاريت فإذا فعلت ذلك فإنهم يحضرون بين يديك كلهم ولا يغيب منهم احد ويمتثلون أمرك ومهما أمرتهم فقلت لها: سمعاً وطاعة ثم قمت وذهبت إلى ذلك العمود وفعلت جميع ما أمرتني به فجاءت العفاريت وحضرت بين يدي وقالوا: لبيك يا سيدي فمهما أمرتنا به فعلناه فقلت لهم: قيدوا المارد الذي جاء بهذه الصبية من مكانها فقالوا: سمعاً وطاعة ثم ذهبوا إلى ذلك المارد وقيدوه وشدوا وثاقه ورجعوا إلي وقالوا قد فعلنا ما أمرتنا به فأمرتهم بالرجوع ثم رجعت إلى الصبية وأخبرتها بما حصل وقلت: يا زوجيت هل تروحين معي فقالت: نعم ثم إني طلعت بها من السرداب حتى وصلنا إلى القوم الذي كانوا دلوني عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:43 AM
وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال: وسرنا حتى وصلنا إلى القوم الذين كانوا دلوني عليها ثم قلت: دلوني على طريق توصلني إلى بلادي فدلوني ومشوا معي إلى ساحل البحر وأنزلوني في مركب وطاب لنا الريح فسارت بنا تلك المركب حتى وصلنا إلى مدينة البصرة فلما دخلت الصبية دار أبيها رأوها أهلها ففرحوا فرحاً شديداً ثم إني بخرت العقاب بالمسك وإذا بالعفاريت قد أقبلوا من كل مكان وقالوا: لبيك فما تريد أن تفعل فأمرتهم أن ينقلوا كل ما في مدينة النحاس من المال والمعادن والجواهر إلى داري في البصرة ففعلوا ذلك ثم أمرتهم أن يأتوا بالقرد فأتوا به ذليلاً حقيراً. فقلت له: يا ملعون لأي شيء غدرت بي ثم أمرتهم أن يدخلوه في قمقم نحاس فأدخلوه في قمقم ضيق من نحاس وسدوا عليه بالرصاً وأقمت أنا وزوجتي في هناء وسرور وعندي الآن يا أمير المؤمنين من نفائس الذخائر والجواهر وكثير الأموال ما لا يحيط به عد ولا يحصره حد وإذا طلبت شيئاً من المال وغيره أمرت الجن أن يأتوا لك به في الحال وكل ذلك هو من فضل الله تعالى فتعجب أمير المؤمنين من ذلك غاية العجب ثم أعطاه مواهب الخلافة عوضاً عن هديته وأنعم عليه إنعاماً يليق به.
حكاية علي شار مع زمرد الجارية
وحكي أنه كان في ذلك الزمان وسالف العصر والأوان تاجر من التجار في بلاد خراسان اسمه مجد وله مال كثير وعبيد ومماليك وغلمان إلا أنه بلغ من العمر ستين سنة ولم يرزق ولداً وبعد ذلك رزقه الله تعالى ولداً فسماه علياً فلما نشأ الغلام صار كالبدر ليلة التمام. ولما بلغ مبلغ الرجال وحازصفات الكمال ضعف والده بمرض الموت فدعا بولده وقال له: يا ولدي إنه قد قرب وقت المنية وأريد أن أوصيك بوصية فقال له: وما هي يا والدي فقال له: اوصيك أنك لا تعاشر أحد من الناس وتجنب ما يجلب الضر واليأس وجليس السوء فإنه كالحداد إن لم تحرقك ناره يضره دخانه ومن أحسن قول الشاعر: مـا فـي زمـانــك مـــن تـــرجـــو مـــودتـــهولا صـــديق إذا خـــان الـــزمـــان وفـــــى فــعـــش فـــريداً ولا تـــركـــن إلـــى أحـــدهـا قـد نـصـحـتـك فـيمـا قـلـــتـــه وكـــفـــى فقال: يا أبي سمعت وأطعت ثم ماذا أفعل فقال: افعل الخير إذا قدرت ودم على صنع الجميل من الناس واغتنم بذل المعروف فما في كل وقت ينجح الطلب وما أحسن قول الشاعر: لـــــيس فـــــــي كـــــــل ســـــــاعة وأوانتـــأتـــي صـــــنـــــــائع الإحـــــــســـــــان فقال: سمعت وأطعت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:44 AM
وفي الليلة الخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبي قال لأبيه: سمعت وأطعت ثم ماذا قال: يا ولدي احفظ الله يحفظك وصن مالك ولا تفرط فيه فإنك إن فرطت فيه تحتاج إلى أقل الناس واعلم أن قيمة المرء ما ملكت يمينه وما أحسن قول الشاعر: إن قـل مـالـي فــلا خـــل يصـــاحـــبـــنـــيوإن زاد مـالـي فـكـل الـــنـــاس خـــلانـــي فـكـم عـدو لأجـل الـمـــال صـــاحـــبـــنـــيوكـم صـديق لـفـــقـــد الـــمـــال عـــادانـــي فقال: ثم ماذا قال: يا ولدي شاور من هو أكبر منك سناً ولا تجعل في الأمر الذي تريده وارحم من هو دونك يرحمك من هو فوقك ولا تظلم أحداً فيسلط الله عليك من يظلمك وما أحسن قول الشاعر: أقـــرن بـــرأيك غـــيرك واســـتـــــشـــــــرفـالـــرأي لا يخـــفـــى عـــلـــى الاثـــنـــين فـــالـــمـــرء مـــرآة تـــريه وجـــــــهـــــــهويرى قـــفـــاه بـــجـــمـــع مــــــرآتـــــــين
وقول الآخر: فـــمـــا مـــن يد إلا يد الـــلـــه فـــوقـــهــــاولا ظـــالـــم إلا ســـيبـــلـــى بـــظـــالـــــم وقول الآخر: ولاتــظـــلـــمـــن إذا كـــنـــت مـــقـــتـــدراًإن الـظـلـوم عـلـــى حـــدً مـــن الـــنـــقـــم تـنـام عـينـاك والـمــظـــلـــوم مـــنـــتـــبـــهيدعـو عـلــيك وعـــين الـــلـــه لـــم تـــنـــم وإياك وشرب الخمر فهو رأس كل شر وشربه مذهب العقول ويزري بصاحبه وما أحسن قول الشاعر: تـالـلـه لا خـامـرتـنـي الـخـمـر مـا عـلـقـــتروحـي بـجـسـمـي وأقـوالـي بـإفـصــاحـــي ولا صـــبـــوت إلـــى مـــشـــمـــولة أبــــداًيوماً ولا اخـتـرت نـدمـانـاً سـوى الـصـاحـي فهذه وصيتي لك فاجعلها بين عينيك والله خليفتي عليك ثم غشي عليه فسكت ساعة واستفاق فاستغفر الله وتوفي إلى رحمة الله تعالى فبكى عليه ولده وانتحب ثم أخذ في تجهيزه على ما يجب ومشيت في جنازته الأكابر والأصاغر وصار القراء يقرؤن حول تابوته وما ترك من حقه شيئاً إلا وفعله ثم صلوا عليه وواروه التراب وكتبوا على قبره هذين البيتين: خـلـقـت مـــن الـــتـــراب فـــصـــرت حـــياًوعـلـمـت الـفـصـــاحة فـــي الـــخـــطـــاب وعـدت إلـى الـتـــراب فـــصـــرت مـــيتـــاًكـــأنـــك مـــا بـــرحـــت مـــن الـــتــــراب حزن عليه ولده علي شار حزناً شديداً وعمل عزاءه على عادة الأعيان واستمر حزيناً على أبيه إلى أن ماتت أمه بعده بمدة يسيرة ففعل بوالدته مثل ما فعل بأبيه ثم بعد ذلك جلس في الدكان يبيع ويشتري ولا يعاشر أحداً من خلق الله تعالى عملاً بوصية أبيه واستمر على ذلك مدة سنة وبعد السنة دخلت عليه النساء الزواني بالحيل وصاحبوه حتى مال معهم إلى الفساد وأعرض عن طريق الرشاد وشرب الراح بالأقداح أو رواح وقال في نفسه إن والدي جمع لي هذا المال وأنا إن لم أتصرف فيه فلمن أخليه والله لا أفعل إلا كما قال الشاعر: إن كـــــــنـــــــت دهـــــــره كـــــــلــــــــهتـــحــــــوي إلـــــــيك تـــــــجـــــــمـــــــع فـــمـــتـــى بـــمـــا حـــصــــــلـــــــتـــــــهوحـــــــويتـــــــه تـــــــتـــــــمـــــــتـــــــع وما زال علي شار يبذل في المال إناء الليل وأطراف النهار حتى ذهب ماله كله وافتقر حاله وتكدر باله وباع الدكان والأماكن وغيرها ثم بعد ذلك باع ثياب بدنه ولم يترك لنفسه غير بدلة
واحدة فلما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وقع في الحسرة وقعد يوماً من الصبح إلى العصر بغير إفطار فقال في نفسه أنا أدور على الذين كنت أنفق مالي عليهم لعل أحداً منهم يطعمني في هذا اليوم فدار عليهم جميعاً وكلما طرق باب واحد منهم ينكر نفسه ويتوارى منه حتى أحرقه الجوع ثم ذهب إلى سوق التجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار أحرقه الجوع فذهب إلى سوق التجار فوجد حلقة إزدحام والناس مجتمعون فيها فقال في نفسه يا ترى ما سبب اجتماع هؤلاء الناس والله لا أنتقل من هذا المكان حتى أتفرج على هذه الحلقة ثم تقدم فوجد جارية خماسية معتدلة القد موردة الخد قاعدة النهد قد فاقت أهل زمانها في الحسن والجمال والبهاء والكمال كما قال بعض واصفيها: كـمـا اشـتـهـت خـلـقـت حـتـى إذا كـمــلـــتفـي قـالـب الـحـسـن لا طـول ولا قـــصـــر و الـحـسـن أصـبـح مـشـغـوفـاً بـصـورتـهــاوالـصـد أبـعـد لـهـا والــتـــيه والـــخـــفـــر فـالـبـدر طـلـعـتـهـا والـغـصـن قـامـــتـــهـــاوالـمـسـك نـكـهـتـهـا مـا مـثـلــهـــا بـــشـــر كـأنــهـــا أفـــرغـــت مـــن مـــاء لـــؤلـــؤةفـي كـل جـارحة مـن حـســـنـــهـــا قـــمـــر وكانت تلك الجارية اسمها زمرد فلما نظرها علي شار تعجب من حسنها وجمالها وقال والله لا أبرح حتى انظر القدر الذي يبلغه ثمن هذه الجارية وأعرف الذي يشتريها ثم وقف بجملة التجار فظنوا أنه يشتري لما يعلمون من غناه بالمال الذي ورثه من والده ثم إن الدلال وقف على رأس الجارية وقال: يا تجار يا أرباب الأموال من يفتح باب السعر في هذه الجارية سيدة الأقمار الدرة السنية زمرد السنورية بغية الطالب ونزهة الراغب فافتحوا الباب فليس على من فتحه وقال آخر: وعشرة فقال شيخ يسمى رشيد الدين وكان أزرق العين قبيح المنظر: ومائة وقال آخر: وعشرة قال الشيخ: بألف دينار فحبس التجار ألسنتهم وسكتوا فشاور الدلال سيدها فقال: أنا حالف أني لا أبيعها إلا لمن تختاره فشاورها فجاء الدلال إليها وقال: يا سيدة الأقمار إن هذا التاجر يريد أن يشتريك فنظرت إليه فوجدته كما ذكرنا فقالت للدلال: ألا أباع لشيخ أوقعته الهموم في أسوأ حال ولله در من قال: سـألـتـهـــا قـــبـــلة يومـــاً وقـــد نـــظـــرتشـيبـي وقـــد كـــنـــت ذا مـــال وذا نـــعـــم فـأعـرضـت عـن مـــرامـــي وهـــي قـــائلةلا والـذي خــلـــق الإنـــســـان مـــن عـــدم
مـا كـان لـي فـي بـياض الـشـيب مـــن أربأفـي الـحـياة يكـون الـقـطـن حـشـو فــمـــي فلما سمع الدلال قولها قال لها: والله أنك معذورة وقيمتك عشرة آلاف دينار ثم أعلم سيدها أنها ما رضيت بذلك الشيخ فقال: شاورها في غيره فتقدم إنسان آخر وقال: علي بما أعطى فيها الشيخ الذي لم ترض به فنظرت إلى ذلك الرجل فوجدته مصبوغ اللحية فقالت ما هذا العيب والريب وسواد وجه الشيب وأنشدت هذين البيتين: قـالـت أراك خـضـبـت الـشـيب قـلـت لــهـــاسـتـرتـه عـنـك يا سـمـعـــي ويا بـــصـــري فـقـهـقــهـــت ثـــم قـــالـــت إن ذا عـــجـــبتـكـاثـر الـغـش حـتـى صـار بــالـــشـــعـــر فلما سمع الدلال شعرها قال لها: والله إنك صدقت فقال التاجر: ما الذي قالت فأعاد عليه الأبيات فعرف أن الحق على نفسه وامتنع من شرائها فتقدم تاجر آخر وقال: شاورها على الثمن الذي سمعته فشاورها فنظرت إليه فوجدته أعور فقالت: هذا أعور فقال لها الدلال: يا سيدتي انظري من يعجبك من الحاضرين وقولي عليه حتى أبيعك له فنظرت إلى حلقة التجار وتفرستهم واحداً بعد واحد فوقع نظرها على علي شار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:45 AM
وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما وقع نظرها على علي شار نظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة وتعلق قلبها به لأنها كان بديع الجمال وألطف من نسيم الشمال فقالت: يا دلال أنا لا أباع إلا لسيدي صاحب هذا الوجه المليح والقد الرجيح الذي قال فيه بعض واصفيه: أبـــرزوا وجـــهــــك الـــــــجـــــــمـــــــيلولامـــــــوا مـــــــن افـــــــتـــــــتــــــــــن لـــــــو أرادوا صـــــــيانـــــــتـــــــــــــــيســـتـــروا وجـــهـــك الــــــحـــــــســـــــن فلا يمكنني إلا هو لأن خده أسيل ورضابه سلسبيل وريقه يشفي العليل ومحاسنه تحير الناظم فـــريق خــــمـــــــر وأنـــــــفـــــــاســـــــهمـــســـك وذاك الـــثـــغـــر كــــــافـــــــور أخـــــرجـــــــه رضـــــــوان مـــــــن دارهمـــخـــافة أن تـــفـــتــــــن الـــــــحـــــــور يلـــومـــه الـــنـــاس عـــلـــى تـــــيهـــــــهوالـــبـــدر مـــهـــمـــا تـــاه مـــــعـــــــذور صاحب الشعر الأجعد والخد المورد واللحظ الساحر الذي قال فيه الشاعر: وشـــادن بـــوصـــال مـــنـــه واعـــدنـــــيفـالــقـــلـــب فـــي قـــلـــق مـــنـــتـــظـــره
أجـفـانـه ضـمـنـت لـــي صـــدق مـــوعـــدهفـكـيف تـوفـي ضـمـانـاً وهـي مـنـكـــســـره فلما سمع الدلال ما أنشدته من الأشعار في محاسن علي شار تعجب من فصاحتها وإشراق بهجتها فقال له صاحبها: لا تعجب من بهجتها التي تفضح شمس النهار ولا من حفظها لرقائق الأشعار فإنها مع ذلك تقرأ القرآن العظيم بالسبع قراآت وتروي الحديث بصحيح الروايات وكتب بالسبعة أقلام وتعرف العلوم ما لا يعرفه العالم العلام ويداها أحسن من الذهب والفضة فإنها تعمل الستور الحرير وتبيعها فتكسب في كل واحدة خمسين ديناراً أو تشتغل الستر في ثمانية أيام فقال الدلال: يا سعادة من تكون هذه في داره ويجمعها من ذخائر أسراره.
ثم قال له سيدها: بعها لكل من أرادته فرجع الدلال إلى علي شار وقبل يديه وقال: يا سيدي اشتر هذه الجارية فإنها اختارتك وذكر له صفاتها وما تعرفه وقال له: هنيئاً لك إذا اشتريتها فإنه قد أعطاك من لا يبخل بالعطاء فأطرق علي شار برأسه ساعة إلى الأرض وهو يضحك على نفسه ويقول في سره: أنا لي هذا الوقت من غير إفطار ولكن أختشي من التجار أن أقول ما عندي مال أشتريها.
فنظرت الجارية إلى إطراقه وقالت للدلال خذ بيدي وامض بي إليه حتى أعرض نفسي عليه وأرغبه في أخذي فإني لا أباع إلا له فأخذها الدلال وأوقفها قدام علي شار وقال له: ما رأيك يا سيدي فلم يرد له جواباً فقالت الجارية: يا سيدي وحبيب قلبي مالك لا تشتريني فاشترني بما شئت وأكون سبب سعادتك فرفع رأسه إليها وقال: هل الشراء بالغصب فأنت غالية بألف دينار فقالت له: ياسيدي اشترني بتسعمائة قال: لا قالت: بثمانمائة قال: لا فما زالت تنقص من الثمن إلى أن قالت له: بمائة دينار قال: ما معي مائة كاملة فضحكت وقالت له: كم تنقص مائتك قال: ما معي لا مائة ولا غيرها والله ما أملك لا أبيض ولا أحمر من درهم ولا دينار فانظري لك زبوناً غيري.
فلما علمت أنه ما معه شيء قالت له خذ بيدي على أنك تقبلني في عطفة ففعل ذلك فأخرجت من جيبها كيساً فيه ألف دينار وقالت زن منه تسعمائة في ثمني وابق المائة معك تنفعنا ففعل ما أمرته به واشتراها بتسعمائة ودفع ثمنها من ذلك الكيس ومضى بها إلى الدار فلما وصلت إلى الدار وجدتها قاعاً صفصفاً لا فرش بها ولا أواني فأعطته ألف دينار وقالت له: امض إلى السوق واشتر لنا بثلثمائة دينار فرشاً وأواني للبيت ففعل ثم قالت له: اشتر لنا مأكلاً ومشروباً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:46 AM
وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الثلاثمئة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت له: اشتر لنا مأكولاً ومشروباً بثلاثة دنانير ففعل ثم قالت له: اشتر لنا خرقة حرير قدر ستر واشتر قصباً أصفر وأبيض وحريراً ملوناً سبعة ألوان ففعل ثم إنها فرشت البيت وأوقدت الشمع وجلست تأكل وتشرب هي وإياه وبعد ذلك قاموا إلى الفراش وقضوا الغرض من بعضهما ثم باتا متعانقين خلف الستائر وكان كما قال الشاعر: زر مـنـــتـــحـــب ودع كـــلام الـــحـــاســـدلـيس الـحـسـود عـلـى الـهـوى بـمـســاعـــد إنـي نـظـرتـك فـي الـمـنـام مـضــاجـــعـــيولـثـمـت مـن شـــفـــتـــيك أحـــلـــى بـــارد حـــق صـــحـــيح كـــل مـــا عـــينـــتــــــهو لـسـوف أبـلـغـــه بـــرغـــم الـــحـــاســـد لـم تـنـظـر الـعـينـان أحــســـن مـــنـــظـــراًمـن عــاشـــقـــين عـــلـــى فـــراش واحـــد مـتـعـانـقـين عـلـيهـمـا حـلـلـي بــالـــرضـــامـتــوســـدين بـــمـــعـــصـــم وبـــســـاعـــد يا مـن يلـوم عـلـى الـهـوى أهـل الـــهـــوىفـهـو الـــمـــراد وعـــش بـــذاك الـــواحـــد واستمرا متعانقين إلى الصباح وقد سكنت محبة كل واحد منهما في قلب صاحبه ثم أخذت الستر وطرزته بالحرير الملون وزركشته بالقصب وجعلت فيه منطقة بصور طيور وصورت في دائرها صور الوحوش ولم تترك وحشاً في الدنيا إلا وصورت صورته فيه ومكثت تشتغل فيه ثمانية أيام فلما فرغ صقلته وطوته ثم أعطته لسيدها وقالت له: اذهب به إلى السوق وبعه بخمسين ديناراً للتاجر واحذر أن تبيعه لأحد عابر طريق فإن ذلك يكون سبباً للفراق بيني وبينك أن لنا أعداء لا يغفلون عنا. فقال: سمعاً وطاعة ثم ذهب إلى السوق وباعه لتاجر كما أمرته وبعد ذلك اشترى الخرقة والحرير والقصب على العادة وما يحتاجان إليه من الطعام وحضر لها ذلك وأعطاها بقية الدراهم فصارت كل ثمانية أيام تعطيه ستراً يبيعه بخمسين دينار ومكثت على ذلك سنة كاملة وبعد سنة راح إلى السوق بالستر على العادة وأعطاه للدلال فعرض له نصراني فدفع له ستين ديناراً فامتنع فما زال يزيده حتى عمله بمائة دينار وبرطل الدلال بعشرة دنانير فرجع الدلال على علي شار وأخبره بالثمن وتحيل عليه في أن يبيع الستر للنصراني بذلك المبلغ وقال له سيدي: لا تخف من هذا النصراني وما عليك منه بأس وقمت التجار عليه فباعه للنصراني وقلبه مرعوب ثم قبض المال ومضى إلى البيت فوجد النصراني
ماشياً خلفه. فقال له: يا نصراني مالك ماشياً خلفي فقال له: يا سيدي إن لي حاجة في صدر الزقاق الله لا يحوجك فما وصل علي شار إلى منزله إلا والنصراني لاحقه فقال: يا ملعون ما لك تتبعني أينما أسير فقال: يا سيدي اسقني شربة ماء فإني عطشان وأجرك على الله تعالى فقال علي شار في نفسه: هذا رجل ذمي وقصدني في شربة ماء والله لا أخيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:46 AM
وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار قال في نفسه: هذا رجل ذمي وقصدني في شربة ماء والله لا أخيبه ثم دخل البيت وأخذ كوز ماء فرأته جاريته زمرد فقالت: يا حبيبي هل بعت الستر قال: نعم. قالت: لتاجر أو لعابر سبيل قد أحس قلبي بالفراق. قال: ما بعته إلا لتاجر قالت: أخبرني بحقيقة الأمر حتى أتدارك شأني وما بالك أخذت كوز الماء قال: لأسقي الدلال. فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أنشدت هذين البيتين: يا طـــالـــبـــاً لـــلـــفــــراق مـــــــهـــــــلاًفـــلا يغــــــرنـــــــك الـــــــعـــــــنـــــــاق مـــهـــلاً فـــطـــبـــع الـــزمــــان غـــــــدروآخـــر الـــصــــحـــــــبة الـــــــفـــــــراق ثم خرج بالكوز فوجد النصراني داخلاً في دهليز البيت فقال له: هل وصلت إلى هنا يا كلب كيف تدخل بلا أذني فقال: يا سيدي لا فرق بين الباب والدهليز وما بقيت أنتقل من مكاني هذا إلا للخروج وأنت لك الفضل والإحسان والجود والإمتنان ثم إنه تناول كوز الماء وشرب منه وبعد ذلك ناوله إلى علي شار فأخذه وانتظره أن يقوم فما قام فقال له: لأي شيء لم تقم وتذهب في حال سبيلك فقال: يا مولاي إني قد شربت ولكن أريد منك تطعمني مهما كان في البيت حتى إذا كان كسرة قرقوشة وبصلة فقال له: قم بلا مماحكة ما في البيت شيء فقال: يا مولاي إن لم يكن في البيت شيء فخذ هذه المائة دينار وائتني بشيء من السوق ولو برغيف واحد ليصير بيني وبينك خبز وملح.
فقال علي شار في سره إن هذا النصراني مجنون فأنا آخذ منه المائة دينار آتي له يساوي درهمين وأضحك عليه فقال النصراني: يا سيدي إنما أريد شيئاً يطرد الجوع ولو رغيفاً واحداً وبصلة فخير الزاد ما دفع الجوع. فقال علي شار: اصبر هنا حتى أقفل القاعة وآتيك بشيء من السوق فقال: سمعاً وطاعة ثم خرج وقفل القاعة وحط على الباب كيلو وأخذ المفتاح معه
وذهب إلى السوق واشترى جبناً مقلياً وعسلاً أبيض وموزاً وخبزاً وأتى به إليه فلما نظر النصراني إلى ذلك قال: يا مولاي هذا شيء كثير يكفي عشرة رجال وأنا وحدي فلعلك تأكل معي فقال له: كل وحدك فإني شبعان فقال له: يا مولاي قالت الحكماء: من لم يأكل مع ضيفه فهو ولد زنا. فلما سمع علي شار من النصراني هذا الكلام جلس وأكل معه شيئاً قليلاً وأراد أن يرفع يده وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:47 AM
وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار جلس وأكل معه شيئاً قليلاً وأراد أن يرفع يده فأخذ النصراني موزة وقشرها وشقها نصفين وجعل في نصفها بنجاً مكرراً ممزوجاً بأفيون الدرهم منه يرمي الفيل ثم غمس نصف الموزة في العسل وقال: يا مولاي وحق دينك أن تأخذ هذه فاستحى علي شار أن يحنثه في يمينه فأخذها منه وابتلعها فما استقرت في بطنه حتى سبقت رأسه رجليه وصار كأنه له سنة وهو راقد.
فلما رأى النصراني ذلك قام على قدميه كأنه ذئب معط أو قضاء مسلط وأخذ منه مفتاح القاعة وتركه مرمياً وذهب يجري إلى أخيه وأخبره بالخبر وسبب ذلك أن أخا النصراني هو الشيخ الهرم الذي أراد أن يشتريها بألف دينار فلم ترض به وهجته بالشعر وكان كافراً في الباطن ومسلماً في الظاهر وسمى نفسه رشيد الدين ولما هجته ولم ترض به شكا إلى أخيه النصراني الذي تحيل في أخذها من سيدها علي شار وكان اسمه برسوم. فقال له: لا تحزن فأنا أتحيل لك أخذها بلا درهم ولا دينار لأنه كان كاهناً ماكراً مخادعاً فاجراً ثم إنه لم يزل يمكر ويتحيل حتى عمل الحيلة التي ذكرناها وأخذ المفتاح وذهب إلى أخيه وأخبره بما حصل وركب بغلته وأخذ غلمانه وتوجه مع أخيه إلى بيت علي شار وأخذ معه كيساً فيه ألف دينار إذا صادفه الوالي فيعطيه إياه ففتح القاعة وهجمت الرجال الذين معه على زمرد وأخذوها قهراً وهددوها بالقتل إن تكلمت وتركوا المنزل على حاله ولم يأخذوا منه شيئاً وتركوا علي شار راقداً في الدهليز ثم ردوا الباب عليه وتركوا مفتاح القاعة في جانبه ومضى بها النصراني إلى قصره ووضعها بين جواريه وسراريه وقال لها: يا فاجرة أنا الشيخ الذي ما رضيت به وهجوتيني وقد أخذتك بلا درهم ولا دينار.
فقالت له وقد تغرغرت عيناها بالدموع: حسبك الله يا شيخ السوء حيث فرقت بيني وبين سيدي فقال لها: يا فاجرة يا عشاقة سوف تنظرين ما أفعل بك من العذاب وحق المسيح والعذراء إن لم تطاوعيني وتدخلي في ديني لأعذبنك بأنواع العذاب فقالت له: لو قطعت لحمي قطعاً ما أفارق دين الإسلام ولعل الله تعالى يأتيني بالفرج القريب إنه على ما يشاء قدير وقد قالت العقلاء: مصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان.
فعند ذلك صاح على الخدم والجواري وقال لهم: اطرحوها فطرحوها وما زال يضربها ضرباً عنيفاً وصارت تستغيث فلا تغاث ثم أعرضت عن الإستغاثة وصارت تقول: حسبي الله وكفى إلى أن انقطع نفسها وخفي أنينها واشتفى قلبه منها ثم قال للخدم: اسحبوها من رجليها وارموها في المطبخ ولا تطعموها شيئاً ثم بات الملعون تلك الليلة ولما أصبح الصباح طلبها وكرر عليها الضرب وأمر الخدم أن يرموها في مكانها ففعلوا فلما رد عليها الضرب قالت: لا إله إلا الله محمد رسول الله حسبي الله ونعم الوكيل ثم اسغاثت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:48 AM
وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد استغاثت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا ما كان من أمرها وأما ما كان علي شار فإنه لم يزل راقداً إلى ثاني يوم ثم طار البنج من رأسه ففتح عينيه وصاح قائلاً: يا زمرد فلم يجبه أحد فدخل القاعة فوجد الجو قفراً والمزار بعيداً فعلم أنه ما جرى عليه هذا الأمر إلا من النصراني فحن وبكى وأن واشتكى وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: يا ســـادتـــي رقـــوا لـــعـــبـــدٍ ذل فـــــــيشـرع الـهــوى وغـــنـــي قـــوم افـــتـــقـــر مـا حـيلة الـرامـي إذا الـــتـــقـــت الـــعـــداوأراد يرمـي الـسـهـم فـانـقــطـــع الـــوتـــر وإذا تـكـاثـرت الـهـمـوم عـلـــى الـــفـــتـــىوتـراكـمـت أين الـــمـــفـــر مـــن الـــقـــدر ولـكـم أحـاذر مـــن تـــفـــرق شـــمـــلـــنـــاولـكـن إذا نـزل الـقـضـاء عـمـي الـبـصـــر وندم حيث لا ينفعه الندم وبكى ومزق أثوابه وأخذ بيديه حجرين ودار حول المدينة وصار يدق بهما في صدره ويصيح قائلاً: يا زمرد فدارت الصغار حوله وقالوا مجنون فكل من عرفه بكى عليه ويقول هذا فلان ما الذي جرى له ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار فلما جن عليه الليل نام في بعض الأزقة إلى الصباح ثم أصبح دائراً بالأحجار حول المدينة إلى آخر النهار
وبعد ذلك رجع إلى قاعته ليبيت فيها فنظرته جارية وكانت امرأة عجوز من أهل الخير فقالت له: يا ولدي سلامتك متى جننت فأجابها بهذين البيتين: قـالـوا جـنـنـت بـمـن تـهـوى فـقـلـت لـــهـــممـــا لـــذ الـــعـــيش إلا لـــلـــمـــجـــانـــين دعـوا جـنـونـي وهـاتـوا مـن جـنـنـــت بـــهإن كـان يشـفـي جـنـونـي ولا تـلـومـــونـــي فعلمت الجارية العجوز أنه عاشق مفارق فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا ولدي أشتهي منك أن تحكي خبر مصيبتك عسى الله أن يقدرني على مساعدتك عليها بمشيئتة فحكى لها جميع ما وقع له مع برسوم النصراني أخي الكاهن الذي سمى نفسه رشيد الدين فلما علمت ذلك قالت له: يا ولدي إنك معذور ثم أفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين: كـفـى الـمـحـبـين فـي الــدنـــيا عـــذابـــهـــمتـالـلـه لا عـذبـتـــهـــم بـــعـــدهـــا ســـقـــر لأنـهـم هـلـكـوا عـشــقـــاً وقـــد كـــتـــمـــوامـع الـعـفـاف بــهـــذا يشـــهـــد الـــخـــبـــر فلما فرغت من شعرها قالت له: يا ولدي قم واشتر قفصاً مثل أقفاص أهل الصاغة واشتر أساور وخواتم وحلقاً يصلح للنساء ولا تبخل بالمال وضع جميع ذلك في القفص وهات القفص وأنا أضعه على رأسي في صورة دلالة وأدور وأفتش عليها في البيوت حتى أقع على خبرها إن شاء الله تعالى.
ففرح علي شار بكلامها وقبل يدها ثم ذهب بسرعة وأتى بما طلبته فلما حضر ذلك عندها قامت ولبست مرقعة ووضعت على رأسها آزاراً عسلياً وأخذت في يدها عكازاً وحملت القفص ودارت في العطف والبيوت ولم تزل دائرة من مكان إلى مكان ومن حارة إلى حارة ومن درب إلى درب إلى أن دلها الله تعالى على قصر الملعون رشيد الدين النصراني فسمعت من داخله أنيناً فطرقت الباب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز سمعت من داخل البيت أنيناً فنزلت لها جارية ففتحت لها الباب وسلمت عليها فقالت لها العجوز: معي هذه الحويجات للبيع هل عندكم من يشتري منها شيئاً فقالت لها الجارية: نعم ثم أدخلتها الدار وأجلستها وجلس الجواري حولها وأخذت كل واحدة شيئاً منها وصارت العجوز تلاطف الجواري وتتساهل معهن في الثمن ففرح بها الجواري بسبب معروفها ولين كلامها وهي تتأمل من جهات المكان على صاحب الأنين
فلاحت منها التفاتة إليها فحابتهم وأحسنت إليهم وتأملت فوجدت زمرد مطروحة فعرفتها فبكت وقالت لهم: يا أولادي ما بال هذه الصبية في هذا الحال فحكى الجواري كل القصة وقلن لها: الأمر ليس باختيارنا ولكن سيدنا أمر بهذا وهو مسافر الآن فقالت لهم: يا أولادي لي عندكم حاجة وهي أنكم تحلون هذه المسكينة من الرباط إلى أن تعلموا بمجيء سيدكم فتربطوها كما كانت وتكسبوا الأجر من رب العالمين فقلن لها: سمعاً وطاعة ثم إنهم حلوها وأطعموها وسقوها ثم قالت العجوز: يا ليت رجلي انكسرت ولا دخلت لكم. وبعد ذلك ذهبت إلى زمرد وقالت لها: يا ابنتي سلامتك سيفرج الله عنك ثم ذكرت لها إنها من عند سيدها علي شار وواعدتها أنها في ليلة غد تكون حاضرة وتلقي سمعها للحس وقالت لها: إن سيدك ياتي إليك تحت مصطبة القصر ويصفر لك فإذا سمعت ذلك فانزلي له من الطاقة بحبل وهو يأخذك ويمضي فشكرتها على ذلك. ثم خرجت العجوز وذهبت إلى علي شار وأعلمته وقالت له: توجه في الليلة القابلة نصف الليل إلى الحارة الفلانية فإن بيت الملعون هناك وعلامته كذا وكذا فقف تحت قصره وصفر فإنها تتدلى إليك فخذها وامضِ بها إلى حيث شئت فشكرها على ذلك ثم إنه صبرإلى أن جن الليل وجاء وقت الميعاد فذهب إلى تلك الحارة التي وصفتها له جارته ورأى القصر فعرفه وجلس على مصطبة تحته وغلبه النوم فنام وجل من لا ينام واكن له مدة لم ينم من الوجد الذي به فبينما هو نائم. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:48 AM
وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه بينما هو نائم وإذا بلص من اللصوص خرج تلك الليلة في أطراف المدينة ليسرق شيئاً فرمته المقادير تحت قصر ذلك النصراني فدار حوله فلم يجد سبيلاً إلى الصعود إليه فرأى علي شار نائماً فأخذ عمامته وبعد أن أخذها لم يشعر إلا وزمرد طلعت في ذلك الوقت فرأته واقفاً في الظلام فحسبته سيدها فصفرت له فصفر لها الحرامي فتدلت بالحبل وصحبتها خرج ملآن ذهباً فلما رآه اللص قال في نفسه: ما هذا إلا أمر عجيب له ثم حمل الخرج وحملها على أكتافه وذهب بهما مثل البرق الخاطف فقالت له: العجوز أخبرتني أنك ضعيف بسببي وها أنت أقوى من الفرس فلم يرد عليها جواباً فحسبت على وجهه فوجدت لحيته مثل مقشة الحمام وكأنه خنزيراً ابتلع ريشاً فطلع زغبه من حلقه ففزعت منه وقالت له: أي
شيء أنت فقال لها: يا عاقرة أنا جوان الكردي من جماعة أحمد الدنف ونحن أربعون شاطراً وكلهم في هذه الليلة يفسقون في رحمك من العشاء إلى الصباح.
فلما سنعت كلامه بكت ولطمت وجهها وعلمت أن القضاء غلب عليها وأنه لا حيلة إلا التفويض إلى الله تعالى فصبرت وسلمت الحكم إلى الله تعالى وقالت: لا إله إلا الله كلما خلصنا من هم وقعنا في هم أكبر وكان السبب في مجيء جوان إلى هذا المحل أنه قال لأحمد الدنف: يا شاطر أنا دخلت هذه المدينة قبل الآن وأعرف فيها غاراً خارج البلد يسع أربعين نفساً وأنا أريد أن أسبقكم إليه وأخلي أمي من ذلك الغار ثم أعود إلى المدينة وأسرق منها شيئاً على بختكم وأحفظه على اسمكم إلى أن تحضروا فتكون ضيافتكم في هذا النهار من عندي.
فقال له أحمد الدنف: افعل ما تريد فخرج قبلهم وسبقهم إلى ذلك المحل ووضع أمه في ذلك الغار ولما خرج من الغار رأى جندياً راقداً وعنده فرس مربوط فذبحه وأخذ فرسه وسلاحه وثيابه وأخفاها في الغار عند أمه وربط الحصان هناك ثم رجع إلى المدينة ومشى حتى وصل إلى قصر النصراني وفعل ما تقدم ذكره من أخذ زمرد الجارية ولم يزل يجري بها إلى أن حطها عند أمه وقال لها: احتفظي عليها إلى حين أعود إليك في بكرة النهار ثم ذهب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:49 AM
وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن جوان الكردي قال لأمه: احتفظي عليها حتى أرجع إليك في بكرة النهار ثم ذهب فقالت زمرد في نفسها: وما هذه القفلة عن خلاص روحي بالحيلة كيف أصبر إلى أن يجيء هؤلاء الأربعون رجلاً فيتعاقبون علي حتى يجعلوني كالمركب الغريقة في البحر ثم إنها التفتت إلى العجوز أم جوان وقالت لها: يا خالتي أما تقومين بنا إلى الخارج حتى أفليك في الشمس فقالت: أي والله يا ابنتي فإن لي مدة وأنا بعيدة عن الحمام لأن هؤلاء الخنازير لم يزالوا دائرين بي من مكان إلى مكان فخرجت معها فصارت تفليها وتقتل القمل من رأسها إلى أن استلذت بذلك ورقدت فقامت زمرد ولبست ثياب الجندي الذي قتله جوان الكردي وشدت سيفه في وسطها وتعممت بعمامته حتى صارت كأنها رجل وركبت الفرس وأخذت الخرج الذهب معها وقالت: يا جميل الستر استرني بجاه محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنها قالت في نفسها: إن رحت إلى البلد ربما يراني أحداً من أهل الجندي فلا يحصل لي خير ثم اعرضت عن دخول المدينة وسارت في البر الأقفر ولم تزل سائرة بالخروج والفرس وتأكل من نبات الأرض وتطعم الفرس منه وتشرب وتعقبها من الأنهار مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر أقبلت على مدينة طيبة أمينة بالخير مكينة قد ولى عنها فصل الربيع بزهره وورده فزهت أزهارها وتدفقت أنهارها وغردت أطيارها فلما وصلت إلى المدينة وقربت من بابها وجدت العساكر والأمراء وأكابر أهل المدينة كلهم مجتمعون ببابها ولا بد لذلك من سبب. ثم إنها قصدتهم فلما قربت منهم تسابق العساكر وترجلوا وقبلوا الأرض بين يديها وقالوا: الله ينصرك يا مولانا السلطان واصطفت بين يديها أرباب المناصب العساكر يرتبون الناس ويقولون لها: الله ينصرك ويجعل قدومك مباركاً على المسلمين يا سلطان العالمين تبتك الله يا ملك الزمان يا فريد العصر والأوان فقالت لهم زمرد: ما خبركم يا أهل هذه المدينة فقال الحاجب: إنه أعطاك من لا يبخل بالعطاء وجعلك سلطاناً على هذه المدينة وحاكماً على رقاب جميع من فيها واعلم أن عادة أهل هذه المدينة إذا مات ملكهم ولم يكن له ولد تخرج العساكر إلى ظاهر المدينة ويمكثون ثلاثة أيام فأي إنسان جاء من طريقك التي جئت منها يجعلونه سلطاناً عليهم والحمد لله الذي ساق لنا إنساناً من أولاد الترك جميل الوجه فلو طلع علينا أقل منك كان سلطاناً وكانت زمرد صاحبة رأي في جميع أفعالها فقالت: لا تحسبوا أنني من أولاد عامة الأتراك بل أنا من أولاد الأكابر لكنني غضبت من أهلي فخرجت من عندهم وتركتهم وانظروا إلى هذا الخرج الذهب الذي جئت به تحتي لأتصدق منه على الفقراء والمساكين طول الطريق فدعاو لها وفرحوا بها غاية الفرح وكذلك زمرد فرحت بهم ثم قالت في نفسها بعد أن وصلت إلى هذا الأمر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:50 AM
وفي الليلة الستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد قالت في نفسها: بعد أن وصلت إلى هذا الأمر لعل الله يجمعني بسيدي في هذا المكان إنه على ما يشاء قدير ثم سارت العسكر حتى دخلوا المدينة وترجل العسكر بين يديها حتى أدخلوها القصر فنزلت وأخذها الأمراء والأكابر من تحت إبطيها حتى أجلسوها على الكرسي وقبلوا الأرض بين يديها.
فلما جلست على كرسي الحكم أمرت بفتح الخزائن ففتحت وأنفقت على جميع العسكر فدعوا لها بدوام الملك وأطاعها العباد وسائر أهل البلاد واستمرت على ذلك مدة من الزمان وهي تأمر
وقد صار لها في قلوب الناس هيبة عظيمة من أجل الكرم والعفة وأبطلت المكوس وأطلقت من في الحبوس ورفعت المظالم فأحبها جميع الناس وكلما تذكرت سيدها تبكي وتدعو الله أن يجمع بينها وبينه واتفق أنها تذكرته في بعض الليالي وتذكرت أيامها التي مضت لها معه لإ فأفاضت دمع العين وأنشدت هذين البيتين: شـوقـي إلـــيك عـــلـــى الـــزمـــان جـــديدوالـــدمـــع قـــرح مـــقـــلـــــتـــــــي ويزيد وإذا بـــكـــيت مـــن ألــــم الـــــــجـــــــوىإن الـفـــراق عـــلـــى الـــمـــحـــب شـــديد فلما فرغت من شعرها مسحت دموعها وطلعت القصر ودخلت الحريم وأفردت للجواري والسراري منازل ورتبت لهن الرواتب والجرايات وزعمت أنها تريد أن تجلس في مكان وحدها عاكفة على العبادة وصارت تصوم وتصلي حتى قالت الأمراء: إن هذا السلطان له ديانة عظيمة.
ثم إنها لم تدع عندها أحداً من الخدم غير طواشين صغيرين لأجل الخدمة وجلست في تخت الملك سنة وهي لم تسمع بسيدها خبراً ولم تقف له على أثر فقلقت من ذلك فلما اشتد قلقها دعت بالوزراء والحجاب وامرتهم أن يحضروا لها المهندسين والبنائين وأن يبنوا لها تحت القصر ميداناً طوله فرسخ وعرضه فرسخ ففعلوا ما أمرتهم به في أسرع وقت فجاء الميدان على طبق مرادها فلما تم ذلك الميدان نزلت فيه وضربت لها فيه قبة عظيمة وصفت فيه كراسي الأمراء وأمرت أن يمدوا سماطاً من سائر الأطعمة الفاخرة في ذلك الميدان ففعلوا ما أمرتهم به ثم أمرت أرباب الدولة أن يأكلوا ثم قالت للأمراء: أريد إذا هل الشهر الجديد أن تفعلوا هكذا وتنادوا في المدينة لا يفتح أحد دكانه بل يحضرون جميعاً ويأكلون من سماط الملك وكل من خالف منهم يشنق على باب داره.
فلما هل الشهر الجديد فعلوا ما أمرتهم به واستمروا على هذه العادة إلى أن هل أول شهر من السنة الثانية فنزلت إلى الميدان ونادى المنادي يا معشر الناس كافة كل من فتح دكانه أو حاصله أو منزله شنق في الحال على باب دكانه بل يجب عليكم أن تحضروا جميعاً لتأكلوا من سماط الملك فلما فرغت المناداة ووضع السماط جاءت الخلق أفواجاً أفواجاً فأمرتهم بالجلوس على السماط ليأكلوا حتى يشبعوا من سائر الألوان فجلسوا يأكلون كما أمرتهم على كرسي المملكة تنظر إليهم فصار كل من جلس على السماط يقول في نفسه: إن الملك لا ينظر إلا إلي وجلسوا يأكلون وصار الأمراء يقولون للناس كلوا ولا تستحوا فإن الملك يحب ذلك فأكلوا حتى شبعوا وانصرفوا داعين للملك وصار بعضهم يقول لبعض عمرنا ما رأينا سلطاناً يحب الفقراء مثل هذا السلطان ودعوا له بطول البقاء وذهبت إلى قصرها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة زمرد ذهبت إلى قصرها وهي فرحانة بما رتبته وقالت في نفسها: إن شاء الله تعالى بسبب ذلك أقع على خبر سيدي علي شار ولما هل الشهر الثاني فعلت ذلك الأمر على جري العادة ووضعوا السماط ونزلت زمرد وجلست على كرسيها وأمرت الناس أن يجلسوا ويأكلوا فبينما هي جالسة على رأس السماط والناس يجلسون عليه جماعة بعد جماعة وواحد بعد واحد إذ وقعت عينها على برسوم النصراني الذي كان اشترى الستر من سيدها فعرفته فصاحت على بعض الجند وقالت له: هاتوا هذا الذي قدامه الصحن الأرز الحلو ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده بل ارموها من يده فجاء أربعة من العساكر وسحبوه على وجهه بعد أن رموا اللقمة من يده وأوقفوه قدام زمرد فامتنعت الناس عن الأكل وقال بعضهم لبعض: والله إنه ظالم لأنه لم يأكل من طعام أمثاله فقال واحد: أنا قنعت بهذا الكشك الذي قدامي فقال الحشاش: الحمد لله الذي منعني من أن آكل من الصحن الأرز الحلو شيئاً لأني كنت أنتظر أن يستقر قدامه ويتهنى عليه ثم آكل معه فحصل له ما رأينا.
فقال الناس لبعضهم: اصبروا حتى ننظر ما يجري عليه فلما قدموه بين يدي الملكة زمرد قالت له: ويلك يا أزرق العينين ما اسمك وما سبب قدومك إلى بلادنا فأنكر الملعون وكان متعمماً بعمامة بيضاء فقال: يا ملك اسمي على صنعتي حباك وجئت إلى المدينة من أجل التجارة فقالت زمرد: ائتوني بتخت زمل وقلم نحاس فجاؤوا بما طلبته في الحال فأخذت التخت الرمل والقلم وضربت تخت رمل وخطت بالقلم صورة مثل صورة قرد ثم بعد ذلك رفعت رأسها وتأملت برسوم ساعة زمانية وقالت له: يا كلب كيف تكذب على الملوك أما أنت نصراني واسمك برسوم وقد أتيت إلى حاجة تفتش عليها فأصدقني الخبر وإلا وعزة الربوبية لأضربن عنقك فتلجلج النصراني. فقال الأمراء والحاضرون: إن هذا الملك يعرف ضرب الرمل سبحان من أعطاه ثم صاحت على النصراني وقالت له: أصدقني الخبر وإلا أهلكتك فقال النصراني: العفو يا ملك الزمان إنك صادق في ضرب الرمل فأنا نصراني. وأدرك شهرزاد الصباح

هانى رفعت
04-17-2010, 12:52 AM
وفي الليلة الثانية والستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن النصراني قال: العفو يا ملك الزمان إنك صادق في ضرب الرمل فأنا نصراني. فتعجب الحاضرون من الأمراء وغيرهم من إصابة الملك في ضرب الرمل وقالوا إن هذا الملك منجم ما في الدنيا مثله ثم إن الملكة أمرت بأن يسلخ النصراني ويحشى جلده تبناً ويعلق على باب الميدان وأن يحفروا حفرة في خارج البلد ويحرق فيها لحمه وعظمه فلما نظر الخلق ما حل بالنصراني قالوا: جزاؤه ما حل به فما كان أشأمها لقمة عليه فقال واحد منهم: على البعيد الطلاق عمري ما بقيت آكل أرز حلو فقال الحشاش: الحمد لله الذي عافاني مما حل بهذا حيث حفظني من أكل ذلك الأرز ثم خرج الناس جميعهم وقد حرموا الجلوس على الأرز الحلو في موضع ذلك النصراني ولما كان الشهر الثالث مدوا السماط على جري العادة وهم خائفون وقعدت الملكة زمرد على الكرسي ووقف العسكر على جري العادة وهم خائفون من سطوتها ودخلت الناس من أهل المدينة على العادة وداروا حول السماط إلى موضع الصحن.
فقال واحد منهم للآخر: يا حج خلف قال له: لبيك يا حج خالد قال: تجنب الصحن الأرز الحلو واحذر أن تأكل منه وإن أكلت منه تصبح مشنوقاً ثم إنهم جلسوا حول السماط للأكل فبينما هم يأكلون والملكة زمرد جالسة إذ حانت منها التفاتة إلى رجل يهرول من باب المدينة فتأملته فوجدته جوان الكردي اللص الذي قتل الجندي وسبب مجيئه أنه كان ترك أمه ومضى إلى رفقائه وقال لهم: إني كسبت البارحة طيباً وقتلت جندياً وأخذت فرسه وحصل لي في تلك الليلة خرج ملآن ذهباً وصبية قيمتها أكثر من الذهب الذي في الخرج ووضعت جميع ذلك في الغار عند والدتي ففرحوا بذلك وتوجهوا إلى الغار في النهار ودخل جوان الكردي قدامهم وهم خلفه وأراد أن يأتي لهم بما قال لهم فوجد المكان قفراً فسأل أمه عن حقيقة الأمر فأخبرته بجميع ما جرى فعض على كفيه ندماً وقال: والله لأدورن على هذه الفاجرة وآخذها من المكان الذي هي فيه ولو كانت في قشور الفستق وأشفي غليلي منها. وخرج يفتش عليها ولم يزل دائراً في البلاد حتى وصل إلى مدينة الملكة زمردة.
فلما دخل المدينة لم يجد فيها احد فسأل بعض النساء الناظرات من الشبابيك فأعلمنه أن أول كل شهر يمد السلطان سماطاً وتروح الناس وتأكل منه ودلوه على الميدان الذي فيه السماط
فجاء وهو يهرول فلم يجد مكاناً خالياً يجلس فيه إلا عند الصحن المتقدم ذكره فقعد وصار الصحن قدامه فمد يده إليه فصاحت عليه الناس وقالوا له: يا أخانا ما تريد أن تعمل قال: أريد أن آكل من هذا الصحن حتى أشبع فقال له واحد: إن أكلت تصبح مشنوقاً. فقال له: اسكت ولا تنطق بهذا الكلام ثم مد يده إلى الصحن وجره قدامه وكان الحشاش المتقدم ذكره جالساً في جنبه فلما رآه جر الصحن قدامه هرب من مكانه وطارت الحشيشة من رأسه وجلس بعيداً وقال أنا مالي حاجة بهذا الصحن إن الكردي مد يده إلى الصحن وهي في صورة رجل الغراب وغرف بها وأطلعها منه وهي مثل خف الجمل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جوان الكردي أطلع يده من الصحن وهي مثل خف الجمل ودور اللقمة في كفه حتى صارت مثل النارنجة الكبيرة ثم رماها في فمه بسرعة فانحدرت في حلقه ولها فرقعة مثل الرعد وبان قعر الصحن من موضعها فقال له من بجانبه: الحمد لله الذي لم يجعلني طعاماً بين يديك لأنك خسفت الصحن بلقمة واحدة فقال الحشاش: دعوه يأكل فإني تخيلت فيه صورة المشنوق. ثم التفت إليه وقال له: لا هنأك الله فمد يده إلى اللقمة الثانية وأراد أن يدورها في يده مثل اللقمة الأولى وإذا بالملكة صاحت على بعض الجند وقالت لهم: هاتوا ذلك الرجل بسرعة ولا تدعوه يأكل اللقمة التي في يده فتجارت عليه العسكر وهو مكب على الصحن وقبضوا عليه وأخذوه قدام الملكة زمرد فشمتت الناس فيه وقالوا لبعضهم: إنه يستاهل لأننا نصحناه فلم ينتصح وهذا المكان مشؤوم على كل من يأكل منه ثم إن الملكة زمرد قالت له: ما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك مدينتنا قال: يا مولانا السلطان اسمي عثمان وصنعتي خولي بستان وسبب مجيئي إلى هذه المدينة أنني دائراً أفتش على شيء ضاع مني.
فقالت الملكة: علي بتخت الرمل فأحضروه بين يديها فأخذت القلم وضربت تخت رمل ثم تأملت فيه ساعة وبعد ذلك رفعت رأسها وقالت له: ويلك يا خبيث كيف تكذب على الملوك هذا الرمل يخبرني أن اسمك جوان الكردي وصنعتك أنك لص تأخذ أموال الناس بالباطل وتقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ثم صاحت عليه وقالت: يا خنزير أصدقني بخبرك وإلا قطعت رأسك فلما سمع كلامها اصفر لونه واصطكت أسنانه وظن أنه إن نطق بالحق ينجو فقال: صدقت أيها الملك ولكنني أتوب على يديك من الآن وأرجع إلى الله تعالى.
فقالت له الملكة: لا يحل لي أن أترك آفة في طريق المسلمين ثم قالت لبعض أتباعها: خذوه واسلخوا جلده وافعلوا به مثل ما فعلتم بنظيره في الشهر الماضي وفعلوا ما امرتهم به ولما رأى الحشاش العسكر حين قبضوا على ذلك الرجل أدار ظهره إلى ذلك الصحن الأرز وقال: إن استقبالك بوجهي حرام ولما فرغوا من الأكل تفرقوا وذهبوا إلى أماكنهم وطلعت الملكة إلى قصرها وأذنت للماليك بالإنصراف ولما هل الشهر الرابع نزلوا إلى الميدان على جري العادة وأحضروا الطعام وجلس الناس ينتظرون الإذن وإذا بالملكة قد أقبلت وجلست على الكرسي وهي تنظر إليهم فوجدت موضع صحن الأرز خالياً وهو يسع أربعة أنفس فتعجبت من ذلك فبينما هي تجول بنظرها إذ حانت منها التفاتة فنظرت إنساناً داخلاً من باب الميدان يهرول حتى وقف على السماط فلم يجد مكاناً خالياً إلا عند الصحن فتأملته فوجدته الملعون النصراني الذي سمى نفسه رشيد الدين فقالت في نفسها: ما أبرك هذا الطعام الذي وقع في حبائله هذا الكافر وكان لمجيئه سبب عجيب وهو أنه لما رجع من سفره. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:52 AM
وفي الليلة الرابعة والستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملعون الذي سمى نفسه رشيد الدين لما رجع من سفره أخبره أهل بيته أن زمرد قد فقدت ومعها خرج مال فلما سمع ذلك الخبر شق أثوابه ولطم على وجهه ونتف لحيته وأرسل أخاه برسوماً يفتش في البلاد. فما أبطأ عليه خبره خرج هو بنفسه ليفتش على أخيه وعلى زمرد في البلاد فرمته المقادير إلى مدينة زمرد ودخل تلك المدينة في أول يوم من الشهر. فلما مشى في شوارعها وجدها خالية ودكاكينها مقفولة ونظر النساء مطلات من النوافذ فسأل بعضهن عن هذا الحال فقلن له: إن الملك يعمل سماطاً لجميع الناس في أول كل شهر وتأكل منه الخلق جميعاً وما يقدر أحد أن يجلس في بيته ولا في دكانه ودلوه على الميدان فلما دخل الميدان وجد الناس مزدحمين على الطعام ولم يجد موضعاً إلا الموضع الذي فيه الصحن الأرز المعهود فجلس فيه ومد يده ليأكل فصاحت الملكة على بعض العسكر وقالت لهم: هاتوا الذي قعد على الصحن الأرز فعرفوه بالعادة وقبضوا عليه وأوقفوه قدام الملكة زمرد فقالت له: ويلك ما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى مدينتنا فقال: يا ملك الزمان اسمي رستم ولا صنعة لي لأنني فقير ودرويش. فقالت لجماعتها هاتوا تخت الرمل والقلم النحاس فأتوها بما طلبته على العادة فأخذت القلم وخطت به تخت رمل ومكثت تتأمل فيه ساعة ثم رفعت رأسها إليه وقالت: يا كلب كيف تكذب على الملوك أنت اسمك رشيد الدين النصراني وصنعتك أنك تنصب الحيل لجواري المسلمين وتأخذهن وأنت مسلم في الظاهر ونصراني في الباطن فانطق الحق وإن لم تنطق بالحق فإني أضرب عنقك فتلجلج في كلامه ثم قال: صدقت يا ملك الزمان فأمرت به أن يمد على كل رجل مائة سوط وعلى جسده ألف سوط وبعد ذلك يسلخ جلده ويحشى ساساً ثم تحفر له حفرة في خارج المدينة ويحرق وبعد ذلك يضعون عليه الأوساخ والأقذار ففعلوا ما أمرتهم به ثم أذنت للناس بالأكل فأكلوا ولما فرغ الناس من الأكل وانصرفوا إلى حال سبيلهم طلعت الملكة زمرد إلى قصرها وقالت: الحمد لله الذي أراحني من الذين آذوني ثم إنها شكرت ناظر السموات والأرض وأنشدت هذه الأبيات:
تـحـكـمـوا فـاسـتـطـالـوا فـي تـحـكــمـــهـــموبـعـد حــين كـــان الـــحـــكـــم لـــم يكـــن لـو أنـصـفـوا أنـصـفـوا لـكــن بـــغـــوا فـــأتـى عـلـيه الـدهـر بـالآفـــات والـــمـــحـــن فـأصـبـحـوا ولـسـان حـالـهــم ينـــشـــدهـــمهـذا بـذاك ولا عــتـــب عـــلـــى الـــزمـــن
ولما فرغت من شعرها خطر ببالها سيدها علي شار فبكت بالدموع الغزار وبعد ذلك رجعت إلى عقلها وقالت في نفسها: لعل الله الذي مكنني من أعدائي يمن علي برجوع أحبائي .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:53 AM
وفي الليلة الخامسة والستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة استغفرت الله عز وجل وقالت لعل الله يجمع شملي بحبيبي علي شار قريباً إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير ثم حمدت الله ووالت الإستغفار وسلمت لمواقع الأقدار وأيقنت أنه لا بد لكل أول من آخر وأنشدت قول الشاعر: كـــن حـــلـــيم إذا ابـــتـــلـــيت بـــغـــــــيظوصـــبـــوراً إذا أتـــتــــك مـــــــصـــــــيبة فـالـلـــيالـــي مـــن الـــزمـــان حـــبـــالـــىمـــثـــقـــلات يلـــدن كـــل عـــــــجـــــــيبة وقول الآخر: اصبـر فـفـي الـصـبـر خـير لـو عـلـمـت بـهلـطـبـت نـفـسـاً ولـم تـــجـــزع مـــن الألـــم واعـلـم بـأنـك لـو لـم تـصـطـبـــر كـــرمـــاًصـبـرت رغـمـاً عـلـى مـا خـط بـالــقـــلـــم فلما فرغت من شعرها مكثت بعد ذلك شهراً كاملاً وهي بالنهار تحكم بين الناس وتنهي وبالليل تبكي وتنتحب على فراق سيدها علي شار ولما هل الشهر الجديد أمرت بمد السماط في الميدان على جري العادة وجلست فوق الناس وصاروا ينتظرون الإذن في الأكل وكان موضع
الصحن الأرز خالياً وجلست على رأس السماط وجعلت عينها على باب الميدان لتنظر كل من يدخل وصارت تقول في سرها: من رد يوسف على يعقوب وكشف البلاء عن أيوب أمنن علي برد سيدي علي شار بقدرتك وعظمتك إنك على كل شيء قدير يا رب العالمين فلم يتم دعاؤها إلا وشخص داخل من باب الميدان كأن قوامه غصن بان إلا أنه نحيل البدن يلوح عليه الإصفرار وهو أحسن ما يكون من الشباب كامل العقل والآداب فلما دخل لم يجد موضعاً خالياً إلا الموضع الذي عند الصحن الأرز فجلس فيه ولما رأته زمرد خفق قلبها فحققت النظر فيه فتبين أنه سيدها علي شار فأرادت أن تصرخ من الفرح فثبتت نفسها وخشيت من الفضيحة بين الناس ولكن تقلقلت أحشاؤها واضطرب قلبه فكتمت ما بها وكان السبب في مجيء علي شار لما انه رقد على المصطبة ونزلت زمرد وأخذها جوان الكردي استيقظ بعد ذلك فوجد نفسه مكشوف الرأس فعرف أن إنساناً تعدى عليه وأخذ عمامته وهو نائم فقال الكلمة التي لا يخجل قائلها وهي إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إنه رجع إلى العجوز التي كانت أخبرته بمكان زمرد وطرق عليها الباب فخرجت إليه فبكى بين يديها حتى وقع مغشياً عليه فلما أفاق أخبرها ما حصل له فلامته وعنفته هلى ما وقع منه وقالت له: إن مصيبتك وداهيتك من نفسك ولا زالت تلومه حتى طفح الدم من منخريه ووقع مغشياً عليه فلما أفاق من غشيته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار لما افاق من غشيته رأى العجوز تبكي من أجله وتفيض دمع العين فتضجر وأنشد هذين البيتين: مـــا أمـــر الـــفـــراق لـــلأحـــــــبـــــــابوألـــذ الـــوصـــال لـــلــــــعـــــــشـــــــاق جـــمـــع الـــلـــه شـــمـــل كـــل مـــحـــبورعـــانـــي لأنـــنـــي فـــي اشــــتـــــــياق فحزنت عليه العجوز وقالت: يا ولدي هذا الذي أنت فيه من الكآبة والحزن لا يرد عليك محبوبتك فقم وشد حيلك وفتش عليها في البلاد لعلك أن تقع على خبرها.
ولم تزل تجلده وتقويه حتى نشطته وأدخلته الحمام وسقته الشراب وأطعمته الدجاج وصارت كل يوم تفعل معه كذلك مدة شهر حتى نقوى وسافر ولم يزل مسافراً إلى أن وصل إلى مدينة زمرد ودخل الميدان وجلس على الطعام ومد يده ليأكل فحزن عليه الناس وقالوا له: يا شاب لا تأكل من هذا الصحن لأن من أكل منه يحصل له ضرر فقال ك دعوني آكل منه ويفعلون بي ما
يريدون لعلي أستريح من هذه الحياة المتعبة ثم أكل أول لقمة وأرادت زمرد أن تحضره بين يديها فخطر ببالها أنه جائع فقالت في نفسها: المناسب اني أدعه يأكل حتى يشبع فصار يأكل والخلق باهتون ينتظرون الذي يجري له.
فلما أكل وشبع قالت لبعض الطواشية: امضوا إلى ذلك الشاب الذي يأكل من الأرز وهاتوه برفق وقولوا له كلم الملك لسؤال لطيف وجواب فقالوا: سمعاً وطاعة ثم ذهبوا إليه إليه حتى وقفوا قباله وقالوا له: يا سيدي تفضل كلم الملك وأنت منشرح الصدر فقال: سمعاً وطاعة ثم مضى الطواشية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:54 AM
وفي الليلة السابعة والستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي شار قال: سمعاً وطاعة ثم ذهب مع الطواشية فقال الخلق لبعضهم: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا ترى لم الذي يفعله به الملك فقال بعضهم: لا يفعل به إلا الخير لأنه لو كان يريد ضره ما كان تركه حتى يشبع فلما وقف قدام زمرد سلم عليها وقبل الأرض بين يديها فردت عليه السلام وقابلته بالإكرام وقالت له: ما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة فقال لها: اسمي علي شار وأنا من أولاد التجار وبلدي خراسان وسبب مجيئي إلى هذه المدينة التفتيش على جارية ضاعت مني وكانت عندي أعز من سمعي وبصري فروحي متعلقة من حين فقدتها وهذه قصتي ثم بكي حتى غشي عليه فأمرت أن يرشوا على وجهه ماء الورد حتى أفاق فلما أفاق من غشيته قالت: علي بتخت الرمل والقلم النحاس فجاؤوا به فأخذت القلم وضربت تخت رمل وتأملت فيه ساعة من الزمان ثم بعد ذلك قال: صدقت في كلامك والله يجمعك بها قريباً فلا تقلق.
ثم أمرت الحاجب أن يمضي به إلى الحمام ويلبسه بدلة حسنة من ثياب الملوك ويركبه فرساً من خواً خيل الملك ويمضي به بعد ذلك إلى القصر في آخر النهار فقال الحاجب: سمعاً وطاعة ثم أخذه من قدامها وتوجه به فقال الناس لبعضهم: ما بال السلطان لاطف الغلام هذه الملاطفة وقال بعضهم: أما قلت لكم لا يسيئه فإن شكله حسن ومن حين صبر عليه لما شبع عرفت ذلك وصار كل واحد منهم يقول مقالة ثم تفرق الناس وما صدقت زمرد أن الليل أقبل حتى تختلي بمحبوب قلبها.
فلما اتى الليل دخلت محل نومها وأظهرت أنه غلب عليها النوم ولم يكن لها عادة بأن ينام عندها أحد غير خادمين برسم الخدمة فلما استقرت في ذلك المحل أرسلت إلى محبوبها علي شار وقد جلست على السرير والشمع يضيء فوق رأسها وتحت رجليها والتعاليق الذهب مشرقة في المحل فلما سمع الناس بإرساله إليه تعجبوا من ذلك وصار كل واحد منهم يظن ظناً ويقول مقالة وقال بعضهم: إن الملك على كل حال تعلق بهذا الغلام وفي غد يجعله قائد عسكر.
فلما دخلوا به عليه قبل الأرض بين يديها ودعا لها فقالت في نفسها: لا بد أن أمزح معه ولا أعلمه بنفسي ثم قالت: يا علي هل ذهبت إلى الحمام قال: نعم يا مولاي قالت: قم كل من هذا الدجاج واللحم واشرب من هذا السكر الشراب فإنك تعبان وبعد ذلك تعال هنا فقال: سمعاً وطاعة ثم فعل ما أمرته به.
ولما فرغ من الأكل والشرب قالت له اطلع عندي على السرير واكبسني فشرع يكبس رجليها وسيقانها فوجدها أنعم من الحرير فقالت له: اطلع بالتكبيس إلى فوق فقال: العفو يا مولاي من عند الركبة ما أتعدى قالت: أتخالفني فتكون ليلة مشؤومة عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:55 AM
وفي الليلة الثامنة والستين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زمرد قالت لسيدها علي شار أتخالفني فتكون ليلة مشؤومة عليك بل ينبغي لك أن تطاوعني وأنا أعملك معشوقي وأجعلك أميراً من أمرائي فقال علي شار: يا ملك الزمان ما الذي أطيعك فيه قالت: حل لباسك ونم على وجهك فقال: هذا شيء عمري ما فعلته وإن قهرتني على ذلك فإني أخاصمك فيه عند الله يوم القيامة فخذ كل شيء أعطيتني إياه ودعني أروح من مدينتك ثم بكى وانتحب.
فقالت: حل لباسك ونم على وجهك وإلا ضربت عنقك ففعل فطلعت على ظهره فوجد شيئاً أنعم من الحرير وألين من الزبد فقال في نفسه: إن هذا الملك خير من جميع النساء ثم إنها صبرت قليلاً وهي على ظهره وبعد ذلك انقلبت على الأرض فقال علي شار الحمد لله كأن ذكره لم ينتصب فقالت: إن من عادة ذكري أن لا ينتصب إلا إذا عركوه بأيديهم فقم واعركه بيدك حتى ينتصب وإلا قتلتك ثم رقدت على ظهرها وأخذت بيده ووضعتها على فرجها فوجد فرجاً أنعم من الحرير وهو أبيض مربرب يحكي في السخونة حرارة الحمام وقلب صب أضناه الغرام فقال علي شار في نفسه إن الملك له كس فهذا من العجب العجاب.
وأدركته الشهوة فصار ذكره في غاية الإنتصاب فلما رأت منه ذلك ضحكت وقهقهت وقالت له: يا سيدي قد حصل هذا كله وما تعرفني فقال ومن أنت أيها الملك قال: أنا جاريتك زمرد فلما علم ذلك قبلها وعانقها وانقض عليها مثل الأسد على الشاة وتحقق أنها جاريته بلا اشتباه فأغمد قضيبه في جرابها ولم يزل بواباً لبابها وإماماً لمحرابها وهي معه في ركوع وسجود وقيام وقعود إلا أنها صارت تتبع التسبيحات بغنج في ضمنه حركات حتى سمع الطواشية فجاءوا ونظروا من خلف الأستار فوجدوا الملك راقداً وفوقه علي شار وهو يرصع ويزهر وهي تشخر وتغنج فقال الطواشية: إن هذا الغنج ما هو غنج رجل لعل هذا الملك امرأة ثم فلما أصبحت زمرد أرسلت إلى كامل العسكر وأرباب الدولة وأحضرتهم وقالت لهم: أنا أريد أن أسافر إلى بلد هذا الرجل فاختاروا نائباً يحكم بينكم حتى أحضر عندكم فأجابوا زمرد بالسمع والطاعة ثم شرعت في تجهيز آلة السفر من زاد وأموال وأرزاق وتحف وبغال وسافرت ولم تزل مسافرة إلى أن وصلت إلى بلد علي شار ودخل منزله وأعطى وتصدق ووهب ورزق منها الأولاد وعاشا في أحسن المسرات إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات. فسبحان الباقي بلا زوال والحمد لله على كل حال.
حكاية بدور بنت الجوهري مع جبير بن عمير الشيباني
ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ليلة من الليالي وتعذر عليه النوم ولم يزل ينقلب من جنب إلى جنب لشدة أرقه فلما أعياه ذلك أحضر مسروراً وقال: يا مسرور انظر إلى من يسليني على هذا الأرق فقال له: يا مولاي هل لك أن تدخل البستان الذي في الدار وتتفرج على ما فيه من الأزهار وتنظر إلى الكواكب وحسن ترصيعها والقمر بينها مشرف على الماء قال له: يا مسرور إن نفسي لا تهفو إلى شيء من ذلك قال: يا مولاي إن في قصرك ثلاثمائة سرية لكل سرية مقصورة فأنت تأمر كل واحدة منهن أن تختلي بنفسها في مقصورتها وتدور أنت تتفرج عليهن وهن لا يدرين قال: يا مسرور القصر قصري والجواري ملكي غير أن نفسي لا تهفو إلى شيء من ذلك قال: يا مولاي مر العلماء والحكماء والشعراء أم يحضروا بين يديك ويفيضوا في المباحث وينشدون الأشعار ويقصون عليك الأشعار ويقصون عليك الحكايات والأخبار قال: ما تهفو نفسي إلى شيء من ذلك قال: يا مولاي مر العلماء والندماء والظرفاء أن يحضروا بين يديك ويتحفوك بغريب النكات قال: يا مسرور إن نفسي ما تهفو إلى شيء من ذلك قال: يا مولاي فاضرب عنقي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:57 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور قال للخليفة: يا مولاي فاضرب عنقي لعله يزيل أرقك ويذهب القلق عنك فضحك الرشيد وقال: يا مسرور انظر من بالباب من الندماء فخرج مسرور ثم عاد وقال: يا مولاي الذي على الباب علي بن منصور الخليع الدمشقي قال علي به فذهب وأتى به فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فرد عليه السلام وقال: يا ابن منصور حدثني بشيء من أخبارك. فقال: يا أمير المؤمنين هل أحدثك بشيء رأيته عياناً أو شيء سمعت به فقال أمير المؤمنين: إن كنت عاينت شيئاً غريباً فحدثنا به فإنه ليس الخبر كالعيان قال: يا أمير المؤمنين اجل لي سمعك وقلبك قال: يا ابن منصور هاأنا سامع لك بأذني ناظر لك بعيني مصغ لك بقلبي قال: يا أمير المؤمنين إن لي كل سنة رسماً على محمد بن سليمان الهاشمي سلطان البصرة فمضيت إليه على عادتي فلما وصلت إليه وجدته متهيئاً للركوب إلى الصيد والقنص فسلمت عليه وسلم علي وقال لي: يا ابن منصور اركب معنا إلى الصيد فقلت له: يا مولاي ما لي قدرة على الركوب فأجلسني في دار الضيافة وأوصى علي الحجاب والنواب ففعلوا. ثم توجه إلى الصيد فأكرموني غاية الإكرام وضيفوني أحسن الضيافة فقلت في نفسي:
يا لله العجب إن لي مدة أقدم من بغداد إلى البصرة ولم أعرف أن في البصرة سوى من القصر إلى البستان ومتى يكون لي فرصة أنتهزها في الفرجة على جهات البصرة مثل هذه النوبة فأنا أقوم فلبست ثيابي وتمشيت في جانب البصرة ومعلومك يا أمير المؤمنين أن فيها سبعين درباً طول كل درب سبعين فرسخاً بالعراقي فتهت في أزقتها ولحقني العطش فبينما أنا ماش يا أمير المؤمنين وإذا بباب كبير له حلقتان من النحاس الأصفر ومرخي عليه ستور من الديباج الأحمر وفي جانبه مصطبتان وفوقه مكعب لدوالي العنب وقد ظللت على ذلك الباب فوقفت أتفرج على هذا المكان فبينما أنا واقف سمعت صوت أنين ناشيء عن قلب حزين يقلب النغمات وينشد هذه الأبيات:
جـسـمـي غـدا مـنـزل الأسـقـام والـمـــحـــنمـن أجـل ظـبـي بـعـيد الـــدار والـــوطـــن فـيا نـسـيمـي قـد هـيجـتـــمـــاه شـــجـــنـــيبـالـلـه ربـكـمـا عـرجـــا عـــن ســـكـــنـــي
وعاتباه لعل العتب يعطفه
وحـسـنـاً الـقـول إذ يصـغـي لـقـولـــكـــمـــاواسـتـدرجـا خـبـر الـعـشــاق بـــينـــكـــمـــا وأولـيانـي جـمـيلاً مــن صـــنـــيعـــكـــمـــاوعـرضـا بـي وقـولاً فـــي حـــديثـــكـــمـــا
ما بال عبد بالهجران تتلفه فقلت في نفسي: إن كان صاحب النغمة مليحاً فقد جمع بين الملاحة وحسن الصوت ثم دنوت من الباب وجعلت أرفع الستر قليلاً قليلاً وإذا بجارية بيضاء كأنها البدر في ليلة أربعة عشر بحاجبين مقرونين وجفنين ناعسين ونهدين كرمانتين رقيقتان أقحونتان وفم كأنه خاتم سليمان ونضيد أسنان يلعب بعقل الناظم والناثر كما قال فيه الشاعر:
يا در ثـغـر الــحـــبـــيب مـــن نـــظـــمـــكوأودع الــــراح والأقـــــــاح فـــــــمـــــــك ومـن أعـار الـصـــبـــاح مـــبـــتـــســـمـــكومـن بـقـفـل الـــعـــقـــيق قـــد خـــتـــمـــك أصـــبـــح مـــن قـــد رآك مـــن طـــــــربيتـيه عـجـــبـــاً فـــكـــيف مـــن لـــثـــمـــك
وبالجملة قد حازت أنواع الجمال وصارت فتنة للنساء والرجال لا يشبع من رؤية حسنها الناظر وهي كما قال فيها الشاعر:
إن أقـبـلــت قـــتـــلـــت وإن هـــي أدبـــرتجـعـلـت جـمـيع الـنـاس مـن عــشـــاقـــهـــا شـــمـــســـية بـــدرية لـــكــــــنـــــــهـــــــالـيس الـجـفـا والـصـــد مـــن أخـــلاقـــهـــا

فبينما أنا انظر إليها من خلال الستارة وإذا هي التفتت فرأتني واقفاً على الباب فقالت لجاريتها: انظري من بالباب فقامت الجارية وأتت إلي وقالت: يا شيخ أليس عندك حياء وعيب فقلت لها: يا سيدتي أما الشيب فقد عرفناه وأما العيب فما أظن أني أتيت بعيب فقالت سيدتها: وأي عيب أكثر من تهجمك على دار غيرك ونظرك إلى حريم غير حريمك فقلت لها: يا سيدتي لي عذر في ذلك فقالت: وما عذرك فقلت لها: إني رجل غريب عطشان وقد قتلني .

هانى رفعت
04-17-2010, 12:58 AM
وفي الليلة السبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: قبلنا عذرك ثم نادت بعض جواريها وقالت: يا لطف اسقيه شربة بالكوز الذهب فجاءتني بكوزمن الذهب الأحمر مرصع بالد والجوهر ملآن ماء ممزوج بالمسك الأذفر وهو مغطى بمنديل من الحرير الأخضر فجعلت أشرب وأطيل في شربي وانا سارق النظر إليها حتى طال وقوفي ثم رددت الكوز على الجارية ووقفت فقالت: يا شيخ امض إلى حال سبيلك فقلت لها: يا سيدتي أنا مشغول الفكر فقالت: فبم فقلت: في تقلب الزمان وتصرف الحدثان قالت: يحق لك لأن الزمان ذو عجائب ولكن ما الذي رأيته من عجائبه حتى تفكر فيه فقلت لها: أفكر في صاحب هذا الدار لأنه كان صديقي في حال حياته فقالت لي: ما اسمه فقلت: محمد بن علي الجوهري وكان ذا مال جزيل فهل خلف أولاداً فقالت: نعم بنتاً يقال لها: بدور وقد ورثت أمواله جميعها فقلت لها: كأنك ابنته قالت: نعم وضحكت ثم قالت: يا شيخ قد أطلت الخطاب فاذهب إلى حال سبيلك فقلت لها: لا بد من الذهاب ولكني أرى محاسنك متغيرة فأخبريني بشأنك لعل الله يجعل لك على يدي فرجاً فقالت لي: يا شيخ إن كنت من أهل الأسرار كشفنا لك سرنا فأخبرني من أنت حتى أعرفك هل أنت محل لا يكـــتـــم الـــســـر إلا كـــــل ذي ثـــــــقةوالـسـر عـنـد خـيار الـــنـــاس مـــكـــتـــوم قـد صـنـت سـري فــي بـــيت لـــه غـــلـــقوقـد ضـاع مـفـتـاحـه والـبــيت مـــخـــتـــوم فقلت لها: يا سيدتي إن كان قصدك أن تعلمي من أنا فأنا علي بن منصور والخليع الدمشقي نديم أمير المؤمنين هارون الرشيد فلما سمعت باسمي نزلت من على كرسيها وسلمت علي وقالت لي: مرحباً بك يا ابن منصور والآن أخبرك بحالي وأستأمنك على سري: أنا عاشقة مفارقة فقلت: يا سيدتي أنت مليحة ولا تعشقين إلا كل مليح فمن الذي تعشقينه قالت: أعشق جبير بن عمير الشيباني أمير بني شيبان وقد وصفت لي شاباً لم يكن بالبصرة أحسن منه فقلت لها: يا سيدتي هل جرى بينكما مواصلة أو مراسلة قالت: نعم إلا أنه قد عشنا باللسان لا بالقلب والجنان لأنه لم يوف بوعد ولم يحافظ لي على عهد فقلت لها: يا سيدتي وما سبب الفراق بينكما قالت: سببه إني كنت يوماً جالسة وجاريتي هذه تسرح شعري فلما فرغت من تسريحه جدلت ذوائبي فأعجبها حسني وجمالي فطأطأت علي وقبلت خدي وكان في ذلك الوقت داخلاً على غفلة فرأى ذلك فلما رأى الجارية تقبل خدي ولى من وقته غضبان عازماً على دوام البين وأنشدت هذين البيتين: إذا كــان لـــي فـــيمـــن أحـــب مـــشـــاركتـركـت الــذي أهـــوى وعـــشـــت وحـــيدا ومن حين ولى معرضاً إلى الآن لم يأتنا من عنده كتاب ولا جواب يا ابن منصور فقلت لها: فما تريدين قالت: أريد أن أرسل إليه معك كتاباً فإن أتيتني بجوابه فلك عندي خمسمائة دينار وإن لم تأتني بجوابه فلك حق مشيك مائة دينار فقلت لها: افعلي ما بدا لك فقالت: سمعاً وطاعة ثم نادت بعض جواريها وقالت: آتيني بدواة وقرطاس فأتتها بدواة وقرطاس فكتبت هذه الأبيات: حـبـيبـي مـا هــذا الـــتـــبـــاعـــد والـــقـــلافـأين الـتـغـاضـي بـينـنــا والـــتـــعـــطـــف ومـا لـك بـالـهـجـران عـنــي مـــعـــرضـــاًفـمـا وجـهـك الـوجـه الـذي كـنــت أعـــرف نـعـم نـقـل الـــواشـــون عـــنـــي بـــاطـــلاًفـمـلـت لـمـا قــالـــوا فـــزادوا وأســـرفـــوا فـإن تـك قـد صـدقـتـهـــم فـــي حـــديثـــهـــمفـــحـــاشـــاك مـــن هـــذا ورأيك أعــــرف بـعـيشـك قـل لـي مـا الـذي قـد ســـمـــعـــتفــإنـــك تـــدري مـــا يقـــال وتـــنـــصـــف فـــإن كـــان قـــولاً صـــح أنـــي قـــلـــتـــهفـلـلـقـول تــأويل ولـــلـــقـــول مـــصـــرف وهـب أنـــه قـــول مـــن الـــلـــه مـــنـــزلفــقـــد بـــدل الـــتـــوراة قـــوم وحـــرفـــوا وبـالـزور قـد قـيل فـي الـنــاس قـــبـــلـــنـــافـهــا عـــنـــد يعـــقـــوب تـــلـــوم يوســـف وهـاأنـــا والـــواشـــي وأنـــت جـــمـــيعـــاًيكـــون لـــنـــا يوم عـــظـــيم مـــوقـــــــف ثم بعد ذلك ختمت الكتاب وناولتني إياه فأخذته ومضيت إلى دار جبير بن عمير الشيباني فوجدته في الصيد فجلست أنتظره فبينما أنا جالس وإذا به قد أقبل من الصيد فلما رأيته يا أمير المؤمنين على فرسه ذهل عقلي من حسنه وجماله فالتفت فرآني جالساً بباب داره فلما رآني نزل عن جواده وأتى إلى واعتنقني وسلم علي فخيل لي أني اعتنقت الدنيا وما فيها ثم دخل بي إلى داره وأجلسني على فراشه وأمر بتقديم مائدة من الخولنج الخراساني وقوائمها من الذهب عليها جميع الأطعمة وأنواع اللحم من مقلي ومشوي وما أشبه ذلك فلما جلست على المائدة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 12:59 AM
وفي الليلة الحادية والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن علي بن منصور قال لما جلست على مائدة جبير بن عمير الشيباني قال: مد يدك إلى طعامنا واجبر خاطرنا بأكل زادنا فقلت له: والله ما آكل من طعامك لقمة واحدة حتى تقضي حاجتي قال: فما حاجتك فأخرجت إليه الكتاب فلما قرأه وفهم ما فيه مزقه ورماه في الأرض وقال لي: يا ابن منصور مهما كان ذلك من الحوائج قضيناه إلا هذه الحاجة التي تتعلق بصاحبة هذا الكتاب فإن كتابها ليس له عندنا جواب فقمت من عنده غضبان فتعلق بأذيالي وقال: يا ابن منصور أنا أخبرك بالذي قالته لك وإن لم أكن حاضراً معكما فقلت: ما الذي قالته قال: أما قالت لك صاحبة هذا الكتاب أن أتيتني بجوابه فلك عندي خمسمائة دينار وإن لم تأتني بجوابه فلك حق مشيتك مائة دينار قلت: نعم قال: اجلس عندي اليوم وكل واشرب وتلذذ واطرب وخذ لك خمسمائة دينار فجلست عنده وأكلت وشربت وتلذذت وطربت وسامرته ثم قلت: يا سيدي ما في دارك سماع قال لي: إن لنا مدة نشرب من غير سماع ثم نادى بعض جواريه وقال: يا شجرة الدر فأجابته جارية من مقصورتها ومعها عود من صنع الهنود ملفوف في كيس من الإبريسم ثم جاءت وجلست ووضعته في حجرها وضربت عليه إحدى وعشرين طريقة ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: مـن لـم يذق حــلـــو الـــهـــوى مـــع مـــرهلـم يدر وصـل حـــبـــيبـــه مـــن هـــجـــره وكـذاك مـن قـد حـاد عـن سـنــن الـــهـــوىلـــم يدر ســـهـــل طـــريقـــه مـــن وعـــره مـازلـت مـعـتـرضـاً عـلـى أهــل الـــهـــوىحـــتـــى بـــلـــيت بـــحـــلـــوه وبـــمـــــره شــربـــت كـــأس مـــراره مـــتـــجـــرعـــاًوخـضـــعـــت فـــيه لـــعـــبـــده ولـــحـــره وكـم لـيلة بــات الـــحـــبـــيب مـــنـــادمـــيورشـفـت حـلــو رضـــابـــه مـــن ثـــغـــره مـا كـان أقـصـر عـمـر لـــيل وصـــالـــنـــاقـد جـــاء وقـــت عـــشـــائه مـــع فـــجـــره حـكـم الـزمـــان فـــلا مـــرد لـــحـــكـــمـــهمـــن ذا يعـــارض ســـيداً فــــــي أمـــــــره فلما فرغت الجارية من شعرها صرخ بها سيدها صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه فقالت الجارية: لا آخذك الله يا شيخ إن لنا مدة نشرب بلا سماع مخافة على سيدنا من مثل هذه الصرعة ولكن اذهب إلى المقصورة ونم فيها فتوجهت إلى المقصورة التي أشارت إليها ونمت فيها إلى الصباح وإذا أنا بغلام أتاني ومعه كيس فيه خمسمائة دينار وقال: هذا الذي وعدك به سيدي ولكنك لا تعد إلى هذه الجارية التي أرسلتك وكأنك ما سمعت بهذا الخبر ولا سمعنا فقلت: سمعاً وطاعة.
ثم أخذت الكيس ومضيت إلى حال سبيلي وقلت في نفسي: إن الجارية في انتظاري من أمس والله لا بد أن أرجع إليها وأخبرها بما جرى بيني وبينه لأنني إن لم أعد إليها فربما تشتمني وتشتم كل من طلع من بلادي فمضيت إليها فوجدتها واقفة فلما رأتني قالت: يا ابن منصور إنك ما قضيت لي حاجة فقلت لها: من أعلمك بهذا فقالت: يا ابن منصور إن معي مكاشفة أخرى وهو أنك لما ناولته الورقة مزقها ورماها وقال لك: يا ابن منصور مهما كان لك من الحوائج قضيناه لك إلا حاجة صاحبة هذه الورقة فإنها ليس لها عندي جواب فقمت أنت من عنده مغضباً فتعلق بأذيالك وقال: يا ابن منصور اجلس عندي اليوم فإنك ضيفي فكل واشرب وتلذذ واطرب وخذ لك خمسمائة دينار فجلست عنده وأكلت وشربت وتلذذت وطربت وسامرته وغنت الجارية بالصوت الفلاني والصوت الفلاني فوقع مغشياً عليه فقلت لها يا أمير المؤمنين: هل أنت معنا فقالت لي: يا ابن منصور أما سمعت قول الشاعر: قـــلـــوب الـــعـــاشـــقـــين لـــهـــا عـــيونتـــرى مـــا لا يراه الــــــنـــــــاظـــــــرون ولكن يا ابن منصور ما تعاقب الليل والنهار على شيء إلا وغيراه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:00 AM
وفي الليلة الثانية والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: يا ابن منصور ما تعاقب الليل والنهار على شيء إلا غيراه ثم رفعت طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي كما بليتني بمحبة جبير بن عمير أن تبليه بمحبتي وأن تنقل المحبة من قلبي إلى قلبه.
ثم إنها أعطتني مائة دينار حق طريقي فأخذتها ومضيت إلى سلطان البصرة فوجدته قد جاء من الصيد فأخذت رسمي منه ورجعت إلى بغداد فلما أقبلت السنة الثانية توجهت إلى مدينة البصرة لأطلب رسمي على عادتي ودفع السلطان إلي رسمي ولما أردت الرجوع إلى بغداد تفكرت في نفسي أمر الجارية بدور وقلت مر أمر: والله لا بد أن أذهب إليها وأنظر ما جرى بينها وبين صاحبها فجئت دارها فرأيت على بابه كنساً ورشاً وخدماً وحشماً وغلماناً فقلت لعل الجارية طفح الهم على قلبها فماتت ونزل في دارها أمير من الأمراء فتركتها ورجعت إلى دار جبير بن عمير الشيباني فوجدت مصاطبها قد هدمت ولم أجده على باب داره وجعلت أفيض العبرات وأندبه بهذه الأبيات: يا سـادة رحـلـوا والـقـــلـــب يتـــبـــعـــهـــمعـودوا تـعـــد لـــي اعـــيادي بـــعـــودكـــم وقـفـت فـي دراكـم أنـعـي مــســـاكـــنـــكـــموالـدمـع يدفــق والأجـــفـــان تـــلـــتـــطـــم أســـائل الـــدار والأطـــلال بـــــــاكـــــــيةأين الـذي كـان مـنـه الــجـــود والـــنـــعـــم اقـصـد سـبـيلـك فـالأحـبــاب قـــد رحـــلـــوامـن الـربـوع وتـحـت الـتــرب قـــد ردمـــوا لا أوحـش الـلـه مـن رؤيا مـحــاســـنـــهـــمطـولاً ولا عـرضـاً ولا غـابـت لـهـــم شـــيم فبينما أنا أندب أهل هذه الدار بهذه الأبيات يا أمير المؤمنين وإذا بعبد أسود قد خرج إلي من الدار فقال: يا شيخ اسكت ثكلتك أمك ما لي أراك ندب هذه الدار بهذه الأبيات فقلت له: إني كنت أعهدها لصديق من أصدقائي فقال: وما اسمه فقلت: جبير بن عمير الشيباني قال: وأي شيء جرى له الحمد لله هاهو على حاله من الغنى والسعادة والملك لكن ابتلاه بمحبة جارية يقال لها السيدة بدور وهو في محبتها مغور من شدة الوجد والتبريح فهو كالحجر الجلمود والطريح فإن جاع لا يقول لهم أطعموني وإن عطش لا يقول اسقوني فقلت: استأذن لي في الدخول عليه. فقال: يا سيدي أتدخل على من لا يفهم فقلت: لا بد أن أدخل إليه على كل حال مستأذناً ثم عاد إلي آذناً فدخلت عليه فوجدته كالحجر الطريح لا يفهم بإشارة ولا بصريح وكلمته فلم يكلمني فقال لي بعض أتباعه: يا سيدي إن كنت تحفظ شيئاً من الشعر فأنشده إياه وارفع صوتك به فإنه ينتبه لذلك ويخاطبك فأنشدت هذين البيتين: أســـلـــوت حـــب بـــدور أم تـــتـــجـــلــــدوسـهـرت لــيلـــك أم جـــفـــونـــك تـــرقـــد إن كـــان دمـــعـــك ســـائلاً مـــهـــمـــــولةفـاعـلـم بـأنـك فـي الـــجـــنـــان مـــخـــلـــد فلما سمع هذا الشعر فتح عينيه وقال: مرحباً يا ابن منصور قد صار الهزل جداً فقلت له: يا سيدي ألك بي حاجة قال: نعم أريد أن اكتب إليها ورقة وارسلها معك فإن تأتيني بجوابها فلك علي ألف دينار وإن لم تأتني بجوابها فلك علي حق مشيتك مائة دينار فقال له: افعل ما بدا
لك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:01 AM
وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن منصور قال فقلت له: افعل ما بدا لك فنادى بعض جواريه وقال ائتيني بدواة وقرطاس فأتته بما طلبه فكتب هذه الأبيات: سـألـتـكـم بـــالـــلـــه يا ســـادتـــي مـــهـــلاًعـلـي فـإن الـحـب لـم يبـــق لـــي عـــقـــلا تـمـــكـــن مـــنـــي حـــبـــكـــم وهـــواكـــمفـألـبــســـنـــي ســـقـــمـــاً وأورثـــنـــي ذلا لـقـد كـنـت قـبـل الـيوم أسـتـصـغـر الـهــوىوأحـسـبـــه يا ســـادتـــي هـــينـــاً ســـهـــلا فـلـمـا أرانـــي الـــحـــب أمـــواج بـــحـــرهرجـعـت لـحـكـم الـلـه أعـذر مـــن يبـــلـــى فـإن شـئتـم أن تـرحـمـونـي بــوصـــلـــكـــموإن شـئتـم قـتـلـي فـلا تـنـسـوا الــفـــضـــلا ثم ختم الكتاب وناولني إياه فأخذته ومضيت به إلى دار بدور وجعلت أرفع الستر قليلاً قليلاً على العادة وإذا بعشر جوار نهد أبكار كأنهن الأقمار والسيدة بدور جالسة في وسطهن كأنها البدر في وسط النجوم أو الشمس إذا دخلت علي الغيوم وليس بها ألم ولا وجع فبينما أنا أنظر إليها وأتعجب من هذا الحال إذ لاحت بها التفاتة لي فرأتني واقفاً بالباب فقالت لي: أهلاً وسهلاً بك يا ابن منصور ادخل فدخلت وسلمت عليها وناولتها الورقة فلما قرأتها وفهمت ما فيها ضحكت وقالت يا ابن منصور ما كذب الشاعر حيث قال: فـلأصـبـــرن عـــلـــى هـــواك تـــجـــلـــداًحـــتـــى يجـــيء إلـــي مـــنـــك رســـــول يا ابن منصور هاأنا أكتب لك جواباً حتى يعطيك الذي وعدك به فقلت لها: جزاك الله خيراً فنادت بعض جورايها وقالت: آتيني بدواة وقرطاس فلما أتتها بما طلبت كتبت إليه هذه الأبيات: مـا لـي وفــيت بـــعـــهـــدكـــم فـــغـــدرتـــمورأيتـمـونـي مـنـصـــفـــاً فـــظـــلـــمـــتـــم بـاديتـمـونــي بـــالـــقـــطـــيعة والـــجـــفـــاوغـــدرتـــم والـــغـــدر بـــاد مـــنـــكـــــــم مـا زلـت أحـفـظ فـي الـبـــرية عـــهـــدكـــموأصـون عـرضـكـم وأحــلـــف عـــنـــكـــم حـتـى رأيت بـــنـــاظـــري مـــا ســـاءنـــيوسـمـعـت أخـبــار الـــقـــبـــائح عـــنـــكـــم أيهـــون قـــدري حـــين أرفـــع قـــدركــــــموالــلـــه لـــو أكـــرمـــتـــم لـــكـــرمـــتـــم فـلأصـرفـن الـقــلـــب عـــنـــكـــم ســـلـــوةولأنـــفـــضـــن يدي يأســـاً مـــنــــــكـــــــم فقلت لها: والله يا سيدتي أنه ما يقرأ هذه الأبيات إلا وتفارق روحه من جسده فقالت لي: يا ابن منصور بلغ بي الوجد إلى ها الحد حتى قلت ما قلت فقلت لها: لو قلت أكثر من ذلك الحق لك ولكن العفو من شيم الكرام فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع وكتبت إليه رقعة يا أميرالمؤمنين ما في ديوانك من يحسن أن يكتب مثلها وكتبت فيها هذه الأبيات: إلـــى كـــم ذا الـــدلال وذا الـــتـــجـــنــــيشـــفـــيت وحـــقـــك الـــحـــســـاد مـــنـــي لـــعـــلـــي قـــد أســـأت ولـــســــــت أدريفـقـل لـي مـــا الـــذي بـــلـــغـــت عـــنـــي شـربـــت كـــؤوس حـــبـــك مـــتـــرعـــاتفـأن تـرانـي ســكـــرت فـــلا تـــلـــمـــنـــي فلما فرغت من كتابة المكتوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:02 AM
وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بدور لما فرغت من كتابة المكتوب وختمته ناولتني إياه فقلت لها: يا سيدتي إن هذه الرقعة تداوي العليل وتشفي الغليل ثم أخذت المكتوب فنادتني بعدما خرجت من عندها وقالت لي: يا ابن منصور قل له: إنها في هذه الليلة ضيفتك ففرحت أنا بذلك ومضيت بالكتاب إلى جبير بن عمير.
فلما دخلت عليه وجدت عينه شاخصة إلى الباب ينتظر الجواب فلما ناولته الورقة فتحها وقراها وفهم معناها فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشياً عليه فلما أفاق قال: يا ابن منصور هل كتبت هذه الرقعة بيدها ولمستها بأناملها قلت: يا سيدي وهل الناس يكتبون بأرجلهم فوالله يا أمير المؤمنين ما استتم كلامي أنا وإياه إلا وقد سمعنا شن خلاخلها في الدهليز وهي داخلة فلما رآها قام على أقدامه كأنه لم يكن به ألم قط وعانقها عناق اللام للألف وزالت عنه علته التي لا تنصرف.
ثم جلس ولم تجلس هي فقلت لها: يا سيدتي لأي شيء لم تجلسي قالت: يا ابن منصور لا أجلس إلا بالشرط الذي بيننا فقلت لها: وما ذلك الشرط الذي بينكما قالت: إن العشاق لا يطلع أحد على أسرارهم ثم وضعت فمها على أذنه وقالت له كلاماً سراً فقال: سمعاً وطاعة ثم قام جبير ووشوش بعض عبيده فغاب العبد ساعة ثم أتى ومعه قاض وشاهدان فقام جبير وأتى بكيس فيه مائة ألف دينار وقال: أيها القاضي اعقد عقدي على هذه الصبية بهذا المبلغ.
فقال لها القاضي: قولي رضيت بذلك فقالت: رضيت بذلك فعقدوا العقد ثم فتجت الكيس وملأت يدها منه وأعطت القاضي والشهود ثم ناولته بقية الكيس فانصرف القاضي والشهود وقعدت أنا وإياها في بسط وانشراح إلى أن مضى من الليل أكثره فقلت في نفسي إنهما عاشقان مضت عليهما مدة من الزمان وهما متهاجران فأنا أقوم في هذه الساعة لأنام في مكان بعيد عنهما وأتركهما يختليان ببعضهما ثم قمت فتعلقت بأذيالي وقالت: ما الذي حدثتك به فقلت ما هو كذا وكذا فقالت: اجلس فإذا أردنا انصرافك صرفناك فجلست معهما إلى أن قرب الصبح فقالت: يا ابن منصور امض إلى تلك المقصورة لأننا فرشناها لك وهي محل نومك فقمت ونمت إلى الصباح فلما أصبحت جاءني غلام بطشت وإبريق فتوضأت وصليت الصبح ثم جلست فبينما أنا جالس وإذا بجبير ومحبوبته خرجا من حمام الدار وكل منهما يعصر ذوائبه فصبحت عليهما وهنيتهما بالسلامة وجمع الشمل ثم قلت له: الذي أوله شرط آخره رضا فقال لي: صدقت وقد وجب لك الإكرام ثم نادى خازنداره وقال له ائتني بثلاثة آلاف دينار فأتاه بكيس فيه ثلاثة آلف دينار. فقال لي: تفضل علينا بقبول فقلت له: لا أقبله حتى تحكي سبب انتقال المحبة منها إليك بعد ذلك الصد العظيم قال: سمعاً وطاعة اعلم أن عندنا عيداً يقال له عيد النواريز يخرج الناس فيه وينزلون في الزورق ويتفرجون في البحر فخرجت أتفرج أنا وأصحابي فرأيت زورقاً فيه عشر جوار كأنهن الأقمار والسيدة بدور وعودها معها فضربت عليه إحدى عشر طريقة ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأنشدت هذين البيتين: الـــنـــار أبـــرد مـــن نـــيران أحـــشــــائيوالـصـخـر ألـيم مـن قـلـبــي لـــمـــولاتـــي إنـي لأعـجـب مــن تـــألـــف خـــلـــقـــتـــهقـلـب مـن الـصـخـر فـي جـسـم مـن الـمــاء فقلت لها: أعيدي البيتين والطريقة فما رضيت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:03 AM
وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جبير قال لها: أعيدي البيتين فما رضيت فأمرت التونية أن يرجموها فرجموها بالنارنج حتى خشيت الغرق على الزورق الذي هي فيه ثم مضت إلى حال سبيلها وهذا سبب انتقال المحجبة من قلبها إلى قلبي فهنأتهما بجمع الشمل وأخذت الكيس بما فيه وتوجهت إلى بغداد. فانشرح صدر الخليفة وزال عنه ما كان يجده من الأرق وضيق الصدر.

حكاية الجواري المختلفة الألوان
وما وقع بينهن من المحاورة
ومما يحكى أن أمير المؤمنين المأمون جلس يوماً من الأيام في قصره وأحضر رؤساء دولته وأكابر مملكته جميعاً وكذلك أحضر الشعراء والندماء بين يديه وكان من جملة ندمائه نديم يسمى محمد البصري فالتفت إليه المأمون وقال له: يا محمد أريد منك في هذه الساعة أن تحدثني بشيء ما سمعته قط. قال له: يا أمير المؤمنين تريد أحدثك بحديث سمعته بأذني أو بأمر عاينته ببصري فقال المأمون: حدثني يا محمد بالأغرب منهما فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان في الأيام الماضية رجل من أرباب النعم وكان موطنه باليمن ثم إنه ارتحل من اليمن إلى مدينة بغداد هذه فطاب له مسكنها فنقل أهله وماله وعياله وكان له ست جوار كانهن الأقمار الأولى بيضاء والثانية سمراء والثالثة سمينة والرابعة هزيلة والخامسة صفراء والسادسة سوداء وكن حسان الوجوه كاملات الأدب عارفات بصناعة الغناء وآلات الطرب فاتفق أنه أحضر هؤلاء الجواري بين يديه يوماً من الأيام وطلب الطعام والمدام فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ثم ملأ الكأس وأخذه في ديه وأشار للجارية البيضاء وقال لها: يا وجه الهلال أسمعينا من لذيذ المقال فأخذت العود وأصلحته ورجعت عليه الألحان حتى رقص المكان ثم أطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: لـي حـبــيب خـــيالـــه نـــصـــب عـــينـــيواســمـــه فـــي جـــوارحـــي مـــكـــنـــون إن تـــذكـــرتـــه فـــكـــلـــي قــــــلـــــــوبأو تـــأمـــلـــتـــه فـــكـــلـــــــي عـــــــيون قـــال لـــي عـــاذلـــي أتـــســـلـــو هــــواهقـــلـــت مـــا لا يكـــون كـــــيف يكـــــــون يا عـــاذلـــي امـــض عـــنـــي ودعـــنــــيلا تـــهـــون عـــلـــى مـــــــا لا يهـــــــون فطرب مولاهن وشرب قدحه وسقى الجواري ثم ملأ الكأس وأخذه في يده وأشار إلى الجارية وقال لها: يا نورالمقباس وطيبة الأنفاس أسمعينا صوتك الحسن الذي من سمعه افتتن فأخذت العود ورجعت عليه اللحان حتى طرب المكان وأخذت القلوب باللفتات وأنشدت هذه الأبيات: وحـــياة وجـــهـــك لا أحـــب ســـواكـــــــاحـــتـــى أمـــوت ولا أخـــون هـــواكـــــــا يا بـدر تـــم بـــالـــجـــمـــيل مـــبـــرقـــعـــاًكـل الـمـــلاح تـــســـير تـــحـــت لـــواكـــا أنــت الـــذي فـــقـــت الـــمـــلاح لـــطـــافةوالـــلـــه رب الـــعـــالـــمـــين حـــبـــاكـــا
فطرب مولاهن وشرب كأسه وسقى الجواري ثم ملأ القدح وأخذه في يده واشار إلى الجارية السمينة وأمرها بالغناء وتقليب الأهواء فأخذت العود وضربت عليه ضرباً يذهب الحسرات إن صح مـنـك الـرضـا يا مـن هـو الـطـلـبفـلا أبـالـي بـكـل الـنــاس إن غـــضـــبـــوا وإن تـبـدي مــحـــياك الـــجـــمـــيل فـــلـــمأعـبـأ بـكـل مـلـوك الأرض إن حــجـــبـــوا قـصـدي رضـاك مـن الـدنـيا بـأجـمــعـــهـــايا مـن إلـيه جـمـيع الـحــســـن ينـــتـــســـب فطرب مولاهن وأخذ الكأس وسقى الجواري ثم ملأالكأس واخذه بيده وأشار إلى الجارية الهزيلة وقال: يا حوراء الجنان أسمعينا الألفاظ الحسان فأخذت العود وأصلحته ورجعت عليه الألحان وأنشدت هذين البيتين: ألا فـي سـبـيل الـلـه مـا حـل بـي مـنـكــمـــابـصـدكـمـا حـيث لا أصـبـــر عـــنـــكـــمـــا إلا حـاكـم فـي الـحـــب يحـــكـــم بـــينـــنـــافـيأخـذ لـي حـقـي وينـصـفـنـي مـنـــكـــمـــا فطرب مولاهن وشرب القدح وأخذت بيده وأشار إلى الجارية الصفراء وقال: يا شمس أسمعينا من لطيف الأشعار فأخذت العود عليه أحسن الضربات وأنشدت هذه الأبيات: لـــي حـــبـــيب إذا ظــــهـــــــرت إلـــــــيهسـل ســـيفـــاً عـــلـــي مـــن مـــقـــلـــتـــيه أخـــذ الـــلـــه بـــعـــض حـــقـــي مـــنــــهإذ جـــفـــانـــي ومـــهـــجـــتـــي فــــي يديه كـــلـــمـــا قـــالـــت يا فــــــؤادي دعـــــــهلا يمـــــــيل الـــــــفـــــــؤاد إلا إلــــــــــيه هـــو ســـؤلـــي مـــن الأنـــام ولـــكـــــــنحـســـدتـــنـــي عـــين الـــزمـــان عـــلـــيه فطرب مولاهن وشرب وسقى الجواري ثم ملأ الكأس وأخذه في يده وأشار إلى الجارية السوداء وقال: يا سوداء العينين أسمعينا ولو كلمتين فأخذت العود وأصلحته وشدت أوتاره وضربت عليه عدة ضربات ثم رجعت إلى الطريقة الأولى وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات: ألا يا عـــين بـــالـــعـــبـــــرات جـــــــوديفـــوجـــدي قـــد عـــدمـــت بـــه وجــــودي أكـــابـــد كـــل وجـــدي مـــن حـــبـــــــيبألـفـــت بـــه ويشـــمـــت بـــي حـــســـودي وتـــمـــنـــعـــنـــي الـــعـــواذل ورد خـــــدولـــي قـــلـــب يحـــن إلــــــى الـــــــورود لـــقـــد دارت هـــنـــــــاك كـــــــؤوس راعبـــأفـــراح لـــــــذي ضـــــــرب وعـــــــود ووافـانـــي الـــحـــبـــيب فـــهـــمـــت فـــيهوأشـرق بـــالـــوفـــا نـــجـــم الـــســـعـــود
تـــصـــدى لـــلـــصـــدود بـــغـــير ذنـــــبوهـــل شـــيء أمـــر مـــن الــــصـــــــدود وفـــي وجـــنـــاتـــــــه ورد جـــــــنـــــــيفـــيا لـــلـــه مـــــــن ورد الـــــــخـــــــدود فـــلـــو أن الـــســـجـــود يحـــل شـــرعـــاًلـــغـــير الـــلـــه كـــان لـــه ســـجـــــودي ثم بعد ذلك قامت الجواري وقبلن الأرض بين يدي مولاهن وقلن له: أنصف بيننا يا سيدنا فنظر مولاهن إلى حسنهن وجمالهن واختلاف ألوانهن فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال لهن: ما منكن إلا وقد قرأت القرآن وتعلمت الألحان وعرفت أخبار المتقدمين واطلعت على سير الأمم الماضيين وقد اشتهيت أن تقوم كل واحدة منكن وتشير بيدها إلى ضرتها يعني تشير البيضاء إلى السوداء والسمينة إلى الهزيلة والصفراء إلى السوداء وتمدح كل واحدة منكن نفسها وتذم ضرتها ثم تقوم ضرتها وتفعل معها مثلها ولكن يكون ذلك بدليل من القرآن الشريف وشيء من الأخبار والأشعار لننظر أدبكن وحسن ألفاظكن فقلن سمعاً وطاعة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:04 AM
وفي الليلة السادسة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل اليمني قالت له جواريه: سمعاً وطاعة ثم قامت أولاهن وهي البيضاء وأشارت إلى السوداء وقالت لها: ويحك يا سوداء قد ورد أن البياض قال أنا النور اللامع أنا البدر الطالع لوني ظاهر وفي حسني قال الشاعر: بـيضـاء مـصــقـــولة الـــخـــدين نـــاعـــمةكـأنـهـا لـؤلـؤة فـي الـحـســـن مـــكـــنـــون فـقـدهـــا ألـــف يزهـــو ومـــبـــســـمـــهـــامـيم وحـــاجـــبـــهـــا مـــن فـــوقـــه نـــون كـأن ألـحـاظـهـــا نـــبـــل وحـــاجـــبـــهـــاقـوس عـلـى أنــه بـــالـــمـــوت مـــقـــرون والـغـصـن يعـهـد فـي الـبـسـتـان مــغـــرسةوغـــصـــن قـــدك كـــم فـــيه بـــســـاتـــين فلوني مثل النهار الهني والزهر الجني والكوكب الدري وقد قال الله في كتابه العزيز لنبيه موسى عليه السلام: وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء وقال الله تعالى: وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون فلوني آية وجمالي غاية وحسني نهاية وعلى مثلي يحسن الملبوس وإليه تميل النفوس وفي البياض فضائل كثيرة منها أن الثلج ينزل من السماء وقد ورد أن أحسن الألوان البياض ويفتخر المسلمون بالعمائم البيض ولو ذهبت أذكر ما فيه من المديح لطال الشرح ولكن ما قل وكفى خير مما كثر وما وفى وسوف أبتدي بذمك يا سوداء يا لون المداد وهباب الحداد ووجه الغراب المفرق بين الأحباب وفي المثل يقول القائل: كيف يوجد أسود عاقل.
فقال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية فقد أسرفت ثم أشار إلى السوداء فقامت وأشارت إلى البيضاء وقالت: أما علمت أنه ورد في القرآن المنزل على نبي الله المرسل قوله تعالى: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ولولا أن الليل أجل لما أقسم الله به وقدمه على النهار وقبلته أولو البصائر والأبصار أما علمت أن السواد زينة الشباب فإذا نزل المشيب ذهبت اللذات أوقات الممات ولو لم يكن أجل الأشياء ما جعله الله في حبة القلب والناظر وام أحسن لـم أعـشـق الـسـمـر إلا مــن حـــيازتـــهـــملـون الـشـبـاب وحـب الـقـلـــب والـــحـــدق ولا سـلـوت بـياض الـبـيض عـــن غـــلـــطإنـي مـن الـمـشـيب والأكـفــان فـــي فـــرق وقول الآخر: الـــســـمــــر دون الـــــــبـــــــيض هـــــــمأولـــى بـــعـــــــشـــــــقـــــــي وأحـــــــق الـــســـمـــر فـــي لـــون الـــلـــــــمـــــــىو الـــبـــيض فـــي لـــون الـــبــــــهـــــــق وقول الآخر: سـوداء بـــيضـــاء الـــفـــعـــال كـــأنـــهـــامـثـــل الـــعـــيون تـــحـــص بـــالأضـــواء أنـا إن جـنـنـت بـحـبـهـــا لا تـــعـــجـــبـــواأصـل الــجـــنـــون يكـــون بـــالـــســـوداء فـكـأن لـونــي فـــي الـــدياجـــي غـــيهـــبلـــولاه مـــا قـــمـــر أتـــى بــــــضـــــــياء وأيضاً فلا يحسن اجتماع الأحباب إلا بالليل فيكفيك هذا الفضل والنيل فما ستر الأحباب عن الواشين واللوام مثل سواد الظلام ولا خوفهم من الإفتضاح مثل بياض الصبح فكم للسواد من مآثر وما أحسن قول الشاعر: أزورهــم وســـواد الـــلـــيل يشـــفـــع لـــيوأنـثـنـي وبـياض الـصـــبـــح يغـــري بـــي وقول الآخر: فـلـمـا بـدا نـور الـــصـــبـــاح أخـــافـــنـــيفـقـــلـــت لـــه إن الـــمـــجـــوس كـــواذب ولو ذهبت أذكر في السواد من المدح لطال الشرح ولكن ما قل وكفى خير مما كثر وما وفى وأما أنت يا بيضاء فلونك لون البرص ووصالك من الغصص وقد ورد أن البرد والزمهرير في جهنم لعذاب أهل النكير ومن فضيلة السواد أن منه المواد الذي يكتب به كلام الله ولولا سواد المسك
والعنبرما كان الطيب يحمل للملوك ولا يذكر وكم من للسواد من مفاخر وما أحسن قول الشاعر: ألــم تـــر أن الـــمـــســـك يعـــظـــم قـــدرهوإن بـــياض الـــجـــير حـــمـــل بـــدرهـــم وغـن بـياض الـعـين يقــبـــح بـــالـــفـــتـــىوإن ســـواد الـــعـــين يرمـــي بـــأســـهـــم فقال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية فجلست ثم أشار إلى السمينة فقامت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:05 AM
وفي الليلة السابعة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اليمني سيد الجواري أشار إلى الجارية السمينة فقامت وأشارت بيدها إلى الهزيلة وكشفت سيقانها ومعاصمها وكشفت عن بطنها فبانت طياته وظهر تدوير سرتها ثم لبست قميصاً رفيعاً فبان منه جميع بدنها وقالت: الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي وسمنني وشبهني بالأغصان وزاد من حسني وبهجتي فله الحمد على ما أولاني وشرفني في كتابه العزيز فقال تعالى: وجاء بعجل سمين وجعلني كالبستان المشتمل على خوخ ورمان واهل المدن يشتهونالطير السمين فيأكلون منه ولا يحبون طيراً هزيلاً وبنو آدم يشتهون اللحم السمين ويأكلونه وكم للسمن من مفاخر وما أحسن قول الشاعر: ودع حـبـيبـــك إن الـــركـــب مـــرتـــحـــلوهــل تـــطـــيق وداعـــاً أيهـــا الـــرجـــل كـأن مـشـيتـــهـــا فـــي بـــيت جـــارتـــهـــامــشـــي الـــســـمـــينة عـــيب ولا مـــلـــل وما رأيت أحداً يقف على الجزار إلا ويطلبمنه اللحم السمين وقالت الحكماء اللذة في ثلاثة أشياء أكل اللحم والركوب على اللحم ودخول اللحم في اللحم وأما أنت يا رفيعة فسيقانك كسيقان العصفور ومحراك التنور وأنت خشبة المسلوب ولحم المعيوب وليس فيك شيء يسر الخاطر كما قال فيك الشاعر: أعـوذ بـالـلـه مـن أشـــياء تـــحـــوجـــنـــيإلـى مـضـاجـعة كـالـــدلـــك بـــالـــمـــســـد فـي كـل عـضـو لـهـا قـرن ينـاطـــحـــنـــيعـنـد الـمـنـام فـأمـســي وهـــي الـــجـــلـــد فقال لها سيدها اجلسي ففي هذا القدر كفاية فجلست ثم أشار إلى الهزيلة فقامت كأنها غصن بان أو قضيب خيزران أو عود ريحان وقالت: الحمد لله الذي خلقني فأحسنني وجعل وصلي غاية المطلوب وشبهني بالغصن الذي تميل إليه القلوب فإن قمت خفيفة وإن جلست جلست ظريفة فأنا خفيفة الروح عند المزاح طيبة النفس من الإرتياح وما رأيت أحداً يصف حبيبه فقال حبيب قدر الفيل ولا مثل الجبل العريض الطويل وإنما حبيبي له قد أهيف وقوام مهفهف فاليسير من الطعام يكفيني والقليل من الماء يرويني نفسي خفيف ومزاجي ظريف فأنا أنشط من العصفور وأخف حركة من الزرزور ووصلي منية الراغب ونزهة الطالب وأنا ملية القوام حسنة الإبتسام كأني غصن بان أو قضيب خيزران أو عود ريحان وليس لي في الجمال مماثل كما قال في الشاعر: شـــبـــهـــت قـــدك بـــالــــقـــــــضـــــــيبوجـعـلــت شـــكـــلـــك مـــن نـــصـــيبـــي وغـــدوت خـــلــــــفـــــــك هـــــــائمـــــــاًخـــوفـــاً عـــلـــيك مــــن الـــــــرقـــــــيب وفي مثلي تهيم العشاق ويتوله المشتاق وإن جذبني حبيبي انجذبت إليه وإن استمالني ملت له لا عليه وها أنت يا سمينة البدن فإن أكلك أكل للفيل ولا يشبعك كثير ولا قليل وعند الإجتماع لا يستريح معك خليل ولا يوجد لراحته معك سبيل فكبر بطنك يمنعه من جماعك وعند التمكن من فرجك يمنعه من غلظ أفخاذك أي شيء في غلظك من الملاحة أو في فظاظتك من اللطف والسماحة ولا يليق باللحم السمين غير الذبح وليس فيه شيء من موجبات المدح إن مازحك أحد غضبت وإن لاعبك حزنت فإن غنجت شخرت وإن مشيت لهثت وإن أكلت ما شبعت وأنت أثقل من الجبال وأقبح من الخيال والوبال مالك حركة ولا فيك بركة وليس لك شغل إلا الأكل والنوم وإن بلت شرشرت وإن تغوطت بطبطت كأنك زق منفوخ أو فيل ممسوخ إن دخلت بيت الخلاء تريدين من يغسل لك فرجك وينتف من فوقه شعرك وهذا غاية الكسل وعنوانه الخبل وبالجملة ليس فيك شيء من المفاخر وقد قال الشاعر: ثـقـيلة مــثـــل زق الـــبـــول مـــنـــتـــفـــخأو راكـبـهـا كـعـــوامـــيد مـــن الـــجـــبـــل إذا مـشـت فـي بـلاد الـعـرب أو خـــطـــرتسـرى إلـى الـشـرق مـا تـبـدى مـن الـهـبــل فقال لها سيدها: احلسي ففي هذا القدر كفاية فجلست ثم أشار إلى الصفراء فقامت على قدميها وحمدت الله تعالى واتت عليه بالصلاة والسلام على خيار خلقه لديه ثم أشارت بيدها إلى السمراء وقالت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:13 AM
وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية الصفراء قامت على قدميها فحمدت الله تعالى وأثنت عليه ثم أشارت بيدها إلى السمراء وقالت لها: أنا المنعوت في القرآن ووصف لوني
الرحمن وفضله على سائر الألوان بقوله تعالى في كتابه المبين صفراء فاقع لونها يسر الناظرين فلوني آية وجمالي غاية وحسني نهاية لأن لوني لون الدينار ولون النجوم والأقمار ولون التفاح وشكلي شكل الملاح ولون الزعفران يزهو على سائر الألوان فشكلي غريب ولوني عجيب وأنا ناعمة البدن غالية الثمن وقد حويت من كل معنى حسن ولوني في الوجود مثل الذهب الإبريز وكم من مآثر وفي مثلي قال الشاعر: لـهـا اصـفـرار كـلـون الـشـمـس مـبـتــهـــجوكـالـدنـانـير فـي حـســن مـــن الـــنـــظـــر مـا الـزعـفـران تـحـاكـي بـعـض بـهـجـتـهــاكـلا ومـنـظـرهـا يعــلـــو مـــن الـــقـــمـــر وسوف أبتدي بذمك يا سمراء اللون فإنك في لون الجاموس تشمئز عند رؤيتك النفوس إن كان لون في شيء فهو مذموم وإن كان في طعام فهو مسموم فلونك لون الذباب وفيه بشاعة الكلاب وهو محير بين الألوان ومن علامات الأحزان وما سمعت قط بذهب أسمر ولا در ولا جوهر إن دخلت الخلاء يتغير لونك وإن خرجت ازددت قبحاً على قبحك فلا أنت سوداء فتعرفي ولا أنت بيضاء فتوصفي وليس لك شيء من المآثر كما قال فيك الشاعر: لـــون الـــهـــبـــاب لـــون غـــبـــرتـــهــــاكـالـتـراب تــدهـــس فـــي أقـــدام قـــصـــاد فـلـمـا نـظـرت لـهـا بـالـعـين أرمــقـــتـــهـــاإلا تـــزايد مـــن هـــمـــي وأنـــــكـــــــادي فقال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية فجلست ثم أشار إلى السمراء وكانت ذات حسن وجمال وقد واعتدال وبهاء وكمال. لها جسم ناعم وشعر فاحم معتدلة القد موردة الخد ذات طرف كحيل وخد أسيل ووجه مليح ولسان فصيح وخصر نحيل وردف ثقيل فقالت: الحمد لله الذي خلقني لا سمينة مذمومة ولا هزيلة مهضومة ولا بيضاء كالبرق ولا صفراء كالمغص ولا سوداء بلون الهباب بل جعل لوني معشوقاً لأولي الألباب وسائر الشعراء يمدحون السمر بكل لسان ويفضلون ألوانهم على سائر الألوان فأسمر اللون حميد الخصال ولله در من قال: وفـي الـسـمـر مـعـنـى لـو عـلـمـت بــيانـــهلـمـا نـظـرت عـينـاك بـيضــاً ولا حـــمـــرا لـــياقة ألـــفـــاظ وغـــنـــج لـــــواحـــــــظيعـلـمـن هـاروت الـكـهـــانة والـــســـحـــرا فشكلي مليح وقدي رجيح ولوني ترغب فيه الملوك ويعشقه كل غني وصعلوك مليحة ظريفة ناعمة البدن غالية الثمن وقد كملت في الملاحة والأدب والفصاحة مظاهري ولساني فصيح
ومزاجي خفيف ولعبي ظريف وأما أنت فمثل ملوخية باب اللوق صفراء وكلها عروق فتعساً لك يا قذرة الرواس ويا صدأ النحاس وطلعة البوم وطعام الزقوم ففضجيجك يضيق النفوس مقبور في الأرماس وليس لك في الحسن مآثر وفي مثلك قال الشاعر: إذا لـم تـتـب نـفـســـي فـــإنـــنـــي أذلـــهـــابـلـثـم مـحـياهـا فـــتـــقـــلـــع أضـــراســـي فلما فرغت من شعرها قال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية ثم بعد ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:14 AM
وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما فرغت من شعرها قال لها سيدها: اجلسي ففي هذا القدر كفاية ثم بعد ذلك أصلح بينهن وألبسهن الخلع السنية ونقطهن بنفيس الجواهر البرية والبحرية فما رأيت يا أمير المؤمنين في مكان ولا زمان أحسن من هؤلاء الجواري الحسان.
فلما سمع المأمون هذه الحكاية من محمد البصري أقبل عليه وقال له: يا محمد هل تعرف لهؤلاء الجواري وسيدهن محلاً وهل يمكنك أن تشتريهن لنا من سيدهن فقال له محمد: يا أمير المؤمنين قد بلغني أن سيدهن مغرم بهن ولا يمكنه مفارقتهن فقال المأمون: خذ معك إلى سيدهن في في كل جارية عشرة آلاف دينار فيكون مبلغ ذلك الثمن ستين ألف دينار فاحملها صحبتك وتوجه إلى منزله واشترهن منه.
فأخذ محمد البصري منه ذلك القدر وتوجه فلما وصل إلى سيد الجواري أخبره بأن أمير المؤمنين يريد اشتراءهن منه بذلك المبلغ فسمح ببيعهن لأجل خاطر أمير المؤمنين وأرسلهن إليه فلما وصلت الجواري إلى أمير المؤمنين هيأ لهن مجلساً لطيفاً يجلس فيه معهن وينادمنه وقد تعجب من حسنهن وجمالهن واختلاف ألوانهن وحسن كلامهن وقد استمر على ذلك مدة من الزمان ثم إن سيدهن الأول الذي باعهن لما لم يكن له صبر على فراقهن أرسل كتاباً إلى أمير المؤمنين المأمون يشكو فيه ما عنده من الصبابات ومن ضمنه هذه الأبيات: ســـلـــبـــتـــنـــي ســـت مـــلاح حـــســـانفـعـــلـــى الـــســـتة الـــمـــلاح ســـلامـــي هـن ســـمـــعـــي ونـــاظـــري وحـــياتـــيوشـــرابـــي ونـــزهـــتـــي وطـــعـــامـــي لـسـت أسـلـو مـن حـــســـنـــهـــن وصـــالاًذاهـــب بـــعـــدهـــن طـــيب مـــنـــامـــــي آه يا طـــول حـــســـرتـــي وبـــــكـــــــائيلـــيتـــنـــي مـــا خـــلـــقـــت بـــين الأنـــام
مـــن عـــيون قـــد زانـــهـــن جـــفـــــــونكـــقـــســـي رمـــينـــنـــي بـــســـــهـــــــام فلما وقع الكتاب في يد المأمون كسا الجواري من الملابس الفاخرة وأعطاهن ستين ألف دينار وأرسلهن إلى سيدهن فوصلن إليه وفرح بهن غاية الفرح أكثر مما أتى إليه من المال وأقام معهن في أطيب عيش وأهنأه إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات.

حكاية وردان الجزار
ومما يحكى أنه في زمان الحاكم بأمر الله رجل بمصر يسمى وردان وكان جزاراً في اللحم الضاني وكانت امرأة تأتيه كل يوم بدينار يقارب وزنه وزن دينارين ونصف من الدنانير المصرية وتقول له أعطني خروفاً وتحضر معها حمالاً بقفص فيأخذ الدينار ويعطيها خروفاً فيحمله الحمال وتأخذه وتروح به إلى مكانها وفي ثاني يوم وقت الضحى تأتي وكان ذلك الجزار يكتسب منها كل يوم ديناراً وأقامت مدة طويلة على ذلك.
فتفكر وردان الجزار ذات يوم في أمرها وقال في نفسه: هذه المرأة كل يوم تشتري مني بدينار ولم تغلط يوماً واحداً وتشتري مني بدراهم هذا أمر عجيب. ثم أن وردان سأل الحمال في غيبة المرأة فقال له: أنا في غاية العجب منها فإنها كل يوم تحملني الخروف من عندك وتشتري حوائج الطعام والفاكهة والنقل بدينار آخر وتأخذ من شخص نصراني مروقتين نبيذ وتعطيه ديناراً وتحملني الجميع وأسير معها إلى بساتين الوزير ثم تعصب عيني بحيث أني لا أنظر موضعاً من الأرض أحط فيه قدمي وتأخذ بيدي فما أعرف أين تذهب بي ثم تقول: حط هنا وعندها قفص آخر فتعطيني الفارغ ثم تمسك يدي وتعود بي إلى الموضع الذي شدت عيني فيه بالعصابة فقال له الجزار: كان الله في عونها ولكن ازداد فكراً في أمرها وكثرت عندها الوساوس وبات في قلق عظيم ثم قال وردان الجزار: فلما أصبحت أتتني على العادة وأعطتني الدينار وأخذت الخروف وحملته للحمال وراحت فأوصيت صبي على الدكان وتبعتها بحيث لا تراني.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:15 AM
وفي الليلة الثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن وردان الجزار قال: فأوصيت صبي على الدكان وتبعتها بحيث لا تراني ولم أزل أعاينها إلى أن خرجت من مصر وأنا أتوارى خلفها حتى وصلت إلى بساتين الوزير فاختفيت حتى عصبت عيني الحمال وتبعتها من مكان إلى مكان إلى أن أتت الجبل فوصلت إلى مكان فيه حجر كبير وحطت القفص عن الحمال فصبرت إلى أن عادت بالحمال ورجعت ونزعت جميع ما كان في القفص وغابت ساعة فأتيت إلى ذلك الحجر فزحزحته ودخلت فوجدت خلفه طابقاً من نحاس مفتوحاً ودرجاً نازلة فنزلت في تلك الدرج قليلاً قليلاً حتى وصلت إلى دهليز كثير النور فمشيت فرأيت هيئته باب قلعة فارتكنت في زوايا في زوايا الباب فوجدت صفة بها سلالم خارج باب القاعة فتعلقت فيها فوجدت صفة صغيرة بها طاقة تشرف على قاعة فنظرت في القاعة فوجدت المرأة قد أخذت الخروف وقطعت منه مطايبه وعملته في قدر ورمت الباقي قدام دب كبير عظيم الخلقة فأكله عن آخره وهي تطبخ.
فلما فرغت أكلت كفايتها ووضعت الفاكهة والنقل وحطت النبيذ وصارت تشرب بقدح وتسقي الدب بطاسة من ذهب حتى حصل لها نشوة السكر فنزعت ثيابها ونامت فقام الدب وواقعها وهي تعاطيه أحسن ما يكون لبني آدم حتى فرغ وجلس واستراح ولم يزل كذلك حتى فعل ذلك عشر مرات ثم وقع كل منهما مغشياً عليه وصارا لا يتحركان.
فقلت في نفسي هذا وقت انتهاز الفرصة فنزلت ومعي سكين تبري العظم قبل اللحم فلما صرت عندهما وجدتهما لا يتحرك فيهما عرق لما حصلت لهما من المشقة فجعلت السكين في منحر الدب واتكأت عليه حتى خلصته وانعزلت رأسه عن بدنه فصار له شخير عظيم مثل شخير الرعد فانتبهت المرأة مرعوبة فلما رأت الدب مذبوحاً وأنا واقف والسكين في يدي زعقت زعقة عظيمة حتى ظننت أن روحها قد خرجت وقالت لي: يا وردان أيكون هذا جزاء الإحسان فقلت لها: يا عدوة نفسهاهل عدمت الرجال حتى تفعلي الفعل الذميم فأطرقت رأسها إلى الأرض لا ترد جواباً وتأملت الدب وقد نزعت رأسه عن جثته ثم قالت: يا وردان أي شيء أحب إليك أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سبب لسلامتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:15 AM
وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرة قالت: يا وردان أي شيء أحب إليك أن تسمع الذي أقوله لك ويكون سبباً لسلامتك وغناك إلى آخر الدهر أو تخالفني ويكون سبباً لهلاكك فقلت: أختار أن أسمع كلامك فحدثيني بما شئت فقالت اذبحني كما ذبحت الدب وخذ من هذا الكنز
حاجتك وتوجه إلى حال سبيلك فقلت لها: أنا خير من هذا الدب فارجعي إلى الله تعالى وتوبي وأتزوج بك ونعيش باقي عمرنا بهذا الكنز قالت: أيا وردان إن هذا بعيداً كيف أعيش بعده والله إن لم تذبحني لأتلفن روحك فلا تراجعني تتلف وهذا ما عندي من الرأي والسلام فقلت: أذبحك وتروحين إلى لعنة الله ثم جذبتها من شعرها وذبحتها وراحت إلى لعنة الله والملائكة والناس جميعاً.
وبعد ذلك نظرت في المحل فوجدت فيه قبة من الذهب والفصوص واللؤلؤ ما لا يقدر على جمعه أحد من الملوك فأخذت قفص الحمال وملأته على قدر ما أطيق وسترته بقماشي الذي كان علي وحملته وطلعت من الكنز وسرت ولم أزل سائراً إلى باب مصر وإذا بعشرة من جماعة الحاكم بأمر الله مقبلون والحاكم خلفهم فقال: يا وردان قلت: لبيك أيها الملك. قال: هل قتلت الدب والمرأة قلت: نعم. قال: حط عن رأسك وطب نفساً فجميع ما معك من المال لك لا ينازعك أحد عليه. فحطيت القفص بين يديه فكشفه ورآه وقال: حدثني بخبرهما وإن كنت أعرفه كأني حاضر معكم فحدثته بجميع ما جرى وهو يقول: صدقت. فقال: يا وردان قم سر بنا. فتوجهت إليه معه فوجدت الطابق مغلقاً فقال: ارفعه يا وردان فإن هذا الكنز لا يقدر أحد أن يفتحه غيرك فإنه مرصود باسمك وصفتك. فقلت: والله لا أطيق فتحه. فقال: تقدم أنت في بركة الله. فتقدمت إليه وسميت اللله تعالى ومددت يدي إلى الطابق فارتفع كأنه أخف ما يمون فقال الحاكم: انزل وأطلع ما فيه فإنه لا ينزله إلا من باسمك وصورتك وصفاتك من حين وضع وقتل الدب هذا الدب وهذه المرأة على يديك وهو عندي مؤرخ وكنت أنتظر وقوعه حتى وقع. قال وردان: فنزلت ونقلت له جميع ما في الكنز ثم دعا بالدواب وحمله وأعطاني قفصي بما فيه فأخذته وعدت إلى بيتي وفتحت لي دكاناً في السوق وهذا السوق موجود إلى الآن ويعرف بسرق وردان.
ومما يحكى أيضاً أنه كان لبعض السلاطين ابنة وقد تعلق قلبها بحب عبد أسود فافتض بكارتها وأولعت بالنكاح فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة فكشفت أمرها إلى بعض القهرمانات فأخبرتها أنه لا شيء ينكح أكثر من القرد فاتفق أن قرداً مر من تحت طاقتها فأسفرت عن وجهها ونظرت إلى القرد وغمزته بعيونها فقطع القرد وثاقه وسلاسله وطلع لها فخبأته في مكان وصار ليلاً ونهاراً على أكل وشرب وجماع ففطن أبوها بذلك وأراد قتلها. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 01:16 AM
وفي الليلة الثانية والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السلطان لما فطن بأمر ابنته وأراد قتلها شعرت بذلك فتزيت بزي المماليك وركبت فرساً وأخذت لها بغلاً وحملته من الذهب والمعادن والقماش ما لا يوصف وحملت القرد معها وسارت حتى وصلت إلى مصر فنزلت في بعض بيوت الصحراء وصارت كل يوم تشتري لحماً من شاب جزار ولكن لا تأتيه إلا بعد الظهر وهي مصفرة اللون متغيرة الوجه. فقال الشاب في نفسه: لا بد أن لهذا المملوك من سبب عجيب فلما جاءت على العادة وأخذت اللحم تبعها من حيث لا تراه قال: ولم أزل خلفها من حيث لا تراني حتى وصلت إلى مكانها الذي بالصحراء ودخلت هناك فنظرت إليها من بعض جهاته فرأيتها استقرت بمكانها وأوقدت النار وطبخت اللحم وأكلت كفايتها وقدمت باقيه إلى القرد الذي معها فأكل كفاية ثم إنها نزعت ما عليها من الثياب ولبست أفخر ما عندها من ملابس النساء فعلمت أنها أنثى ثم أحضرت خمراً وشربت وسقت القرد ثم واقعها القرد نحو عشر مرات حتى غشي عليها. وبعد ذلك نشر القرد عليه ملاءة من حرير وراح إلى محله فنزلت إلى وسط المكان فأحس بي القرد وأراد افتراسي فبادرته بسكين كانت معي فضربت بها كرشه فانتبهت الصبية فزعة مرعوبة فرأت القرد على هذه الحالة فصرخت صرخة عظيمة حتى كادت أن تزهق روحها ثم وقعت مغشياً عليها.
فلما أفاقت من غشيتها قالت لي: ما حملك على ذلك لكن بالله عليك أن تلحقني به فلا زلت ألاطفها وأضمن لها أني أقوم بما قام القرد من كثرة النكاح إلى أن سكن روعها وتزوجت بها فعجزت عن ذلك ولم أصبر عليه فشكوت حالي إلى بعض العجائز وذكرت لها ما كان من أمرها فالتزمت لي بتدبير هذا الأمر وقالت لي: لا بد أن تأتيني بقدر وتملأه من الخل البكر وتأتيني بقدر رطل من العود فأتيت لها بما طلبته فوضعته في القدر ووضعت القدر على النار وغلته غلياناً قوياً ثم أمرتني بنكاح الصبية فنكتها إلى أن غشي عليها فحملتها العجوز وهي لا تشعر وألقت فرجها على فم القدر بعد أن صعد دخانه حتى دخل فرجها فنزل منه شيء تأملته فإذا هو دودتان إحداهما سوداء والأخرى صفراء فقالت العجوز الأولى تربت من نكاح العبد والثانية من نكاح القرد فلما أفاقت من غشيتها استمرت معي مدة وهي لا تطلب النكاح وقد صرف
الله عنها تلك الحالة وتعجبت من ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:16 AM
وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال: وقد صرف الله عنها تلك الحالة وقد تعجبت من ذلك فأخبرها بالقصة واستمرت معه في أرغد عيش وأحسن لذة واتخذت عندها العجوز مكان والدتها وما زالت هي وزوجها في هناء وسرور إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات الحي الذي لا يموت وبيده الملك والملكوت.

حكاية الحكماء أصحاب الطاووس والبوق والفرس
ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عظيم ذو خطر جسيم وكأن له ثلاث بنات مثل الدور السافرة والرياض الزاهرة وولد ذكر كأنه القمر فبينما الملك جالس على كرسي مملكته يوماً من الأيام إذ دخل عليه ثلاثة من الحكماء مع أحدهم طاووس من ذهب ومع الثاني بوق من نحاس ومع الثالث فرس من عاج وآبنوس فقال لهم الملك: ما هذه الأشياء وما منافعها فقال صاحب الطاووس: إن منفعة هذا الطاووس أنه كلما مضت ساعة من ليل أو نهار يصفق بأجنحته ويزعق وقال صاحب البوق: إنه إذا وضع هذا البوق على باب المدينة يكون كالمحافظ عليها فإذا دخل تلك المدينة عدو يزعق عليه هذا البوق فيعرف ويمسك باليد وقال صاحب الفرس: يا مولاي إن منفعة هذا الفرس أنه إذا ركبها إنسان توصله إلى أي بلاد أراد.
فقال الملك: لا انعم عليكم حتى أجرب منافع هذه الصور ثم إنه جرب الطاووس فوجده كما قال صاحبه وجرب البوق فوجده كما قال صاحبه فقال الملك للحكيمين: تمنيا علي فقالا نتمنى عليك أن تزوج كل واحد منا بنتاً من بناتك ثم تقدم الحكيم الثالث صاحب الفرس وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: يا ملك الزمان أنعم علي كما أنعمت على أصحابي فقال له الملك: حتى أجرب ما أتيت به فعند ذلك تقدم ابن الملك وقال: يا والدي أنا أركب هذه الفرس وأجربها وأختبر منفعتها فقال الملك: يا ولدي جربها كما تحب فقام ابن الملك وركب الفرس وحرك رجليه فلم تتحرك من مكانها فقال: يا حكيم أين الذي ادعيته من سيرها فعند ذلك جاء الحكيم إلى ابن الملك وأراه لولب الصعود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:17 AM
وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم عرف ابن الملك لولب الصعود وقال له: افرك هذا
اللولب ففركه ابن الملك وإذا بالفرس قد تحرك وطار بابن الملك إلى عنان السماء ولم يزل طائراً حتى غاب عن الأعين فعند ذلك احتار ابن الملك في أمره وندم على ركوبه الفرس ثم قال: إن الحكيم قد عمل حيلة على هلاكي فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم إنه جعل يتأمل في جميع أعضاء الفرس. فبينما هو يتأمل وقع نظره على شيء مثل رأس الديك على كتف الفرس الأيمن وكذلك الأيسر فقال ابن الملك: ما أرى فيه أثراً غير هذين الزرين ففرك الزر الذي على الكتف الأيمن فازدادت به الفرس طيراً طالعة إلى الجو. فتركه ثم نظر إلى الكتف الأيسر فرأى ذلك الزر ففركه فتناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة به إلى الأرض وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما فرك الزر الأيسر تناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة إلى الأرض قليلاً قليلاً وهو محترس على نفسه فلما نظر ابن الملك ذلك وعرف منافع الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً وشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه حيث أنقذه من الهلاك ولم يزل هابطاً طول نهاره لأنه كان حال صعوده بعدت عنه الأرض وجعل يدور وجه الفرس كما يريد وهي هابطة به وإذا شاء نزل بها وإذا شاء طلع بها. فلما أتم له من الفرس ما يريد أقبل بها إلى جهة الأرض وصار ينظر إلى ما فيها من البلاد والمدن التي لا يعرفها لأنه لم يرها طول عمره وكان من جملة ما رآه مدينة مبنية بأحسن البنيان وهي في وسط الأرض خضراء ناضرة ذات أشجار وأنهار فتفكر في نفسه وقال: يا ليت شعري ما اسم هذه المدينة وفي أي الأقاليم هي ثم جعل يطوف حول تلك المدينة ويتأملها يميناً وشمالاً وكان النهار قد ولى ودنت الشمس للمغيب فقال في نفسه: إني لا أجد موضعاً للمبيت أحسن من هذه المدينة فأنا أبيت فيها الليلة وعند الصباح أتوجه إلى أهلي ومحل ملكي وأعلم أهلي ووالدي بما فبينما هو كذلك وإذا به قد نظر في وسط المدينة قصراً شاهقاً في الهواء وقد أحاط بذلك القصر سور متسع بشرفات عاليات فقال ابن الملك في نفسه: إن الموضع مليح وجعل يحرك الزر الذي يهبط به الفرس ولم يزل هابطاً به حتى نزل مستوياً على سطح القصر ثم نزل من فوق الفرس وحمد الله تعالى وجعل يدور الفرس ويتأملها ويقول: والله إن الذي عملك بهذه الصفة لحكيم ماهر فإن مد الله تعالى في أجلي وردني إلى بلادي وأهلي سالماً وجمع بيني وبين والدي
لأحسنن إلى هذا الحكيم كل الإحسان ولأنعمن عليه غاية الإنعام ثم جلس فوق سطح القصر حتى علم أن الناس قد ناموا وقد أضر به الجوع والعطش لأنه منذ فارق والده لم يأكل طعاماً.
فقال في نفسه: إن مثل هذا القصر لا يخلو من الرزق فترك الفرس في مكان ونزل يتمشى لينظر شيء يأكله فوجد سلم فنزل منه إلى أسفل فوجد ساحة مفروشة بالرخام فتعجب من ذلك المكان ومن حسن بنيانه لكنه لم يجد في ذلك القصر حس حسيس ولا أنس فوقف متحيراً وصار ينظر يميناً وشمالاً وهو لا يعرف أين يتجه ثم قال في نفسه: ليس لي أحسن من أرجع إلى المكان الذي فيه فرسي وأبيت عندها فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال في نفسه: ليس لي أحسن من البيات عند فرسي فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت فبينما هو واقف يحدث نفسه بهذا إذ نظر إلى نور مقبل إلى ذلك المحل الذي الذي هو فيه فتأمل ذلك النور فوجده مع جماعة من الجواري وبينهن صبية ألفية بهية تحاكي البدر الزاهر كما قال الشاعر: جـاءت بـلا مـوعـد فـي ظـلـمة الــغـــســـقكـأنـــهـــا الـــبـــدر فـــي داج مـــن الأفـــق هـيفـاء مـن الــبـــرايا مـــن يشـــابـــهـــهـــافـي بـهـجة الـحـسـن أو فـي رونـق الـخـلـق نـاديت لـمـا رأت عـينـي مـــحـــاســـنـــهـــاسـبـحـان مـن خـلـق الإنـسـان مـن عـــلـــق أعـيذهـا مـن عـــيون الـــنـــاس كـــلـــهـــمبـقـول أعـوذ بــرب الـــنـــاس والـــفـــلـــق وكانت تلك الصبية بنت ملك هذه المدينة وكان أبوها يحبها حباً شديداً ومن محبته إياها بنى لها هذا القصر فكانت كلما ضاق صدرها تجيء إليه وجواريها تقيم فيه يوماً أو يومين أو أكثر ثم تعود إلى سرايتها فاتفق أنها قد أتت الليلة من أجل الفرجة والانشراح وصارت ماشية بين الجواري ومعها خادم مقلد بسيف فلما دخلوا ذلك القصر فرشوا الفرش وأطلقوا مجامر البخور ولعبوا وانشرحوا فبينما هم في لعب وانشراح إذ هجم ابن الملك على ذلك الخادم ولطمه لطمة فبطحه وأخذ السيف من يده وهجم على الجواري اللاتي مع ابنة الملك فشتتهم يميناً وشمالاً.
فلما نظرت ابنة الملك حسنه وجماله قالت: لعلك أنت الذي خطبتني من والدي بالأمس وردك وزعم انك قبيح المنظر والله لقد كذب أبي كيف قال ذلك الكلام فما أنت إلا مليح وكان ابن ملك الهند قد خطبها من أبيها فرده لأنه بشع المنظر فظنت أنه هو الذي خطبها ثم أقبلت عليه وعانقته وقبلته ورقدت هي وإياه.
فقالت لها الجواري: يا سيدتي هذا ما هو الذي خطبك من أبيك لأن ذلك قبيح وهذا مليح وما يصلح الذي خطبك من أبيك ورده أن يكون خادماً لهذا ولكن يا سيدتي إن هذا الفتى له شأن عظيم ثم توجهت الجواري إلى الخادم المبطوح وأيقظنه فوثب مرعوباً وفتش على سيفه فلم يجده بيده فقالت له الجواري: الذي أخذ سيفك وبطحك جالس مع ابنة الملك وكان ذلك الخادم قد وكله الملك بالمحافظة على ابنته خوفاً عليها من نوائب الزمان وطوارق الحدثان فقام ذلك الخادم وتوجه إلى الستر ورفعه فرأى ابنة الملك جالسة مع ابن الملك وهما يتحدثان.
فلما نطرهما الخادم قال لابن الملك: يا سيدي هل أنت إنسي أو جني فقال له ابن الملك: ويلك يا أنجس العبيد كيف تجعل أولاد الملوك الأكاسرة من الشياطين الكافرة ثم إنه أخذ السيف بيده وقال له: أنا صهر الملك وقد زوجني بابنته وأمرني بالدخول عليها فلما سمع الخادم منه ذلك الكلام قال له: يا سيدي إن كنت من الإنس كما زعمت فإنها ما تصلح إلا لك وأنت أحق بها فلما سمع الملك صياحه قال له: ما الذي دهاك فقد رجفت فؤادي أخبرني بسرعة وأوجز في الكلام فقال له الخادم: أدرك ابنتك فإنها قد استولى عليا شيطان من الجن في زي الإنس مصور بصورة أولاد الملوك فدونك وإياه فلما سمع الملك منه هذا الكلام هم بقتله وقال له: كيف تغافلت عن ابنتي حتى لحقها هذا العارض ثم إن الملك توجه إلى القصر الذي فيه ابنته فلما وصل إليه وجد الجواري قائمات فقال لهن: ما الذي جرى لابنتي قلت له: أيها الملك بينما نحن جالسات معها لم نشعر إلا وقد هجم علينا هذا الغلام كأنه البدر التمام ولم نر أحسن منه وجهاً وبيده سيف مسلول فسألناه عن حاله فزعم أنك قد زوجته ابنتك ونحن لا نعلم شيئاً غير هذا ولا نعرف هل هو إنسي أو جني ولكنه عفيف أديب لا يتعاطى القبيح.
فلما سمع الملك مقالتهن برد ما به ثم أنه رفع الستر قليلاً ونظر فرأى ابن الملك جالساً مع ابنته يتحدثان وهو في أحسن التصوير ووجهه كالبدر المنير فلم يقدر أن يمسك نفسه من غيرته على ابنته فرفع الستر ودخل وبيده سيف مسلول وهجم عليهما كأنه الغول فلما نظره ابن الملك قال لها: أهذا أبوك قالت: نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:18 AM
وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما رأى الملك بيده سيف مسلول وقد هجم عليهما
كأنه الغول قال لها: أهذا أبوك قالت: نعم فعند ذلك وثب قائماً على قدميه وتناول سيفه بيده وصاح على الملك صيحة منكرة فأدهشه وهم أن يجمل عليه بالسيف فعلم الملك أنه أوثب منه فأغمد سيفه ثم وقف حتى انتهى إليه ابن الملك فقابله بملاطفة وقال: يا فتى هل أنت إنسي أم جني فقال ابن الملك: لولا أني أرعى ذمامك وحرمة ابنتك لسفكت دمك كيف تنسبني إللى الشياطين وأنا من أولاد الملوك الأكاسرة الذي لو شاءوا لأخذوا ملكك وزلزلوك عن عزك وسلطانك وسلبوا عنك جميع ما في أوطانك.
فلما سمع الملك كلامه هابه وخاف على نفسه منه وقال له: إن كنت من أولاد الملوك كما زعمت فكيف دخلت قصري بغير إذني وهتكت حرمتي ووصلت إلى بنتي وزعمت أنك بعلها وادعيت أني قد زوجتك بها وأنا قد قتلت الملوك وأبناء الملوك حين خطبوها مني ومن ينجيك من سطوتي وأنا إن صحت على عبيدي وغلماني وأمرتهم بقتلك لقتلوك في الحال فمن يخلصك من يدي فلما سمع ابن الملك منه ذلك الكلام قال للملك: إني لأعجب منك ومن قلة بصيرتك هل تطمع لابنتك في بعل أحسن مني وهل رأيت أحداً أثبت جناناً وأكثر مكافأة وأعز سلطاناً وجنوداً وأعواناً مني.
فقال له الملك: لا والله ولكن وددت يا فتى أن تكون خاطباً لها على رؤوس الأشهاد حتى أزوجك بها وأما إذا زوجتك بها خفية فإنك تفضحني فيها فقال له ابن الملك: لقد أحسنت في قولك ولكن أيها الملك إذا اجتمعت عبيدك وخدمك وجنودك علي وقتلوني كما زعمت فإنك تفضح نفسك وتبقى الناس فيك بين مصدق ومكذب ومن الرأي عندي أن ترجع أيها الملك إلى ما أشير به عليك.
فقال له الملك: هات حديثك فقال له ابن الملك: الذي أحدثك به إما أن تبارزني أنا وأنت خاصة فمن قتل صاحبه كان أحق وأولى بالملك وأما أن تتركني في هذه الليلة وإذا كان الصباح فأخرج إلى عسكرك وجنودك وغلمانك وأخبرني بعدتهم فقال له الملك إن عدتهم أربعون ألف فارس غير العبيد الذين لي وغير أتباعهم وهم مثلهم في العدد فقال ابن الملك إذا كان طلوع النهار فأخرجه إلي وقل لهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:18 AM
وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال له: إذا كان طلوع النهار فأخرجهم إلي وقل لهم
هذا خطيب ابنتي على شرط أن يبارزكم جميعاً وادعى أنه يغلبكم ويقهركم وأنكم لا تقدرون عليه ثم اتركني معهم أبارزهم فإذا قتلوني فذلك أخفى لسرك وأصون لعرضك وإن غلبتهم وقهرتهم فمثلي يرغب الملك في مصاهرته فلما سمع الملك كلامه استحسن رأيه وقبل رأيه مع ما استعظمه من قوله وما هاله من أمره في عزمه على مبارزة جميع عسكره الذين وصفهم له. ثم جلسا يتحدثان وبعد ذلك دعا الملم بالخادم وأمره أن يخرج من وقته وساعته إلى وزيره ويأمره أن يجمع العساكر ويأمرهم بحمل أسلحتهم وأن يركبوا خيولهم فسار الخادم إلى الوزير وأعلمه بما أمره به الملك فعند ذلك طلب الوزير نقباء الجيش وأكابر الدولة وأمرهم أن يركبوا خيولهم ويخرجوا لابسين آلات الحرب. هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر الملك فإنه ما زال يتحدث مع الغلام حيث أعجبه حديثه وعقله وأدبه فبينما يتحدثان وإذا بالصبح قد أصبح فقام الملك وتوجه إلى يخته وأمر جيشه بالركوب وقدم لابن الملك فرساً جيداً من خيار خيله فقال له: لا يعجبني شيء من خيلك ولا أركب إلا الفرس التي جئت راكباً عليها فقال له الملك: وأين فرسك فقال له: هي فوق قصرك فقال له: في أي موضع في قصري فقال: على السطح. فلما سمع كلامه قال له: هذا أول ما ظهر من خيالك يا ويلك كيف تكون الفرس فوق السطح ولكن في هذا الوقت يظهر صدقك من كذبك ثم إن الملك التفت إلى بعض خواصه وقال له: امض إلى قصري واحضر الذي تجده فوق السطح فصار الناس متعجبين من قول الفتى ويقول بعضهم لبعض: كيف ينزل هذا الفرس من سلالم السطح إن هذا شيء ما سمعنا بمثله ثم إن الذي أرسله الملك إلى القصر صعد إلى أعلاه فرأى الفرس قائماً ولم ير أحسن منه فتقدم إليه وتأمله فوجده من الآبنوس والعاج وكان بعض خواً الملك طلع معه أيضاً فلما نظروا إلى الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:19 AM
وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خواً الملك لما نظروا الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره وربما يكون له شأن عظيم ثم إنهم رفعوا الفرس على أيديهم ولم يزالوا حاملين لها حتى وصلوا إلى قدام الملك
وأوقفوها بين يديه فاجتمع عليها الناس ينظرون من حسن صنعتها وحسن سرجها ولجامها واستحسنها الملك أيضاً وتعجب منها غاية العجب ثم قال لبن الملك: يا فتى أهذه فرسك فقال: نعم أيها الملك هذه فرسي وسوف ترى منها العجب.
فقال له الملك: خذ فرسك واركبها قال: لا أركبها إلا إذا بعد عنها العساكر فأمر الملك العسكر الذين حوله أن يبتعدوا عنها مقدار رمية السهم فقال له: أيها الملك هاأنا رائح أركب فرسي وأحمل على جيشك فأفرقهم يميناً وشمالاً وأصدع قلوبهم فقال له الملك: افعل ما تريد ولا تبق عليهم فإنهم لا يبقون عليك ثم إن ابن الملك توجه إلى فرسه وركبها واصطفت له الجيوش وقال بعضهم لبعض: إذا وصل الغلام بين الصفوف نأخذه بأسنة الرماح وشفار الصفاح. فقال واحد منهم: والله غنها مصيبة كيف نقتل هذا الغلام صلحب الوجه المليح والقد الرجيح فقال واحد آخر: والله لن تصلوا إليه إلا بعد أمر عظيم وما فعل الفتى هذه الفعال إلا لما علم من شجاعة نفسه وبراعته فلما استوى ابن الملك على فرسه فرك لولب الصعود فتطاولت إليه الأبصار لينظروا ماذا يريد أن يفعل فماجت فرسه واضطربت حتى عملت أغرب حركات تعملها الخيل وامتلأ جوفها بالهواء ثم ارتفعت وصعدت في الجو.
فلما رآه الملك قد ارتفع وصعد على جيشه قال: ويلكم خذوه قبل أن تفوتكم فعند ذلك قال له وزرائه ونوابه: أيها الملك هل أحد يلحق الطير الطائر وما هذا إلا سحر عظيم قد نجاك الله منه فاحمد الله تعالى على خلاصك من يده فرجع الملك إلى قصره بعدما رأى من ابن الملك ما رأى ولما وصل إلى قصره ذهب إلى ابنته وأخبرها بما جرى له مع ابن الملك في الميدان فوجدها فلما رآها أبوها على تلك الحالة ضمها وقبلها بين عينيها وقال لها: يا ابنتي احمدي الله تعالى واشكريه حيث خلصنا من هذا الساحر الماكر وجعل يكرر عليها ما رآه من ابن الملك ويذكر لها صفة صعوده في الهواء وهي لا تصغي إلى شيء من قول أبيها واشتد بكاؤها ونحيبها ثم قالت في نفسها: والله لا آكل طعاماً وأشرب شراباً حتى يجمع الله بيني وبينه فحصل لأبيها الملك هم عظيم من أجل ذلك وشق عليه حال ابنته وصار حزين القلب عليها وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفاً به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:19 AM
وفي الليلة التسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك صار حزين القلب على ابنته وكلما يلاطفها لا تزداد إلا
شغفاً به هذا ما كان من أمر الملك وابنته.
وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لما صعد في الجو اختلى بنفسه وتذكر حسن الجارية وجمالها وكان قد سأل أصحاب الملك عن اسم المدينة واسم الملك واسم ابنته وكانت تلك المدينة صنعاء ثم أنه جد في السيرحتى أشرف على مدينة أبيه ودار حول المدينة ثم توجه إلى قصر أبيه ونزل فوق السطح وترك فرسه هناك ونزل إلى والده ودخل عليه فوجده حزيناً كئيباً لأجل فراقه فلما رآه والده قام إليه واعتنقه وضمه إلى صدره وفرح به فرحاً شديداً ثم أنه لما اجتمع بوالده وسأله عن الحكيم الذي عمل الفرس وقال: يا والدي ما فعل الدهر به فقال له والده: لا بارك الله في الحكيم ولا في الساعة التي رأيته فيها لأنه هو الذي كان سبباً لفراقك منا وهو مسجون يا ولدي من يوم غبت عنا فأمر ابن الملك بالإفراج عنه وإخراجه من السجن وإحضاره بين يديه.
فلما حضر بين يديه خلع عليه وأحسن إليه غاية الإحسان إلا أنه لم يزوجه ابنته فغضب الحكيم من أجل ذلك غضباً شديداً وندم على ما فعل وعلم أن ابن الملك قد عرف سر الفرس وكيفية سيرها ثم أن الملك قال لابنه: الرأي عندي أنك لا تقرب هذا الفرس بعد ذلك ولا تركبها أبداً بعد يومك هذا لأنك لا تعرف أحوالها فأنت منها على غرور وكان ابن الملك قد حدث أباه بما جرى له مع ابنة الملك صاحب نلك المدينة وما جرى له مع أبيها.
فقال له أبوه: لو أراد الملك قتلك لقتلك ولكن في أجلك تأخير ثم إن ابن الملك هاجت بلابله بحب الجارية ابنة الملك صاحب صنعاء فقام إلى الفرس وركبها وفرك لولب الصعود فطارت به في الهواء وعلت به إلى عنان السماء فلما أصبح الصباح افتقده أبوه فلم يجده فطلع إلى أعلى القصر وهو ملهوف فنظر إلى ابنه وهو صاعد في الهواء فتأسف على فراقه وندم كل الندم حيث لم يأخذ الفرس ويخفي أمره ثم قال في نفسه: والله إن رجع إلي ولدي ما بقيت أخلي هذا الفرس لأجل أن يطمئن قلبي على ولدي ثم إنه عاد إلى بكائه ونحيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:20 AM
وفي الليلة الحادية والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عاد إلى بكائه ونحيبه من حزنه على ولده هذا ما كان من أمره.
وأما ما كان من أمر ابنه فإنه لم يزل سائراً في الجو حتى وقف على مدينة صنعاء ونزل في
المكان الذي كان فيه أولاً ومشى مستخفياً حتى وصل إلى محل ابنة الملك فلم يجدها لا هي ولا جواريها ولا الخادم الذي كان محافظاً عليها فعظم عليه ذلك ثم إنه دار يفتش عليها في القصر فوجدها في مجلس آخر غير محلها الذي اجتمع معها فيه وقد لزمت الوساد وحولها الجواري والدايات فدخل عليهن وسلم عليهن.
فلما سمعت الجارية كلامه قامت إليه واعتنقته وجعلت تقبله بين عينيه وتضمه إلى صدرها فقال لها: يا سيدتي أوحشتيني هذه المدة فقالت له: أنت الذي أوحشتني ولو طالت غيبتك عني لكنت هلكت بلا شك فقال لها: يا سيدتي كيف رأيت حالي مع أبيك وما صنع بي ولولا محبتك يا فتنة العالمين لقتلته وجعلته عبرة للناظرين ولكن أحبه من أجلك فقالت له: كيف تغيب عني وهل تطيب حياتي بعدك فقال لها: أتطيعيني وتصغي إلى قولي فقالت له: قل ما شئت فإني أجيبك إلى ما تدعوني إليه ولا أخالفك في شيء فقال لها: سيري معي إلى بلادي وملكي فقالت له: حباً وكرامة.
فلما سمع ابن الملك كلامها فرح فرحاً شديداً وأخذ بيدها وعاهدها بعهد الله تعالى على ذلك ثم صعد بها إلى أعلى سطح القصر وركب فرسه وأركبها خلفه ثم ضمها إليه وشدها شداً وثيقاً وحرك لولب الصعود الذي في كتف الفرس فصعدت بهما إلى الجو فعند ذلك زعقت الجواري وأعلمن الملك أباها وأمها فصعدا مبادرين إلى سطح القصر والتفت الملك إلى الجو فرأى الفرس الآبنوس وهي طائرة بهما في الهواء فعند ذلك انزعج الملك وزاد انزعاجه وقال: يا ابن الملك سألتك بالله أن ترحمني وترحم زوجتي ولا تفرق بيننا وبين بنتنا فلم يجبه ابن الملك.
ثم أن ابن الملك ظن في نفسه أن الجارية ندمت على فراق أمها وأبيها فقال لها: يا فتنة الزمان هل لك أن أردك إلى أمك وأبيك فقالت له: يا سيدي والله ما مرادي ذلك إنما مرادي أن أكون معك أينما تكون لأنني مشغولة بمحبتك عن كل شيء حتى أبي وأمي.
فلما سمع ابن الملك كلامها فرح بذلك فرحاً شديداً وجعل يسير الفرس بهما سيراً لطيفاً لكيلا يزعجها ولم يزل يسير بها حتى نظر إلى مرج أخضر وفيه عين جارية فنزلا هناك وأكلا وشربا ثم أن ابن الملك ركب فرسه وأردفها خلفه وأوثقها بالرباط خوفاً عليها وسار بها ولم يزل في الهواء حتى وصل إلى مدينة أبيه فاشتد فرحه.
ثم أراد أن يظهر للجارية محل سلطانه وملك أبيه ويعرفها أن ملك أبيه أعظم من ملك أبيها
فأنزلها في بعض البساتين التي يتفرج فيها والده وأدخلها في المقصورة المعدة لأبيه واوقف الفرس الآبنوس على باب تلك المقصورة وأوصى الجارية بالمحافظة على الفرس وقال لها اقعدي ههنا حتى أرسل إليك رسولي فإني متوجه إلى أبي لأجل أن أهيء لك قصراً وأظهر لك ملكي ففرحت الجارية عندما سمعت منه هذا الكلام وقالت له: افعل ما تريد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:21 AM
وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية فرحت عندما سمعت منه هذا الكلام وقالت له: افعل ما تريد ثم خطر ببالها أنها لا تدخل إلا بالتبجيل والتشريف كما يصلح لأمثالها ثم أن ابن الملك تركها وسار حتى وصل إلى المدينة ودخل على أبيه فلما رأى أبوه فرح بقدومه وتلقاه ورحب به ثم أن ابن الملك قال لوالده: اعلم أنني أتيت ببنت الملك التي كنت أعلمتك بها وقد تركتها خارج المدينة في بعض البساتين وجئت أعلمك بها لأجل أن تهيء الموكب وتخرج لملاقاتها وتظهر لها ملكك واعوانك وجنودك. فقال له الملك: حباً وكرامة ثم أمر من وقته وساعته أهل المدينة أن يزينوا المدينة أحسن زينة وركب في أكمل هيبة وأحسن زينة هو وجميع عساكره وأكابر دولته وسائر مملكته وخدمه وأخرج ابن الملك من قصره الحلي والحلل وما تدخره الملوك وهيأ لها عمارة من الديباج الأخضر والأحمر والأصفر وأجلس على تلك العمارة الهنديات والروميات والحبشيات وأظهر من الذخائر شيئاً عجيباً.
ثم أن ابن الملك ترك العمارة بمن فيها وسبق إلى البستان ودخل المقصورة التي تركها فيها وفتش فيها فلم يجدها ولم يجد الفرس فعند ذلك لطم على وجهه ومزق ثيابه وجعل يطوف في البستان وهو مدهوش العقل ثم بعد ذلك رجع إلى عقله وقال في نفسه: كيف علمت بسر هذا الفرس وأنا لم أعلمها بشيء من ذلك ولعل الحكيم الفارسي الذي عمل الفرس قد وقع عليها وأخذها جزاء ما عمله والدي معه ثم أن ابن الملك طلب حراس البستان وسألهم عمن مر بهم وقال لهم: هل نظرتم أحداً مر بكم ودخل هذا البستان فقالوا: ما رأينا أحداً دخل البستان سوى الحكيم الفارسي فإنه دخل ليجمع الحشائش النافعة فلما سمع كلامهم صح عندهم أن الذي أخذ

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما سمع كلامهم صح عنده أن الذي أخذ الجارية
هو ذلك الحكيم وكان بالأمر المقدر أن ابن الملك لما ترك الجارية في المقصورة التي فيها البستان وذهب إلى قصر أبيه ليهيء أمره دخل الحكيم الفارسي البستان ليجمع شيئاً من الحشيش النافع فشم رائحة المسك الطيب التي عبق منها المكان وكان ذلك الطيب من رائحة ابنة الملك فقصد الحكيم تلك الرائحة حتى وصل إلى تلك المقصورة فرأى الفرس التي صنعها بيده على باب المقصورة.
فلما رأى الحكيم الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً إلا أنه كان كثير التأسف على الفرس حيث خرجت من يده فتقدم إلى الفرس وافتقد جميع أجزائها فوجدها سالمة ولما أراد أن يركبها ويسير قال في نفسه: لا بد أن أنظر ما جاء به ابن الملك وتركه مع الفرس ههنا فدخل المقصورة فوجد الجارية جالسة وهي كالشمس الصاحية في السماء الصافية ثم توجه إلى المدينة ليجيء لها بموكب ويدخلها المدينة فقالت له: من أنت فقال لها: يا سيدتي أنا رسول الملك قد أرسلني إليك وأمرني أن أنقلك إلى بستان آخر قريب من المدينة. فلما سمعت الجارية منه ذلك الكلام .

هانى رفعت
04-17-2010, 01:22 AM
وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم الفارس لما أخبر الجارية بأحوال ابن الملك صدقت كلامه ودخل في عقلها وقامت معه ووضعت يدها في يده ثم قالت له: يا والدي ما الذي جئت لي به معك حتى أركبه فقال: يا سيدتي الفر سالتي جئت عليها تركبينها فقالت له: أنا لا أقدر على ركوبها وحدي فتبسم الحكيم عندما سمع ذلك وعلم أنه قد ظفر بها فقال لها: أنا أركب معك بنفسي ثم ركب وأركب الجارية خلفه وضمها إليه وشد وثاقها وهي لا تعلم ما يريد بها ثم إنه حرك لولب الصعود فامتلأ جوف الفرس بالهواء وتحركت وماجت ثم ارتفعت صاعدة في الجو ولم تزل سائرة بهما حتى غابت عن المدينة. فقالت له الصبية: يا هذا أين الذي قلته عن ابن الملك حيث زعمت أنه أرسلك إلي فقال لها الحكيم: قبح الله ابن الملك فإنه خبيث لئيم فقالت له: يا ويلك كيف تخالف أمر مولاك فيما أمرك به فقال لها: ليس هو مولاي فهل تعرفين من أنا فقالت: لا أعرفك إلا بما عرفتني به عن نفسك فقال لها: إنما إخباري لك بهذا الخبر حيلة مني عليك وعلى ابن الملك ولقد كنت متأسفاً طول عمري على هذه الفرس التي تحتك فإنها صناعتي وكان قد استولى عليها والآن قد ظفرت بها وبك أيضاً وقد أحرقت فلما سمعت الجارية كلامه لطمت على وجهها ونادت: يا أسفاه لا حصلت حبيبي ولا بقيت
عند أبي وأمي وبكت بكاءً شديداً على ما حل بها ولم يزل الحكيم سائراً بها إلى بلاد الروم حتى نزل بها في مرج أخضر ذي أنهار وأشجار واكن ذلك المرج بالقرب من مدينة وفي تلك المدينة ملك عظيم الشأن فاتفق في ذلك اليوم أن ملك تلك المدينة خرج إلى الصيد والنزهة فجاز على ذلك المرج فرأى الحكيم واقفاً والفرس والجارية بجانبه فلم يشعر الحكيم إلا وقد هجم عليه عبيد الملك وأخذوه هو والجارية والفرس وأوقفوا الجميع بين يدي الملك فلما نظر إلى قبح منظره وبشاعته ونظر إلى حسن الجارية وجمالها قال لها: يا سيدتي ما نسبة هذا الشيخ منك فبادر الحكيم بالجواب وقال: هي زوجتي وابنة عمي كذبته الجارية عندما سمعت قوله وقالت: أيها الملك والله لا أعرفه ولا هو بعلي بل أخذني قهراً بالحيلة.
فلما سمع الملك مقالها أمر بضربه فضربوه حتى كاد أن يموت ثم أمر الملك أن يحملوه إلى المدينة ويطرحوه في السجن ففعلوا به ذلك ثم إن الملك أخذ الجارية والفرس منه ولكنه لم يعلم بأمر الفرس ولا بكيفية سرها. هذا ما كان من أمر الحكيم والجارية.
وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لبس ثياب السفر وأخذ ما يحتاج إليه من المال وسافر وهو في أسوأ حال وسار مسرعاً يقتص الأثر في طلبهما من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة ويسأل عن الفرس الآبنوس وكل من سمع منه خبر الفرس الآبنوس يتعجب منه ويستعظم ذلك منه فأقام على هذا الحال مدة من الزمان ومع كثرة السؤال والتفتيش عليهما لم يقع لهما على خبر ثم إنه سار إلى مدينة أبي الجارية وسأل هناك فلم يسمع لها بخبر ووجد أباها حزيناً على فقدها فرجع وقصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:22 AM
وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما فاتفق أنه نزل في خان من الخانات فرأى جماعة من التجار جالسين يتحدثون فجلس قريباً منهم فسمع أحدهم يقول: لقد رأيت عجباً من العجائب فقالوا: وما هو قال: إني كنت في بعض الجهات من مدينة كذا وذكر اسم المدينة التي فيها الجارية فسمعت أهلها يتحدثون بحديث غريب وهو أن ملك المدينة خرج يوماً من الأيام إلى الصيد والقنص ومعه جماعة من أصحابه وأكابر دولته. فلما طلعوا إلى البرية جازوا على مرج أخضر فوجدوا هناك رجلاً واقفاً وإلى
جانبه امرأة جالسة ومعه فرس من آبنوس فاما الرجل فإنه قبيح المنظر مهول الصورة جداً وأما المرأة فإنها صبية ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وقد واعتدال وأما الفرس فإنها من العجائب التي لم ير الراؤون أحسن منها ولا أجمل من صنعتها فقال له الحاضرون: فما فعل الملك بهم فقال: أما الرجل فإنه أخذه الملك وسأله عن الجارية فادعى أنها زوجته وابنة عمه واما الجارية فإنها كذبته في قوله فاخذها الملك منه وامر بضربه وطرحه السجن وأما الفرس الآبنوس فما لي بها علم.
فلما سمع ابن الملك هذا الكلام من التاجر دنا منه وصار يسأله برفق وتلطف حتى أخبره اسم المدينة واسم ملكها فلما عرف ابن الملك اسم المدينة واسم ملكها بات ليلته مسرور فلما أصبح الصباح خرج وسافر ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى تلك المدينة فلما أراد أن يدخلها أخذه البوابون وأرادوا إحضاره قدام الملك ليسأله عن حاله وعن سبب مجيئه إلى تلك المدينة وعما يحسنه من الصنائع وكانت هذه عادة الملك من سؤال الغرباء عن أحوالهم وصنائعهم وكان وصول ابن الملك إلى تلك المدينة في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك ولا المشاورة عليه فأخذه البوابون وأتوا به إلى السجن ليضعوه فيه.
فلما نظر السجانون إلى حسنه وجماله لم يهن عليهم أن يدخلوه السجن بل أجلسوه معهم خارج السجن فلما جاءهم الطعام أكل معهم بحسب الكفاية فلما فرغوا من الأكل جعلوا يتحدثون ثم أقبلوا على ابن الملك وقالوا له: من أي البلاد أنت فقال: أنا من بلاد فارس بلاد الكاسرة فلما سمعوا كلامه ضحكوا وقال بعضهم: يا كسروى لقد سمعت حديث الناس وأخبارهم وشاهدت احوالهم فما رأيت أكذب من هذا الكسروى الذي عندنا في السجن فقال آخر: ولا رأيت أقبح من خلقته ولا أبشع من صورته فقال لهم: ما الذي بان لكم من كذبه. فقالوا: زعم أنه حكيم وكان الملك قد رآه في طريقه وهو ذاهب إلى الصيد ومعه امرأة بديعة الحسن والجمال والبهاء والكمال والقد والإعتدال ومعه أيضاً فرس من الآبنوس الأسود مارأينا قط أحسن منها فأما المرأة فهي عند الملك وهو لها محب ولكن تلك المرأة مجنونة ولو كان ذلك الرجل حكيماً لداواها والملك مجتهد في علاجها وغرضه مداواتها مما هي فيه وأما الفرس الآبنوس فإنها في خزانة الملك واما الرجل القبيح المنظر الذي كان معها فإنه عندنا في السجن فإذا جن الليل يبكي وينتحب أسفاً على نفسه ولا يدعنا ننام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام

هانى رفعت
04-17-2010, 01:23 AM
وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المزكلين في السجن لما اخبروه بخبر الحكيم الفارسي الذي عندهم في السجن وبما هو فيه من البكاء والنحيب خطر بباله أن يدبر تدبيراً ليبلغ غرضه فلما أراد البوابون النوم أدخلوهالسجن وأغلقوا عليه الباب فسمع الحكيم يبكي وينوح على نفسه بالفارسية ويقول في نوحه: الويل لي بما جنيت على نفسي وعلى ابن الملك وبما فعلت بالجارية حيث لم أتركها ولم أظفر بمرادي وذلك كله من سوء تدبيري فإني طلبت لنفسي ما لا أستحقه وما لا يصلح لمثلي ومن طلب ما لا يصلح له وقع في مثل ما وقعت فيه.
فلما سمع ابن الملك كلام الحكيم كلمه بالفارسية وقال له: إلى كم هذا البكاء والعويل هل ترى أنه أصابك ما لم يصب غيرك فلما سمع الحكيم كلامه أنس به وشكا إليه حاله مما يجده من المشقة فلما أصبح الصباح أخذ البوابون ابن الملك واتوا به إلى ملكهم وأعلموه أنه وصل إلى المدينة بالأمس في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك فسأله الملك وقال له: من أي البلاد وما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة فقال ابن الملك أما اسمي فإنه بالفارسية حرجة وأما بلادي فهي بلاد فارس وانا من اهل العلم وخصوصاً علم الطب فإني أداوي المرضى والمجانين ولهذا أطوف في الأقاليم والمدن لأستفيد علماً على علمي وإذا رأيت مريضاً فإني أداويه فهذه صنعتي.
فلما سمع الملك كلامه فرح به فرحاً شديداً وقال له: أيها الحكيم الفاضل لقد وصلت إلينا في وقت الحاجة إليك ثم أخبره بخبر الجارية وقال له: إن داويتها وأبرأتها من جنونها فلك عندي جميع ما تطلبه فلما سمع كلام الملك قال له: أعز الله الملك صف لي كل شيء رأيته من جنوني وأخبرني منذ كم يوم عرض لها هذ الجنون وكيف أخذتها هي والفرس والحكيم فأخبره بالخبر من أوله إلى آخره ثم قال له: إن الحكيم في السجن فقال له: أيها الملك السعيد ما فعلت بالفرس التي كانت معهما فقال له: باقية عندي إلى الآن في بعض المقاصير.
فقال ابن الملك في نفسه: إن من الرأي عندي أن اتفقد الفرس وأنظرها قبل كل شيء فإن كانت سالمة لم يحدث فيها أمر فقد تم لي كل ما أريد وإن رأيتها قد بطلت حركتها تحيلت بحيلة في خلاص مهجتي ثم التفت إلى الملك وقال له: ينبغي أن أنظر الفرس المذكور لعلي أجد شيئاً
يعينني على برء الجارية فقال له الملك: حباً وكرامة ثم قام الملك وأخذه بيده ودخل معه إلى الفرس فجعل ابن الملك يطوف حول الفرس ويتفقدها وينظر أحوالها فوجدها سالمة لم يعبها شيء ففرح ابن الملك بذلك فرحاً شديداً وقال: أعز الله الملك إني أريد الدخول على الجارية حتى أنظر ما يكون منها وأرجو الله أن يكون برؤها على يدي بسبب الفرس إن شاء الله تعالى ثم أمر بالمحافظة على الفرس ومضى به الملك إلى البيت الذي فيه الجارية.
فلما دخل عليها ابن الملك وجدها تتخبط وتنصرع على عادتها ولم يكن بها جنون وإنما تفعل ذلك حتى لا يقربها أحد فلما رآها ابن الملك على هذه الحالة قال لها: لا بأس عليك يا فتنة العالمين ثم أنه جعل يرفق بها ويلاطفها إلى أن عرفها بنفسه فلما عرفته صاحت صيحة عظيمة حتى غشي عليها من شدة ما حصل لها من الفرح فظن الملك أن هذه الصرعة من فزعها منه ثم إن ابن الملك وضع فمه على أذنها وقال لها: يا فتنة العالمين احقني دمي ودمك واصبري وتجلدي فقالت له: سمعاً وطاعة ثم إنه خرج من عندها وتوجه إلى الملك فرحاً مسروراً وقال: أيها الملك السعيد قد عرفت بسعادتك داءها ودواءها وقد داويتها لك فقم الآن وادخل إليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:23 AM
وفي الليلة السابعة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما جعل نفسه حكيماً ودخل على الجارية وأعلمها بنفسه وأخبرها بالتدبير الذي يدبره فقالت له: سمعاً وطاعة ثم خرج من عندها وتوجه إلى الملك وقال له: قم ادخل عليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها فقام الملك ودخل عليها فلما رأته قامت إليه وقبلت الأرض بين يديه ورحبت به ففرح الملك بذلك فرحاً شديداً ثم أمر الجواري والخدم أن يقوموا بخدمتها ويدخلوها الحمام ويجهزوا لها الحلي والحلل فدخلوا إليها وسلموا عليها فردت عليهم السلام بألطف منطق وأحسن كلام ثم ألبسوها حللاً منملابس الملوك ووضعوا في عنقها عقداً من الجواهر وساروا بها إلى الحمام وخدموها ثم أخرجوها من الحمام كأنها بدر التمام ولما وصلت إلى الملك سلمت عليه وقلبت الأرض بين يديه فحصل للملك بها سرور عظيم وقال لابن الملك كل ذلك ببركتك زادنا الله من نفحاتك. فقال له ابن الملك: إن تمام برئها وكمال أمرها أنك تخرج أنت وكل من معك من أعوانك
وعسكرك إلى المحل الذي كنت وجدتها فيه وتكون صحبتك الفرس الآبنوس التي كانت معها لأجل أن أعقد عنها العارض هناك وأسجنه وأقتله فلا يعود إليها أبداً فقال له الملك: حباً وكرامة ثم أخرج الفرس الآبنوس إلى المرج الذي وجدها فيه هي والجارية والحكيم الفارسي وركب الملك مع جيشه وأخذ الجارية معه وهم لا يدرون ما يريد أن يفعل فلما وصل إلى ذلك المرج أمر ابن الملك الذي جعل نفسه حكيماً أن توضع الجارية والفرس بعيداً عن الملك والعساكر بمقدار مد البصر وقال للملك: دستور عن إذنك أنا أريد أن أطلق البخور وأتلو العزيمة وأسجن العارض هنا حتى لا يعود إليها أبداً ثم بعد ذلك أركب الفرس الآبنوس وأركب الجارية خلفي فإذا فعلت ذلك الفرس تضطرب وتمشي حتى تصل إليك وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 01:24 AM
وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما قال لملك الروم: حتى تصل إليك فعند ذلك يتم الأمر فافعل بها بعد ذلك ما تريد فلما سمع الملك كلامه فرح فرحاً شديداً ثم أن ابن الملك ركب الفرس ووضع الصبية خلفه وصار الملك وجميع عساكره ينظرون إليه ثم إنه ضمها إليه وشد وثاقها وبعد ذلك فرك ابن الملك لولب الصعود فصعدت بهما الفرس في الهواء والعساكر تنظر إليه حتى غاب عن اعينهم ومكث الملك نصف يوم ينتظر عودته إليه فلم يعد فيئس منه وندم ندماً عظيماً وتأسف على فراق الجارية ثم أخذ عسكره وعاد إلى مدينته. هذا ما كان من أمره.
وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه قصد مدينة أبيه فرحاً مسروراً ولم يزل سائراً إلى أن نزل على قصره وأنزل الجارية في القصر وامن عليها ثم ذهب إلى أبيه وأمه فسلم عليهما وأعلمهما بقدوم الجارية ففرحا بذلك فرحاً شديداً. هذا ما كان من أمر ابن الملك والفرس والجارية.
وأما ماكان من أمر ملك الروم فإنه لما عاد إلى مدينته احتجب في قصره حزيناً كئيباً فدخل عليه وزراؤه وجعلوا يسلونه ويقولون له أن الذي أخذ الجارية ساحراً والحمد لله الذي نجاك من سحره ومكره وما زالوا به حتى تسلى عنها وأما ابن الملك فإنه عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:24 AM
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد الثلاثمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة وأقاموا في الفرح
شهراً كاملاً ثم دخل على الجارية وفرحا ببعضهما فرحاً شديداً هذا ما كان من أمره وأما ما كان من أمر والده فإنه كسر الفرس الآبنوس وأبطل حركاتها ثم إن ابن الملك كتب كتاباً إلى أبي الجارية وذكر له فيها حالها وأخبره أنه تزوج بها وهي عنده في أحسن حال وأرسله إليه مع الرسول وصحبته هدايا وتحفاً نفيسة فلما وصل الرسول إلى مدينة أبي الجارية وهي صنعاء اليمن اوصل الكتاب والهدايا إلى ذلك الملك. فلما قرأ الكتاب فرح فرحاً شديداً وقبل الهدايا واكرم الرسول ثم جهز هدية سنية لصهره ابن الملك وأرسلها إليه مع ذلك الرسول فرجع بها إلى ابن الملك وأعلمه بفرح الملك أبي الجارية حين بلغه خبر ابنته فحصل له سرور عظيم وصار ابن الملك في كل سنة يكاتب صهره ويهاديه ولم يزالوا كذلك حتى توفي الملك أبو الغلام وتولى هو بعده في المملكة فعدل في الرعية وسار فيهم بسيرة مرضية فدانت له البلاد واطاعته البلاد واستمروا على هذه الحالة في ألذ عيش وأهنأه وأرغده إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب القصور ومعمر القبور فسبحان الذي لا يموت وبيده الملك والملكوت.

حكاية أنس الوجود مع محبوبته الورد في الأكمام
ومما يحكى أيضاً أنه في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك عظيم الشأن ذو عز وسلطان وكان له وزير يسمى ابراهيم وكانت له ابنة بديعة الحسن والجمال فائقة في البهجة والكمال.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:25 AM
وفي الليلة الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد بأن بنت الملك كانت فائقة البهجة والكمال ذات عقل وافر وأدب باهر إلا أنها تهوى المنادمة والراح والوجوه الملاح ورقائق الأشعار ونوادر الأخبار تدعو العقول إلى الهوى رقة معانيها كما قال فيها بعض واصفيها:
كـلـفـت بـهـا فـتـــانة الـــتـــرك والـــعـــربتـجـادلـنـي فـي الـفـقـه والــنـــحـــو والأدب تـقـول أنـا الـمـفـعـول بـي وخـفـضــتـــنـــيلـمـاذا وهـذا فــاعـــل فـــلـــم أنـــتـــصـــب فـقـلـت لـهـا نـفـسـي وروحـي لــك الـــفـــداألـم تـعـلـمـي أن الـزمـــان قـــد انـــقـــلـــب وإن كـنـت يومـاً تـــنـــكـــرين انـــقـــلابـــهفـهـا انـظـري مـا عـقـدة الـرأس فـي الـذنـب
وكان اسمها الورد في الأكمام وسبب تسميتها بذلك فرط رقتها وكمال بهجتها وكان الملك محباً منادماً لكمال أدبها ومن عادة الملك أنه في كل عام يجمع أعيان مملكته ويلعب بالكرة فلما كان ذلك اليوم الذي يجمع فيه الناس للعب بالكرة جلست ابنة الوزير في الشباك لتتفرج فبينما هم في اللعب إذ لاحت منها التفاتة فرأت بين العسكر شاباً لم يكن أحسن منه منظراً ولا أبهى طلعة نير الوجه ضاحك السن طويل الباع واسع المنكب فكررت فيه مراراً فيه النظر فلم تشبع منه النظر فقالت لدايتها: ما اسم هذا الشاب المليح الشمائل الذي بين العسكر فقالت لها: يا بنتي الكل ملاح فمن هو فيهم فقالت لها: اصبري حتى أشير لك عليه ثم أخذت تفاحة ورمتها عليه فرفع رأسه فرأى ابنة الوزير في الشباك كأنها البدر في الأفلاك فلم يرد إليه طرفه وهو بعشقها مشغول الخاطر فأنشد قول الشاعر:
أرمـــانـــي الـــقـــواس أم جـــفـــــنـــــــاكفـتــكـــا بـــقـــلـــب الـــصـــب حـــين رآك وأتـانــي الـــســـهـــم الـــمـــفـــوق بـــرهةمــن جـــحـــفـــل أم جـــاء مـــن شـــبـــاك
فلما فرغ اللعب قالت لدايتها: ما اسم هذا الشاب الذي أريته لك قالت اسمه أنس الوجود فهزت رأسها ونامت في مرتبتها وقدحت فكرتها ثم صعدت الزفرات وانشدت هذه الأبيات:
مـا خـاب مـن ســـمـــاك أنـــس الـــوجـــوديا جـامـــعـــاً مـــا بـــين أنـــس الـــوجـــود يا طـــلـــعة الـــبـــدر الـــذي وجــــهـــــــهقـــد نـــور الـــكـــون وعـــم الـــوجــــــود حـــاجـــبـــك الـــنـــون الـــتـــي حــــررتومـقـلـــتـــاك الـــصـــاد صـــنـــع الـــودود وقـــدك الـــغـــصـــن الـــرطـــيب الـــــذيإذا دعـــي فـــي كـــل شـــــــيء يجـــــــود قـد فـــقـــت فـــرســـان الـــورى ســـطـــوةولـم تــزل بـــفـــرط حـــســـنـــك تـــســـود
فلما فرغت من شعرها كتبته في قرطاس ولفته في خرقة الحرير مطرزة بالذهب ووضعته تحت المخدة وكانت واحدة من داياتها تنظر إليها فجاءتها وصارت تمارسها حتى فاقت وسرقت الورقة من تحت المخدة وقرأتها فعرفت أنها حصل لها وجد بأنس الوجود وبعد أن قرأت الورقة وضعتها في مكانها فلما استفاقت سيدتها الورد في الأكمام من نومها قالت لها: يا سيدتي إني لك من الناصحات وعليك من الشفيقات اعلمي أن الهوى شديد وكتمانه يذيب الحديد ويورث الأمراض والأسقام وما على من يبوح بالهوى ملام فقالت لها الورد في الأكمام: يا دايتي وما دواء الغرام قالت: دواؤه الوصال قالت: وكيف يوجد الوصال قالت: يا سيدتي يوجد بالمراسلة ولين الكلام وإكثار التحية والسلام فهذا يجمع بين الأحباب وبه تسهل الأمور والصعاب وإن كان ذلك أمر يا مولاتي فانا اولى بكتم سرك وقضاء حاجتك وحمل رسالتك.
فلما سمعت منها الورد في الأكمام ذلك طار عقلها من الفرح لكن أمسكت نفسها عن الكلام حتى تنظر عاقبة أمرها وقالت في نفسها: إن هخذا الأمر ما عرفه أحد مني فلا أبوح به لهذه المرأة إلا بعد أن أختبرها فقالت المرأة: يا سيدتي إني رأيت في منامي كأن رجلاً جاءني وقال لي: أن سيدتك وأنس الوجود متحابان فمارسي أمرهما واحملي رسائلهما واقضي حوائجهما واكتمي أمرهما وأسرارهما يحصل لك خير كثير وهاأنا قد قصصت ما رأيت عليك والأمر إليك فقالت الورد في الأكمام لدايتها لما أخبرتها بالمنام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:25 AM
وفي الليلة الواحدة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الورد في الأكمام قالت لدايتها لما أخبرتها بالمنام الذي رأته: هل تكتمين الأسرار يا دايتي فقالت لها: كيف لا أكتم الأسرار وأنا من خلاصة الحرار فأخرجت لها الورقة التي كتبت فيها الشعر وقالت لها: اذهبي برسالتي هذه إلى أنس الوجود فلما دخلت عليه قبلت يديه وحيته بألف سلام ثم أعطته القرطاس فقرأه وفهم معناه ثم كتب في ظهره هذه الأبيات: أعـلـل قـلـــبـــي فـــي الـــغـــرام وأكـــتـــمولـكــن حـــالـــي عـــن هـــواي يتـــرجـــم وإن فـاض دمـعـي قـلـت جـرح بـمـقـلــتـــيلـئلا يرى حـــالـــي الـــعـــذول فـــيفـــهـــم رفـعـت إلـيكـم قـصـتـي أشــتـــكـــي بـــهـــاغـرامـي ووجـدي كـي تـرقـواوتـرحـــمـــوا وسـطـرتـهـا مـن دمـع عـينـي لـــعـــلـــهـــابـمـا حـل بـي مـنـكـم إلـــيكـــم تـــتـــرجـــم رعـى الـلـه وجـهـاً بـالـجـمــال مـــبـــرقـــاًلـه الـبـدر عـبـــد والـــكـــواكـــب تـــخـــدم عـلـى حـسـن ذات مــا رأيت مـــثـــيلـــهـــاومـن مـيلـهـا الأغـصـان عـطـفـاً تـتـعـــلـــم وأسـألـكــم مـــن غـــير حـــمـــل مـــشـــقةزيارتـــنـــا إن الـــوصـــال مـــعــــظـــــــم وهـبـت لـكـم روحـي عـسـى تـقـبـلـونـــهـــافـلـي الـوصـل خـلـد والـصـدود جـــهـــنـــم ثم طوى الكتاب وقبله واعطاه لها وقال للها: يا داية استعطفي خاطر سيدتك فقالت له: سمعاً وطاعة ثم أخذت منه المكتوب ورجعت إلى سيدتها وأعطتها الققرطاس فقبلته ورفعته فوق رأسها ثم فتحته وقرأته وفهمت معناه وكتبت في أسفله هذه الأبيات: يا مـن تـولـــع قـــلـــبـــه بـــجـــمـــالـــنـــاأصـبـر لـعـلـك فـي الـهـوى تـحـظـى بــنـــا
لــمـــا عـــلـــمـــنـــا أن حـــبـــك صـــادقوأصـاب قـلـــبـــك مـــا أصـــاب فـــؤادنـــا زدنـاك فـوق الـوصـــل وصـــلاً مـــثـــلـــهلـكـن مـنـع الـوصـــل مـــن حـــجـــابـــنـــا وإذا تـجـلـى الـلـيل مـــن فـــرط الـــهـــوىتـــتـــوقـــد الـــنـــيران فـــي أحـــشـــائنـــا رجـعـت مـضـاجـعـنـا الـجـنــوب وربـــمـــاقـد بـرح الـتـــبـــريح فـــي أجـــســـامـــنـــا وقد انـحـشـى مـنـي الـحـشـا بـهـوى الـرشـايا لـــيتـــه مـــا غـــاب عـــن أوطـــانـــنـــا فلما فرغت من شعرها طوت القرطاس وأعطته للداية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:26 AM
وفي الليلة الثانية بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الورد في الأكمام طوت القرطاس وأعطته للداية فأخذته وخرجت من عند الورد في الأكمام بنت الوزير فصادفها الحاجب وقال لها: أين تذهبين فقالت: إلى الحمام وقد انزعجت منه فوقعت الورقة حين خرجت من الباب وقت انزعاجها.
هذا ما كان من امرها. وأما ما كان من أمر الورقة فإن بعض الخدام رآها مرمية في الطريق فأخذها ثم أن الوزير خرج من باب الحريم وجلس على سريره فقصد الخادم الذي التقط الورقة فبينما الوزير جالس على سريره وإذا بذلك الخادم تقدم إليه وفي يده الورقة وقال له: يا مولاي إني وجدت هذه الورقة مرمية في الدار فاخذتها فتناولها الوزير من يده وهي مطوية فرأى فيها الأشعار التي تقدم ذكرها فقرأها وفهم معناها ثم تأمل كتابتها فرآها بخط ابنته فدخل على أمها وهو يبكي بكاءً شديداً حتى ابتلت لحيته. فقالت له زوجته: ما أبكاك يا مولاي فقال لها: خذي هذه الورقة وانظري ما فيها فأخذت الورقة وقرأتها فوجدتها مشتملة على مراسلة من بنتها الورد في الأكمام إلى أنس الوجود فجاءها البكاء لكنها غلبت في نفسها وكفكفت دموعها وقالت للوزير: يا مولاي إن البكاء لا فائدة فيه وإنما الرأي الصواب أن تبصر أن تتبصر في أمر يكون فيه صون عرضك وكتمان أمر ابنتك وصارت تسليه وتخفف عنه الأحزان فقال لها: إني خائف على ابنتي من العشق اما تعلمين أن السلطان يحب أنس الوجود محبة عظيمة ولخوفي من هذا الأمر سببان: الأول من جهتي وهو أنها ابنتي والثاني من جهة السلطان وهو أن أنس الوجود محظي عند السلطان وربما يحدث من هذا أمر عظيم فما رأيك في ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:28 AM
وفي الليلة الثالثة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما أخبر زوجته بخبر ابنته وقال لها: فما رأيك في ذلك قالت له: اصبر علي حتى أصلي صلاة الإستخارة ثم إنها صلت ركعتين سنة الإستخارة فلما فرغت من صلاتها قالت لزوجها: في وسط بحر الكنوز جبلاً يسمى جبل الثكلى وسبب تسميته بذلك سيأتي وذاك الجبل لا يقدر على الوصول إليه أحد إلا بالمشقة فاجعل لها موضعاً هناك فاتفق الوزير مع زوجته على أن يبني فيه قصراً منيعاً ويجعلها فيه ويضع عندها مؤونتها عاماً بعد عام ويجعل عندها من يؤنسها ويخدمها ثم جمع النجارين والبنائين والمهندسين وأرسلهم إلى ذلك الجبل فبنوا لها قصر منيعاً لم ير الراؤون ثم هيأ الزاد والراحلة ودخل على ابنته في الليل وأمرها بالسير فأحس قلبها بالفراق فلما خرجت ورأت هيئة الأسفار بكت بكاءً شديداً وكتبت على الباب تعرف أنس الوجود بما جرى لها من الوجد الذي تقشعر منه الجلود ويذيب الجلمود ويجري العبرات والذي كتبته هذه الأبيات: بـــالـــلـــه يا دار إن مـــر ضـــــــحـــــــىمـــســـلـــمـــاً بـــإشـــارات يحــــــيينـــــــا اهـديه مـــنـــا ســـلامـــاً زاكـــياً عـــطـــراًلأنـــه لـــيس يدري أين أمـــــســـــــينـــــــا ولـسـت أدري إلـــى أين الـــرحـــيل بـــنـــالـمـا مـضـوا بـي سـريعـاً مــســـتـــخـــفـــياً فـي جـنـح لـيل وطـير الأيل قـد عــكـــفـــتعـلـى الـغـصـن تـبـاكــينـــا وتـــنـــعـــينـــا وقـال عـنـهـا لـسـان الـــحـــال واحـــربـــاهمـن الـتـفـرق مـــا بـــين الـــمـــحـــبـــينـــا لـمـا رأيت كـؤوس الــبـــعـــدقـــد مـــلـــئتوالـدهـر مـن صـرفـهـا بـالـقـهـر يسـقـــينـــا مـزجـتـهـا بـجـمـيل الـصـبـــر مـــعـــتـــذراًوعـنـكـم الآن لـيس الـصــبـــر يســـلـــينـــا فلما فرغت من شعرها ركبت وساروا بها يقطعون البراري والقفار والأوعار حتى وصلوا إلى بحر الكنوز ونصبوا الخيام على شاطئ البحر ومدوا لها مركباً عظيمة وأنزلوها فيها هي وعائلتها وقد أمرهم أنهم إذا وصلوا إلى الجبل وأدخلوها في القصر هي وعائلتها يرجعون بالمركب وبعد أن يطلعوا من المركب يكسرونها فذهبوا وفعلوا جميع ما أمرهم به ثم رجعوا وهم يبكون على ما جرى. هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر أنس الوجود فإنه قام من نومه وصلى الصبح ثم ركب وتوجه إلى خدمة السلطان فمر في طريقه على باب الوزير على جري العادة لعله يرى أحداً من أتباع الوزير الذين
كان يراهم ونظر إلى الباب فرأى الشعر المتقدم ذكره مكتوباً عليه.
فلما غاب عن وجوده واشتعلت النار في أحشائه ورجع إلى داره ولم يقر له قرار ولم يزل في قلق ووجد إلى أن دخل فكتم أمره وتنكر وخرج في جوف الليل هائماً على غير طريق وهو لا يدري أين يسير فسار الليل كله وثاني يوم إلى أن اشتد الحر وتلهبت الجبال واشتد عليه العطش فنظر إلى شجرة فوجد بجانبها جدول ماء يجري فقصد تلك الشجرة وجلس في ظلها على شاطئ ذلك الجدول وأراد أن يشرب فلم يجد للماء طعم في فمه وقد تغير لونه واصفر وجهه وتورمت قدماه من المشي والمشقة فبكى بكاءً شديداً وسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: سـكـر الـعـاشــق فـــي حـــب الـــحـــبـــيبكـــلـــمـــا زاد غـــرامــــاً ولـــــــهـــــــيب كـيف يهـنـأ الـــعـــيش لـــلـــصـــب الـــذيفـــارق الأحـــبـــاب ذا شـــيء عـــجـــــيب ذبـــــــت لـــــــمـــــــا ذكـــــــا وجـــــــديبـهـم وجـرى دمـعـي عـلـى خـدي صـبـــيب هـــل أراهـــم أو أرى ربـــــــعـــــــهـــــــمأحـــداً يبـــرى بـــه الـــقـــلـــب الـــكـــئيب فلما فرغ من شعره بكى حتى بل الثرى ثم قام من وقته وساعته وسار من ذلك المكان فبينما هو سائر في البراري والقفار إذ خرج عليه سبع رقبته مختنقة بشعره ورأسه قدر القبة وفمه أوسع من الباب وأنيابه مثل أنياب الفيل فلما رآه أنس الوجود أيقن بالموت واستقبل القبلة وتشهد واستعد للموت وكان قد قرأ في الكتب أن من خادع السبع انخدع له له لأنه ينخدع بالكلام الطيب وينتحي بالمديح فشرع يقول له: يا أسد الغابة يا ليث الفضاء يا ضرغام يا أبا الفتيان يا سلطان الوحوش إنني عاشق مشتاق وقد أتلفني العشق والفراق وحين فارقت الأحباب غبت عن الصواب فاسمع كلامي وارحم لوعتي وغربتي. فلما سمع الأسدمقالته تأخر عنه وجلس مقعياً على ذنبه ورفع رأسه إليه وصار يلعب ذنبه ويديه فلما رأى أنس الوجود هذه الحركات أنشد هذه الأبيات: أســـد الـــبـــيداء هـــل تـــفـــلـــتــــنـــــــيقـــبـــل مـــا ألـــقـــى الـــذي تـــيمـــنـــــي لـــســـت صـــيداً لا ولا بـــي ســـــمـــــــنفـــقـــد مـــن أهـــواه قـــد أســـقـــمـــنــــي يا أبـــا الـــحـــرث يا لـــيث الــــوغـــــــىلا تـشــمـــت عـــاذلـــي فـــي شـــجـــنـــي أنـــا صـــب مـــدمـــعـــي غـــرقــــنـــــــيوفـــراق الـــحـــب قـــد أقـــلـــقـــــنـــــــي واشـتـغـالـي فـــي دجـــى الـــلـــيل بـــهـــاعـن وجـودي فـــي الـــهـــوى غـــيبـــنـــي
فلما فرغ من شعره قام الأسد ومشى نحوه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:29 AM
وفي الليلة الرابعة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أنس الوجود لما فرغ من شعره قام الأسد ومشى نحوه بلطف وعيناه مغرغرتان بالدموع ولما وصل إليه لحسه بلسانه ومشى قدامه وأشار إليه أن اتبعني ولم يزل سائراً وهو معه ساعة من الزمان حتى طلع به فوق جبل ثم نزل به من فوق ذلك الجبل فرأى أثر المشي في البراري فعرف أن ذلك الأثر أثر مشي قوم بالورد في الأكمام فتبع الأثر ومشى فيه فلما رآه الأسد يتبع الأثر وعرف أنه أثر مشي محبوبته رجع الأسد إلى حال سبيله.
وأما أنس الوجود فإنه لم يزل ماشياً في الأثر أياماً وليالي حتى أقبل على بحر عجاج متلاطم الأمواج ووصل الأثر إلى شاطئ البحر وانقطع فعلم أنهم ركبوا البحر وساروا فيه وانقطع رجاؤه منهم والتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً في البرية فخشي على نفسه من الوحوش فصعد على جبل عال فبينما هو في الجبل إذ سمع صوت آدمي يتكلم من مغارة فصغى إليه وإذا هو عابد قد ترك الدنيا واشتغل بالعبادة فطرق عليه المغارة ثلاث مرات فلم يجبه العابد فصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: كـيف الـسـبــيل إلـــى أن أبـــلـــغ الـــربـــاوأتـرك الـهـم والــتـــكـــدير والـــتـــعـــبـــا وكــل هـــول مـــن الأهـــوال شـــيبـــنـــيقـلـبـاً ورأسـاً مـشـيبـاً فــي زمـــان صـــبـــا ولـم أجـد لـي مـعـينـــاً فـــي الـــغـــرام ولاخـلاص يخـفـف عـنـي الـوجـد والـنـصـبـــا وكـم أكـــابـــد فـــي الأشـــواق مـــن ولـــهكـأن دهـري عـلـــي الآن قـــد انـــقـــلـــبـــا وارحـمـتـــاه لـــصـــب عـــاشـــق قـــلـــقكـأس الـتـفـرق والـهـجـــران قـــد شـــربـــا فـالـنـار فـي الـقـلـب والأحـشـاء قـد مـحــيتوالـعـقـل مـن لـوعة الـتـفـريق قـد سـلـــبـــا مـا كـان أعـظـم يوم جـــئت مـــنـــزلـــهـــموقـد رأيت عـلــى الأبـــواب مـــا كـــتـــبـــا بـكـيت حـتـى سـقــيت الأرض مـــن حـــرقلـكـن كـتـمـت عـلـى الـدانـين والـــغـــربـــا يا عـابـداً قـد تـغـاضـــى فـــي مـــغـــارتـــهكـأن ذلـك طـعـم الـعـشـــق وانـــســـلـــبـــا وبـــعـــد هـــذا وهـــذا كــــلـــــــه فـــــــإذابـلـغـت قـصـدي فـلا هـــمـــاً ولا تـــعـــبـــا فلما فرغ من شعره وإذا بباب المغارة قد انفتح وسمع قائلاً يقول: وارحمتاه فدخل الباب وسلم
على العابد وقال له: ما اسمك قال: اسمي أنس الوجود فقال له: ما سبب مجيئك إلى هذا المكان فقص عيه قصته من أولها إلى آخرها وأخبره ما جرى له فبكى العابد وقال له: يا أنس الوجود إن لي في هذا المكان عشرين عاماً ما رأيت فيه أحداً إلا بالأمس فإني سمعت بكاءً وغواشاً فنظرت إلى جهة الصوت فرأيت ناساً كثيرين وخياماً منصوبة على شاطئ البحر وأقاموا مركباً ونزل فيه قوم منهم وساروا به في البحر ثم رجع بالمركب بعض من نزل فيه وكسروه وتوجهوا إلى حال سبيلهم وأظن أن الذين ساروا على ظهر البحر ولم يرجعوا هم الذين أنت في طلبهم يا أنس الوجود وحينئذٍ يكون همك عظيماً وأنت معذور ولكن لا يوجد محب إلا وقد قاسى الحسرات ثم أنشد العابد هذه الأبيات: أنـس الـوجـود خـلـي الـبـال تـحـســبـــنـــيوالـشـوق والـوجـد يطـوينـي وينـشـــرنـــي إني عرفت الـهـوى والـعـشـق مـن صـغـريمـن حـين كـنـت صـبـياً راضــع الـــلـــبـــن مـارسـتـه زمــنـــاً حـــتـــى عـــرفـــت بـــهإن كـنـت تـسـأل عـنـي فـهــو يعـــرفـــنـــي شـربـت كـأس الـجـوى مـن لـوعةٍ وضـنــىفـصـرت مـحــواً بـــهـــمـــن رقة الـــبـــدن قـد كـنـت ذا قـــوة لـــكـــن هـــي جـــلـــديوجـيش صـبـري بـأسـياف الـلـحـاظ فــنـــي قـضـى الـغـرام عـلـى الـعـشـاق أجـمـعـهــمإن الـــســـلـــو حـــرام بـــدعة الـــفـــنــــن فلما فرغ العابد من إنشاد شعره قام إلى أنس الوجود وعانقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:30 AM
وفي الليلة الخامسة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أن العابد لما فرغ من إنشاد شعره قام إلى أنس الوجود وعانقه وتباكيا حتى دوت الجبال من بكائهما. ولم يزالا يبكيان حتى وقعا مغشياً عليهما ثم أفاقا وتعاهدا على أنهما أخوان في عهد الله تعالى ثم قال العابد لأنس الوجود: أنا في هذه الليلة أصلي وأستخير الله على شيء تعمله فقال له أنس الوجود: سمعاً وطاعة.
هذا ما كان من أنس الوجود واما ما كان من أمر الورد في الأكمام فإنها لما وصلوا بها إلى الجبل وأدخلوها القصر ورأته ورأت ترتيبه بكت وقالت: والله إنك مكان مليح غير أنك ناقص وجود الحبيب فيك ورأت في تلك الجزيرة أطياراً فأمرت بعض أتباعها أن ينصب لها فخاً ويصطاد به منها وكل ما اصطاده يضعه في أقفاص من داخل القصر ففعل ما أمرته به ثم قعدت
في شباكالقصر وتذكرت ما جرى لها وزاد بها الغرام والوجد والهيام فبكت العبرات وأنشدت يا لـمـن أشـتــكـــي الـــغـــرام الـــذي بـــيوشـجـونـي وفـرقـتـنـــي عـــن حـــبـــيبـــي ولــهـــيبـــاً بـــين الـــضـــلـــوع ولـــكـــنلـــســـت أبـــديه خـــفـــية مــــن رقـــــــيب ثـــم أصـــبـــحـــت رق عـــــود خـــــــلالمـــن بـــعـــاد وحــــــرقة ونـــــــحـــــــيب أين عـين الـــحـــبـــيب حـــتـــى تـــرانـــيكـيف أصـبـحـت مـثـل حـــال الـــســـلـــيب قـــد تـــعـــدو عـــلـــي إذ حـــجـــبـــونـــيفـي مـكـان لـم يســتـــطـــعـــه حـــبـــيبـــي أسـأل الــشـــمـــس حـــمـــل ألـــف ســـلامعـنـد وقـــت الـــشـــروق ثـــم الـــغـــروب أحـبـيب قـد أخــجـــل الـــبـــدر حـــســـنـــاًمـنـــذ تـــبـــدى وفـــاق قـــد الـــقـــضـــيب إن حـــكـــى الـــورد خـــده قـــلـــت فـــــيهلـسـت تـحـكـي إن لـم تـكـن مـن نـصـيبـــي إن فـــي ثـــغـــره لـــســـلــــســـــــال ريقيجـلـب الـبـــرد عـــنـــد حـــر الـــلـــهـــيب كـيف أسـلــوه وهـــو قـــلـــبـــي وروحـــيمـسـقـمـي مـمـرضـي حـبـيبـي طـــبـــيبـــي هذا ما كان من أمر الورد في الأكمام وأما ما كان من أنس الوجود فإن العابد قال له: انزل إلى الوادي وائتني من الفخيل بليف فنزل وجاء له بليف فأخذه العابد وقتله وجعله شنفاً مثل أشناف التبن وقال له: يا أنس الوجود إن في جوف الوادي فرعاً يطلع وينشف على أصوله فانزل إليه واملأ هذا الشنف منه واربطه وارمه في البحر واركب عليه وتوجه به وسط البحر لعلك تبلغ قصدك فإن من لم يخاطر بنفسه لم يبلغ المقصود فقال: سمعاً وطاعة ثم ودعه وانصرف من عند إلى ما أمره به بعد أن دعا له العابد ولم يزل أنس الوجود سائر إللا جوف الوادي وفعل كما قال له العابد ولما وصل بالشنف إلى وسط البحر هبت عليه ريح فزقه الشنف حتى غاب عن عين العابد ولم يزل سابحاً في لجة البحر ترفعه موجة وتحطه أخرى وهو يرى ما في البحر من العجائب والأهوال إلى أن رمته المقادير على جبل الثكلى بعد ثلاثة أيام من فنزل إلى البر مثل الفرخ الدايخ لهفان من الجوع والعطش فوجد في ذلك المكان أنهاراً جارية وأطياراً مغردة على الأغصان وأشجاراً مثمرة صنواناً وغير صنوان فأكل من الأثمار وشرب من الأنهار وقام يمشي فرأى بياضاً على بعد فمشى جهته حتى وصل إليه فوجده قصراً منيعاً حصيناً فأتى إلى باب القصر فوجده مقفولاً فجلس عنده ثلاثة أيام.
فبينما هو جالس وإذا بباب القصر قد فتح وخرج منه شخص من الخدم فرأى أنس الوجود
قاعداً فقال له: من أين أتيت ومن أوصلك إلى هنا فقال أنس الوجود: من أصبهان وكنت مسافراً في البحر بتجارة فانكسر المركب الذي كنت فيه فرمتني الأمواج على ظهر هذه الجزيرة فبكى الخادم وعانقه وقال: حياك الله يا وجه الأحباب أن أصبهان بلادي ولي فيها بنت عم كنت أحبها وأنا صغير وكنت مولعاً بها فغزى بلادنا قوم أقوى منا وأخذوني في جملة الغنائم وكنت صغيراً فقطعوا إحليلي ثم باعوني خادماً وهاأنا في تلك الحالة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:31 AM
وفي الليلة السادسة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم الذي خرج من قصر الورد في الأكمام حدث أنس الوجود بجميع ما حصل وقال له أن القوم الذين أخذوني قطعوا إحليلي وباعوني خادماً وهاأنا في تلك الحالة وبعدما سلم عليه وحياه أدخله ساحة القصر فلما دخل رأى بحيرة عظيمة وحولها أشجار وأغصان وفيها أطيار في أقفاص من فضة وأبواباها من الذهب وتلك الأقفاص معلقة على الأغصان والأطيار فيها تناغي وتسبح الديان فلما وصل إلى أولها تأمله فإذا هو قمري فلما رآه الطير مد صوته وقال: يا كريم فغشي على أنس الوجود فلما أفاق من غشيته صعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: أيهـا الـقـمـري هــل بـــمـــثـــلـــي تـــهـــيمفـــاســـأل الـــمـــولـــى وغـــرد يا كــــريم يا تـــرى نـــوحـــــــك هـــــــذا طـــــــربأو غـرام مـنـك فـــي الـــقـــلـــوب مـــقـــيم أن تـــنـــح وجـــداً لأحـــبـــاب مـــضـــــواأو خـلـفـــت بـــهـــم مـــضـــنـــى ســـقـــيم يا رعـــى الـــلـــه مـــحـــبـــاً صـــادقــــــاًلـسـت أسـلـــوه ولـــو عـــظـــمـــي رمـــيم فلما فرغ من شعره بكى حتى وقع مغشياً عليه وحين أفاق من غشيته مشى حتى وصل إلى ثاني قفص فوجده فاختاً فلما رآه الفاخت غرد وقال: يا دايم أشكرك فصعد أنس الوجود الزفرات وأنشد هذه الأبيات: وفـــاخـــت قـــد طـــال فـــي نـــــوحـــــــهيا دائمـــاً شـــكـــراً عـــلـــى بـــلـــوتـــــي عـســى لـــعـــل الـــلـــه مـــن فـــضـــلـــهيقـضـي بـوصـل الـحـب فـــي ســـفـــرتـــي ورب مـــعـــســـول الـــلـــمـــى زارنـــــيفـزادنـي عـشـــقـــاً عـــلـــى صـــبـــوتـــي قـــلـــت والـــنـــيران قـــد أضــــرمـــــــتفـي الـقـلـب حـتـى أحـرقـت مـــهـــجـــتـــي
والـــدمـــع مـــســـفـــوك يحـــاكـــي دمــــاًقــد فـــاض يجـــري عـــلـــى وجـــنـــتـــي مـــا تـــم مـــخـــلـــوق بـــلا مـــــحـــــــنةلـكـن لـي صـبــراً عـــلـــى مـــحـــنـــتـــي بـــقـــدرة الـــلـــه مـــتـــى لـــمـــــنـــــــيوقـت الـصـفـــا يومـــاً عـــلـــى ســـادتـــي جـعــلـــت لـــلـــعـــشـــاق مـــالـــي قـــرىلأنـــهـــم قـــوم عـــلـــى ســــنـــــــتـــــــي وأطـــلـــق الأطـــيار مـــن ســـجـــنـــهــــاواتـــرك الأحـــزان مـــن فـــرحـــــتـــــــي فلما فرغ من شعره تمشى إلى ثالث قفص فوجده هزاراً فزعق الهزار عند رؤيته فلم سمعه إن الـهـزار لـطـيف الـصـوت يعـجــبـــنـــيكـأنـه صـوت صـب فـي الـــغـــرام فـــنـــي وارحـمـتـاه عـلـى الـعـشـاق ثــم قـــلـــقـــوامـن لـيلة بـالـهـوى والـشـوق والـــمـــحـــن كـأنـهـم مـن عـظـيم الـشـوق قـد خــلـــفـــوابـلا صـبـــاح ولا نـــوم مـــن الـــشـــجـــن لـمـا جــنـــنـــت بـــمـــن أهـــواه قـــيدنـــيفـــيه الـــغـــرام ولـــمـــا فـــيه قـــيدنــــــي تـسـلـسـل الـدمـع مـن عـينـي فـقــلـــت لـــهسـلاسـل الـدمـع قـد طـالـت فـسـلـسـلـــنـــي زاد اشـتـياقـي وطـال الـبـعـد وانــعـــدمـــتكـنـوز صـبـري وفـرط الـوجـد أتـلــفـــنـــي إن كـان فـي الـدهـر أنـصـاف ويجـمـعـنـــيبـمـن أحـب وسـتـر الــلـــه يشـــمـــلـــنـــي قـلـعـت ثـوبـي لـحـبـي كـي يرى جـــســـديبـالـصـد والـبـعـد والـهـجـران كـيف ضـنـي فلما فرغ من شعره تمشى إلى رابع قفص فوجده بلبلاً فناح وغرد عند رؤية أنس الوجود فلما سمع تغريده سكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: إن لـلـبـلـبــل صـــوتـــاً فـــي الـــســـحـــرشـعـل الـعـاشـق مـن حــســـن الـــتـــوتـــر فـي الـهـوى أنـس الـوجـود الـمـشــتـــكـــيمـــن غـــرام قـــد مـــحـــا مـــنـــه الأثــــر كـم سـمـعـنــا صـــوت ألـــحـــان مـــحـــتطـربـــاً صـــلـــد الـــحـــديد والـــحـــجـــر ونـــســـيم الـــصـــبـــح قـــد يروي لـــنــــاعـــن رياض يانـــعـــات بـــالــــــزهـــــــر وتـــذكـــرنـــا حـــبـــيبــــــاً غـــــــائبـــــــاًفـــجـــرى الـــدمـــع ســـيولاً ومـــطـــــــر ولـــهـــيب الـــنـــار فـــي أحـــشـــائنـــــــامـضـــمـــر ذاك كـــجـــمـــر بـــالـــشـــرر مـــتـــع الـــلـــه مـــحـــبـــاً عـــاشـــقــــــاًمـــن حـــبـــيب بـــوصـــال ونـــــظـــــــر إن لـــلـــعـــشـــاق عـــذراً واضـــــحـــــــاًلـــيس يدري الـــعـــذر إلا ذو الـــنـــظـــــر فلما فرغ من شعره مشى قليلاً فرأى قفصاً حسناً لم يكن هناك أحسن منه فلما قرب منه وجده
حمام الأيك وهو اليمام المشهور من بين الطيور فوجده ذاهلاً باطلاً ينوح الغرام وفي عنقه عقد من جوهر بديع النظام ونأمله فوجده ذاهلاً باطلاً باهتاً في قفصه فلما رآه بهذا الحال أفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: يا حـــمـــام الأيك أقــــرئك الـــــــســـــــلاميا أخـا الـعـــشـــاق مـــن أهـــل الـــغـــرام إنـــنـــي أهـــوى غــــــزالاً أهـــــــيفـــــــاًلـحــظة أقـــطـــع مـــن حـــد الـــحـــســـام فـي الـهـوى أحـرق قـلـبـــي والـــحـــشـــىوعـــلا جـــســـمـــي تـــحـــول وســـقــــام ولـــذيذ الـــزاد قــــد أحـــــــرمـــــــتـــــــهمـثـل مـا احـرمـت مـن طـــيب الـــمـــنـــام واصـــطـــبـــاري وســـلــــــوى رحـــــــلاوالـهـوى بــالـــوجـــد عـــنـــدي قـــد أقـــام كـيف يهـنـأ الـعـيش لـــي مـــن بـــعـــدهـــموهـــم روحـــي وقـــصـــدي والـــمــــــرام

هانى رفعت
04-17-2010, 01:33 AM
وفي الليلة السابعة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أنس الوجود لما فرغ من شعره التفت إلى صاحبه الأصبهاني وقال له: ما هذا القصر ومن هو الذي بناه قال له: بناه وزير الملك الفلاني لابنته خوفاً عليها من عوارض الزمان وطوارق الحدثان وأسكنها فيه هي وأتباعها ولا تفتحه إلا في كل سنة مرة لما تأتي إليهم مؤونتهم فقال في نفسه: قد حصل المقصود ولكن المدة طويلة هذا ما كان من أمر أنس الوجود وأما ما كان من أمر الورد في الأكمام فإنها لم يهنأ لها شراب ولا طعام ولا قعود ولا منام فقامت وقد زاد بها الغرام والهيام ودارت في أركان القصر فلم تجد لها مصرفاً فسكبت العبرات وأنشدت هذه الأبيات: حـــبـــســـونـــي عـــن حـــبـــيبـــي قــــوةوأذاقـــونـــي بـــســـجـــنـــي لـــوعـــتـــي أحـرقـــوا قـــلـــبـــي بـــنـــيران الـــهـــوىحـيث ردوا عـن حـــبـــيبـــي نـــظـــرتـــي حـــبـــســـونـــي فـــي قـــصـــور شــــيدتفـــي جـــبـــال خـــلـــقـــت فــــي لـــــــجة إن يكـــونـــوا قـــد رأوا ســـتـــــــرتـــــــيلـم تــزد فـــي الـــحـــب إلا مـــحـــنـــتـــي كـــيف أســـلـــو والـــذي بـــي كـــــلـــــــهأصـلـه فـــي وجـــه حـــبـــي نـــظـــرتـــي وأنـــيســـي ذكـــرهـــم فـــي وحـــدتـــــــيحـين ألـقـى مـنـم لـــقـــاهـــم وحـــشـــتـــي يا تـــرى هـــل بـــعـــد هـــذا كـــــــلـــــــهيســمـــح الـــدهـــر بـــلـــقـــيا مـــنـــيتـــي فلا فرغت من شعرها طلعت إلى سطح القصر وأخذت أثواباً بعلبكية وربطت نفسها فيها
حتى وصلت إلى الأرض وقد كانت لابسة أفخر ما عندها من اللباس وفي عنقها عقد من الجواهر وسارت في تلك البراري والقفار حتى وصلت إلى شاطئ البحر فرأت صياداً في مركب دائر في البحر يصطاد فرماه الريح على تلك الجزيرة فالتفت فرأى الورد في الأكمام في تلك الجزيرة فلما رآها فزع منها وخرج بالمركب هارباً فنادته وأكثرت إليه الإشارات وأنشدت هذه الأبيات: يا أيهـا الـصـــياد لا تـــخـــشـــى الـــكـــدرغـــنـــنـــي إنـــســـية مـــثـــل الـــبـــشـــر أريد مـــنـــك أن تـــجـــيب دعـــــوتـــــــيوتـسـمـعـن قـولـي بـــإســـنـــاد الـــخـــبـــر فـارحـم وقــال الـــلـــه حـــر صـــبـــوتـــيإن أبـصـرت عـينـاك مـحـــبـــوبـــاً نـــفـــر فـــإنـــنـــي أهـــوى مـــلـــيحـــاً وجـــهـــهفـاق وجـه الـــشـــمـــس نـــور الـــقـــمـــر والـــظـــبـــي لـــمـــا رأى ألـــحـــاظــــــهقـــد قـــال إنـــي عـــبـــده ثـــم اعـــتـــــذر قـد كـتـب الـحــســـن عـــلـــى وجـــنـــتـــهسـطـراً بـديعـاً فـي الـمـعـانـي مـخـتـــصـــر فـمـن رأى نــور الـــهـــوى قـــد اهـــتـــدىأمـــا الـــذي ضـــل تـــعـــدى وكــــفـــــــر ومـــن يواقـــيت ومـــا أشـــبـــهــــــهـــــــاولـــؤلـــؤ رطــــب وأنـــــــواع الـــــــدرر عـسـى حـبـيبـي أن يوحـــي بـــالـــمـــنـــىفـإن قــلـــبـــي ذاب شـــوقـــاً وانـــفـــطـــر فلما سمع الصياد كلامها أرسى مركبه على البر وقال لها: انزلي في المركب حتى أعدي بك إلى أي موضع تريدين فنزلت في المركب وعوم بها فلما فارق البر بقليل هبت على المركب ريح من خلفها فسارت المركب بسرعة حتى غاب البر عن أعينهما وصار الصياد لا يعرف أن يذهب ومكث اشتداد الريح مدة ثلاثة أيام ثم سكن الريح بإذن الله تعالى ولم تزل المركب تسير بهما حتى وصلت إلى مدينة على شاطئ البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:34 AM
وفي الليلة الثامنة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المركب لما وصلت بالصياد والورد في الأكمام إلى مدينة على شاطئ البحر أراد الصياد أن يرسي مركبه على تلك المدينة وكان فيها ملك عظيم السطوة يقال له درباس وكان في ذلك الوقت جالساً هو وابنه في قصر مملكته وصارا ينظران من شباك القصر فالتفتا إلى جهة البحر فرأيا تلك المركب فتأملاها فوجدا فيها صبية كأنها البدر في أفق السماء وفي أذنيها حلق من البلخش الغالي وفي عنقها عقد من الأكابر والملوك فنزل الملك من قصره وخرج من باب القيطون فرأى المركب قد رست على الشاطئ وكانت البنت نائمة والصياد مشغولاً بربط المركب فأيقظها الملك من منامها فاستيقظت وهي تبكي فقال لها الملك: من أين أنت وابنة من أنت وما سبب مجيئك هنا فقالت له الورد في الأكمام: أنا ابنة إبراهيم وزير الملك الشامخ وسبب مجيئي هنا أمر عجيب وحكت له جميع قصتها من أولها إلى آخرها ولم تخف عنه شيئاً ثم صعدت الزفرات وأنشدت هذه الأبيات: قـد قـرح الـدمـع جـفـنـي فـاقـتـضـى عـجـبــاًمـن الـتـكـدر لـمـــا فـــاض وانـــســـكـــبـــا مـن أجـل خـل سـوى فـي مـهـجـتـــي أبـــداًولـم أنـل فـي الـهـوى مـن وصــلـــه أربـــا لــه مـــحـــيا جـــمـــيل بـــاهـــر نـــضـــروفـي الـمـلاحة فـاق الـتـــرك والـــعـــربـــا والـشـمـس والـبـدر قـد مـالا لـطــلـــعـــتـــهكـالـصـب والـتـزمـــا فـــي حـــبـــه الأدبـــا وطـرفـه بـعـجـيب الـسـحـر مـــكـــتـــحـــليريك قـوسـاً لـرمـي الـسـهـم مـنـتـــصـــبـــا يا مـن لـه حـالـتـي أوضـحـت مـــعـــتـــذراًارحـم مـحـبـاً بـه صـرف الـهـوى لــعـــبـــا إن الهـوى قـد رمـانـي فـي وسـط سـاحـتـكـمضـعـيف عـزم ومـنـكـم ارتـجـى حــســـبـــا إن الـكـــرام إذا مـــا حـــل ســـاحـــتـــهـــممـسـتـحـسـب فـحـمـاهـم يرفـع الـحـــســـبـــا فلما فرغت من شعرها حكت للملك قصتها من أولها إلى آخرها فقال لها: لا خوف عليك ولا فزع قد وصلت إلى مرادك فلا بد أن أبلغك ما تريدينه وأوصل إليك ما تطلبينه فاسمعي مني هذه الكلمات ثم أنشد هذه الأبيات: بـنـت الـكـرام بـلـغـت الــقـــصـــد والأربـــالـك الـبـشـارات لا تـخـشـى هـنـا نـصـــبـــا الـــيوم أجـــمـــع أمـــوالاً وأرســـلـــهــــــالـشـامـخ صـحـبة الـفـرسـان والــنـــجـــبـــا نـوافـح الـمـســك والـــديبـــاج أرســـلـــهـــاوأرسـل الـفـضة الـبـــيضـــاء والـــذهـــبـــا نـعـم وتـخـبــره عـــنـــي مـــكـــاتـــبـــتـــيأنـي مـريداً لـه صـهـــراً ومـــنـــتـــســـبـــا وأبـذل الـيوم جـــهـــدي فـــي مـــعـــاونـــهحـتـى يكـون الـذي تـهـــوين مـــقـــتـــربـــا قـد ذقـت طـعـم الـهــوى دهـــراً وأعـــرفـــهوأعـذر الـيوم مـن كـأس الـهـــوى شـــربـــا فلما فرغ من شعره خرج إلى عسكره ودعا بوزيره وحزم له مالاً لا يحصى وأمره أن يذهب بذلك إلى الملك الشامخ وقال له: لا بد أن تأتيني بشخص اسمه أنس الوجود وقل له: أنه يريد مصاهرتك بأن يزوج ابنته لأنس الوجود تابعك فلا بد من إرساله معي حتى نعقد عقده عليها في مملكة أبيها ثم أن الملك درباس كتب مكتوباً للملك الشامخ بمضمون ذلك وأعطاه لوزيره وأكد عليه في الإتيان بأنس الوجود وقال له: إن لم تأتني به تكون معزولاً عن مرتبتك فقال له: سمعاً وطاعة ثم توجه بالهدية إلى الملك الشامخ فلما وصل إليه بلغه السلام عن الملك درباس وأعطاه المكاتبة والهدية التي معه فلما رآه الملك الشامخ وقرأ المكاتبة ونظر اسم أنس الوجود بكى بكاءً شديداً وقال للوزير المرسل إليه: وأين أنس الوجود فإنه ذهب ولا نعلم مكانه فأتني به وأنا أعطيك أضعاف ما جئت به من الهدية ثم بكى وأنّ واشتكى وافاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: ردوا عـــــــلـــــــي حـــــــبـــــــيبـــــــــيلا حـــــــاجة لـــــــي بــــــــمـــــــــــــــال ولا أريد هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدايامــ ـــــن جـــــــواهـــــــر ولآلـــــــــــــــي قـــــــد كـــــــان عـــــــنـــــــدي بــــــــدراًســـــمـــــــا بـــــــأفـــــــق جـــــــمـــــــال وفـــاق حـــســـنـــــاً ومـــــــعـــــــنـــــــىولـــــــم يقـــــــس بـــــــــــغـــــــــــــــزال وقـــــــد غـــــــصــــــــــــن بـــــــــــــــانأثــــــــــمـــــــــــــــاره مـــــــــــــــن دلال ولـــيس فـــي الـــغـــصــــن طـــــــبـــــــعيســـبـــي عــــــقـــــــول الـــــــرجـــــــال ربـــــــيبـــــــه وهـــــــو طـــــــفـــــــــــلعـــــــلـــــــى مـــــــهـــــــاد الــــــــــدلال وإنـــــــنـــــــي لــــــــــــــحـــــــــــــــزينعـــلـــيه مـــشـــــغـــــــول الـــــــبـــــــال ثن التفت إلى الوزير الذي جاء بالهدية والرسالة وقال له: اذهب إلى سيدك وأخبره أن أنس الوجود مضى عام وهو غائب وسيده لم يدر أين ذهب ولا يعرف له خبر فقال له الوزير: يا مولاي إن سيدي قال لي إن لم تأتني به تكن معزولاً عن الوزارة ولا تدخل مدينتي فكيف أذهب إليه بغيره فقال الملك الشامخ لوزيره ابراهيم: اذهب معه صحبة جماعة وفتشوا على أنس الوجود في سائر الأماكن فقال له: سمعاً وطاعة ثم أخذ من أتباعه واصطحب وزير الملك درباس وساروا في طلب أنس الوجود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:36 AM
وفي الليلة التاسعة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابراهيم وزير الملك الشامخ أخذ جماعة من أتباعه واصطحب وزير الملك درباس وساروا في طلب أنس الوجود فكانوا كلما مروا بعرب أو قوم يسألونهم عن أنس الوجود فيقولون لهم: هل مر بكم شخص اسمه كذا وصفته كذا وكذا فيقولون: لا نعلمه وما زالوا يسألون المدائن والقرى ويفتشون في السهول والأوعار والبراري والقفار حتى وصلوا إلى شاطئ البحر وطلعوا في مركب ونزلوا فيها وساروا بها حتى أقبلوا على جبل الثكلى. فقال وزير الملك درباس لوزير الملك الشامخ: لأي شيء سمي هذا الجبل بذلك الاسم فقال له: لأنه نزلت به جنية في قديم الزمان وكانت نلك الجنية من جن الصين وقد أحبت إنساناً ووقع له معها غرام وخافت على نفسها من أهلها فلما زاد بها الغرام فتشت في الأرض على مكان تخفيه فيه عن أهلها فوجدت هذا الجبل منقطعاً من الإنس والجن بحيث لا يهتدي إلى طريقه أحد من الإنس والجن فاختطفت محبوبها ووضعته فيه وصارت تذهب إلى أهلها وتأتيه في خفية ولم تزل على ذلك زمناً طويلاً حتى ولدت منه في ذلك الجبل أطفالاً متعددة وكا كل من يمر على هذا الجبل من التجار والمسافرين في البحر يسمع بكاء الأطفال كبكاء المرأة التي ثكلت أولادها أي فقدتهم فقيقول: هل هنا ثكلى فتعجب وزير الملك درباس من هذا الكلام.
ثم إنهم ساروا حتى وصلوا إلى القصر وطرقوا الباب فانفتح الباب فخرج لهم خادم فعرف ابراهيم وزير الملك الشامخ فقبل يده ثم دخل القصر فوجد في فسحته رجلاً فقيراً بين الخدامين وهو أنس الوجود فقال لهم: من أين هذا فقالوا له: إنه رجل تاجر غرق ماله ونجا بنفسه وهو مجذوب فتركه ثم مشى إلى داخل القصر فلم يجد لابنته أثراً فسأل الجواري التي هناك فقلن له: ما عرفنا كيف راحت ولا أقامت معنا سوى مدة يسيرة فسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات: أيهـــا الـــدار الـــتــــــي أطـــــــيارهـــــــاقـــد تـــغـــنـــت وازدهـــت أعـــتـــابـــهـــا فـــأتـــاهـــا الـــصـــب ينـــعـــي شـــوقـــهورآهـــا فـــتـــحــــت أبـــــــوابـــــــهـــــــا كـــان فـــيهـــا كـــل شـــيء فــــــاخـــــــرواسـتـطـاعـت واعـتـــلـــى حـــجـــابـــهـــا وكـــســـوهـــا حـــلـــل مـــن ســـنــــــدسيا تـــرى أين غـــدت أصـــحـــابــــــهـــــــا فلما فرغ من شعره بكى وأنّ واشتكى وقال: لا حيلة في قضاء الله ولا مفر مما قدره وقضاه ثم طلع إلى سطح القصر فوجد الثياب البعلبكية مربوطة في شرارف واصلة إلى الأرض فعرف أنها نزلت من ذلك المكان وراحت كالهائج الولهان والتفت فرأى هناك طيرين غراباً وبومة فتشاءم من ذلك وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: أتـــيت إلـــــــى دار الأحـــــــبة راجـــــــياًبـآثـارهـم اطــفـــاء وجـــدي ولـــوعـــتـــي
فـلـم أجـد الأحـــبـــاب فـــيهـــا ولـــم أجـــدبـهـا غــير مـــشـــؤمـــي غـــراب وبـــومة وقـال لـسـان الـحـال قـد كـنــت ظـــالـــمـــاًوفـرقـــت بـــين الـــمـــغـــرمـــين الأحـــبة فـذق طـعـم مـا ذاقـوه مــن ألـــم الـــجـــوىوعـش كـــمـــداً مـــا بـــين دمـــع وحـــرقة ثم نزل من فوق القصر وهو يبكي وقد أمر الخدام أن يخرجوا إلى الجبل ويفتشوا على سيدتهم ففعلا ذلك فلم يجدوها. هذا ما كان من أمرها وأما ما كان من أمر أنس الوجود فإنه لما تحقق أن الورد في الأكمام قد ذهبت صاح صيحة عظيمة ووقع مغشياً عليه واستمر في غشيته فظنوا أنه أخذته جذبة من الرحمن واستغرق في جمال هيبة الديان ولما يئسوا من وجود أنس الوجود واشتغل قلب الوزير ابراهيم بفقد ابنته الورد في الأكمام أرارد وزير الملك درباس أن يتوجه إلى بلاده وإن لم يفز من سفره بمراده. فأخذ يودعه الوزير ابراهيم والد الورد في الأكمام فقال له وزير الملك درباس: إني أريد أن آخذ هذا الفقير معي عسى الله أن يعطف على الملك ببركته لأنه مجذوب ثم بعد ذلك أرسله إلى بلاد أصبهان لأنها قريبة من بلادنا فقال: افعل ما تريد ثم انصرف كل منهما متوجه إلى بلاده وقد أخذ وزير الملك درباس أنس الوجود معه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:47 AM
وفي الليلة العاشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن وزير الملك درباس أخذ أنس الوجود وهو مغشي عليه وسار ثلاثة أيام وهو في غشيته محمولاً على البغال ولا يدري هل هو محمول أو لا فلما أفاق من غشيته قال: في أي مكان أنا فقالوا له: أنت صحبة وزير الملك درباس ثم ذهبوا إلى الوزير وأخبروه أنه قد أفاق فأرسل إليه ماء الورد والسكر فيقوه وأنعشوه ولم يزالوا مسافرين حتى قربوا من مدينة الملك درباس فأرسل الملك إلى الوزير يقول له: إن لم يكن أنس الوجود معك فلا تأتي أبداً.
فلما قرأ مرسوم الملك عسر عليه ذلك وكان الوزير لا يعلم أن الورد في الأكمام عند ولا يعلم سبب إرسال الملك إياه إلى أنس الوجود ولا يعلم أن الوزير مرسل في طلبه والوزير لا يعلم أن هذا هو أنس الوجود فلما رأى الوزير أن أنس الوجود قد استفاق قال له: إن الملك أرسلني في حاجة وهي لم تقض ولما علم بقدومي أرسل إلي مكتوباً يقول لي فيه: إن لم تكن الحاجة قضيت فلا تدخل مدينتي فقال له: وما حاجة الملك فحكى له جميع الحكاية فقال له أنس الوجود:
لا تخف واذهب إلى الملك وخذني معك وأنا أضمن مجيء أنس الوجود. ففرح الوزير بذلك وقال له: أحق ما تقول فقال: نعم فركب وأخذه معه وسار به إلى الملك فلما وصلا إلى الملك قال له: أين أنس الوجود فقال له أنس الوجود: أيها الملك أنا أعرف مكان أنس الوجود فقربه الملك إليه وقال له: في أي مكان هو قال: في مكان قريب جداً ولكن أخبرني ماذا تريد منه وأنا أحضره بين يديك فقال له: حباً وكرامة ولكن هذا الأمر يحتاج إلى خلوة. ثم أمر الناس بالإنصراف ودخل معه خلوة وأخبره الملك بالقصة من أولها إلى آخرها فقال له أنس الوجود: ائتيني بثياب فاخرة وألبسني إياها وأنا آتيك بأنس الوجود سريعاً فأتاه ببدلة فاخرة فلبسها وقال: أن أنس الوجود وكمد الحسود ثم رمى القلوب باللحظات وأنشد هذه الأبيات: يؤانـسـنـي ذكـر الـحـبـــيب بـــخـــلـــوتـــيويطـرد عـنـي فـي الـتـبـاعـد وحـــشـــتـــي وشـوقــي شـــديد لـــيس يوجـــد مـــثـــلـــهوأمـري عـجـيب فـي الـهـوى والــمـــحـــبة فـأقـطـع لـيلـي سـاهـر الـجـــفـــن لـــم أنـــموفـي الـعـشـق أســعـــى بـــين نـــاروجـــنة وقـد كـان لـي صـبـر جــمـــيل عـــدمـــتـــهومـا مـنـحـنـي فـي الـحـب إلا بـمـحـنــتـــي وقـد رق جـسـمـي مـــن ألـــيم بـــعـــادهـــموغـيرت الأشـواق وصـفـــي وصـــورتـــي وأجـفـان عـينـي بـالـــدمـــوع تـــقـــرحـــتولـم أسـتـطـــع أنـــي أرجـــع دمـــعـــتـــي وقـد قـل حـــيلـــي والـــفـــؤاد عـــدمـــتـــهوكـــم ذا لاقـــى لـــوعة بـــعـــد لـــــــوعة وقـلـبـي ورأسـي بـالـمـشـيب تـــشـــابـــهـــاعـلـى سـادة بـالـحــســـن أحـــســـن ســـادة عـلـى زعـمـهـم كـان الـتــفـــرق بـــينـــنـــاومـا قـصـدهـم إلا لـــقـــائي ووصـــلـــتـــي فـيا هـل تـرى بـعـد الـتـقـاطـــع والـــنـــوىأيمـنـعـنـي دهــري بـــوصـــل أحـــبـــتـــي ويطـوي كـتـاب الـبـعـد مـن بـعــد نـــشـــرهوتـمـحـى بـراحـات الـوصـال مـشـــقـــتـــي ويبـقـى حـبـيبـي فــي الـــديار مـــنـــادمـــيوتـبـدل أحـزانــي بـــصـــفـــو ســـريرتـــي فلما فرغ من شعره قال له الملك: والله إنكما لمحبان صادقان وفي سماء الحسن كوكبان نيران وأمركما عجيب وشأنكما غريب ثم حكى له حكاية الورد في الأكمام إلى آخرها فقال له: وأين هي يا ملك الزمان قال: هي عندي الآن ثم أحضر الملك القاضي والشهود وعقد عقدها عليه وأكرمه وأحسن إليه ثم أرسل الملك درباس إلى الملك الشامخ وأخبره بجميع ما اتفق له من أمر أنس الوجود والورد في الأكمام ففرح الملك الشامخ بذلك غاية الفرح وأرسل إليه مكتوباً
مضمونه حيث حصل عقد العقد عندك ينبغي أن يكون الفرح والدخول عندي.
ثم جهز الجمال والخيل والرجال وأرسل في طلبهما فلما وصلت الرسالة إلى الملك درباس أمدهما بمال عظيم وأرسلهما مع جملة عسكره فساروا بهما جتى دخلوا مدينتهما وكان يوماً مشهوداً لم ير أعظم منه وجمع الملك الشامخ سائر المطربات من آلات المغاني وعمل الولائم ومكثوا على ذلك سبعة أيام وفي كل يوم يخلع الملك الشامخ على الناس الخلع السنية ويحسن إليهم ثم إن أنس الوجود دخل على الورد في الأكمام فعانقها وأخذا يبكيان من فرط الفرح والمسرات وأنشد هذه الأبيات: جـاء الـسـرور أزال الـــهـــم والـــحـــزنـــاثـم اجـتـمـعـنـا وأكـــمـــدنـــا حـــواســـدنـــا ونـسـمة الـوصـل قـد هــبـــت مـــعـــطـــرةفـأحـيت الـقـلـب والأحـــشـــاء والـــبـــدنـــا وبـهــجة الأنـــس قـــد لاحـــت مـــخـــلـــقةوفـي الـخـوافـــق قـــد دقـــت بـــشـــائرنـــا لا تـحـسـبـوا انـنــا بـــاكـــون مـــن حـــزنلـكـن مـن فــرح فـــاضـــت مـــدامـــعـــنـــا فـكـم رأينـا مــن الأهـــوال وانـــصـــرفـــتوقـد صـبـرنـا عـلـى مـن هـيج الـشــجـــنـــا فلما فرغ من شعره تعانقا ولم يزالا متعانقين حتى وقعا مغشياً عليهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:48 AM
وفي الليلة الحادية عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أنس الوجود والورد في الأكمام لما اجتمعا متعانقين ولم يزالا متعانقين حتى وقعا مغشياً عليهما من لذة الإجتماع فلما أفاقا من غشيتهما أنشد أنس الوجود هذه الأبيات: مـــا أحـــلاهــــا لـــــــيلات الـــــــوفـــــــاحـيث أمـسـى لـي حـبـيبـــي مـــنـــصـــفـــا وتـــوالـــى الـــوصـــل فـــيمـــا بـــينـــنـــاوانـفـصـال الــهـــجـــر عـــنـــا قـــد وفـــى وإلـــينـــا الـــدهـــر يســـعـــى مـــقـــبــــلاًبـــعـــد مـــا مـــال وعـــنـــا انـــحـــرفـــــا نـــصـــب الـــســـعـــد لـــنـــا أعـــلامـــــهوشـربــنـــا مـــنـــه كـــأســـاً قـــد صـــفـــا واجـتــمـــعـــنـــا وتـــشـــاكـــينـــا الآســـىولـــلـــيلات تـــقـــضـــت بـــالـــجـــفـــــــا ونـــســـينـــا مـــا مـــضـــى يا ســـادتـــــيوعــفـــا الـــرحـــمـــن عـــمـــا ســـلـــفـــا مـــا ألـــذ الـــعـــيش مـــــا أطـــــــيبـــــــهلـــم يزدنـــي الـــوصـــل إلا شـــغـــفـــــــا
فلما فرغ من شعره تعانقا واضطجعا في خلوتهما ولم يزالا في منادمة وأشعار ولطف وحكايات وأخبار حتى غرقا في بحر الغرام ومضت عليهما سبعة أيام وهما لا يدريان ليلاً من نهار لفرط ما هما فيه من لذة وسرور وصفو وحبور فكأن السبعة أيام يوم واحد ليس له ثاني وما عرفا يوم الأسبوع إلا بمجيء آلات المغاني فأكثرت الورد في الأكمام المتعجبات وأنشدت هذه الأبيات: عـلـــى غـــيظ الـــحـــواســـد والـــرقـــيببـلـــغـــنـــا مـــا نـــريد مـــن الـــحـــبـــيب وأسـعـفـنـــا الـــتـــوصـــل بـــاعـــتـــنـــاقعـلـــى الـــديبـــاج والـــقـــز الـــقـــشـــيب وفـــرش مـــن أديم قـــد حــــشـــــــونـــــــابـــريش الـــطـــير مـــن شـــكـــلٍ غـــريب وعـن شـرب الـــمـــدام قـــد اغـــتـــنـــينـــابــريق الـــحـــب جـــل عـــن الـــضـــريب ومـن طــيب الـــوصـــال فـــلـــيس نـــدريبـــأوقـــات الـــبـــعـــيد مـــن الـــقــــــريب لـــيالـــي ســـبـــعة مـــرت عـــلـــــينـــــــاولـم نـشـعــر بـــهـــا كـــم مـــن عـــجـــيب فـــهـــنـــونـــي بـــأســـبـــوع وقـــولــــــواأدام الـــلـــه وصـــلـــك بـــالـــحـــبــــــيب فلما فرغت من شعرها قبلها أنس الوجود ما ينوف عن المئات ثم أنشد هذه الأبيات: أتــى يوم الـــشـــرور مـــع الـــتـــهـــانـــيوجـــاء الـــحـــب مـــن صـــدوفـــانـــــــي وأســـقـــانـــي شـــراب الأنـــس حـــتـــــىذهـلـت عـن الـوجـــود بـــمـــا ســـقـــانـــي فـطـربـنـا وانـشـرحـنـا واضـطـــجـــعـــنـــاوصـــرنـــا فـــي شـــراب مـــع أغـــانــــي ومـن فـــرط الـــســـرور فـــلـــيس نـــدريمـــن الأيام أولـــــــهـــــــا وثـــــــانـــــــي ولا يدري لـــمـــر الـــصـــد طـــعـــمـــــــاًوربـــي قـــد حـــبـــاه بـــمـــا حـــبـــانــــي فلما فرغ من شعره قاما وخرجا من مكانهما وأنعما على الناس بالمال والخلع وأعطيا ووهبا إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فسبحان من لا يحول ولا يزول وإليه كل الأمور تؤول.
ومما يحكى أن الخليفة هارون الرشيد كان يحب السيدة زبيدة محبة عظيمة وخصص لها مكاناً للتنزه وعمل لها سياجاً من الأشجار وأرسل إليها الماء من كل جانب فالتفت عليها الأشجار حتى لو دخل أحد يغتسل في تلك البحيرة لم يره أحد من كثرة أوراق الشجر فاتفق أن السيدة زبيدة دخلت ذلك المكان يوماً وأتت إلى البحيرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:48 AM
وفي الليلة الثانية عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة زبيدة لما دخلت ذلك المكان يوماً وأتت إلى البحيرة وتفرجت على حسنها وجمالها فأعجبها رونقها والتفاف الأشجار عليها وكان ذلك في يوم الحر فقلعت أثوابها ونزلت إلى البحيرة ووقفت وكانت البحيرة لا تستر من يقف فيها فجعلت تملأ بإبريق من عين وتصب على بدنها فعلم الخليفة بذلك فنزل من قصره يتجسس عليها من خلف أوراق الأشجار فرآها عريانة وقد بان منها ما كان مستور فلما أحست بأمير المؤمنين خلف أوراق الأشجار وعرفت أنه رآها عريانة التفتت إليه ونظرته فاستحسنت منه ووضعت يدها على فرجها ففاض من بين يديها لفرط كبره وغلظه فولى من ساعته وهو يتعجب من ذلك وينشد هذا البيت: نـــظـــرت عـــينــــي لـــــــحـــــــينـــــــيوزكـــــــا وجـــــــدي لـــــــبـــــــينــــــــي ولم يدر بعد ذلك ما يقول فأرسل خلف أبي نواس يحضره فلما حضر بين يديه قال له الخليفة: أنشدني شعراً في أوله: نـــظـــرت عـــينــــي لـــــــحـــــــينـــــــيوزكـــــــا وجـــــــدي لـــــــبـــــــينــــــــي فقال أبو نواس: سمعاً وطاعة وارتجل في أقرب اللحظات وأنشد هذه الأبيات: نـــظـــرت عـــينــــي لـــــــحـــــــينـــــــيوزكـــــــا وجـــــــدي لـــــــبـــــــينــــــــي مـــن غـــزال قـــــــد ســـــــبـــــــانـــــــيتـــــــحـــــــت ظـــــــل الـــــــدرتـــــــــين نـــظـــرتـــــــنـــــــي ســـــــتـــــــرتـــــــهفـــــــاض مـــــــن بـــــــين الـــــــــــــيدين لـــيتـــنـــــي كـــــــنـــــــت عـــــــلـــــــيهســـــــاعة أو ســـــــاعــــــــتـــــــــــــــين فتبسم أمير المؤمنين من كلامه وأحسن إليه وانصرف من عنده مسروراً.
ومما يحكى أن الملك العادل كسرى أنوشروان ركب يوماً إلى الصيد فانفرد عن عسكره ظبي فبينما هو ساع خلف الظبي إذ رأى ضيعة قريبة منه وكان قد عطش عطشاً شديداً فتوجه إلى تلك الضيعة وقصد دار باب قوم في طريقه فطلب ماء ليشرب فخرجت صبية فأبصرته ثم عادت إلى البيت وعصرت له عوداً من قصب السكر ومزجت ما عصرته منه بالماء ووضعته في قدح ووضعت عليه شيئاً من الطيب يشبه التراب ثم سلمته إلى أنوشروان فنظر في القدح فرأى فيه شيئاً يشبه التراب فجعل يشرب منه قليلاً حتى انتهى إلى آخره ثم قال للصبية: أيتها الصبية نعم الماء ما أحلاه لولا ذلك القذي الذي فيه فإنه كدره فقالت الصبية: أيها الضيف أنا عمداً ألقيت فيه ذلك القذي الذي كدره فقال الملك: ولم فعلت ذلك فقالت: لأني رأيتك شديد العطش وخفت أن تشربه نهلة واحدة فيضرك فلو لم يكن فيه قذي لكنت شربته بسرعة نهلة واحدة وكان يضرك شربه على هذه الطريقة فتعجب الملك العادل أنوشروان من كلامها وذكاء عقلها وعلم أن ما قالته ناشئ عن ذكاء وفطنة وجودة عقل فقال لها: من أي عود عصرت ذلك الماء فقالت: من عود واحد فتعجب أنوشروان وطلب جريدة الخراج الذي يحصل من تلك القرية فرأى خراجها قليلاً فأضمر في نفسه أنه إذا عاد إلى تخته يزيد في خراج تلك القرية وقال: قرية يكون في عود واحد منها هذا الماء كيف يكون خراجها هذا القدر القليل ثم انصرف عن تلك القرية إلى الصيد وفي آخر النهار رجع إليها واجتاز على ذلك الباب منفرداً وطلب الماء ليشرب فخرجت تلك الصبية بعينها فرأته فعرفته ثم عادت لتخرج له الماء فأبطأت عليه فاستعجلها أنوشروان وقال: لأي شيء أبطأت وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 01:50 AM
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أنوشروان لما استعجل الصبية قال لها: لأي شيء أبطأت فقالت: لأنه لم يخرج من عود واحد قد تغيرت فقال لها: وما سبب ذلك فقالت: سببه أن نية السلطان قد تغيرت فقال لها: من أين جاءك قالت: سمعنا من العقلاء أنه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركتهم وقلت خيراته فضح أنوشروان وأزال من نفسه ما كان أضمر لهم عليه وتزوج بتلك الصبية حالاً حيث أعجبه فرط ذكائها وفطنتها وحسن كلامها.
ومما يحكى أنه كان رجل بخاري بمدينة سقا يحمل بالماء إلى دار رجل صائغ ومضى له على تلك الحالة ثلاثون سنة وكان لذلك الصائغ زوجة في غاية الحسن والجمال والبهاء والكمال موصوفة بالديانة والحفظ فجاء السقا على عادته يوماً وصب الماء في الخباب وكانت قائمة في وسط الدار فدنا منها السقا وأخذ بيدها وفركها وعصرها ثم مضى وتركها فلما جاء زوجها من السوق قالت له: إني أريد أن تعرفني أي شيء صنعت هذا اليوم في السوق ما يغضب الله تعالى فقال الرجل: ما صنعت شيئاً يغضب الله تعالى فقالت المرأة: بلى والله إنك فعلت شيئاً يغضب الله تعالى وإن لم تحدثني بما صنعت وتصدقني في حديثك لا أقعد في بيتك ولا تراني ولا
أراك فقال: أخبرك بما فعلته في يومي هذا على وجه الصدق اتفق لي أنني جالس في الدكان على عادتي إذا جاءت امرأة إلى دكاني وأمرتني أن أصوغ لها إسواراً وانصرفت فصغت لها سواراً من ذهب ورفعته فلما حضرت أتيتها به فأخرجت يدها ووضعت السوار في ساعدها فتحيرت من بياض يدها وحسن زندها الذي يسبي الناظر وتذكرت قول الشاعر: وسـواعـــد تـــزهـــو بـــحـــســـن أســـاوركـــالـــنـــار تـــضـــرم فـــوق مـــاء جـــار فـكـأنـمــا والـــتـــبـــر مـــحـــتـــاط بـــهـــامـاء تـمـنـطـــق مـــعـــجـــبـــاً بـــالـــنـــار فأخذت يدها وعصرتها ولويتها فقال له المرأة: الله أكبر لم فعلت هذا الجرم إن ذلك السقا الذي كان يدخل بيتنا منذ ثلاثين سنة ولم نر فيه خيانة أخذ اليوم يدي وعصرها ولواها فقال الله: نسأل الله الأمان أيتها المرأة إني تائب مما كان مني فاستغفري الله فقالت المرأة: غفر الله لي ولك ورزقنا حسن العاقبة فلم كان الغد جاء الرجل السقا وألقى نفسه بين يدي المرأة وتمرغ على التراب واعتذر إليها وقال: يا سيدتي اجعليني في حل مما أغراني به الشيطان حيث أضلني وأغواني. فقالت له المرأة: امض إلى حال سبيلك فإن ذلك الخطأ لم يكن منك وإنما كان سببه من زوجي حيث فعل ما فعل في الدكان فاقتص الله منه في الدنيا وقيل أن الرجل الصائغ لما أخبرته زوجته بما فعل السقا معها قال: دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا فصار هذا الكلام مثلاً سائراً بين الناس فينبغي للمرأة مع زوجها ظاهراً وباطناً وتقنع منه بالقليل إن لم يقدر على الكثير وتقتدي بعائشة الصديقة وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما لتكون مع حواشي السلف.
ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان امرأة صالحة في بني إسرائيل وكانت تلك المرأة دينة عابدة تخرج كل يوم إلى المصلى بستان فإذا خرجت إلى المصلى تدخل ذلك البستان وتتوضأ منه وكان في البستان شيخان يحرسانه فتعلق الشيخان بتلك المرأة وراوداها عن نفسها فأبت فقالا لها: إن لم تمكنينا من نفسك لنشهدن عليك بالزنا فقالت لهما الجارية: الله يكفيني شركما ففتحا باب البستان وصاحا فأقبل عليهما الناس من كل مكان وقالوا: ما خبركما فقالا: إنا وجدنا هذه الجارية مع شاب يفجر بها وانفلت الشاب من أيدينا وكان الناس في ذلك الوقت ينادون بفضيحة الزاني ثلاثة أيام ثم يرجمونه فنادوا عليها ثلاثة أيام من أجل الفضيحة وكان الشيخان في كل يوم يدانون منها ويضعان أيديهما على رأسها ويقولان لها: الحمد لله الذي أنزل بك نقمته. فلما أرادوا رجمها تبعهم دانيال وهو ابن اثنتي عشرة سنة وهذه
أول معجزة على نبينا عليه الصلاة والسلام ولم يزل تابعاً لهم حتى لحقهم وقال: لا تعجلوا عليها بالرجم حتى أقضي بينهم فوضعوا له كرسياً.
ثم جلس وفرق الشيخين وهو أول من فرق بين الشهود فقال لأحدهما: ما رأيت فذكر له ما جرى فقال له: حصل ذلك في أي مكان في البستان فقال: في الجانب الشرقي تحت شجرة كمثري ثم سأل الثاني عما رأى فأخبره بما جرى فقال له: في أي مكان في البستان فقال: في الجانب الغربي تحت شجرة تفاح هذا والجارية واقفة رافعة رأسها ويديها إلى السماء وهي تدعو الله بالخلاص فأنزل الله تعالى صاعقة من العذاب فأحرقت الشيخين وأظهر الله تعالى براءة الجارية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:18 AM
وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصاعقة نزلت على الشيخين فأحرقتهما وأظهر الله براءة الجارية وهذا أول ما جرى من المعجزات لنبي الله دانيال عليه السلام.
ويحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد خرج يوماً من الأيام هو وأبا إسحاق النديم وجعفر البرمكي وأبو نواس وساروا في الصحراء فرأوا شيخاً متكئاً على حمار له فقال هارون الرشيد لجعفر: اسأل هذا الشيخ من أين هو فقال له جعفر: من أين جئت قال: من البصرة فقال له جعفر: وإلى أين سيرك قال إلى بغداد قال: وما تصنع فيها قال: ألتمس دواء لعيني فقال هارون الرشيد: يا جعفر مازحه فقال: إذا مازحته أسمع منه ما أكره فقال: بحقي عليك أن تمازحه فقال جعفر للشيخ: إن وصفت لك دواء ينفعك ما الذي تكافئني به فقال له: إن الله تعالى يكافئك عني ما هو خير لك من مكافئتي فقال: انصت إلي حتى أصف لك هذا الدواء الذي لا أصفه لأحد غيرك فقال له: وما هو فقال جعفر: خذ لك ثلاث أواق من هبوب الريح وثلاث أواق من شعاع الشمس وثلاث أواق من زهر القمر وثلاث أواق من نور السراج واجمع الجميع وضعها في الريح ثلاثة أشهر ثم بعد ذلك ضعها في هون بلا قعر ودقها ثلاثة أشهر فإذا دققتها تضعها في جفنك مشقوقة وضع الجفة في الريح ثلاثة أشهر ثم استعمل من هذا الدواء في كل يوم ثلاثة دراهم عند النوم واستمر على ذلك ثلاثة أشهر فإنك تعافى إن شاء الله تعالى فلما سمع الشيخ كلام جعفر انسطح على حماره وضرط ضرطة منكرة وقال: خذ هذه الضرطة مكافأة لك على وصفك هذا الدواء فإذا استعملته ورزقني الله العافية أعطيتك جارية تخدمك
في حياتك خدمة يقطع الله بها أجلك فإذا مت وعجل الله بروحك إلى النار وسخمت وجهك بخراها من حزنها عليك وتندب وتلطم وتنوح وتقول في نياحها: يا ساقع الذقن ما أسقع ذقنك فضحك هارون الرشيد حتى استلقى على قفاه وأمر لذلك الرجل بثلاثة آلاف دينار.
وحكى الشريف حسين بن ريان أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان جالساً في بعض الأيام للقضاء بين الناس والحكم بين الرعايا وعنده أكابر الصحابة من أهل الرأي والإصابة فبينما هو جالس إذ أقبل عليه شاب من أحسن الشباب نظيف الثياب وقد تعلق به شابان من أحسن الشباب وقد جذبه الشابان من طوقه وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فنظر أمير المؤمنين إليهما وإليه فأمرهما بالكف عنه وأدناه منه وقال للشابان: ما قصتكما معه فقالا: يا أمير المؤمنين نحن أخوان شقيقان وباتباع الحق حقيقان كان لنا أب شيخ كبير حسن لتدبير معظم في القبائل منزه عن الرذائل معروف بالفضائل ربانا صغاراً واولانا كباراً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشابين قالا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إن أبانا كان معظماً في القبائل منزه عن الرذائل معروفاً بالفضائل ربانا صغاراً وأولانا كباراً جم المناقب والمفاخر حقيقاً بقول الشاعر: قـالـوا أبـو الـصـقـر مـن شـيبـان قـلـت لـهـمكـلا لـعـمــري ولـــكـــن مـــنـــه شـــيبـــان فـكــم أب قـــد عـــلا بـــابـــن ذوي شـــرفكـمـا عـلـت بـــرســـول الـــلـــه عـــدنـــان فخرج يوماً إلى حديقة له ليتنزه في أشجارها ويقتطف يانع ثمارها فقتله هذا الشاب وعدل عن طريق الرشاد ونسألك القصاً كما جاء والحكم فيه بما أمرك الله فنظر عمر إلى الشاب نظرة مرهبة وقال له: قد سمعت من هذين الغلامين الخطاب فما تقول أنت في الجواب وكان ذلك الغلام ثابت الجنان جريء اللسانقد خلع ثياب الهلع ونزع لباس الجزع فتبسم وتكلم بأفصح لسان وحيا أمير المؤمنين بكلمات حسان ثم قال: والله يا أمير المؤمنين لقد وعيت ما ادعوا صدقاً فيما قالاه حيث أخبرا بما جرى وكان أمر الله قدراً مقدوراً ولكن سأذكر قصتي بين يديك والأمر فيها إليك اعلم يا أمير المؤمنين أني من صميم العرب العرباء الذين هم أشرف من تحت الجرباء نشأت في منازل البادية فأصابت قومي سود السنين العادية فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد وسلكت بعض طرائقها إلى المسير بين حدائقها بنياق كريمة عزيزات علي بينهن فحل
كريم الأصل كثير النسل مليح الشكل يكثر منهن النتاج ويمشي بينهن كأنه ملك عليه تاج فندت بعض النياق إلى حديقة أبيهم وقد ظهر من الحائط أشجارها فتناولته بمشفرها فطردتها عن تلك الحديقة وإذا بشيخ من الحائط قد ظهر وزفير غيظه يرمي الشرر وفي يده اليمنى حجر وهو يهادى كالليث إذا حضر فضرب الفحل بذلك الحجر فقتله لأنه أصاب مقتله فلما رأيت الفحل قد سقط بجانبي آنست إلى قلبي قد توقدت فيه جمرات الغضب قتناولت ذلك الحجر بعينه وضربته به فكان سبباً لحينه ولقي سوء مقبله والمرء مقتول بما قتل وعند إصابته بالحجر صاح صيحة عظيمة وصرخ صرخة أليمة فأسرعت بالسير من مكاني فأسرع هذا الشابان وأمسكاني وإليك أحضراني وبين يديك أوقفاني فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قد اعترفت بما اقترفت وتعذر الخلاص ووجب القصاً ولات حين مناً فقال الشاب: سمعاً وطاعة لما حكم به الإمام ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام ولكن لي أخ صغير كان له أب كبير خصه قبل وفاته بمال جزيل وذهب جليل وقد سلم أمره لي وأشهد الله علي وقال: هذا لأخيك عندك فاحفظه جهدك فأخذت ذلك المال ودفنته ولا أحد يعلم به إلا أنا فإن حكمت الآن بقتلي ذهب الملا وكنت السبب في ذهابه وطالبك الصغير بحقه يوم يقضي الله بين خلقه وإن أنت انتظرتني ثلاثة أيام أقمت من يتولى أمر الغلام وعدت وافياً بالذمام ولي من يضمنني على هذا الكلام. فأطرق أمير المؤمنين رأسه ثم نظر إلى من حضره وقال: من يقوم بضمانه والعود إلى مكانه فنظر الغلام إلى وجوه من في المجلس وأشار إلى أبي ذر دون الحاضرين وقال: هذا يكفلني ويضمنني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:20 AM
وفي الليلة السادسة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما أشار إلى أبي ذر وقال: هذا يكفلني ويضمنني قال عمر رضي الله عنه: يا أبا ذر أسمعت هذا الكلام وتضمن لي حضور هذا الغلام قال: نعم يا أمير المؤمنين أضمنه إلى ثلاثة أيام فرضي بذلك وأذن للغلام في الإنصراف فلما انقضت مدة الإمهال وكاد وقتها أن يزول أو زال ولم يحضر الشاب إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر وأبو ذر قد حضر والخصمان ينتظران فقالا: أين الغريم يا أبا ذر كيف رجوع من فر ولكن نحن لا نبرح من مكاننا حتى تأتينا للأخذ بثأرنا به. فقال أبو ذر: وحق الملك العلام أن انقضت الثلاثة أيام ولم يحضر الغلام وفيت بالضمان وسلمت نفسي للإمام فقال عمر رضي الله
عنه: والله إن تأخر الغلام لأقضين في أبي ذر ما اقتضته شريعة الإسلام فهملت عبرات الحاضرين وارتفعت زفرات الناظرين وعظم الضجيج فعرض أكابر الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الاثنية فأبيا ولم يقبلا إلا الأخذ بالثأر فبينما الناس يموجون ويضجون تأسفاً على أبي ذر إذ أقبل الغلام ووقف بين يدي الإمام وسلم عليه بأحسن سلام ووجهه مشرق يتهلل وبالعرق يتكلل وقال له: قد أسلمت الصبي إلى أخواله وعرفتهم بجميع أحواله وأطلعتهم على مكان ماله.
ثم اقتحمت هاجرة الحر ووفيت فاه الحر فتعجب الناس من صدقه ووفائه وإقدامه على الموت واجترائه فقال له بعضهم: ماأكرمك من غلام وأوفاك بالعهد والزمام فقال الغلام: أما تحققتم أن الموت إذا حضر لا ينجو منه أحد وغنما وفيت كيلا يقال ذهب الوفاء من الناس فقال أبو ذر: والله يا أمير المؤمنين لقد ضمنت هذا الغلام ولم أعرفه من أي قوم ولا رأيته قبل ذلك اليوم ولكن لما أعرض عمر حضر وقصدني وقال: هذا يضمنني ويكفلني لم أستحسن رده وأبت المروة أن تخيب قصده إذ ليس في إجابة القصد من باس كيلا يقال ذهب الفضل من الناس فعند ذلك قال الشابان: يا أمير المؤمنين قد وهبنا لهذا الشاب دم أبينا حيث بدل الوحشة بالإيناس كيلا يقال ذهب المعروف من الناس فاستبشر الإمام بالعفو عن الغلام وصدقه ووفائه بالذمام واستكبر مروءة إبي ذر دون جلسائه واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف وأثنى عليهما ثناء الشاكر وتمثل بقول الشاعر: مـــن يصـــنـــع الـــخـــير بـــين الـــــورىلا يذهـب الـخـير بـــين الـــلـــه والـــنـــاس ثم عرض عليهما أن يصرف دية أبيهما من بيت المال فقالا: إنما عفونا عنه ابتغاء وجه الله الكريم المتعال ومن بيته كذا لا يتبع إحسانه مناً ولا أذى.
ومما يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان له ولد قد بلغ من العمر ستة عشرة عاماً وكان معرض عن الدنيا وسالكاً طريقة الزهاد والعباد فكان يخرج لإلى المقابر ويقول: قد كنتم تملكون الدنيا فما ذلكم بمنجيكم وقد صرتم إلى قبوركم فيا ليت شعري ما قلتم وما قيل لكم ويبكي بكاء الخائف الوجل وينشد قول القائل: تـروعـنـي الـــجـــنـــائز فـــي كـــل وقـــتويحـــزنـــنـــي بـــكـــاء الـــنــــائحـــــــات فاتفق أن أباه مر عليه في بعض الأيام وهو في موكبه وحوله وزرائه وكبراء دولته وأهل مملكته فرأوا ولد أمير المؤمنين وعلى جسد جبة من صوف وعلى رأسه مئزر من صوف فقال بعضهم
لبعض: لقد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك فلو عاتبه لرجع عما هو فيه فسمع أمير المؤمنين كلامهم فكلمه في ذلك وقال له: لقد فضحتني بما أنت عليه فنظر إليه ولم يجبه. ثم نظر إلى طائر على شرفة من شرفات القصر فقال له: أيها الطائر بحق الذي خلقك أن تسقط على يدي فانقض الطائر على يد الغلام ثم قال له: ارجع إلى موضعك فرجع إلى موضعه ثم قال له: اسقط على يد أمير المؤمنين فأبى أن يسقط على يده فقال الغلام لأبيه: يا أمير المؤمنين أنت الذي فضحتني بين الأولياء بحبك الدنيا وقد عزمت على مفارقتك مفارقة لا أعود إليك بعدها إلا في الآخرة.
ثم انحدر في البصرة فكان يعمل مع الفعلة في الطين وكان لا يعمل في كل يوم إلا بدرهم ودانق فيتقوت بالدانق ويتصدق بالدرهم قال أبو عامر البصري وكان قد وقع في داري حائط فخرجت إلى موقف الفعلة لأنظر رجلاً يعمل لي فيه فوقعت عيني على شاب مليح ذي وجه صبيح فجئت إليه وسلمت عليه وقلت له: يا حبيبي أتريد الخدمة فقال: نعم فقلت: قم معي إلى بناء الحائط فقال لي: بشروط أشترطها عليك قلت: يا حبيبي ما هي قال: الأجرة درهم ودانق وإذا أذن المؤذن تتركني حتى أصلي مع الجماعة قلت: نعم.
ثم أخذته وذهبت به إلى المنزل فخدم خدمة لم أر مثلها وذكرت له الغداء فقال: لا فعلمت أنه صائم فلما سمع الآذان قال لي: قد علمت الشرط فقلت: نعم فحل حزامه وتفرغ للوضوء وتوضأ وضوءاً لم أر أحسن منه. ثم خرج إلى الصلاة فصلى مع الجماعة ثم رجع إلى خدمته فلما أذن العصر توضأ وذهب إلى الصلاة ثم عاد إلى الخدمة فقلت له: يا حبيبي قد انتهى وقت الخدمة فإن خدمة الفعلة إلى العصر فقال: سبحان الله إنما خدمتي إلى الليل ولم يزل يخدم إلى الليل فأعطيته درهمين. فلما رآهما قال: ما هذا قلت: والله إن هذا بعض أجرتك لاجتهادك في خدمتي فرمى بهما إلي وقال: لا أريد زيادة على ما كان بيني وبينك فرغبته فلم أقدر عليه فأعطيته درهماً ودانقاً وسار فلما أصبح الصباح بكرت إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: أنه لا يأتي ههنا إلا في يوم السبت فقط فلما كان يوم السبت الثاني ذهبت إلى ذلك المكان فوجدته فقلت له: باسم الله تفضل إلى الخدمة. فقال لي: على الشروط التي تعلمها قلت: نعم فذهبت به إلى داري ووقفت وهو لا يراني فأخذ كفاً من الطين ووضعه على الحائط فإذا الحجارة يتركب بعضها على بعض فقلت: هكذا أولياء الله فخدم يومه ذلك وزاد فيه على ما
تقدم فلما كان الليل دفعت له أجرته فأخذها وسار فلما جاء يوم السبت الثالث أتيت إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: هو مريض راقد في خيمة فلانة وكانت تلك المرأة مشهورة بالصلاح ولها خيمة من قصب الجبانة فسرت إلى الخيمة ودخلتها فإذا هو مضطجع على الأرض وليس تحته شيء وقد وضع رأسه على لبنة ووجهه يتهلل نوراً فسلمت عليه فرد علي السلام فجلس عند رأسه أبكي على صغر سنه وغربته وتوفيقه لطاعة ربه.
ثم قلت له: ألك حاجة قال: نعم قلت: وما هي قال: إذا كان الغد تجيء إلي في وقت الضحى فتجدني ميتاً فتغسلني وتحفر قبري ولا تعلم بذلك أحداً وتكفنني في هذه الجبة التي علي بعد أن تفتقها وتفتش جيبها وتخرج ما فيه وتحفظه عندك فإذا صليت علي وواريتني في التراب فاذهب إلى بغداد وارتقب الخليفة هارون الرشيد حتى يخرج وادفع له ما تجده في جيبي واقرئه من السلام ثم تشهد وأثنى على ربه بأبلغ الكلمات وأنشد هذه الأبيات: بـــلـــغ أمـــانة مـــن وافـــت مـــنـــيتــــــهإلــى الـــرشـــيد فـــإن الأجـــر فـــي ذاكـــا وقـــل غـــريب لـــه شـــوق لـــرؤيتـــكــــمعـلـى تـمـادي الـهـوى والـبـعــد لـــبـــاكـــا مـا صـده عـنـــك لا بـــغـــض ولا مـــلـــللأن قـــربـــتـــه مـــن لـــثـــم يمـــنـــاكـــــا وإنـــمـــا أبـــعـــدتـــه عـــنـــك يا أبـــتـــينـفـس لـــهـــا عـــفة عـــن نـــيل دنـــياكـــا ثم أن الغلام بعد ذلك اشتغل بالإستغفار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:21 AM
وفي الليلة السابعة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام بعد ذلك اشتغل بالإستغفار والصلاة والسلام على سيد الأبرار وتلاوة بعض الآيات ثم أنشد هذه الأبيات: يا والـــدي لا تـــفـــتـــر بـــتـــنـــــــعـــــــمفـــالـــعـــمـــرينـــفـ ــد والـــنـــعـــــيم يزول وإذا عـلـــمـــت بـــحـــال قـــوم ســـاءهـــمفـاعـلـم بـأنـــك عـــنـــهـــمـــو مـــســـؤول قال أبو عامر البصري: فلما فرغ الغلام من وصيته وإنشاده ذهبت عنه وتوجهت إلى بيتي فلما أصبح الصباح ذهبت إليه من الغد وقت الضحى فوجدته قد مات رحمة الله عليه فغسلته وفتقت جبته فوجد في جيبه ياقوتة تساوي آلافاً من الدنانير فقلت في نفسي: والله إن هذا الفتى لقد زهد في الدنيا غاية الزهد ثم بعد أن دفنته توجهت إلى بغداد ووصلت إلى دار الخلافة
وصرت أترقب خروج الرشيد إلى أن خرج فتعرضت له في بعض الطرق ودفعت إليه الياقوتة فلما رآها عرفها فخر مغشياً عليه فقبض علي الخدم فلما أفاق قال للخدم: أفرجوا عنه وأرسلوه برفق إلى القصر ففعلوا مأمرهم به فلما دخل قصره طلبني وأدخلني محله وقال لي: ما فعل صاحب هذه الياقونة فقلت: قد مات ووصفت له حاله فجعل يبكي ويقول: انتفع الولد وخاب الوالد ثم نادى: يا فلانة فخرجت امرأة فلما رأتني أرادت أن ترجع فقال لها: تعالي وما عليك منه فدخلت وسلمت فرمى إليها الياقوتة فلما رأتها صرخت صرخة عظيمة ووقعت مغشياً عليها فلما أفاقت من غشيتها قالت: يا أمير المؤمنين ما فعل الله بولدي فقال لي: أخبرها بشأنه وأخذته العبرة فأخبرتها بشأنه فجعلت تبكي وتقول بصوت ضعيف: ما أشوقني إلى لقائك يا قرة عيني ليتني كنت أسقيك إذا لم تجد من يسقيك ليتني كنت أؤانسك إذا لم تجد مؤانساً ثم سكبت العبرات وأنشدت هذه الأبيات: مـن بـعـد عـز وشـمـل كـان مـجــتـــمـــعـــاَأضـــحـــى فـــريداً وحـــيداً لا يرى أحــــدا يبــين لـــلـــنـــاس مـــا الأيام تـــضـــمـــرهلـم يتـرك الـــمـــوت مـــنـــا واحـــداً أبـــدا يا غـائبـاً قـد قـضـــى ربـــي بـــغـــربـــتـــهوصـار مـنـيبـعــد الـــقـــرب مـــبـــتـــعـــدا إن أيأس الـمـوت مـــن لـــقـــياك يا ولـــديفـإنـنـا نـلــتـــقـــي يوم الـــحـــســـاب غـــدا فقلت: يا أمير المؤمنين أهو ولدك قال: نعم وقد كان قبل ولايتي هذا الأمر يزور العلماء ويجالس الصالحين فلما وليت هذا الأمر نفر مني وباعد نفسه عني فقلت لأمه: إن هذا الولد منقطع إلى الله تعالى وربما تصيبه الشدائد ويكابد الإمتحان فادفعي إليه هذه الياقوتة ليجدها وقت الإحتياج إليها فدفعتها إليه وعزمت عليه أن يمسكها فامتثل لأمرها وأخذها منها ثم ترك لنا دنيانا وغاب عنا ولم يزل غائباً عنا حتى لقي الله عز وجل تقياً نقياً ثم قال: قم فأرني قبره فخرجت معه وجعلت أسير إلى أن أريته إياه فجعل يبكي وينتحب حتى وقع مغشياً عليه فلما أفاق من غشيته استغفر الله وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ودعا له بخير ثم سألني الصحبة فقلت له: يا أمير المؤمنين إن لي في ولدك أعظم العظات ثم انشدت هذه الأبيات: أنـــا الـــغـــريب فـــلا آوي إلـــى أحـــــــدأنـا الـغـريب وإن أمــســـيت فـــي بـــلـــدي أنـــا الـــغـــريب فـــلا أهــــل ولا ولـــــــدولـــيس لـــي أحـــد يأوي إلــــــى أحـــــــد فـالـحـمـد لـلـه رب الـعــالـــمـــين عـــلـــىأفـضـالـه لـبـقـاء الــروح فـــي الـــجـــســـد
ومما يحكى عن بعض الفضلاء أنه قال: مررت بفقيه في كتاب وهويقريء الصبيان فوجدته في هيئة حسنة وقماش مليح فأقبلت عليه فقام لي وأجلسني معه فمارسته في القراءات والنحو والشعر واللغة فإذا هو كامل في كل ما يراد منه فقلت له: قوى الله عزمك فإنك عارف بكل مايراد منك ثم عاشرته مدة وكل يوم يظهر فيه حسن فقلت في نفسي: إن هذا شيئ عجيب من فقيه يعلم الصبيان مع أن العقلاء اتفقوا على نقص عقل معلم الصبيان ثم فارقته وكنت كل أيام قلائل أتفقده وأزوره فأتيت إليه في بعض الأيام على عادتي من زيارته فوجدت الكتاب مغلقاً فسألت جيرانه فقالوا: أنه مات عنده ميت فقلت في نفسي: وجب علينا أن نعزيه فجئت إلى بابه وطرقته فخرجت لي جارية وقالت: ما تريد فقلت: أريد مولاك فقالت: إن مولاي قاعداً في العراء وحده فقلت لها: قولي له أن صديقك فلاناً يطلب أن يعزيك فراحت وأخبرته فقال لها: دعيه يدخل فأذنت لي في الدخول فدخلت إليه فرأيته جالساً وحده ومعصباً رأسه فقلت له: عظم الله أجرك وهذا سبيل لا بد لكل أحد منه فعليك بالصبر ثم قلت له: من الذي مات لك فقال: أعز الناس علي وأحبهم إلي فقلت: لعله والدك فقال: لا قلت: والدتك قال: لا.
قلت: أخوك قال: لا. قلت: أحد من اقاربك قال: لا. قلت فما نسبته إليك قال: حبيبتي.
فقلت في نفسي: هذا أول المباحث في قلة عقله ثم قلت له: قد يوجد غيرها مما هو أحسن منها فقال: أنا ما رأيتها حتى أعرف إن كان غيرها أحسن منها أو لا فقلت في نفسي: وهذا مبحث ثان فقلت له: وكيف عشقت من لا تراها فقال: اعلم أني كنت جالساً في الطاقة وإذا برجل عابر طريق يغني هذا البيت: يا أم عــمـــرو جـــزاك الـــلـــه مـــكـــرمةردي عـــلـــي فـــؤادي أينـــمـــا كـــانـــــــا وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:22 AM
وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الفقيه قال: لما غنى الرجل المار في الطريق بالشعر الذي سمعته منه قلت في نفسي أولاً أن أم عمرو هذه ما في الدنيا مثلها ما كان يتغزلون فيها فتعلقت بحبها فلما كان بعد يومين عبر ذلك الرجل وهو ينشد هذا البيت: إذا ذهـــب الـــحـــمـــار بـــأم عـــمـــــــروفـــلا رجـــعـــت ولا رجـــع الـــحـــمـــــار فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها ومضى لي ثلاثة أيام وأنا في العزاء فتركته وانصرفت بعدما تحققت قلة عقله.
ومما يحكى من قلة عقل معلم الصبيان أنه كان رجل فقيه في مكتب فدخل عليه رجل ظريف وجلس عنده ومارسه فرآه فقيهاً نحوياً لغوياً شاعراً أديباً فهيماً لطيفاً فتعجب من ذلك وقال: إن الذين يعلمون الصبيان في المكاتب ليس لهم عقل كامل فلما هم بالإنصراف من عند الفقيه قال له: أنت ضيفي في هذه الليلة فأجابه إلى الضيافة وتوجه صحبته إلى منزله فأكرمه وأتى له بالطعام فأكلا وشربا ثم جلسا بعد ذلك يتحدثان إلى ثلث الليل وبعد ذلك جهز له الفراش وطلع إلى حريمه فاضطجع الضيف وأراد النوم وإذا بصراخ كثير ثار في حريمه فسأل: ما الخبر فقالوا له: أن الشيخ حصل له أمر عظيم وهو في آخر رمق فقال: أطلعوني له فطلعوه له ودخل عليه فرآه مغشياً عليه ودمه سائل فرش الماء على وجهه. فلما أفاق قال له: ما هذا الحال أنت طلعت من عندي في غاية ما يكون من الحظ وأنت صحيح البدن فما أصابك فقال له: يا أخي بعدما طلعتمن عندك جلست أتذكر في مصنوعات الله تعالى وقلت في نفسي: كل شيء خلقه الله للإنسان فيه نفع لأن الله سبحانه وتعالى خلق اليدين للبطش والرجلين للمشي والعينين للنظر والأذنين للسماع والذكر للجماع وهلم جرا إلا هاتين البيضتين ليس لهما نفع فأخذت موس كان عندي وقطعتهما فحصل لي هذا الأمر فنزل من عنده وقال: صدق من قال أن كل فقيه يعلم الصبيان ليس له عقل كامل ولو كان يعرف جميع العلوم.
ومما يحكى أيضاً أن بعض المجاورين كان لا يعرف الخط ولا القراءة وإنما يحتال على الناس بحيل يأكل منها الخبز فخطر بباله يوماً من الأيام أنه يفتح له مكتباً ويقريء فيه الصبيان فجمع ألواحاً وأوراقاً مكتوبة وعلقها في مكان وكبر عمامته وجلس على باب المكتب فصار الناس يمرون عليه وينظرون إلى عمامته وإلى الألواح فيظنون أنه فقيه جيد فيأتون إليه بأولادهم فصار يقول لهذا: اكتب ولهذا: اقرأ فصار الأولاد يعلم بعضهم بعضاً فبينما هو ذات يوم جالس على باب المكتب على عادته وإذا بامرأة مقبلة من بعيد وبيدها مكتوب فقال في باله: لا بد أن هذه المرأة تقصدني لأقرأ لها المكتوب الذي معها فكيف يكون حالي معها وانا لا أعرف قراءة الخط وهم بالنزول ليهرب منها فلحقته قبل أن ينزل وقالت له: إلى أين فقال لها: أريد أن أصلي الظهر وأعود فقالت له: الظهر بعيد فاقرأ لي هذا الكتاب فأخذه وجعل أعلاه أسفله وصار ينظر إليه ويهز عمامته تارة ويرقص حواجبه أخرى ويظهر غيظاً وكان زوج المرأة غائباً والكتاب مرسل إليها من عنده فلما رأت الفقيه على تلك الحالة قالت في نفسها: لا شك أن زوجي مات وهذا الفقيه يستحي أن يقول لي أنه مات فقالت له: هل أشق ثيابي فقال لها: شقي فقالت له: هل ألطم على وجهي فقال لها: الطمي فأخذت الكتاب من يده وعادت إلى منزلها وصارت تبكي هي وأولادها فسمع بعض جيرانها البكاء فسألوا عن حالها فقيل لهم: أنه جاءها كتاب بموت زوجها فقال رجل: إن هذا الكلام كذب لأن زوجها أرسل لي مكتوباً بالأمس يخبرني فيه أن طيب بخير وعافية وأنه بعد عشرة أيام يكون عندها فقام من ساعته وجاء إلى المرأة وقال لها: أين الكتاب الذي جاء فجاءت به إليه وأخذه منها وقرأه وإذا فيه: أما بعد فإني طيب بخير وعافية وبعد عشرة أيام أكون عندكم وقد أرسلت إليكم ملحفة ومكمرة فأخذت الكتاب وعادت فيه إلى الفقيه وقالت له: ما حملك على الذي فعلته معي وأخبرته بما قاله جارها منس سلامة زوجها وأنه أرسل إليها ملحفة ومكمرة فقال لها: لقد صدقت ولكن يا حرمة اعذريني فإني كنت في تلك الساعة مغتاظاً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:22 AM
وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرأة قالت للفقيه: ما حملك على الذي فعلته معي فقال لها: إني كنت في تلك الساعة مغتاظاً مشغول الخاطر ورأيت المكمرة ملفوفة في الملحفة فظننت أنه مات وكفنوه وكانت المرأة لا تعرف الحيلة فقالت له: أنت معذور وأخذت الكتاب منه وانصرفت.
وحكي أن ملكاً من الملوك خرج مستخفياً ليطلع على أحوال رعيته فوصل إلى قرية عظيمة فوقف بباب دار من دور القرية وطلب ماء فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز ماء فناولته إياه فشرب فلما نظر إليها افتتن بها فراودها عن نفسها وكانت المرأة عارفة به فدخلت به وأجلسته وأخرجت لع كتاباً وقالت: انظر في هذا الكتاب إلى أن أصلح أمري وأرجع إليك فجلس يطالع في الكتاب وإذا فيه الزجر عن الزنا وما أعده الله لأهله من العذاب فاقشعر جلده وتاب إلى الله وصاح بالمرأة واعطاها الكتاب وذهب وكان زوج المرأة غائباً فلما حضر أخبرته بالخبر فتحير وقال في نفسه: أخاف أن يكون وقع غرض الملك فيها فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك ومكث على ذلك مدة فأعلمت المرأة أقاربها بما حصل لها مع زوجها فعرفوه إلى الملك فلما مثل بين يديه قال أقارب المرأة: أعز الله الملك إن هذا الرجل استأجر منا أرضاً للزراعة فزرعها مدة ثم عطلها فلا هو يتركها حتى نؤجرها لمن يزرعها ولا هو يزرعها وقد حصل الضرر للأرض فنخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت.
فقال الملك: ما الذي يمنعك من زرع أرضك فقال: أعز الله الملك أنه قد بلغني أن الأسد قد دخل الأرض فهبته ولم أخاف على الدنو منها لعلمي أنه لا طاقة لي بالأسد وأخاف منه ففهم الملك القصة وقال له: يا هذا إن أرضط لم يطاها الأسد وأرضك طيبة الزرع فازرعها بارك الله لك فيها فإن الأسد لا يعدو عليها ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفهم.
ومما يحكى أن إسحق بن ابراهيم الموصلي قال: اتفق أنني ضجرت من ملازمة دار الخليفة والخدمة بها فركبت وخرجت ببكرة النهار وعزمت على أن أطوف الصحراء وأتفرج وقلت لغلماني: غا جاء رسول الخليفة أو غيره فعرفوه أنني بكرت في بعض مهماتي وأنكم لا تعرفون أين ذهبت ثم مضيت وحدي وطفت في المدينة وقد حمي النهار فوقفت في شارع يعرف بالحرم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:24 AM
وفي الليلة العشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اسحق بن ابراهيم الموصلي قال: لما حمي النهار وقفت في شارع يعرف بالحرم لأستظل من حر الشمس وكان للدار جناح بارز على الطريق فلم ألبث حتى جاء خادم أسود يقود حماراً فرأيت جارية راكبة وتحتها منديل مكلل بالجواهر وعليها من اللباس الفاخر ملا غاية بعده ورأيت لها قواماً حسناً وطرفاً فاتراً وشمائل ظريفة فسألت عنها بعض المارين فقال لي: إنها مغنية وقد تعلق بحبها قلبي عند نظري إليها وقد قدرت أن أستقر على ظهر دابتي.
ثم أنها دخلت الدار التي كنت واقفاً على بابها فجعلت أتفكر في حيلة أتوصل بها إليها فبينما أنا واقف إذ أقبل رجلان شابان جميلان فاستأذنا فأذن لهما صاحب الدار فنزلا ونزلت معهما ودخلت صحبتهما فظنا أن صاحب الدار دعاني فجلسنا ساعة فاتى بالطعام فأكلنا ثم وضع الشراب بين يدينا ثم خرجت الجارية وفي يدها عود فغنت وشربنا وقمت لأقضي حاجة فسأل صاحب المنزل الرجلين عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني فقال: هذا طفيلي ولكنه ظريف فأجملوا عشرته ثم جئت فجلست في مكاني فغنت الجارية بلحنلطيف وأنشدت هذين البيتي: قـــل لـــلـــغـــزالة وهـــي غـــير غــــزالةوالـجـؤذر الـمـكــحـــول غـــير الـــجـــؤذر
لـمــذكـــر الـــخـــلـــوات غـــير مـــؤنـــثومـؤنـــث الـــخـــطـــوات غـــير مـــذكـــر فأدته أداءً حسناً وشرب القوم وأعجبهم ذلك ثم غنت طرقاً شتى بألحان غريبة وغنت من جملتها طريقة هي لي وأنشدت تقول: الـــــــطـــــــلــــــــول الـــــــــــــــدوارسفـــــــارقـــــــتـــــــهـ ــــــا الـــــــوانـــــــي أوحـــشـــت بـــعــــــد أنـــــــســـــــهـــــــافـــهــــــي قـــــــفـــــــراء طـــــــامـــــــس فكان أمرها أصلح فيها من الأولى ثم غنت طرقاً شتى بألحان غريبة من القديم والحديث وغنت في أثنائها طريقة هي لي وأنشدت تقول: قـــل لـــمـــن صـــــــد عـــــــاتـــــــبـــــــاًونــــأى عـــــــنـــــــك جـــــــانـــــــبـــــــا فاستعدته منها لأصححه فأقبل علي أحد الرجلين وقال: ما رأينا طفيلياً أصفق وجهاً منك أما ترضى بالتطفل حتى اقترحت وقد صح فيك المثل: طفيلي فأطرقت حياء فأطرقت حياء ولم أجبه فجعل صاحبه يكفه عني فلا ينكف ثم قاموا إلى الصلاة فتأخرت قليلاً وأخذت العود وشددت طرفيه وأصلحته إصلاحاً محكماً وعدت إلى موضعي فصليت معهم ولما فرغنا من الصلاة رجع ذلك الرجل إلى اللوم علي والتعنيف ولج في عربدته وأنا صامت فأخذت الجارية العود وجسته فانكرت حاله وقالت: من جس عودي فقالوا: ما جسه أحد منا.
قالت: بلى والله لقد جسه حاذق متقدم في الصناعة لأنه أحكم أوتاره وأصلحه إصلاح حاذق في صنعته فقلت لها: أنا الذي أصلحته. فقالت: بالله عليك أن تأخذه وتضرب عليه فأخذته وضربت عليه طريقة عجيبة صعبة تكاد أن تميت الأحياء وتحيي الأموات وانشدت عليه هذه الأبيات: وكـــان لـــي قـــلــــــب أعـــــــيش بـــــــهفـــاكـــتـــوى بـــالـــنـــار واحـــتـــرقـــــــا أنـــا لـــم أرزق مـــحـــــبـــــــتـــــــهـــــــاوإنـــمـــا لـــلـــعـــبــــــد مـــــــا رزقـــــــا إن لـم يكـن مـــا ذقـــت طـــعـــم الـــهـــوىذاقـــه لا شـــك مـــــن عـــــــشـــــــقـــــــا قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن إسحق بن ابراهيم الموصلي قال: لما فرغت من شعري لم يبق أحد من الجماعة إلا ووثب من موضعه وجلسوا بين يدي وقالوا: بالله عليك يا سيدنا أن تغني لنا صوتاً آخر فقلت: حباً وكرامة ثم أحكمت الضربات وغنيت بهذه الأبيات: ألا مـــن لـــقـــــب ذوائب بـــــــنـــــــوائبأنـاخـت بـه الأحـزان مـــن كـــل جـــانـــب
حـرام عـلـى رامـي فـــؤادي بـــســـهـــمـــهدم صــبـــه بـــين الـــحـــشـــا والـــتـــراب تـــبـــين بـــين الـــبـــين إن اقـــتـــرابــــــهعلى البـين مـن ضـمـن الـظـنـون الـكـواذب أراق دمـــاً لـــولا الـــهـــوى مـــا أراقـــــهفـهـل لـــدمـــي مـــن ثـــائر ومـــطـــالـــب فلما فرغ من شعره لم يبق أحد منهم إلا وقام على قدميه ثم رمى بنفسه على الأرض من شدة ما اصابه من الطرب قال: فرميت العود من يدي فقالوا: بالله عليك أن لا تفعل هذا وزدنا صوتاً آخر زادك الله من نعمته فقلت لهم: يا قوم أزيدكم صوتاً آخر وآخر وآخر وأعرفكم من انا أنا إسحق بن ابراهيم الموصلي والله غني لآتيه على الخليفة إذا طلبني وانتم قد أسمعتموني غليظ ما أكرهه في هذا اليوم فوالله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا العربيد من بينكم فقال له صاحبه: من هذا حذرتك وخفت عليك.
ثم أخذوا بيده وأخرجوه فأخذت العود وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي ثم أسررت إلى صاحب الدار أن الجارية قد وقعت محبتها في قلبي ولا صبر لي عنها فقال الرجل: هي لك بشرط فقلت: وما هو قال: أن تقيم عندي شهراً فأقمت عنده شهراً ولا يعرف أحد أين أنا والخليفة يفتش علي في كل موضع ولا يعرف لي خبراً.
فلما انقضى الشهر سلم لي الجارية وما يتعلق بها من الأمتعة النفيسة وأعطاني خادماً آخر فجئت بذلك إلى منزلي كاني حزت الدنيا باسرها من شدة فرحي بالجارية ثم ركبت إلى المأمون من وقتي فلما حضرت بين يديه قال: ويحك يا إسحق وأين كنت فأخبرته بخبري فقال علي بذلك الرجل في هذه الساعة فدللتهم على داره فأرسل إليه الخليفة فلما حضر سأله عن القصة فأخبره بها فقال له: أنت رجل ذو مروءة والرأي أن تعان على مروءتك فأمر له بمائة ألف درهم وقال لي: يا إسحق أحضر الجارية فأحضرتها وغنت له وأطربته فحصل له منها سرور عظيم فقال قد جعلت عليها نوبة كل يوم خميس فتحضر وتغني من وراء الستارة ثم أمر لها بخمسين ألف درهم فوالله لقد ربحت في تلك الركبة.
ومما يحكى أن القاسم بن عدي حكى عن رجل من بني تميم قال: خرجت في طلب ضالة فوردت على مياه بني طي فرأيت فريقين أحدهما قريب من الآخر وإذا في أحد الفريقين كلام مثل كلام الفريق الآخر فتأملت فرأيت في أحد الفريقين شاباً قد أنهكه المرض وهو في مثل الشنن البالي فبينما أنا أتأمله وإذا هو ينشد هذه الأبيات:
مـرضـت فـعــادنـــي أهـــلـــي جـــمـــيعـــاًفـــمـــا لـــك لا تـــري فـــيمــــن يعـــــــود لـو كـنـــت الـــمـــريضة جـــئت أســـعـــىإلـــيك ولـــم ينـــبـــهـــنـــي الــــوعـــــــيد عـدمـتـك مـنــهـــمـــو فـــبـــقـــيت وحـــديوفـــقـــد الألـــف يا ســـكـــنــــي شـــــــديد فسمعت كلامه جارية من الفريق الآخر فبادرت نحوه وتبعها أهلها وجعلت تضاربهم فأحس الشاب فوثب نحوها فبادر إليه أهل فريقه وتعلقوا به فجعل يجذب نفسه وهي تجذب نفسها من فريقها حتى تخلصا وقصد كل واحد منهما صاحبه حتى التقيا بين الفريقين وتعانقا ثم خرا إلى الأرض ميتين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:24 AM
وفي الليلة الواحدة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه مما يحكى أن محمد الأنباري قال: خرجت من الأنبار في بعض الأسفار إلى عمورية من بلاد الروم فنزلت في أثناء الطريق بدير الأنوار في قرية من قرى عمورية فخرج إلي صاحب الدير والرئيس على الرهبان وكان اسمه عبد المسيح فأدخلني الدير فوجدت فيه أربعون راهباً فأكرموني في تلك الليلة بضيافة حسنة ثم رحلت عنهم في الغد وقد رأيت من كثرة اجتهادهم وعبادتهم ما لم أره من غيرهم فقضيت أربي من عمورية ثم رجعت فلما كان العام المقبل حججت إلى مكة فبينما أنا أطوف حول البيت إذ رأيت عبد المسيح يطوف أيضاً ومعه خمسة أنفار من أصحابه الرهبان فلما تحققت معرفته تقدمت إليه وقلت له: هل أنت عبد المسيح الراهب قال: بل أنا عبد الله الراغب فجعلت أقبل شيبته وأبكي ثم أخذت بيده وملت إلى جانب الحرم وقلت له: أخبرني سبب إسلامك فقال: إنه من أعجب العجائب وذلك أن جماعة من زهاد المسلمين مروا في القرية التي فيها ديرنا فأرسلوا شاباً يشتري لهم طعاماً فرأى في السوق جارية نصرانية تبيع الخبز وهي من أحسن النساء صورة فلما نظر إليها فتن بها وسقط على وجهه مغشياً عليه.
فلما أفاق عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما أصابه وقال: امضوا إلى شأنكم فلست بذاهب معكم فعدلوه ووعظوه فلم يلتفت إليهم فانصرفوا عنه ودخل القرية وقعد عند باب حانوت تلك المرأة فسألته عن حاجته فاخبرها أنه عاشق لها فأعرضت عنه فمكث في موضعه ثلاثة أيام لم يطعم طعاماً بل صار شاخصاً إلى وجهها فلما رأته لا ينصرف عنها ذهبت إلى أهلها وأخبرتهم بخبره فسلطوا عليه الصبيان فرموه بالحجارة حتى رضوا أضلاعه وشجوا رأسه وهو مع ذلك لا ينصرف فعزم أهل القرية على قتله فجاءني رجلاً منهم وأخبرني بحاله فذهبت إليه فرأيته طريحاً فمسحت الدم عن وجهه وحملته إلى الدير وداويت جراحاته وأقام عندي أربعة عشر يوماً فلما قدر على المشي خرج من الدير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:25 AM
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الراهب عبد الله قال: فحملته إلى الدير وداويت جراحاته وأقام عندي أربعة عشر يوماً فلما قدر على المشي خرج من الدير إلى باب حانوت الجارية وقعد ينظر إليها فلما أبصرته قامت إليه وقالت له: والله لقد رحمتك فهل لك أن تدخل في ديني وانا أتزوجك فقال: معاذ الله أن أنسلخ من دين التوحيد وأدخل في دين الشرك فقالت: قم وادخل معي إلى داري واقض مني أربك وانصرف راشداً فقال: لا ما كنت لأذهب عبادة اثني عشرة سنة بشهوة لحظة واحدة فقالت: انصرف عني حينئذ قال: لا يطاوعني قلبي فأعرضت عنه بوجهها. ثم فطن به الصبيان فأقبلوا عليه يرمونه بالحجارة فسقط على وجهه وهو يقول: إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فخرجت من الدير وطردت عنه الصبيان ورفعت رأسه عن الأرض فسمعته يقول: اللهم اجمع بيني وبينها في الجنة فحملته إلى الدير فمات قبل أن أصل به إليه فخرجت به عن القرية وحفرت له قبراً ودفنته. فلما دخل الليل وذهب نصفه صرخت تلك المرأة وهي في فراشها صرخة فاجتمع غليها أهل القرية وسألوها عن قصتها فقالت: بينما أنا إذ دخل علي هذا الرجل المسلم فأخذ بيدي وانطلق بي إلى الجنة فلما صار بي إلى بابها منعني خازنها من دخولها وقال: إنها محرمة على الكافرين فأسلمت على يديه ودخلت معه فرأيت فيها من القصور والأشجار ما لم يمكن أناصفه لكم ثم غنه أخذني إلى قصر من الجوهر وقال لي: إن هذا القصر لي ولك وانا لا أدخله إلا معك وبعد خمس ليال تكونين عندي فيه إن شاء الله ثم مد يده إلى شجرة على باب ذلك القصر فقطف منها تفاحتين وأعطانيهما وقال: كلي هذه واخفي الأخرى حتى يراها الرهبان فأكلت واحدة فما رأيت أطيب منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:28 AM
وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: لما قطف التفاحتين وأعطانيهما وقال: كلي
هذه واخفي الأخرى حتى يراها الرهبان فأكلت واحدة فما رأيت أطيب منها ثم أخذ بيدي حتى أوصلني إلى داري فلما استيقظت من منامي وجدت طعم التفاح في فمي والتفاحة الثانية عندي ثم أخرجت التفاحة فأشرقت في ظلام الليل كانها كوكب دري فجاؤوا بالمرأة إلى الدير ومعها التفاحة فقصت علينا الرؤيا وأخرجت لنا التفاحة فلم نر شيئاً مثلها في سائر فواكه الدنيا. فأخذت سكيناً وشققتها على عدد أصحابي فلا رأينا ألذ من طعمها ولا أطيب من رائحتها فقلنا: لعل هذا شيطان تمثل إليها ليغويها عن دينها فأخذها أهلها وانصرفوا ثم أنها امتنعت عن الأكل والشرب فلما كانت الليلة الخامسة قامت من فراشها وخرجت من بيتها وتوجهت إلى قبر ذلك المسلم وألقت نفسها عليه وماتت ولم يعلم بها أهلها.
فلما كان وقت الصباح أقبل على القرية شيخان مسلمان عليهما ثياب من الشعر ومعهما امرأتان كذلك فقالا: يا أهل القرية إن الله تعالى عندكم ولية من أوليائه قد ماتت مسلمة ونحن نتولاها دونكم فطلب أهل القرية تلك المرأة فوجدوها على القبر ميتة فقالوا: هذه صاحبتنا قد ماتت على ديننا ونحن نتولاها فقال الشيخان: إنها ماتت مسلمة ونحن نتولاها.
واشتد الخصام والنزاع بينهما فقال أحد الشيخين: إن علامة إسلامها أن يجتمع رهبان الدير الأربعون ويجذبوها عن القبر فإن قدروا على حملها من الأرض فهي نصرانية وإن لم يقدروا على ذلك يتقدم واحد منا ويجذبها فإن جاءت معه فهي مسلمة فرضي أهل القرية بذلك واجتمع الأربعون راهباً وقوى بعضهم بعضاً وأتوها ليحملوها فلم يقدروا على ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.


وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ أجابها بقوله: لأن الله فضل الذكر على الأنثى وأنا أحب الفاضل وأكره المفضول فضحكت ثم قالت: انصفني في المناظرة إن ناظرتك في هذا البحث قال: نعم قالت: فما الدليل على تفضيل الذكر على الأنثى قال: المنقول والمعقول أما المنقول فالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض. وقوله تعالى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. وقوله تعالى في الميراث: وإن كانوا أخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين فالله سبحانه وتعالى فضل الذكر على الأنثى في هذه المواضع وأخبر أن الأنثى على النصف من الذكر لأنه أفضل منها وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل دية المرأة على النصف من دية الرجل وأما المعقول فإن الذكر فاعل والأنثى مفعول بها والفاعل أفضل من المفعول بها.
فقالت له: أحسنت يا سيدي لكنك والله أظهرت حجتي عليك من لسانك ونطقت ببرهان هو
عليك لا لك وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما فضل الذكر على الأنثى بمجرد وصف الذكورية وهذا لا نزاع فيه بيني وبينك وقد يستوي في هذا الوصف الطفل والغلام والشاب والكهل والشيخ لا فرق بينهم في ذلك وإذا كانت الفضيلة إنما حصلت له بوصف الذكورية فينبغي أن يميل طبعك وترتاح نفسك إلى الشيخ كما ترتاح إلى الغلام إذ لا فرق بينهما في الذكورية وإنما وقع الخلاف بيني وبينك في الصفات المقصودة من حسن العشرة والإستماع وانت لم تأت ببرهان على فضل الغلام على الأنثى في ذلك فقال لها: يا سيدتي أما علمت ما اختص به الغلام من اعتدال القد وتوريد الخد وملاحة الإبتسام وعذوبة الكلام فالغلمان بهذا أفضل من النساء والدليل على ذلك ما روي عن النبي أنه قال: (لا تدعو النظر إلى المرد فإن فيهم لمحة من الحور العين) وتفضيل الغلام على الجارية لا يخفى على أحد من الناس وما أحسن قول أبا نواس: أقـــل مـــا فـــيه مـــن فـــــضـــــــائلـــــــهأمـنـك مـــن طـــمـــثـــه ومـــن حـــبـــلـــه وقول الشاعر: قـــال الإمـــام أبـــو نـــواس وهـــو فــــــيشـرع الـــخـــلاعة والـــمـــجـــون يقـــلـــد يا أمة تـــهـــوى الـــعـــذارا تـــمـــتـــعـــوامـــن لـــذة الـــخـــلـــد لـــيســـت تـــوجـــد ولأن الجارية إذا بالغ الواصف في وصفها وأراد تزويجها بذكر محاسن أوصافها شبهها بالغلام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:28 AM
وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ قال: ولأن الجارية إذا بالغ الواصف في وصفها وأراد تزويجها بذكر محاسن أوصافها شبهها بالغلام لما له من المآثر كما قال الشاعر: غـلامـية الأرداف تـهــتـــز فـــي الـــصـــبكـمـا اهـتـز فـي ريح الـشـمـــال قـــضـــيب فلولا أن الغلام أفضل وأحسن لما شبهت به الجارية واعلمي صانك الله تعالى أن الغلام سهل القياد موافق على المزاد حسن العشرة والأخلاق مائل عن الخلاف للوفاق ولا سيما إن تنمنم هذاره واخضر شاربه وجرت حمرة الشبيبة في وجنته حتى صار كالبدر التمام وما أحسن قول أبي تمام: قـال الـوشـاة بـدا فـي الـــخـــد عـــارضـــهفـقـلـــت لا تـــكـــثـــروا مـــا ذاك عـــابـــه
لـــمـــا اســـتـــقـــل بـــأرداف تـــجـــاذبـــهواخـضـر فـوق جـــمـــان الـــدر شـــاربـــه وأقـــســـم الـــورد أيمـــانـــاً مـــغـــلـــــظةأن لا يفـــارق خـــديه عــــــجـــــــائبـــــــه كـلـــمـــتـــه بـــجـــفـــون غـــير نـــاطـــقةفـكـــان مـــن ورده مـــا نـــال حـــاجـــبـــه الـحـسـن مـنـك عـلـى مـا كـنـت تــعـــهـــدهوالـشــعـــر أحـــرزه مـــمـــن يطـــالـــبـــه أحـلـى وأحـسـن مـا كـــانـــت شـــمـــائلـــهإذا لاح عــارضـــه واخـــضـــر شـــاربـــه وصـار مـن كـان يلـحـي فـي مـــحـــبـــتـــهأن يحـك عـنـي وعـنـه اقـــل صـــاحـــبـــه فهذه فضيلة في الغلمان لم تعطها النساء وكفى بذلك للغلمان عليهن فخراً ومزية فقالت له: عافاك الله تعالى إنك قد شرطت على نفسك المناظرة وقد تكلمت وما قصرت واستدللت بهذه الأدلة على ما ذكرت ولكن الآن قد حصل الحق فلا تعدل عن سبيله وإن لم تقنع بإجمال الدليل فأنا آتيك بتفضيله بالله عليك أين الغلام من الفتاة من يقيس السخلة على المهاة إنما الفتاة رخيمة الكلام حسنة القوام فهي كقضيب الريحان بثغر كأقحوان وشعر كالأرسوان وخد كشقائق النعمان ووجه كتفاح وشفة كالراح وثدي كالرمان ومعاطف كالأغصان وهي ذات قد معتدل وجسم متجدل وخد كخد السيف اللائح وجبين واضح وحاجبين مقرونين وعينين كحلاوين إن نطقت فاللؤلؤ الرطب يتناثر من فيها وتجذب القلوب برقة معانيها وغن تبسمت ظننت البدر يتلألأ من بين شفتيها وإن رنت فالسيوف تسل من مقلتيها إليها تنتهي المحاسن وعليها مدار الظاعن والقاطن ولها شفتان حمراوان ألين من الزبد وأحلى مذاقاً من الشهد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:29 AM
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرأة الواعظة لما وصفت الفتاة قالت: ولها شفتان حمراوان ألين من الزبد وأحلى مذاقاً من الشهد ثم قالت بعد ذلك ولها صدر كجادة الفجاج فيه ثديان كأنهما حقان من عاج وبطن لطيف الكشح كالزهر الغض وعكن قد انعطفت وانطوى بعضها على بعض وفخذان ملتفان كأنهما الدر عمودان وأرداف تموج كأنها بحر من بلور أو جبال من نور ولها قدمان لطيفان وكفان كأنهما سبائك العقبان فيا مسكين أين الالأنس من الجان ومن قال: الدنيا عبارة عن النساء كان صادقاً وأما ما ذكرت من الحديث الشريف فهو حجة عليك لا لك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تدعو النظر إلى المرد فإن فيهم لمحة من الحور العين فشبه المرد بالحور العين ولا شك أن المشبه به أفضل من المشبه فلولا أن النساء أفضل وأحسن لما شبه بهن غيرهن وأما قولك: أن الجارية تشبه الغلام فليس الأمر كذلك بل الغلام يشبه بالجارية حتى قالوا: أنها تصلح للأمرين جميعاً عدولاً منهم عن سلوك طريق الحق عند الناس كما قال كبيرهم أبو نواس: مـــمـــشـــوقة الـــقـــصـــر غــــلامـــــــيةتـــصـــلـــح لـــلـــوطـــي والـــــزانـــــــي وأما ما ذكرته من حسن نيات العذار وخضار الشارب وأن الغلام يزداد به حسناً وجمالاً فوالله لقد عدلت عن الطريق غير التحقيق لأن العذار يبذر حسنات الجمال بالسيئآت ثم أنشدت هذه الأبيات: بـدا الـشـعـر فــي وجـــهـــهـــفـــانـــتـــقـــملـــعـــاشـــقـــه مـــنـــه لـــمـــا ظــــلـــــــم ولـــم أر فـــي وجـــهـــه كـــالــــــدخـــــــان إلا وســـالـــفـــه كـــالـــــــحـــــــمـــــــم إذا اســـود فـــاضـــل قـــــرطـــــــاســـــــهفـــمـــا ظـــنـــكـــم بـــمـــكـــان الـــقـــلـــم فـــإن فـــضـــلـــوه عــــلـــــــى غـــــــيرهفـــمـــا ذلـــك إلا لـــجـــهـــل الـــحـــكــــم فلما فرغت من شعرها قال للرجل: سبحان الله العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:30 AM
وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرأة الواعظة لما فرغت من شعرها قالت للرجل: سبحان الله العظيم كيف يخفى عليك كمال اللذة في النساء وان النعيم المقيم لا يكون إلا بهن وذلك أن الله سبحانه وتعالى وعد الأنبياء والأولياء في الجنة بالحور العين وجعلهن جزاء لأعمالهن الصالحة ولو علم الله تعالى أن في غيرهن لذة الإستمتاع لجزاهم به ووعدهم إياه وقال صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة وإنما جعل الله الولدان خدماً للأنبياء والأولياء في الجنة لأن الجنة دار نعيم وتلذذ ولا يكمل ذلك إلا بخدمة الولدان واما استعمالهم لغير الخدمة فهو من الخيال والوبال وأنا أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين إنه هو الغفور الرحيم. ثم سكتت فلم تجبنا عن شيء بعد ذلك فخرجنا من عندها مسرورين من مناظرتها متأسفين على مفارقتها.
ومما يحكى أن أبا سويد قال: اتفق أنني أنا وجماعة من أصحابي دخلنا بستاناً يوماً من الأيام
لنشتري شيئاً من الفواكه فرأينا في جانب ذلك البستان عجوزاً صبيحة الوجه غير أن شعر رأسها أبيض وهي تسرحه بمشط من العاج فوقفنا عندها فلم تجفل منا ولم تغط رأسها فقلت لها: يا عجوز لو صبغت شعرك أسود لكنت أحسن من صبية فما منعك من ذلك فرفعت رأسها إلي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا السويد قال: لما قلت للعجوز ذلك رفعت رأسها إلي وحملقت العينين وأنشدت هذين البيتين: وصـبـغـت مـا صـبـغ الــزمـــان فـــلـــم يدمصـــبـــغـــي ودامـــت صـــــبـــــــغة الأيام أيام الـــرفـــل لـــي ثـــياب شـــيبـــتـــنــــيوأنــاك مـــن خـــلـــفـــي ومـــن قـــدامـــي فقلت لها: لله درك من عجوز ما أصدقك في اللهج بالحرام وأكذبك في دعوى التوبة من الآثام.
ومما يحكى أن علي بن محمد بن عبد الله بن طاهر استعرض جارية اسمها مؤنس للشراء وكانت فاضلة أديبة شاعرة فقال لها: ما اسمك يا جارية قالت: أعز الله الأمين اسمي مؤنس وكان قد عرف اسمها قبل ذلك فأطرق ساعة ثم رفع رأسه إليها وأنشد هذا البيت: قالت: أعز الله الأمير وأنشدت هذا البيت: إذا رأينـــا مـــحـــبـــاً قـــد أضـــــر بـــــــهداء الـــصـــبـــابة أولـــينـــاه إحـــســـانــــا فأعجبته فاشتراها بسبعين ألف درهم وأولدها عبد الله بن محمد صاحب المآثر وقال أبو العيتا: كان عندنا في الدرب امرأتان إحداهما تعشق رجلاً والأخرى تعشق أمرد فاجتمعتا ليلة على سطح إحاهما وهو قريب من داري وهما لا يعلمان بي فقالت صاحبة الأمرد للأخرى: يا أختي كيف تصبرين على خشونة اللحية حين تقع على صدرك وقت لثمك وتقع شفتيك وخديك فقالت لها: يا رعناء وهل يزين الشجر إلا ورقه والخيار إلا زغبه وهل رأيت في الدنيا أقبح من قرع منتوف أما علمت أن اللحية للرجل مثل الذوائب للمرأة وما الفرق بين الذوائب واللحية اما علمت أن الله سبحانه وتعالى خلق في السماء ملكاً يقول سبحان من زين ارجال بالذوائب فلولا أن اللحى كالذوائب في الجمال لما قرن بينهما يا رعناء مالي وفرش نفسي تحت الغلام الذي يعاجلني إنزاله ويسابقني انحلاله وإذا رهز أجاد وكلما خلص عاد فاتعظت صاحبة الغلام بمقالتها وقالت: سلوت صاحبي ورب الكعبة.

حكاية تودد الجارية
ومما يحكى أنه كان ببغداد رجل ذو مقدار وكان موسر بالمال والعقار وهو من التجار الكبار وقد سهل عليه دنياه ولم يبلغه من الذرية ما يتمناه ومضت عليه مدة من الزمان ولم يرزق بأناث ولا ذكور فكبر سنه ورق عظمه وانحنى ظهره وكثر وهنه وهمه فخاف ذهاب ماله ونسبه إذ لم يكن له ولد يرثه ويذكر به فتضرع إلى الله تعالى وصام النهار وقام الليل ونذر النذور لله تعالى الحي القيوم وزار الصالحين وأكثر التضرع إلى الله تعالى فاستجاب الله له وقبل دعاؤه ورحم تضرعه وشكواه فما كان إلا قليل من الأيام حتى جامع إحدى نسائه فحملت منه في ليلتها ووقتها وساعتها وأتمت أشهرها ووضعت حملها وجاءت بذكر كأنه فلقة قمر فأوفى بالنذر وشكر الله عز وجل وصدق وكسا الأرامل والأيتام وليلة سابع الولادة سماه بأبي الحسن فرضعته المراضع وحضنته الحواضن وحملته المماليك والخدم إلى أنكبر ونشأ وترعرع وانتشى وتعلم القرآن العظيم وفرائض الإسلام وأمور الدين القويم والخط والشعر والحساب والرمي بالنشاب فكان فريد دهره وأحسن أهل زمانه وعصره ذا وجه مليح ولسان فصيح يتهادى تمايلاً واعتدالاً ويترامى تدللاً واختيالاً بخد أحمر وجبين أزهر وعذار أخضر كما قال فيه بعض بـــدا الـــربـــيع الـــعـــذار لـــلــــحـــــــدقوالــورد بـــعـــد الـــربـــيع كـــيف بـــقـــي أمـا تـــرى الـــنـــبـــت فـــوق عـــارضـــهبـنـــفـــســـجـــاً طـــالـــعـــاً مـــن الـــورق فأقام مع أبيه برهة من الزمن في أحسن حال وأبوه به فرح وسرور إلى أن بلغ مبالغ الرجال فأجلسه أبوه بين يديه يوماً من الأيام وقال له: يا ولدي غنه قد قرب الأجل وحانت وفاتي ولم يبق غير لقاء الله عز وجل وقد خلفت لك ما يكفيك إلى ولد الولد من المال المتين والضياع والأملاك والبساتين فاتق الله تعالى يا ولدي فيما خلفته لك ولا تمتع من رفدك فلم يكن إلا قليل حتى مرض الرجل ومات فجهزه ولده أحسن تجهيز ودفنه ورجع إلى منزله وقعد للعزاء أياماً وليالي وإذا بأصحابه قد دخلوا عليه وقالوا له: من خلف مثلك ما مات وكل ما فات فقد فات وما يصلح العزاء إلا للبنات والنساء المخدرات ولم يزالوا به حتى دخل الحمام ودخلوا عليه وفكوا حزنه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:32 AM
وفي الليلة الثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن لما دخل عليه أصحابه الحمام وفكوا حزنه نسي
وصية أبيه وذهل لكثرة المال وظن أن الدهر يبقى معه على حال وأن المال ليس له زوال فأكل وشرب ولذ وطرب وخلع ووهب وجاد بالذهب ولازم أكل الدجاج وفض ختم الزجاج وقهقهة القناني واستماع الأغاني ولم يزل على هذا الحال إلى أن نفذ المال وقعد الحال وذهب ما كان لديه وسقط في يديه ولم يبق له بعد أن أتلف ما أتلف غير وصيفة خلفها له والده من جملة ما خلف وكانت الوصيفة هذه ليس لها نظير في الحسن والجمال والبهاء والكمال والقد والاعتدال وهي ذات فنون وآداب وفضائل تستطاب قد فاقت أهل عصرها وأوانها وصارت أشهر من علم في افتتانها وزادت على الملاح بالعلم والعمل والتثني والميل مع كونها خماسية القد مقارنة للسعد بجبينين كأنهما هلال شعبان وحاجبين أزجين وعيون كعيون غزلان وأنف كخد الحسام وخد كشقائق النعمان وفم كخاتم سليمان وأسنان كأنها عقود الجمان وسرة تسع أوقية دهن بان وخصر أنحل من جسم من أضناه الهوى وأسقمه الكتمان وردف أثقل من الكثبان وبالجملة فهي في الحسن والجمال جديرة بقول من قال: إن أقـــبـــلـــت بـــحـــســـن قـــوامـــهــــــاأو أدبـرت قــتـــلـــت بـــصـــد فـــراقـــهـــا شـــمـــســـية بـــدرية غــــــصـــــــنـــــــيةلـيس الـجـفـا والـبـعـــد مـــن أخـــلاقـــهـــا جـنـات عـدن تـحـت جــيب قـــمـــيصـــهـــاوالـبـدر فـي فـلـــك عـــلـــى أطـــواقـــهـــا تسلب من يراها بحسن جمالها وبريق ابتسامتها وترميه بعيونا نبل سهامها وهي مع هذا كله فصيحة الكلام حسنة النظام فلما نفذ جميع ماله وتبين سوء حاله ولم يبق معه غير هذه الجارية أقام ثلاثة أيام وهو لم يذق طعم طعام ولم يسترح في منام فقالت له الجارية: يا سيدي احملني إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت لسيدها: يا سيدي احملني إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد الخامس من بني العباس واطلب ثمني منه عشرة آلاف دينار فإن استغلاني فقل له: يا أمير المؤمنين وصيفتي تساوي أكثر من ذلك فاختبرها يعظم قدرها في عينك لأن هذه الجارية ليس لها نظير ولا تصلح إلا لمثلك. ثم قالت له: إياك أن تبيعني بدون ما قلت لك من الثمن فإنه قليل في مثلي وكان سيد الجارية لا يعلم قدرها ولا يعرف أنها ليس لها نظير في زمانها.
ثم أنه حملها إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وقدمها له وذكر ما قالت فقال لها الخليفة: ما اسمك قالت: اسمي تودد قال: يا تودد ما تحسنين من العلوم قالت: يا سيدي إني أعرف النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة وأعرف فن الموسيقى وعلم الفرائض والحساب والقسمة والمساحة وأساطير الأولين وأعرف القرآن العظيم وقد قرأته بالسبع والعشر وبالأربع عشرة وأعرف عدد سوره وآياته وأحزابه وأنصافه وأرباعه وأثمانه وأعشاره وسجداته وعدد أحرفه وأعرف ما فيه من الناسخ والمنسوخ والمدنية والمكية وأسباب التنزيل وأعرف الحديث الشريف دراية ورواية المسند منه والمرسل ونظرت في علوم الرياضة والهندسة والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق والمعاني والبيان وحفظت كثيراً من العلم وتعلقت بالشعر وضربت العود وعرفت مواضع النغم فيه ومواقع حركات أوتاره فإن غنيت ورقصت فتنت وإن تزينت وتطيبت قتلت وبالجملة فإني وصلت إلى شيء لم يعرفه إلا الراسخون في العلم.
فلام سمع الخليفة هارون الرشيد كلامها على صغر سنها تعجب من فصاحة لسانها والتفت إلى مولاها وقال: إني أحضر من يناظرها في جميع ما ادعته فإن أجابت دفعت لك ثمنها وزيادة وإن لم تجب فأنت أولى بها فقال مولاها: يا أمير المؤمنين حباً وكرامة فكتب أمير المؤمنين إلى عامل البصرة بأن يرسل إليه إبراهيم بن سيار النظام وكان أعظم أهل زمانه في الحجة والبلاغة والشعر والمنطق وأمره أن يحضر القراء والعلماء والأطباء والمنجمين والحكماء والمهندسين والفلاسفة وكان ابراهيم أعلم من الجميع فما كان إلا قليل حتى حضروا دار الخلافة وهم لا يعلمون الخبر فدعاهم أمير المؤمنين إلى مجلسه وأمرهم بالجلوس فجلسوا ثم أمر أن تحضر الجارية تودد فحضرت وأظهرت نفسها وهي كأنها كوكب دري فوضع لها كرسي من ذهب فسلمت ونطقت بفصاحة لسان وقالت: يا أمير المؤمنين مر من حضر من العلماء والقراء والأطباء والمنجمين والحكماء والمهندسين والفلاسفة أن يناظروني. فقال لهم أمير المؤمنين: أريد منكم أن تناظروا هذه الجارية في أمر دينها وأن تدحضوا حجتها في كل ما ادعته فقالوا: السمع والطاعة لله ولك يا أمير المؤمنين فعند ذلك أطرقت الجارية برأسها إلى الأرض وقالت: أيكم الفقيه العالم المقري المحدث فقال أحدهم: أنا ذلك الرجل الذي طلبت فقالت له: اسأل عما شئت قال لها: أنت قرأت كتاب الله العزيز وعرفت ناسخه ومنسوخه وتدبرت آياته وحروفه قالت: نعم فقال لها: أسألك عن الفرائض الواجبة والسنن القائمة فأخبريني أيتها الجارية عن ذلك ومن ربك
ومن إمامك وما قبلتك وأخوانك وما طريقك وما منهاجك قالت: الله ربي ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي والقرآن إمامي والكعبة قبلتي والمؤمنون أخواني والخير طريقي والسنة منهاجي.
فتعجب الخليفة من قولها ومن فصاحة لسانها على صغر سنها ثم قال لها: أيتها الجارية أخبريني بما عرفت الله تعالى قالت: بالعقل قال: وما العقل قالت: العقل عقلان عقل موهوب وعقل مكسوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: قالت: العقل عقلان موهوب ومكسوب فالعقل الموهوب هو الذي خلقه الله عز وجل يهدي به من يشاء من عباده والعقل المكسوب هو الذي يكسبه المرء بتأدبه وحسن معروفه فقال لها: أحسنت ثم قال: أين يكون العقل قالت: يقذفه الله في القلب فيصعد شعاعه في الدماغ حتى يستقر قال لها: أحسنت ثم قال: أخبريني بما عرفت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: بقراءة كتاب الله تعالى وبالآيات والدلالات والبراهين والمعجزات قال: أحسنت فأخبريني عن الفرائض الواجبة والسنن القائمة قالت: أما الفرائض الواجبة فخمس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً وأما السنن فهي أربع: الليل والنهار والشمس والقمر وهن يدنين العمر والأمل وليس يعلم ابن آدم أنهن يهدمن الأجل.
قال: أحسنت فأخبريني ما شعائر الإيمان قالت: شعائر الإيمان الصلاة والزكاة والصوم والحج واجتنبا الحرام. وقال: أحسنت أخبريني بأي شيء تقومين إلى الصلاة قالت: بنية العبودية مقرة بالربوبية قال: فأخبريني كم فرض الله عليك قبل قيامك إلى الصلاة قالت: الطهارة وستر العورة واجتناب الثياب المتنجسة والوقوف على مكان طاهر والتوجه للقبلة والنية وتكبيرة الإحرام.
قال: أحسنت فاخبريني بم تخرجين من بيتك إلى الصلاة قالت: بنية العبادة قال: فبأي نية تدخلين المسجد قالت: بنية الخدمة قال: فبماذا تستقبلين القبلة قالت: بثلاث فرائض وسنة قال: أحسنت فأخبريني ما مبدأ الصلاة وما تحليلها وما تحريمها قالت: مبدأ الصلاة الطهور وتحريمها تحريمة تكبيرة الإحرام وتحليل السلام من الصلاة قال: فماذا يجب على من تركها قالت: روي في الصحيح من ترك الصلاة عامداً متعمداً من غير عذر فلا حظ له في الإسلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:33 AM
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما ذكرت الحديث الشريف قال لها الفقيه: أحسنت فأخبريني عن الصلاة ما هي قالت: الصلاة سر بين العبد وربه وفيها عشرة خصال: تنور القلب وتضيء الوجه وترضي الرحمن وتغضب الشيطان وتدفع البلاء وتكفي شر الأعداء وتكثر الرحمة وتدفع النقمة وتقرب العبد من مولاه وتنهي عن الفحشاء والمنكر وهي من الواجبات المفروضات المكتوبات وهي عماد الدين قال: أحسنت فأخبريني ما مفتاح الصلاة قالت: الوضوء قال: ما مفتاح الوضوء قالت: التسمية قال: فما مفتاح التسمية قالت: اليقين قال: فما مفتاح اليقين قالت: التوكل قال: فما مفتاح التوكل قالت: الرجاء قال: فما مفتاح الرجاء قالت: الطاعة قال: فما مفتاح الطاعة قالت: الاعتراف لله تعالى بالوحدانية والإقرار له بالربوبية.
قال: أحسنت فأخبريني عن فروض الوضوء قالت: ستة أشياء على مذهب الإمام الشافعي محمد بن ادريس رضي الله عنه النية عند غسل الوجه وغسل اليدين مع المرفقين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين مع الكعبين والترتيب وسنته عشرة أشياء: التسمية وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء والمضمضة والاستنشاق ومسح بعض الرأس ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد وتخليل اللحية الكثة وتخليل أصابع اليدين والرجلين وتقديم اليمنى على اليسرى والطهارة ثلاثاً ثلاثاً والموالاة فإذا فرغ من الوضوء قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قالها عقب كل وضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. قال: أحسنت فغذا أراد الإنسان الوضوء ماذا يكون عنده من الملائكة والشياطين قالت: إذا تهيأ الإنسان للوضوء أتت الملائكة عن يمينه والشياطين عن شماله فإذا ذكر الله تعالى في ابتداء الوضوء فرت منه الشياطين واستولت عليه الملائكة بخيمة من نور لها أربعة أطناب مع كل طنب ملك يسبح الله تعالى ويستغفر له ما دام في إنصات أو ذكر فإن لم يذكر الله عز وجل عند ابتداء الوضوء ولم ينصت استولت عليه الشياطين وانصرفت عنه الملائكة ووسوس له الشيطان حتى يدخل عليه الشك والنقص في وضوئه. فقد قال عليه الصلاة
والسلام: الوضوء الصالح يطرد الشيطان ويؤمن من جور السلطان وقال أيضاً: من نزلت عليه بلية وهو على غير وضوء فلا يلومن إلا نفسه قال: أحسنت فأخبريني عما يفعل الشخص إذا استيقظ من منامه قالت: إذا استيقظ الشخص من منامه فليغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء قال: أحسنت فأخبريني عن فروض الغسل وعن سننه قالت: فروض الغسل النية وتعميم البدن بالماء إلى جميع الشعر والبشرة وأما سننه فلوضوء قبله والتدليك وتخليل الشعر وتأخير غسل الرجلين في قول آخر الغسل قال ك أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:34 AM
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما أخبرت الفقيه عن فروض الغسل وسننه قال: أحسنت فأخبريني عن أسباب التيمم وفرضه وسننه قالت: أما أسبابه فسبعة: فقد الماء والخوف والحاجة إليه وإضلاله في رحلة والمرض والجبيرة والجراح. وأما فروضه فأربعة: النية والتراب وضربة للوجه وضربة لليدين وأما سننه فالتسمية وتقديم اليمنى على اليسرى قال: أحسنت فأخبريني عن شروط الصلاة وعن أركانها وسننها قالت: أما شروطها فخمسة أشياء: طهارة الأعضاء وستر العورة ودخول الوقت يقيناً أو ظناً واستقبال القبلة والوقوف على مكان طاهر وأما أركانها فالنية وتكبيرة الإحرام والقيام مع القدرة وقراءة الفاتحة وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها على مذهب الإمام الشافعي والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه والسجود والطمأنينة فيه والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه والتشهد الأخير والجلوس له والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه والتسليمة الأولى ونية الخروج من الصلاة في قول وأما سننها فالأذان والإقامة ورفع اليدين عند الإحرام ودعاء الإفتتاح والتعوذ والتأمين وقراءة السورة بعد الفاتحة والتكبيرات عند الإنتقالات وقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد والجهر في موضعه والإسرار في موضعه والتشهد الأولى والجلوس له والصلاة على النبي فيه والصلاة على الآل في التشهد الأخير والتسليمة الثانية قال: أحسنت فأخبريني فبماذا تجب الزكاة قالت: تجب في الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والدخن والذرة والفول والحمص والأرز والزبيب والتمر قال أحسنت فأخبريني في كم تجب الزكاة في الذهب قالت: لا زكاة فيما دون عشرين مثقالاً فإذا بلغت العشرين ففيها نصف مثقال وما زاد فبحسابه قال: فأخبريني في كم يجب الزكاة في الإبل قالت: في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين فيها بنت مخاض قال: أحسنت فأخبريني في كم تجب الزكاة في الورق قال: ليس فيما دون مائتي درهم فإذا بلغت المائتين فيها خمسة دراهم وان زاد فبحسابه قال: أحسنت فأخبريني في كم تجب الزكاة في الشاة قالت: إذا بلغت أربعين فيها شاة قال: أحسنت فأخبريني عن الصوم وفرضه قالت: أما فروض الصوم فالنية والإمساك عن الأكل والشرب والجماع وتعم القيء وهو واجب على كل مكلف خال عن الحيض والنفاس ويجب رؤية الهلال أو بإخبار عدل يقع في قلب المخبر صدقه ومن واجباته تثبيت النية وأما سننه فتعجيل الفطور وتأخير السحور وترك الكلام إلا في الخير والذكر وتلاوة القرآن قال: أحسنت فأخبريني عن شيء لا يفسد الصوم قالت: الأذهان والإكتحال وغبار الطريق وابتلاع الريق وخروج المني بالإحتلام أو النظر لامرأة أجنبية والفصادة والحجامة هذا كله لا يفسد الصوم. قال: أحسنت فأخبريني عن صلاة العيدين قالت: ركعتان وهما سنة من غير آذان وإقامة ولكن يقول الصلاة جامعة ويكبر في الأولى سبعاً ى تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام على مذهب الإمام الشافعي .

هانى رفعت
04-17-2010, 02:35 AM
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما أخبرت الفقيه عن صلاة العيدين قال لها: أحسنت فأخبريني عن صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر قالت: ركعتان بغير آذان ولا إقامة يأتي ركعة بقيامين وركوعين وسجودين ويجلس وينشد ويسلم ثم يخطب ويستغفر الله تعالى مكان التكبير في خطبتي العيدين ويحول رداءه بأن يجعل أعلاه أسفله ويدعوا ويتضرع قال: أحسنت فأخبريني عن صلاة الوتر قالت: الوتر أقله ركعة واحدة وأكثره إحدى عشر ركعة قال: أحسنت فأخبريني عن صلاة الضحى قالت: أقلها ركعتان وأكثرها اثنتي عشر ركعة قال: أحسنت فأخبريني عن الإعتكاف قالت: هو سنة قال: فما شروطه قالت: النية وأن لا تخرج من المسجد إلا لحاجة ولا يباشر النساء وأن يصوم ويترك الكلام.
قال: أحسنت فأخبريني بماذا يجب الحج قالت: بالبلوغ والعقل والإسلام والاستطاعة وهو واجب في العمر مرة واحدة قبل الموت قال: فما فروض الحج قالت: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي والحلق والتقصير قال: فما فروض العمرة قالت: الإحرام بها وطوافها وسعيها قال: فما فروض الإحرام قالت: التجرد من المخيط واجتناب الطيب وترك حلق الرأس وتقليم
الأظافر وقتل الصيد والنكاح قال: فما سنن الحج قالت: التلبية وطواف القدوم والوداع والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. قال: أحسنت فما الجهاد وما أركانه قالت: أما أركانه فخروج الكفار علينا ووجود الإمام والعدة والثبات عند لقاء العدو وأما سننه فهو التحريض على القتال لقوله تعالى: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال قال: أحسنت فأخبريني عن فروض البيع وسننه قالت: أما فروض البيع فالإيجاب والقبول وأن يكون البيع مملوكاً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه وترك الربا وأما سننه فالإقالة والخيار قبل التفريق لقوله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا قال: أحسنت فأخبريني عن شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض قالت: حفظت في ذلك حديثاً صحيحاً عن نافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع التمر بالرطب والتين باليابس والقديد باللحم والزبد بالسمن وكل ما كان من صنف واحد مأكول فلا يجوز بيع بعضه ببعض.
فلما سمع الفقيه كلامها وعرف أنها ذكية فطنة حاذقة عالمة بالفقه والحديث والتفسير وغير ذلك قال في نفسه: لا بد أن أتحيل عليها حتى أغلبها في مجلس أمير المؤمنين فقال لها: يا جارية ما معنى الوضوء في اللغة قالت: الوضوء في اللغة النظافة والخلوص من الأدناس قال: فما معنى الصلاة في اللغة قالت: الدعاء بخير قال: فما معنى الغسل في اللغة قالت: التطهير قال: فما معنى الصوم في اللغة قالت: الإمساك قال: فما معنى الزكاة في اللغة قالت: الزيادة قال: فما معنى الحج في اللغة قالت: القصد قال: فما معنى الجهاد في اللغة قالت: الدفاع فانقطعت حجة الفقيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:35 AM
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الفقيه لما انقطعت حجته قام على قدميه وقال: أشهد الله يا أمير المؤمنين بأن الجارية أعلم مني في الفقه فقالت له الجارية: أسألك عن شي فأتني جوابه سريعاً إن كنت عارفاً قال: اسألي قالت: ما سهام الدين قال: هي عشرة: الأولى الشهادة وهي الملة الثاني الصلاة وهي الفطرة الثالث الزكاة وهي الطهارة الرابع الصوم وهي الجنة الخامس الحج وهي الشريعة السادس الجهاد وهي الكفاية السابع والثامن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما الغيرة التاسع الجماعة وهي الألفة العاشر طلب العلم وهي الطريق الجيدة.
قالت: أحسنت وقد بقيت عليك مسألة فما أصول الإسلام قال: هي أربعة: صحة العقد وصدق العقد وحفظ الحد والوفاء بالعهد.
قالت: بقيت مسألة أخرى فإن أجبت وإلا أخذت ثيابك قال: قولي يا جارية قالت: فما فروع الإسلام فسكت ساعة ولم يجب بشيء فقالت: انزع ثيابك وأنا أفسرها لك قال أمير المؤمنين: فسريها وأنا أنزع لك ما عليه من الثياب قالت: اثني وعشرون فرعاً التمسك بكتاب الله والإقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم وكف الأذى وأكل الحلال واجتناب الحرام ورد المظالم إلى أهلها والتوبة والفقه في الدين وحب الجليل واتباع التنزيل والتأهب للرحيل وقوة اليقين والعفو عند المقدرة والقوة عند الضعف والصبر عند المصيبة ومعرفة الله تعالى ومعرفة ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم ومخالفة اللعين إبليس ومجاهدة النفس ومخالفتها والإخلاص لله.
فلما سمع أمير المؤمنين ذلك منها أمر أن تنزع ثياب الفقيه وطيلسانه فنزعهما ذلك الفقيه وخرج مقهوراً منها خجلاً من بين يدي أمير المؤمنين ثم قام رجل آخر وقال: يا جارية اسمعي مني مسائل قليلة قالت له: قل قال: فما شرط صحة المسلم قالت: القدر المعلوم والجنس المعلوم والأجل المعلوم قال: أحسنت فما فروض الأكل وسننه قالت: فروض الأكل الإعتراف بان الله تعالى رزقه وأطعمه وسقاه والشكر لله تعالى على ذلك قال: فما الشكر قالت: صرف العبد لجميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله قال: فما سنن الأكل قالت: التسمية وغسل اليدين والجلوس على الورك الأيسر والأكل بثلاث أصابع والكل مما لك قال:: أحسنت فأخبريني ما آداب الأكل قالت: أن تصغر اللقمة وتقل النظر إلى جليسك قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 02:35 AM
وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما سئلت عن آداب الأكل وذكرت الجواب قال لها الفقيه السائل: أحسنت فأخبريني عن عقائد القلب وأضدادها قالت: هن ثلاث وأضدادها ثلاث: الأولى اعتقاد الإيمان وضدها مجانية الكفر والثانية اعتقاد السنة وضدها مجانية البدعة والثالثة اعتقاد الطاعة وضدها مجانية المعصية قال: أحسنت فأخبريني عن شروط الوضوء قالت: الإسلام والتميز وطهور الماء وعدم المانع الحسن وعدم المانع الشرعي قال: أحسنت فأخبريني عن الإيمان قالت: الإيمان ينقسم إلى تسعة أقسام: إيمان بالمعبودة وإيمان بالعبودية وإيمان بالخصوصية وإيمان بالقبضتين وإيمان بالناسخ وإيمان بالمنسوخ وإن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره. قال: أحسنت فأخبريني عن ثلاث تمنع
ثلاثاً قالت: نعم. روي عن سفيان الثوري أنه قال: ثلاث تذهب ثلاثاً: الاستخفاف بالصالحين يذهب الآخرة والاستخفاف بالملوك يذهب الروح والاستخفاف بالنفقة يذهب المال قال: أحسنت فأخبريني عن مفاتيح السموات وكم لها من باب قالت: قال الله تعالى: وفتحت السماء فكانت أبواباً. وقال عليه الصلاة والسلام: وليس يعلم عدة أبواب السماء إلا الذي خلق السماء وما من أحد من بني آدم إلا وله بابان في السماء باب ينزل منه رزقه وباب يصعد منه عمله ولا يغلق باب رزقه حتى ينقطع أجله ولا يغلق باب عمله حتى تصعد روحه.
قال: أحسنت فأخبريني عن شيء وعن نصف شيء وعن لا شيء قالت: الشيء هو المؤمن ونصف الشيء هو المنافق وأن لا شيء هو الكافر قال: أحسنت فأخبريني عن القلوب قالت: قلب سليم وقلب سقيم وقلب منيب وقلب نذير وقلب منير فالقلب السليم هو قلب الخليل والقلب السقيم هو قلب الكافر والقلب المنيب هو قلب المتقين الخائفين والقلب النذير هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقلب المنير هو قلب من يتبعه وقلوب العلماء ثلاثة: قلب متعلق بالدنيا وقلب متعلق بالآخرة وقلب متعلق بمولاه وقيل: إن القلوب ثلاثة: قلب معلق وهو قلب الكافر وقلب معدوم وهو قلب المنافق وقلب ثابت وهو قلب المؤمن وقيل هي ثلاثة: قلب مشروح بالنور والإيمان وقلب مجروح من خوف الهجران وقلب خائف من الخذلان قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:36 AM
وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما سألها الفقيه الثاني وأجابته وقال لها: أحسنت قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد سألني حتى عيي وأنا أسأله مسألتين فإن أتى بجوابهما فذاك وإلا أخذت ثيابه وانصرف بسلام فقال لها الفقيه: سليني ما شئت قالت: فما تقول في الإيمان قال: الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح وقال عليه الصلاة والسلام: لا يكمل المرء في الإيمان حتى يكمل فيه خمس خصال التوكل على الله والتفويض إلى الله والتسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله وأن تكون أموره لله فإنه من أحب الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. قالت: فأخبرني عن فرض الفرض وعن فرض في ابتداء كل فرض وعن فرض يحتاج إليه كل فرض وعن سنة داخلة في الفرض وعن سنة يتم بها الفرض فسكت ولم يجب بشيء فأمرها أمير المؤمنين بأن تفسرها وأمره أن ينزع ثيابه ويعطيها إياها فعند ذلك قالت: يا فقيه أما فرض
الفرض فمعرفة الله تعالى وأما الفرض الذي في ابتداء كل فرض فهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأما الفرض الذي يحتاج إليه كل فرض فهو الوضوء وأما الفرض المستغرق كل فرض فهو الغسل من الجنابة وأما السنة الداخلة في الفرض فهي تخليل الأصابع وتخليل اللحية الكثيفة وأما السنة التي يتم بها الفرض فهو الإختتان فعند ذلك تبين عجز الفقيه وقام على قدميه وقال: أشهد الله يا أمير المؤمنين أن هذه الجارية أعلم مني بالفقه وغيره ثم نزع ثيابه وانصرف مقهوراً.
وأما حكايتها مع المقرئ فإنها التفتت إلى من بقي من العلماء الحاضرين وقالت: أيكم الأستاذ المقرئ بالعالم بالقرآن السبع والنحو واللغة فقام إليها المقرئ وجلس بين يديها وقال لها: هل قرأت كتاب الله تعالى وأحكمت معرفة آياته وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومكيه ومدنيه وفهمت تفسيره وعرفتيه على الروايات والأصول في القرآن قالت: نعم. قال: أخبريني عن عدد سور القرآن وكم فيه من عشر وكم فيه من آيات وكم فيه من حرف وكم فيه من سجدة وكم فيه من نبي مذكور وكم فيه من سورة مدنية وكم فيه من سورة مكية وكم فيه من طير قالت: يا سيدي أما سور القرآن فمائة وأربع عشرة سورة المكي منها سبعون والمدني أربع وأربعون وأما أعشاره فستمائة عشر واحد وعشرون عشراً وأما الآيات فست آلاف ومائتان آية وأما أحرفه فثلاثة وعشرون ألفاً وستمائة وسبعون حرفاً وللقارئ بكل حرف عشر حسنات وأما السجدات فأربع عشر سجدة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:38 AM
وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما غلبت المقرئ ونزع ثيابه وانصرف خجلاً تقدم إليها الطبيب الماهر وقال: فرغنا من علم الأديان فتيقظي لعلم الأبدان وأخبريني عن الإنسان وكيف خلقه وكم في جسده من عرق وكم من عظم وكم من فقارة وأين أول العروق ولمي سمي آدم آدم قالت: سمي آدم لآدمته أي سمرة لونه وقيل: لأنه خلق من أديم الأرض أي ظاهر وجهها صدره من تربة الكعبة ورأسه من تربة المشرق ورجلاه من تربة المغرب وخلق الله له سبعة أبواب في رأسه وهي: العينان والأذنان والمنخران والفم وجعل له منفذين قبله ودبره فجعل العينين حاسة النظر والأذنين حاسة السمع والمنخرين حاسة الشم والفم حاسة الذوق وجعل اللسان ينطق بما ف ضمير الإنسان وخلق آدم مكباً من أربعة عناصر وهي: الماء والتراب والنار والهواء فكانت الصفراء طبع النار وهي حارة يابسة والسوداء طبع التراب وهو بارد يابس والبلغم طبع الماء وهو بارد رطب والدم طبع الهواء وهو حار رطب وخلق في الإنسان ثلثمائة وستين عرقاً ومائتين وأربعون عظماً وثلاثة أرواح حيواني ونفساني وطبيعي وجعل لكل منها حكماً وخلق له قلباً وطحالاً ورئتان وستة أمعاء وكبداً وكليتين واليتين ومخاً وعظماً وجلداً وخمس حواس سامعة وباصرة وشامة وفائقة ولامسة وجعل القلب في الجانب الأيسر من الصدر وجعل المعدة أمام الرئة مروحة للقلب وجعل الكبد في الجانب الأيمن محاذية للقلب وخلق ما دون ذلك من الحجاب والمعاء وركب ترائب الصدر وشبكها بالأضلاع قال: أحسنت فأخبريني كم في رأس ابن آدم من بطن قالت: ثلاثة بطون وهي تشتمل على خمس قوى تسمى الحواس الباطنية وهي الحس المشترك والخيال والمتصرفة والواهمة والحافظة قال: أحسنت فأخبريني عن هيكل العظام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:39 AM
وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما قال لها الطبيب: أخبريني عن هيكل العظام قالت: هو مؤلف من مائتين وأربعون عظمة وينقسم إلى ثلاثة أقسام: رأس وجذع وأطراف أما الرأس فتنقسم إلى جمجمة ووجه فالجمجمة مركبة من ثمانية عظام ويضاف إليها عظيمات السمع الأربع والوجه ينقسم إلى فك علوي وفك سفلي فالعلوي يشتمل على أحد عشر عظماً والسفلي عظم واحد ويضاف إليه الأسنان وهي اثنتان وثلاثون سناً وكذلك العظم اللامي.
وأما الجذع فينقسم إلى سلسلة فقارية وصدر وحوض فالسلسلة مركبة من أربعة وعشرون عظماً تسمى الفقار والصدر مركب من القفص والأضلاع التي هي أربع وعشرون ضلعاً في كل جانب اثنتا عشرة والحوض مركب من العظمين الحرقفيين والعجز والعصعص.
وأما الأطراف فتنقسم إلى طرفين علويين وطرفين سفليين فالعلويان ينقسم كل منهما أولاً منكب مركب من الكتف والترقوة وثانياً إلى عضد وهو عظم واحد وثالثاً إلى ساعد مركب من عظمين هما: الكعبرة والزند ورابعاً إلى كتف ينقسم إلى رسخ ومشط وأصابع فالرسخ مركب من ثمانية عظام مصفوفة صفين كل منهما يشتمل على أربعة عظام والمشط يشتمل على خمسة عظام والأصابع عدتها خمس كل منها مركب من ثلاثة عظام تسمى السلاميات إلا الإبهام فإنها مركبة من اثنين فقط والطرفان السفليان تنقسم كل منهما أولاً إلى فخذ هو عظم واحد وثانياً إلى ساق مركب من ثلاثة عظام: القصبة والشظية والرضفة وثالثاُ إلى قدم ينقسم كالكف إلى رسغ ومشط وأصابع. فالرسغ مركب من سبعة عظام مصفوفة صفين الأول فيه عظمان والثاني فيه خمسة والمشط مركب من خمسة عظام والأصابع وعدتها خمس كل منها مركبة من ثلاث سلاميات إلا الإبهام فمن سلاميين فقط. قال: أحسنت فأخبريني عن أصل العروق. قالت: أصل العروق الوتين ومنه تتشعب العروق وهي كثيرة لا يعلم عددها إلا الذي خلقها وقيل إنها ثلثمائة وستون عرقاً كما سبق وقد جعل الله اللسان ترجماناً والعينين سراجاً والمنخرين منشقين واليدين جناحين ثم إن الكبد فيه الرحمة والطحال فيه الضحك والكليتين فيهما المكر والخديعة والمعدة خزانة والقلب عماد الجسد فإذا أصلح القلب صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله قال: أخبريني عن الدلالات والعلامات الظاهرة التي يستدل بها على المرض في الأعضاء
الظاهرة والباطنة قالت: نعم إذا كان الطبيب ذا فهم نظر في أحوال البدن واستدل واستدل بجس اليدين على الصلابة والحرارة واليبوسة والبرودة والرطوبة وقد توجد في المحسوس دلالات على الأمراض الباطنة كصفرة العينين فإنها تدل على البرقان وتحقق الظهر فإنه يدل الرئة قال: أحسنت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما وصفت للطبيب العلامات الظاهرة قال لها: أحسنت فما العلامات الباطنة قالت: إن الوقوف على الأمراض بالعلامات الباطنة يؤخذ من ستة قوانين الأول من الأفعال والثاني مما يستغفر من البدن والثالث من الوجع والرابع من الموضع والخامس من الورم والسادس من الأعراض. قال: أخبريني بم يصل الأذى من الرأس قالت: بإدخال الطعام على العام قبل هضم الأول والشبع على الشبع فهو الذي أفنى الأمم فمن أراد البقاء فليباكر بالغداء ولا يتمس العشاء وليقلل من مجامعة النساء وليخفف الرداء وأن لا يكثر الفصد ولا الحجامة وأن يجعل بطنه ثلاث أثلاث ثلث للطعام وثلث للماء وثلث للتنفس لأن مصران بني آدم ثمانية عشر شبراً يجب أن يجعل ستة للطعام وستة للشراب وستة للتنفس وإذا مشى برفق كان أوفق له وأجمل لبدنه وأكمل لقول تعالى: (ولا تمش على الأرض مرحاً).
قال: أحسنت فأخبريني ما علامة الصفراء وماذا يخاف منها قالت: تعرف بصفرة اللون ومرارة الفم والجفاف وضعف الشهوة وسرعة النبض ويخاف صاحبها من الحمى المحرقة والبرصام والحمرة واليرقان والورم وقروح الأمعاء وكثرة العطش فهذه علامات الصفراء. قال: أحسنت فأخبريني عن علامات السوداء وماذا يخاف على صاحبها إذا غلبت على البدن قالت: إنها تتولد من الشهوة الكاذبة وكثرة الوسوسة والهم والغم فينبغي حينئذٍ أن تستفرغ وإلا تولد منها الماليخوليا والجذام والسرطان وأوجاع الطحال وقروح الأمعاء. قال: أحسنت فأخبريني إلى كم جزء ينقسم الطب قالت: ينقسم إلى جزءين: أحدهما علم تدبير الأبدان المريضة والأخر كيفية ردها إلى حال صحتها. قال: فأخبريني أي وقت يمون شرب الأدوية أنفع فيه منه في غيره قالت: إذا جرى الماء في العود وانعقد الحب في العنقود وطلع السعد سعود فقد دخل وقت نفع شرب الدواء وطرد الداء فقال: أخبريني عن وقت إذا شرب فيه الإنسان من إناء جديد يكون شرابه أهنأ وأمرأ منه في غيره وتصعد له رائحة طيبة ذكية قالت: إذا صبر بعد أكل الطعام ساعة. قال: فأخبريني عن طعام لا تتسبب عنه أسقام قالت: هو الذي لا يطعم إلا بعد الجوع وإذا طعم لا تمتلئ منه الضلوع لقول جالينوس الحكيم: من أراد إدخال الطعام فليبطئ ثم لا يخطئ ولنختم بقوله عليه الصلاة والسلام: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأصل كل داء البردة يعني التخمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:55 AM
وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما قالت للطبيب: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء الحديث قال لها: فما تقولين في الحمام قالت: لا يدخله شبعان وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم البيت الحمام ينظف الجسد ويذكر النار قال: فأي الحمامات أحسن قالت: ما عذب ماؤه واتسع فضاؤه وطاب هواؤه بحيث تكون أهويته أربعة خريفي وصيفي وشتوي وربيعي: قال: فأخبريني أي الطعام أفضل قالت: ما صنعت النساء وقل فيه العناء وأكلته بالهناء وأفضل الطعام الثريد لقوله عليه الصلاة والسلام: فضل الثريد على الطعام كفضل عائشة على سائر النساء قال: فأي الأدم أفضل قالت: اللحم لقوله عليه الصلاة والسلام: أفضل الأدم اللحم لأنه لذة للدنيا والآخرة قال فأخبريني فأي اللحم أفضل قالت: الضان ويجتنب القديد لأنه لا فائدة فيه قال: أخبريني عن الفاكهة قالت: كلها في إقبالها واتركها إذا انقضى زمانها قال: فما تقولين في شرب الماء قالت: لا تشربه شرباً ولا تعبه عباً فإنه يؤذيك صداعه ويشوش عليك من الأذى أنواعه ولا تشربه عقب خروجك من الحمام ولا عقب الجماع ولا عقب الطعام إلا بعد مضي خمس عشر درجة للشاب وللشيخ بعد أربعين درجة ولا عقب يقظتك من المنام قال: أحسنت فاخبريني عن شرب الخمر قالت: أفلا يكفيك زاجراً ما جاء في كتاب الله تعالى حيث قال: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون). وقال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون). وقال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما). وأما المنافع التي فيها فإنها تفتت حصى الكلى وتقوي الأمعاء وتنفي الهم وتحرك الكرم وتحفظ الصحة وتعين على الهضم وتصح البدن وتخرج الأمراض من المفاصل وتنقي الجسم من الأخلاط الفاسدة وتولد الطرب والفرح وتقوي الغريزة وتشد المثانة وتقوي الكبد وتفتح السدد وتحمر الوجه وتنقي الفضلات عن الرأس والدماغ وتبطئ بالمشيب ولولا الله عز وجل حرمها لم يكن على وجه الأرض ما يقوم مقامها.
وأما الميسر فهو القمار قال: فأي شيء في الخمر أحسن قالت: ما كان بعد ثمانين يوماً أو أكثر وقد اعتصر من عنب أبيض ولم يشبه ماء ولا شيء على وجه الأرض مثلها قال: فما تقولين في الحجامة قالت: ذلك لمن كان ممتلئاً من الدم وليس فيه نقصان في دمه فمن أراد الحجامة فليحتجم في نقص الهلال في يوم بلا غيم ولا ريح ولا مطر ويكون في السابع عشر من الشهر وإن وافق يوم الثلاثاء كان أبلغ في النفع ولا شيء أنفع من الحجامة للدماغ وتصفية الذهن. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:56 AM
وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما وصفت منافع الحجامة قال لها الحكيم: أخبريني عن أحسن الحجامة قالت: أحسنها على الريق فإنها تزيد في العقل وفي الحفظ لما روي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان ما اشتكى إليه أحد وجعاً في رأسه أو رجليه إلا قال له احتجم وإذا احتجم لا يأكل على الريق مالحاً فإنه يورث الجرب ولا يأكل على أثره حامضاً قال: فأي وقت تكره فيه الحجامة قالت: يوم السبت والأربعاء ومن احتجم فيها فلا يلومن إلا نفسه ولا يحتجم في شدة الحر ولا في شدة البرد وخيار أيامه أيام الربيع قال: أخبريني عن المجامعة فلما سمعت ذلك أطرقت وطأطأت رأسها واستحيت من إجلالاً لأمير المؤمنين ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين ما عجزت بل خجلت وإن جوابه على طرف لساني. قال لها: يا جارية تكلمي قالت له: إن النكاح فيه فضائل مريدة وأمور حميدة منها أنه يخفف البدن الممتلئ بالسوداء ويسكن حرارة العشق ويجلب المحبة ويبسط القلب ويقطع الوحشة والإكثار منه في أيام الصيف والخريف أشد ضرراً في أيام الشتاء والربيع قال: فأخبريني عن منافعه قالت: إنه يزيل الهم والوسواس ويسكن العشق والغضب وينفع القروح هذا إذا كان الغالب على الطبع والبرودة واليبوسة وإلا فالإكثار منه يضعف النظر ويتولد منه وجع الساقين والرأس والظهر وإياك من مجامعة العجوز فإنها من القواتل. قال الإمام علي كرم الله وجهه: أربع يقتلن ويهرمن البدن: دخول الحمام على الشبع وأكل المالح والمجامعة على الامتلاء ومجامعة المريضة فإنها تضعف قوتك وتسقم بدنك والعجوز سم قاتل قال: فما أطيب الجماع قالت: إذا كانت المرأة صغيرة السن مليحة القد حسنة الخد كريمة الجد بارزة النهد فهي تزيد قوة في صحة بدنك.
قال: فأخبريني عن أي وقت يطيب فيه الجماع قالت: إذا كان ليلاً فبعد هضم الطعام وإذا
كان نهاراً فبعد الغداء قال: فأخبريني عن أفضل الفواكه قالت: الرمان والأترج قال: فأخبريني عن أفضل البقول قالت: الهندباء وقال: فما أفضل الرياحين قالت: البنفسج والورد قال: فأخبريني عن قرار مني الرجل قالت: إن في الرجل عرقاً يسقي سائر العروق فيجتمع الماء من ثلثمائة وستين عرقاً ثم يدخل في البيضة اليسرى دماً أحمر فينبطح من حرارة مراج بني آدم ماءً غليظاً أبيض رائحته مثل رائحة الطلع قال: أحسنت فأخبريني عن طير يمني ويحيض قالت: هو الخفاش أي الوطواط قال: فأخبريني عن شيء إذا حبس عاش وإذا شم الهواء مات قالت: هو السمك قال: فأخبريني عن شجاع يبيض قالت: الثعبان فعجز الطبيب من كثرة أسئلته وسكت فقالت الجارية: يا أمير المؤمنين إنه سألني حتى عيي وأنا أسأله مسألة واحدة فإن لم يجب أخذت ثيابه حلالاً لي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 02:56 AM
وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن لما قالت لأمير المؤمنين إنه سألني حتى عيي وأنا أسأله مسألة واحدة فإن لم يجب أخذت ثيابه حلالاً لي قال لها الخليفة: سليه قالت: ما تقول في شيء يشبه الأرض استدارة ويوارى عن العيون فقاره قليل القيمة والقدر ضيق الصدر والنحر مقيد وهو غير آبق موثق وهو غير سارق مطعون لا في القتال مجرو ولا في النضال يأكل الدهر مرة ويشرب الماء من كثرة وتاره يضرب من غير جناية ويستخدم لا من كفاية مجموع بعد تفرقه متواضع لا من تملقه حامل لا لولد في بطنه مائل لا يسند ركنه فيتطهر ويصلي فيتغير يجامع بلا ذكر ويصارع بلا حذر يريح ويستريح ويعد فلا يصيح أكرم من النديم وأبعد من الحميم يفارق زوجته ليلاً ويعانقها نهاراً مسكنه الأطراف في مساكن الأشراف.
فسكت الطبيب ولم يجب بشيء وتحير في أمره وتغير لونه واطرق برأسه ساعة ولم يتكلم فقالت: أيها الطبيب تكلم وإلا فانزع ثيابك فقام وقال: يا أمير المؤمنين أشهد على أن هذه الجارية أعلم مني بالطب وغيره ولا لي طاقة ونزع ما عليه من ثياب وخرج هارباً فعند ذلك قال هلا أمير المؤمنين: فسري لنا ما قلتيه فقالت: يا أمير المؤمنين هذا الزرار والعروة.
وأما ما كان من أمرها مع المنجم فإنها قالت: من كان منكم منجماً فليقم فنهض إليها وجلس بين يديها فلما رأته ضحكت وقالت: أنت المنجم الحاسب الكاتب قال: نعم قالت: اسأل عما شئت وبالله التوفيق قال: أخبريني عن الشمس وطلوها وأفولها قالت: اعلم أن الشمس تطلع من عيون وتأفل في عيون فعيون الطلوع أجزاء المتسارق وعيون الأفول أجزاء المغارب وكلتاهما مائة وثمانون جزءاً. قال الله تعالى: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) وقال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) فالقمر سلطان الليل والشمس سلطان النهار وهما مستبقان متداركان. قال الله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون). قال: فأخبريني إذا جاء الليل كيف يكون النهار وإذا جاء النهار كيف يكون الليل قالت: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) قال: أخبريني عن منازل القمر قالت: منازل القمر ثمان وعشرون منزلة وهي: السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسمك والغفر والزبانا والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخيبة والفرع المقدم والفرع المؤخر والرشاء وهي مرتبة على حروف أبجد هوز إلى آخرها وفيها سر غامض لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم وأما قسمتها على البروج الاثني عشر فهي أن تعطي كل برج منزليتن وثلث منزلة فتجعل الشرطين والبطين وثلث الثريا للحمل وثلثي الثريا مع الديران وثلثي اللعة للثور وثلث الهقعة مع الهنعة والذراع للجوزاء والنترة والطرف وثلث الجبهة للسرطان وثلثيهما مع الزبرة وثلثي الصفة للأسد وثلثها مع العواء والسماك للسنبلة والغفر والزباني وثلث الإكليل للميزان وثلثي الإكليل مع القلب وثلثي الشولة للعقرب وثلثها مع النعايم والبلدة للقوس وسعد الذبائح وسعد بلع وثلث المقدم للجدي وثلثي المقدم مع المؤخر وثلثي الرشا للحوت وثلث الرشا وسعد السعود وسعد الأخبية للدلو. وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-17-2010, 02:58 AM
وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما عدت المنازل وقسمتها على البروج قال لها المنجم: أحسنت فاخبريني عن الكواكب السيارة وعن طبائعها وعن مكثها في البروج والسعد منها والنحس وأين بيوتها وشرفها وسقوطها قالت: المجلس ضيق ولكن سأخبرك. أما الكواكب فسبعة وهي: الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل فالشمس حارة يابسة نحيسة بالمقارنة سعيدة بالنظرة تمكث غي كل برج ثلاثين يوماً والقمر بارد رطب سعيد يمكث في كل برج يومين وثلث يوم وعطارد ممتزج سعد مع السعود نحس مع النحوس يمكث في كل برج سبعة عشر يوماً ونصف اليوم والزهرة معتدلة سعيدة تمكث في كل برج من البروج خمسة وعشرين يوماً والمريخ نحس يمكث في كل برج عشرة أشهر والمشتري سعد يمكث في كل برج سنة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المشتري سعد يمكث في كل برج سنة وزحل بارد يابس نحس يمكث في كل برج ثلاثين شهراً والشمس بيتها الأسد وشرفها الحمل وهبوطها الدلو والقمر بيته السرطان وشرفه الثور وهبوطه الحمل ووباله السرطان والأسد والمشتري بيته الحوت والقوس وهبوطه العقرب ووباله الجدي وزحل بيته الجدي والدلو وشرفه الميزان والسرطان وهبوطه الجدي ووباله الجوزاء والأسد والزهرة بيتها الثور وشرفها الحوت وهبوطها الميزان ووبالها الحمل والعقرب وعطارد بيته الجوزاء والسنبلة وهبوطه الحوت ووباله الثور والمريخ بيته الحمل والعقرب وشرفه الجدي وهبوطه السرطان ووباله الميزان.
فلما نظر المنجم إلى حذقها وعلمها وحسن كلامها وفهمها ابتغى له حيلة يخجلها بها بين يدي أمير المؤمنين فقال لها: يا جارية هل ينزل في هذا الشهر مطراً فأطرقت ساعة ثم تفكرت طويلاً حتى ظن أمير المؤمنين أنها عجزت عن جوابها فقال لها المنجم: لم لا تتكلمين فقالت: لا أتكلم إلا إن أذن لي بالكلام أمير المؤمنين فقال لها أمير المؤمنين: وكيف ذلك قالت: أريد أن تعطيني سيفاً أضرب به عنقه لأنه زنديق فضحك أمير المؤمنين وضحك من حوله ثم قالت: يا منجم خمسة لا يعلمها إلا الله تعالى وقرأت: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) قال لها: أحسنت إني والله ما أردت إلا اختبارك فقالت: اعلم أن أصحاب التقويم لهم إشارات وعلامات ترجع إلى الكواكب بالنظر إلى دخول السنة وللناس فيها تجارب قال: وما هي قالت: إن لكل يوم من الأيام كوكباً يملكه فإذا كان أول يوم من السنة يوم الأحد فهو الشمس ويدل ذلك والله أعلم على الجور من الملوك والسلاطين والولاة وكثرة الوخم وقلة المطر وأن تكون الناس في هرج عظيم وتكون الحبوب طيبة إلا العدس فإنه يعطب ويفسد العنب ويغلو الكتان ويرخص القمح من أول طوبة إلى آخر برمهات ويكثر القتال بين الملوك ويكثر الخير في تلم السنة والله أعلم.
قال: فأخبريني عن يوم الاثنين قالت: هو القمر ويدل ذلك على صلاح ولاة الأمور والعمال وأن تكون السنة كثيرة الأمطار. وتكون الحبوب طيبة ويفسد بزر الكتان ويرخص القمح ويكثر العنب ويقل العسل ويرخص القطن والله أعلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام .

هانى رفعت
04-17-2010, 02:59 AM
وفي الليلة الخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما فرغت من بيان يوم الاثنين قال لها: أخبريني عن يوم الثلاثاء قالت: هو المريخ ويدل ذلك على موت كبار الناس وكثرة الفناء وإراقة الدماء والغلاء في الحب وقلة الأمطار وأن يكون السمك قليلا ويزيد في أيام وينقص في أيام ويرخص العسل والعدس ويغلو بذر الكتان في تلك السنة وفيها يفلح الشعير دون سائر الحبوب ويكثر القتال بين الملوك ويكثر الموت بالدم ويكثر موت الحمير والله أعلم.
قال: فأخبريني عن يوم الأربعاء قالت هو عطارد ويدل ذلك على هرج عظيم يقع في الناس وعلى كثرة العدو وأن تكون الأمطار معتدلة وأن يفسد بعض الزرع وأن يكثر موت الدواب وموت الأطفال ويكثر القتل في البحر من برموده إلى مسرى وترخص بقية الحبوب ويكثر الرعد والبرق ويغلو العسل ويكثر طلع النخل ويكثر الكتان والقطن ويغلو الفجل والبصل والله أعلم.
قال: أخبريني عن يوم الخميس قالت: هو للمشتري ويدل ذلك على العدل في الوزراء والصلاح في القضاء والفقراء وأهل الدين وأن يكون الخير كثيراً وتكثر الأمطار والثمار والأشجار والحبوب ويرخص الكتان والقطن والعسل والعنب ويكثر السمك والله أعلم.
قال: أخبريني عن يوم الجمعة قالت: هو للزهرة ويدل ذلك على الجور في كبار الجن والتحدث بالزور والبهتان وأن يكثر الندى ويطيب الخريف في البلاد ويكون الرخص في بلاد دون بلاد ويكثر الفساد في البر والبحر ويغلو بذر الكتان ويغلو القمح في هاتور ويرخص في وامشير ويغلو العسل ويفسد العنب والبطيخ والله أعلم.
قال: فأخبريني عن يوم السبت قالت: هو لزحل ويدل ذلك على إيثار العبيد والروم ومن لا خير فيه ولا في قربه وأن يكون الغلاء والقحط كثيراً ويكون الغنم كثيراً ويكثر الموت في بني آدم والويل لأهل مصر والشام من جور السلطان وتقل البركة من الزرع وتفسد الحبوب والله أعلم.
ثم إن المنجم أطرق برأسه وطأطأ رأسه فقالت: يا منجم أسألك مسألة واحدة فإن لم تجب أخذت ثيابك قال لها: قولي: أين يكون سكن زحل قال: في السماء السابعة قالت: فالشمس
قال: في السماء الرابعة قالت: فالزهرة قال: في السماء الثالثة قالت: فعطارد قال: في السماء الثانية قالت: فالقمر قال: في السماء الأولى قالت: أحسنت وبقي عليك مسألة واحدة قال: اسألي قالت: فأخبرني عن النجوم إلى كم جزء تنقسم فسكت ولم يجب قالت: انزع ثيابك فنزعها ولما أخذتها قال لها أمير المؤمنين: فسري لنا هذه المسألة فقالت: يا أمير المؤمنين هم ثلاثة أجزاء جزء معلق بسماء الدنيا كالقناديل وهو ينير الأرض وجزء ترمي به الشياطين إذا استرقوا السمع. قال الله تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجاماً للشياطين. والجزء الثالث معلق بالهواء وهو ينير البحار وما فيها. قال المنجم: بقي لنا مسألة واحدة فإن أجابت أقررت لها قالت: قل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:00 AM
وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال: أخبريني عن أربعة أشياء متضادة مترتبة على أربعة أشياء متضادة قالت: هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة خلق الله من الحرارة النار وطبعها حار يابس وخلق من اليبوسة التراب وطعمه بارد يابس وخلق من البرودة الماء وطبعه بارد رطب وخلق من الرطوبة الهواء وطبعه حار رطب ثم خلق اثني عشر برجاً وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت وجعلها على أربع طبائع ثلاثة نارية وثلاثة ترابية وثلاثة هوائية مائية فالحمل والأسد والقوس نارية والثور والسنبلة والجدي ترابية والجوزاء والميزان والدلو هوائية والسرطان والعقرب والحوت مائية. فقام المنجم وقال: اشهدوا على أنها أعلم مني وانصرف مغلوباً.
ثم قالت: يا أمير المؤمنين أين الفيلسوف فنهض إليها رجل وتقدم وقال: أخبريني عن الدهر وحده وأيامه وما جاء فيه قالت: إن الدهر هو اسم واقع على ساعات الليل والنهار وان هي مقادير جري الشمس والقمر في أفلاكهما كما أخبر الله تعالى حيث قال: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم). قال: أخبريني عن ابن آدم كيف يصل إليه الكفر قالت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الكفر في ابن آدم يجري كما يجري الدم في عروقه حيث يسب الدنيا والدهر والليلة والساعة وقال عليه الصلاة والسلام: لا يسب أحدكم الدهر والليلة والساعة وقال عليه الصلاة والسلام: لا يسب أحدكم الدهر فإن الدهر هو الله ولا يسب أحدكم الدنيا فتقول: لا أعان الله من يسبني ولا يسب أحدكم هذه الساعة فإن الساعة آتية لا ريب فيها ولا يسب أحدكم الأرض فإنها آية لقوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).
قال: فأخبريني عن خمسة أكلوا وشربوا وما خرجوا من ظهر ولا بطن قالت: هو آدم وشمعون وناقة صالح وكبش إسماعيل والطير الذي رآه أبا بكر الصديق في الغار. قال: فأخبريني عن خمسة في الجنة لا من الإنس ولا من الجن ولا من الملائكة قالت: ذئب يعقوب وكلب أصحاب الكهف وحمار العزيز وناقة صالح ودلال بغلة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فأخبريني عن رجل صلى صلاة لا في الأرض ولا في السماء قالت: هو سليمان حين صلى على بساطه وهو على الريح قال: أخبريني عمن صلى صلاة الصبح فنظر إلى أمة فحرمت عليه فلما كان الظهر حلت له فلما كان العصر حرمت عليه فلما كان المغرب حلت له فلما كان العشاء حرمت عليه فلما كان الصبح حلت له قالت: هذا رجل نظر إلى أمة غيره عند الصبح وهي حرام عليه فلما كان الظهر اشتراها فحلت له فلما كان العصر أعتقها فحرمت عليه فلما كان المغرب تزوجها فحلت له فلما كان العشاء طلقها فحرمت عليه فلما كان الصبح راجعها فحلت له.
قال: أخبريني عن قبر مشى بصاحبه قالت: هو حوت يونس بن متى حين ابتلعه قال: أخبريني عن بقعة واحدة طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولا تطلع عليها بعد إلى يوم القيامة قالت: البحر حين ضربه موسى بعصاه فانفلق اثني عشر فرقاً على عدد الأسباط وطلعت عليه الشمس ولم تعد له إلى يوم القيامة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:06 AM
وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الفيلسوف قال بعد ذلك للجارية أخبريني عن أول ذيل سحب على وجه الأرض قالت: ذيل هاجر حياء من سارة فصارت سنة في العرب قال: أخبريني عن شيء يتنفس بلا روح قالت قوله تعالى: (والصبح إذا تنفس) قال: أخبريني عن حمام طائر اقبل على شجرة عالية فوق بعضه فوقها وبعضها تحتها فقالت: الفرقة التي فوق الشجرة إلى التي تحتها إن طلعت واحدة منكن صرتن الثلث وإن نزلت منا واحدة كنا مثلكن في العدد قالت الجارية: كان الحمام اثنتي عشرة حمامة فوق منهن فوق الشجرة سبع وتحتها خمس فإذا طلعت واحدة صار الذي فوق قدر الذي تحت مرتين ولو نزلت واحدة صار الذي تحت مساو بالذي فوق والله أعلم فتجرد الفيلسوف من ثيابه وخرج هارباً.
وأما حكايتها مع النظام فإن الجارية التفتت إلى العلماء الحاضرين وقالت: أيكم المتكلم في كل فن وعلم فقام إليها النظام وقال لها: لا تحسبيني كغيري فقالت له: الأصح عندي أنك مغلوب لأنك مدع والله ينصرني عليك حتى أجردك من ثيابك فلو أرسلت من يأتيك بشيء تلبسه لكان خيراً لك فقال: والله لأغلبنك وأجعلنك حديثاً يتحدث به الناس جيلاً بعد جيل فقالت له الجارية: كفر عن يمينك قال: أخبريني عن خمسة أشياء خلقها الله قبل خلق الخلق قالت له: الماء والتراب والنوم والظلمة والثمار قال: أخبريني عن شيء خلقه الله بيد القدرة قالت: العرش وشجرة طوبى وآدم وجنة عدن فهؤلاء خلقهم الله بيد القدرة وسائر المخلوقات قال لهم: كونوا فكانوا. قال: أخبريني عن أبيك في الإسلام قالت: محمد
قال: فأخبريني ما أولك وما آخرك قالت: أولي نطفة مذرة
خـلـقـت مـن الـتـراب فـصـرت شــخـــصـــافـصـيحـا فـي الـســـؤال وفـــي الـــجـــواب وعـدت إلـــى الـــتـــراب فـــصـــرت فـــيهكـــأنـــي مـــا بـــرحـــت مـــن الـــتــــراب
قال: فأخبريني عن شيء أوله عود وآخره روح قالت: عصا موسى حين ألقاها في الوادي فإذا هي حية تسعى بإذن الله تعالى قال: فأخبريني عن قوله تعالى: ولي فيها مآرب أخرى قالت: كان يغرسها في الأرض فتزهو وتثمر وتظله من الحر والبرد وتحمله إذا عيى وتحرس له الغنم إذا نام من السباع قال: أخبريني عن أنثى من ذكر وذكر من أنثى قالت: حواء من آدم وعيسى من مريم قال: فأخبريني عن أربع نيران نار تأكل ونار تشرب ولا تشرب ونار تشرب ولا تأكل ونار تأكل ولا تشرب قالت: أما النار التي تأكل ولا تشرب فهي نار الدنيا وأما النار التي تأكل وتشرب فهي نار جهنم وأما النار التي تشرب ولا تأكل فهي نار الشمس وأما النار التي لا تأكل ولا تشرب فهي نار القمر قال: أخبريني كم كلمة كلم الله موسى قالت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلم الله موسى ألف كلمة وخمسمائة عشرة كلمة قال أخبريني عن أربعة عشر كلمة رب العالمين قالت: السموات السبع والأرضون السبع لما قالتا: أتينا طائعين.
فلما قالت له الجواب قال لها: أخبريني عن آدم وأول خلقته قالت: خلق الله آدم من طين والطين من زبد والزبد من بحر والبحر من ظلمة والظلمة من ثور والثور من حوت والحوت من صخرة والصخرة من ياقوتة والياقوتة من ماء والماء من القدرة لقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون قال: فأخبريني عن قول الشاعر:
وآكـــلة بـــغــــــير فـــــــم وبـــــــطـــــــنلـهـا الأشـــجـــار والـــحـــيوانـــات قـــوت فـإن أطـعـمـتـهـا انـتــعـــشـــت وعـــاشـــتولـــو أســـقـــيتـــهـــا مـــاء تـــــمـــــــوت قالت: هي النار قال: فأخبريني عن قول الشاعر: خـلـيلان مــمـــنـــوعـــان مـــن كـــل لـــذةيبـــيتـــان طـــول الـــلـــيل يعـــتـــنـــقـــان هـمـا يحــفـــظـــان الأهـــل مـــن كـــل آفةوعـنـد طـلــوع الـــشـــمـــس يفـــتـــرقـــان قالت: هما مصراعا الباب قال: فأخبريني عن أبواب جهنم قالت: سبعة وهي ضمن بيتين من الشعر: جـهـنــم ولـــظـــى ثـــم الـــحـــطـــيم كـــذاعـد الـسـعـير وكـل الــقـــول فـــي ســـقـــر وبـــعـــد ذلـــك جـــحـــيم ثـــــم هـــــــاويةفـذاك عـدتـهـم فـــي قـــول مـــخـــتـــصـــر قال: فأخبريني عن قول الشاعر: وذات ذوائب تــــــنـــــــجـــــــر طـــــــولاوراهـا فـي الـمـــجـــيء وفـــي الـــذهـــاب بـعـــين لـــم تـــذق لـــلـــنـــوم طـــعـــمـــاولا ذرفـــت لـــدمـــع ذي انـــســــكـــــــاب قالت: هي الإبرة قال: فأخبريني عن الصراط وما هو وما طوله وما عرضه قالت: أما طوله فثلاثة آلاف عام ألف هبوطه وألف صعوده والف استواء وهو أحد من السيف وأرق من الشعرة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:07 AM
وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما لعبت الشطرنج مع المعلم بحضرة أمير المؤمنين
هارون الرشيد صارت كلما نقل نقلاً أفسدته حتى غلبته ورأى الشاه مات فقال: أنا أردت أن أطعمك حتى تظني أنك عارفة لكن صفي حتى أريك فلما صفت الثاني قال في نفسه: افتح عينيك وإلا غلبتك وصار ما يخرج قطعة إلا بحساب وما زال يلعب حتى قالت له: الشاه مات فلما رأى ذلك منها دهش من حذقها وفهمها فضحكت وقالت له: يا معلم أنا أراهنك في هذه المرة الثالثة على أن أرفع لك الفرزان ورخ الميمنة وفرس الميسرة وإن غلبتني فخذ ثيابي وإن غلبتك أخذت ثيابك.
قال: رضيت بهذا الشرط ثم صفا الصفين ورفع الفرزان والرخ والفرس وقالت له: انقل يا معلم فنقل وقال: ما لي لا أغلبها بعد هذه الحطيطة وعقد عقداً وإذا هي نقلت نقلاً قليلاً إلى أن صيرت له فرزانا ودنت منه وقربت البيادق والقطع وشغلته وأطعمته قطعة فقطعها فقالت: الكيل كيل وافي والرز رز صافي فكل حتى تزيد على الشبع ما يقتلك يا ابن آدم إلا الطمع أما تعلم أني أطعمتك لأخدعك انظر فهذا الشاه مات ثم قالت له: انزع ثيابك فقال لها اتركي لي السراويل وأجرك على الله وحلف بالله لا يناظر أحداً ما دامت تودد ببغداد ثم نزع ثيابه وسلمها لها وانصرف. فجيء بلاعب النرد فقالت له: إن غلبتك في هذا اليوم فماذا تعطيني قال: أعطيك عشر ثياب من الديباج القسطنطيني المطرز بالذهب وعشر ثياب من المخمل وإن غلبتك فما أريد منك إلا أن تكتبي لي درجاً بأني غلبتك قالت له: دونك وما عولت عليه فلعب فإذا هو قد خسر وقام وهو يرطن بالإفرنجية ويقول: ونعمة أمير المؤمنين إنها لا يوجد مثلها في سائر البلاد ثم إن أمير المؤمنين دعا بأرباب آلات الضرب قالت: نعم فأمر بإحضار عود محكوم مدعوك مجرود صاحبه بالهجران مكدود فوضته في حجرها وأرخت عليه نهدها وانحنت عليه انحناءة والدة ترضع ولدها وضربت عليه اثني عشر نغماً حتى ماج المجلس من الطرب وأنشدت تقول: أقـصـروا هـجــركـــم أقـــلـــوا جـــفـــاكـــمفـــؤادي وحـــقـــكـــم مـــــاســـــــلاكـــــــم وارحـــمـــوا بـــاكـــياً حـــزينـــاً كـــئيبـــــاذا غـــرام مـــتـــيم فــــــي هـــــــواكـــــــم فطرب أمير المؤمنين وقال: بارك الله فيك ورحم من علمك فقامت وقبلت الأرض بين يديه ثم إن أمير المؤمنين أمر بإحضار المال ودفع لمولاها مائة ألف دينار وقال لها: يا تودد تمني علي قالت: تمنيت عليك أن تردني إلى سيدي الذي باعني فقال لها: نعم فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها وجعل سيدها نديماً له على طول الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:09 AM
وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة أعطى الجارية خمسة آلاف دينار وردها إلى مولاها وجعله نديماً له على طول الزمان وأطلق له في كل شهر ألف دينار وقعد مع جاريته تودد في أرغد عيش فأعجب الملك من فصاحة هذه الجارية ومن غزارة علمها وفهمها وفضلها في كامل العلوم وانظر إلى مروءة أمير المؤمنين هارون الرشيد حيث أعطى سيدها هذا المال وقال لها: تمني علي فتمنت عليه أن يردها إلى سيدها فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها وجعل سيدها نديماً له فأين يوجد هذا الكرم بعد الخلفاء العباسيين رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
جملة حكايات تتضمن عدم الاغترار بالدنيا والوثوق بها وما ناسب ذلك ومما يحكى أيها الملك السيعد أن ملكاً من الملوك المتقدمين أراد أن يركب يوماً في جملة أهل مملكته وأرباب دولته ويظهر للخلائق عجائب زينته فأمر أصحابه وأمراءه وكبراء دولته أن يأخذوا أهبة الخروج معه وأمر خازن الثياب بأن يحضر له من أفخر الثياب ما يصلح للملك في زينته وأمر بإحضار خيله الموصوفة العتاق المعروفة ففعلوا ذلك ثم إنه اختار من الثياب ما أعجبه ومن الخيل ما استحسنه ثم لبس الثياب وركب الجواد وسار بالموكب والطوق المرصع بالجواهر وأصناف الدرر واليواقيت وجعل يركب الحصان في عسكره ويفتخر بتيهه وتجبره فأتاه إبليس فوضع يده على ممخره ونفخ في أنفه نفخة الكبر والعجب فزها وقال في نفسه: من في العامل مثلي وطفق يتيه بالعجب الأكبر ويظهر الأبهة ويزهو بالخيلاء ولا ينظر إلى أحد من تيهه وتكبره وعجبه وفخره.
فوقف بين يديه رجل عليه ثياب رثة فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فقبض على عنان فرسه فقال له الملك: ارفع يدك فإنك لا تدري بعنان من قد أمسكت فقال له: إن لي إليك حاجة فقال: اصبر حتى أنزل واذكر حاجتك فقال: إنها سر ولا أقولها إلا في أذنك فمال بسمعه إليه فقال له: أنا ملك الموت وأريد قبض روحك فقال: امهلني بقدر ما أعود إلى بيتي وأودع أهلي وأولادي وجيراني وزوجتي فقال: كلا لا تعود ولن تراهم أبداً فإنه قد مضى أجل عمرك فأخذ
روحه وهو على ظهر فرسه فخر ميتاً ومضى ملك الموت من هناك.
فأتى رجلاً صالحاً قد رضي الله عنه فسلم عليه فرد عليه السلام فقال ملك الموت: أيها الرجل الصالح إن لي إليك حاجة وهي سر فقال له الرجل الصالح: اذكر حاجتك في أذني فقال: أنا ملك الموت فقال الرجل مرحباً بك الحمد لله فإني كنت كثيراً أراقب مجيئك ووصولك إلي ولقد طالت غيبتك على المشتاق إلى قدومك فقال له ملك الموت: إن كان لك شغل فاقضه فقال له: ليس لي شغل أهم عندي من لقاء ربي عز وجل فقال: كيف تحب أن أقبض روحك فإني أمرت أن أقبضها كيف أردت وأحببت فقال: أمهلني حتى أتوضأ وأصلي فإذا سجدت فاقبض روحي وأنا ساجد فقال ملك الموت: إن ربي عز وجل أن لا أقبض روحك إلا باختيارك كيف أردت وأنا أفعل ما قلت فقام الرجل وتوضأ وصلى فقبض ملك الموت روحه وهو ساجد ونقله الله تعالى إلى محل الرحمة والرضوان والمغفرة.
وحكي أن ملكاً من الملوك كان قد جمع مالاً عظيماً لا يحصى عدده واحتوى على أشياء كثيرة من كل نوع خلقه الله تعالى في الدنيا ليرفه عن نفسه حتى إذا أراد أن يتفرغ لما جمعه من النعم الطائلة بنى له قصراً عالياً مرتفعاً شاهقاً يصلح للملوك ويكون لائقاً ثم ركب عليه بابين ووثب له الغلمان والأجناد والبوابين كما أراد ثم أمر الطباخ في بعض الأيام أن يصنع له شيئاً من أطيب الطعام وجمع أهله وحشمه وأصحابه وخدمه ليأكلوا عنده وينالوا رفده وجلس على سرير مملكته وسيادته واتكأ على وسادته وخاطب نفسه وقال: يا نفس قد جمعت لك نعم الدنيا بأسرها فالآن تفرغي وكلي من هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل والحظ الجزيل وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:10 AM
وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك لما حدث نفسه وقال لها: كلي من هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل والحظ الجزيل ولم يفرغ مما حدث به نفسه حتى أتاه رجل من ظاهر القصر عليه ثياب رثة وفي عنقه مخلاة معلقة على هيئة سائل يسأل الطعام فجاء وطرق حلقة باب القصر طرقة عظيمة هائلة كادت تزلزل القصر وتزعج الشرير فخاف الغلمان فوثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا له: ويحك ما هذه الفعلة وسوء الأدب اصبر حتى يأكل الملك ونعطيك مما يفضل فقال للغلمان: قولوا لصاحبكم يخرج إلي حتى يكلمني فلي حاجة وشغل مهم وأمر ملم قالوا: تنح أيها الضيف من أنت حتى تأمر صاحبنا بالخروج إليك فقال لهم: عرفوه ذلك فجاؤوا إليه وعرفوه فقال: هلا زجرتموه وجردتم عليه السلام ونهرتموه ثم طرق الباب أعظم من الطرقة الأولى فنهض الغلمان إليه بالعصي والسلام وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة وقال: الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت فرعبت قلوبهم وذهبت عقولهم وطاشت حلومهم وارتعدت فرائصهم وبطلت عن الحركة جوارحهم فقال لهم الملك: قولوا له أن يأخذ بدلاً مني وعوضاً عني فقال ملك الموت: لا آخذ بدلاً ولا أتيت إلا من أجلك ثم أن ملك الموت قبض على روحه وهو على سريره قال الله تعالى: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون).
ومما يحكى أن ملكاً جباراً من ملوك بني إسرائيل كان في بعض الأيام جالساً على سرير مملكته فرأى رجلاً قد دخل عليه من باب الدار وله صورة منكرة وهيئة هائلة فاشمئز من هجومه عليه وفزع من هيئته فوثب في وجهه وقال: من أنت أيها الرجل ومن أذن لك بالدخول علي وأمرك بالمجيء إلى داري فقال: أمرني صاحب الدار وأنا لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى اذن ولا أرهب سياسة سلطان ولا كثرة أعوان أنا الذي لا يفزعني جبار ولا لأحد من قبضت فرار أنا هادم اللذات ومفرق الجماعات فلما سمع الملك هذا الكلام خر على وجهه ودبت الرعدة في بدنه ووقع مغشياً عليه فلما أفاق قال: أنت ملك الوت قال: نعم قال: أقسمت عليك بالله إلا ما أمهلتني يوماً واحداً لأستغفر من ذنبي وأطلب العذر من ربي وأرد الأموال التي في خزائني إلى أربابها ولا أتحمل مشقة حسابها وويل عقابها فقال ملك الموت: هيهات لا سبيل لك إلى ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:10 AM
وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملك الموت قال للملك: هيهات لا سبيل لك إلى ذلك وكيف أمهلك وأيام عمرك محسوبة وأنفاسك معدودة وأوقاتك مثبوتة مكتوبة فقال: أمهلني ساعة فقال: إن الساعة في الحساب قد مضت وأنت غافل وانقضت وأنت ذاهل وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك إلا نفس واحد فقال: من يكون عندي إذا نقلت إلى لحدي قال: لا يكون عندك إلا عملك فقال: ما لي عمل قال: لا جرم أنه يكون مقيلك في النار ومصيرك إلى غضب الجبار ثم قبض روحه فخر ساقطاً عن سريره ووقع إلى الأرض فحصل الضجيج في أهل مملكته وارتفعت الأصوات وعلا الصياح والبكاء ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكاؤهم
عليه أكثر وعويلهم أشد وأوفر.
ومما يحكى أنه كان في بني إسرائيل قاض من قضاتهم وكان له زوجة بديعة الجمال كثيرة الصون والصبر والاحتمال فأراد ذلك القاضي النهوض إلى زيارة البيت المقدس فاستخلف أخاه على القضاء وأوصاه بزوجته وكان أخوه قد سمع بحسنها وجمالها فكلف بها فلما سار القاضي توجه إليها وراودها عن نفسها فامتنعت واعتصمت بالورع فأكثر الطلب عليها وهي تمتنع فلما يئس منها خاف أن تخبر أخاه بصنيعه إذا رجع فاستدعى بشهود زور يشهدون عليها بالزنا ثم رفع مسألتها إلى ملك ذلك الزمان فأمر برجمها فحفروا لها حفرة وأقعدوها فيها ورجمت حتى غطتها الحجارة وقال: تكون الحفرة قبرها فلما جن الليل صارت تئن من شدة ما نالها فمر بها رجل يريد قرية فلما سمع أنينها قصدها وأخرجها من الحفرة وحملها إلى زوجته وأمرها بمداواتها حتى شفيت.
وكان للمرأة ولد فدفعته إليها فصارت تكفله ويبيت معها في بيت ثان فرآها أحد الشطار فطمع فيها وأرسل يراودها عن نفسها فامتنعت فعزم على قتلها فجاءها الليل ودخل عليها البيت وهي نائمة ثم هوى بالسكين إليها فوافق الصبي فذبحه فلما علم أنه ذبح الصبي أدركه الخوف فخرج من البيت وعصمها الله منه ولما أصبحت وجدت الصبي مذبوحاً وجاءت أمه وقالت: أنت التي ذبحتيه ثم ضربتها ضرباً موجعاً وارادت ذبحها فجاء زوجها وأنقذها منها وقال: والله لم تفعل ذلك.
فخرجت المرأة فارة بنفسها لا تدري أين تتوجه وكان معها بعض دراهم فمرت بقرية والناس مجتمعون ورجل مصلوب على جذع شجرة إلا أنه في قيد الحياة فقالت: يا قوم ما له قالوا لها: أصاب ذنباً لا يكفره إلا قتله أو صدقه كذا وكذا من الدراهم فقالت: خذوا الدراهم وأطلقوه فتاب على يديها ونذر على نفسه أنه يخدمها لله تعالى حتى يتوفاه الله ثم بنى لها صومعة أسكنها فيها وصار يحتطب ويأتيها بقوتها واجتهدت المرأة في العبادة حتى كان لا يأتيها مريض أو مصاب فتدعو له إلا شفي من وقته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:11 AM
وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرأة لما صارت مقصودة للناس وهي مقبلة على عبادتها في الصومعة كان من قضاء الله تعالى أنه نزل بأخي زوجها الذي رجمها عاهة في وجهه وأصاب
المرأة التي ضربتها برص وابتلى الشاطر بوجع أقعده وقد جاء القاضي زوجها من حجه وسأل أخاه عنها فأخبره أنها ماتت فأسف عليها واحتسبها عند الله ثم تسامعت الناس بالمرأة حتى كانوا يقصدون صومعتها من أطراف الأرض ذات الطول والعرض فقال القاضي لأخيه: يا أخي هل قصدت هذه المرأة الصالحة لعل الله يجعل لك على يديها شفاء قال: يا أخي احملني إليها وسمع بها زوج المرأة التي نزل بها البرص فسار بها إليها وسمع أهل الشاطر المقعد بخبرها فساروا به إليها أيضاً واجتمع الجميع عند باب صومعتها وكانت ترى جميع من يأتي صومعتها من حيث لا يراها أحد فانتظروا خادمها حتى جاء ورغبوا إليه في أن يستأذن لهم في الدخول عليها ففعل فتنقبت واستترت ووقفت عند الباب تنظر زوجها وأخاه اللص والمرأة فعرفتهم وهم لا يعرفونها فقالت لهم: يا هؤلاء إنكم ما تستريحون مما بكم حتى تعترفون بذنوبكم فإن العبد إذا اعترف بذنبه تاب الله عليه وأعطاه ما هو متوجه إليه. فقال القاضي لأخيه: يا أخي تب إلى الله ولا تصر على عصيانك فإنه أنفع لخلاصك فعند ذلك قال أخ القاضي: الآن أقول الحق إني فعلت بزوجتك ما هو كذا وكذا وهذا ذنبي فقالت البرصاء: وأنا كانت عندي امرأة فنسبت غليها ما لم أعلمه وضربتها عمداً وهذا ذنبي فقال المقعد: وأنا دخلت على امرأة لأقتلها بعد فقالت المرأة: اللهم كما أريتهم ذل المعصية فأرهم عز الطاعة إنك على كل شيء قدير فشفاهم الله عز وجل وجعل القاضي ينظر إليها ويتأملها فسألته عن سبب النظر فقال لها: كانت لي زوجة ولولا أنها ماتت لقلت أنها أنت فعرفته بنفسها وجعلا يحمدان الله عز وجل على ما من عليهما به من جمع شملهما ثم طفق كل من أخ القاضي واللص والمرأة يسألونها المسامحة فسامحت الجميع وعبدوا الله تعالى في ذلك المكان مع لزوم خدمتها إلى أن فرق الموت بينهم.
ومما يحكى أن بعض السادة قال: بينما أنا أطوف بالكعبة في ليلة مظلمة إذ سمعت صوتاً ذي أنين ينطق عن قلب حزين وهو يقول: يا كريم لطفك القديم فإن قلبي على العهد مقيم فتطاير قلبي لسماع ذلك الصوت تطايراً أشرفت منه على الموت فقصدت نحوه فإذا صاحبته امرأة فقلت: السلام عليك يا أمة الله فقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقلت: أسألك بالله العظيم ما العهد الذي قلبك عليه مقيم فقالت: لولا أقسمت بالجبار ما أطلعتك على الأسرار انظر ما بين يدي نظر فإذا بين يديها صبي نائم يغط في نومه فقالت: خرجت وأنا حامل بهذا الصبي لأحج هذا البيت فركبت على سفينة فهاجت علينا الأمواج واختلفت علينا الرياح وانكسرت بنا السفينة فنجوت على لوح منها ووضعت هذا الصبي وأنا على ذلك اللوح فبينما .

هانى رفعت
04-17-2010, 03:13 AM
وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت: لما انكسرت السفينة نجوت على لوح منها ووضعت هذا الصبي وأنا على ذلك اللوح فبينما هو في حجري والأمواج تضربني إذ نظرت إلى رجل من ملاحي السفينة وحصل معي وقال لي: والله لقد كنت أهواك وأنت في السفينة والآن قد حصلت معك فمكنيني من نفسك وإلا قذفتك في هذا البحر فقلت: ويحك أما كان لك مما رأيت تذكرة وعبرة فقال: إني رأيت مثل ذلك مراراً ونجوت وأنا لا أبالي فقلت: يا هذا نحن في بلية ارجو السلامة منها بالطاعة لا بالمعصية فألح علي فخفت منه وأردت أن أخادعه فقلت له: مهلاً حتى ينام هذا الطفل فأخذه من حجري وقذفه في البحر فلما رأيت جرأته وما فعل بالصبي طار قلبي وزاد كربي فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيني وبين هذا الأسد إنك على كل شيء قدير فوالله ما فرغت من كلامي إلا ودابة قد طلعت من البحر فاختطفته من فوق اللوح وبقيت وحدي وزاد كربي وحزني اشفاقاً على ولدي فأنشدت وقلت: مـــرة الـــعـــين حـــبـــيبـــــــي ولـــــــدي ضـاع حـــيث الـــوجـــه أوهـــى جـــلـــدي لــيس لـــي فـــي كـــربـــتـــي مـــن فـــرج غـــير ألـــطـــافـــك يا مـــعـــتـــــمـــــــدي أنـــت يا رب تـــرى مــــا حـــــــل بـــــــي مـــن غـــرامـــي بـــفـــراقـــــي ولـــــــدي فـاجـمـع الـشــمـــل وكـــن لـــي راحـــمـــاً فـــرجـــائي فـــــــيك أقـــــــوى عـــــــددي فبقيت على تلك الحالة يوماً وليلة فلما كان الصباح نظرت قلع سفينة تلوح من بعد فما زالت الأمواج تقذفني والرياح تسوقني حتى وصلت إلى تلك السفينة التي كنت أرى قلعها فأخذني أهل السفينة ووضعوني فيها فنظرت فإذا ولدي بينهم فتراميت عليه وقلت: يا قوم هذا ولدي فمن أين كان لكم قالوا: بينما نحن نسير في البحر إذ حبست السفينة فإذا دابة كأنها المدينة العظيمة وهذا الصبي على ظهرها يمص إبهامه فأخذناه فلما سمعت ذلك حدثتهم بقصتي وما جرى لي وشكرت ربي على ما أنالني وعاهدته أن لا أبرح من بيته ولا أنثني عن خدمته وما سألته بعد ذلك شيئاً إلا أعطاني إياه فممدت يدي إلى كيس النفقة وأردت أن أعطيها فقالت:
إليك عني يا بطال أأحدثك بإفضاله وكرم فعاله وآخذ الرفد عن يد غيره فلم أقدر على أن أجعلها تقبل مني شيئاً فتركتها وانصرفت من عندها وأنا أنشد وأقول هذه الأبيات: وكـــم لـــك مـــن لـــطـــف خـــــــفـــــــي يدق خـــفـــاه عـــن فـــهـــم الــــــذكـــــــي وكـم بــســـر أنـــي مـــن بـــعـــد عـــســـروفـــرج لـــوعة الـــقـــلـــب الـــشـــجـــــي إذا ضـــاقـــت بـــك الأســـبــــاب يومـــــــاًفـثـق بـالــواحـــد الـــصـــمـــد الـــعـــلـــي تـــشـــفـــع بـــالـــنـــبـــي فـــكـــل عـــبـــديفـــوز إذا تـــشـــفـــع بـــالــــنـــــــبـــــــي وما زالت في عبادة بها ملازمة بيته إلى أن أدركها الموت.
ومما يحكى أنه كان من بني إسرائيل رجل من خيارهم وقد اجتهد في عبادة ربه وزهد دنياه وأزالها عن قلبه وكانت له زوجة مساعدة له على شأنه مطيعة له في كل زمان وكانا يعيشان من عمل الأطباق والمراوح يعملان النهار كله فإذا كان آخر النهار خرج الرجل بما عملاه في يده ومشى به يمر على الأزقة والطرق يلتمس مشترياً يبيع له ذلك وكانا يديمان الصوم فأصبحا في يوم من الأيام وهما صائمان وقد عملا يومهما ذلك فلما كان آخر النهار وخرج على عادته وبيده ما عملاه يطلب من يشتريه منه فمر بباب أحد أبناء الدنيا وأهل الرفاهية والجاه وكان الرجل وضيء الوجه جميل الصورة فرأته امرأة صاحب الدار فعشقته ومال قلبها إليه ميلاً شديداً وكان زوجها غائباً فدعت خادمتها وقالت لها: لعلك تتحلين على ذلك الرجل لتأتي به عندنا. فخرجت الخادمة ودعته لتشتري منه ما بيده وردته من طريقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادمة خرجت إلى الرجل ودعته وقالت: ادخل فإن سيدتي تريد أن تشتري من هذا الذي بيدك شيئاً بعد أن تختبره وتنظر إليه فتخيل الرجل أنها صادقة في قولها ولم ير في ذلك بأساً فدخل وقعد كما أمرته فأغلقت الباب عليه وخرجت سيدتها من بيتها وأمسكت بجلابيبه وجذبته وأدخلته وقالت له: كم ذا أطلب خلوة منك وقد عيل صبري من أجلك وهذا البيت مبخر والطعام محضر وصاحب الدار غائب في هذه الليلة وأنا قد وهبت لك نفسي ولطالما طلبتني الملوك والرؤساء وأصحاب الدنيا فلم ألتفت لأحد منهم وطال أمرها في القول والرجل لا يرفع رأسه من الأرض حياء من الله تعالى وخوفاً من أليم عقابه كما قال الشاعر:
ورب كـــبـــيرة مـــا حــــال بـــــــينـــــــي وبـــين ركـــوبـــهـــا إلـــى الــــــحـــــــياء وكـــان هـــو الـــدواء لـــهـــا ولـــكـــــــنإذا ذهـــــــب الـــــــحـــــــياء فـــــــلا دواء قال: وطمع الرجل في أن يخلص نفسه منها فلم يقدر فقال: أريد منك شيئاً فقالت: وما هو قال: أريد ماء طاهراً أصعد به إلى أعلى موضع في دارك لأقضي به أمراً وأغسل به درناً مما لا يمكنني أن أطلعك عليه فقالت: الدار متسعة ولها خبايا وزوايا وبيت المطهرة معد قال: ما غرضي إلا الارتفاع فقالت لخادمتها: اصعدي به إلى المنظرة العليا من الدار فصعدت به إلى أعلى موضع فيها ودفعت له آنية الماء ونزلت فتوضأ الرجل وصلى ركعتين ونظر إلى الأرض ليلقي نفسه فرآها بعيدة فخاف أن لا يصل إليها وقد يتمزق ثم تفكر في معصية الله تعالى وعقابه فهان عليه بذل نفسه وسفك دمه فقال: إلهي وسيدي ترى ما نزل بي ولا يخفى عليك حالي إنك على كل شيء قدير ثم إن الرجل ألقى نفسه من أعلى المنظرة فبعث الله إليه ملكاً احتمله على جناحه وأنزله إلى الأرض سالماً دون أن يناله ما يؤذيه فلما استقر بالأرض حمد الله عز وجل على ما أولاه من عصمته وما أناله من رحمته.
وسار دون شيء إلى زوجته وكان قد أبطأ عنها فدخل وليس معه شيء فسألته عن سبب بطئه وعما خرج به في يده وما فعل به وكيف رجع بدون شيء فأخبرها بما عرض له من الفتنة وأنه ألقى نفسه من ذلك الموضع فنجاه الله فلقالت زوجته: الحمد لله الذي صرف عنك الفتنة وحال بينك وبين المحنة ثم قالت: يا رجل إن الجيران قد تعودوا منا أن نوقد تنوراً كل ليلة فإن رأونا الليلة دون نار وعلموا أننا بلا شيء ومن شكر اله كتم ما نحن فيه من الخصاصة ووصال صوم هذه الليلة باليوم الماضي وقيامها لله تعالى فقامت إلى التنور وملأته حطباً وأضرمته لتغالط به الجيران وأنشدت تقول هذه الأبيات: سـأكـتـم مـا بـي مـن غـرامـي وأشـجــانـــي وأضـرم نـاري كــي أغـــالـــط جـــيرانـــي وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:14 AM
وفي الليلة الواحدة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المرأة أضرمت النار كي تغالط الجيران نهضت هي وزوجها فتوضآ وقاما إلى الصلاة فإذا امرأة من جاراتها تستأذن في أن توقد من تنورها فقالا لها: لا شأنك والتنور فلما دخلت المرأة من التنور لتأخذ النار نادت: يا فلانه أدركي خبزك قبل أن يحترق فقالت امرأة الرجل لزوجها: أسمعت ما تقول هذه المرأة فقال: قومي وانظري فقامت وتوجهت للتنور فإذا هو قد امتلأ من خبز نقي أبيض فأخذت المرأة الأرغفة ودخلت على زوجها وهي تشكر الله عز وجل على ما أولى من الخير العميم والمن الجسيم فأكلا من الخبز وشربا من الماء وحمدا الله تعالى ثم قالت المرأة لزوجها: تعال ندعو الله تعالى عساه أن يمن علينا بشيء يغنينا عن كد العيشة وتعب العمل ويعيننا به على عبادته والقيام بطاعته قال لها: نعم فدعا الرجل ربه وأمنت المرأة على دعائه فإذا السقف قد انفرج ونزلت ياقوتة أضاء البيت من نورها فزادا شكراً وثناء وسرا بتلك الياقوتة سروراً كثيراً وصليا ما شاء الله تعالى.
فلما كان آخر الليل ناما فرأت المرأة في منامها كأنها دخلت الجنة وشاهدت منابر كثيرة مصفوفة وكراسي كثيرة منصوبة فقالت: ما هذه المنابر وما هذه الكراسي فقيل لها: هذه منابر الأنبياء وهذه كراسي الصديقين والصالحين فقالت: وأين كرسي زوجي فلان فقيل لها: هذا فنظرت إليه فإذا في جانبه ثلم فقالت: وما هذا الثلم فقيل لها: هو ثلم الياقوتة المنزلة عليكما من سقف بيتكما.
فانتبهت من منامها وهي باكية حزينة على نقصان كرسي زوجها بين كراسي الصديقين فقالت: أيها الرجل ادع ربك أن يرد هذه الياقوتة إلى موضعها فمكابدة الجوع والمسكنة في الأيام القلائل أهون من ثلم كرسيك بين أصحاب الفضائل فدعا الرجل ربه فإذا الياقوتة قد سارت صاعدة إلى السقف وهما ينظران إليها وما زالا على فقرهما وعبادتهما حتى لقيا الله عز وجل.
ومما يحكى أن سيدي إبراهيم الخواص رحمة الله عليه قال: طالبتني نفسي في وقت من الأوقات بالخروج إلى بلاد الكفار فكففتها فلم تكف وتكتف وعملت على نفي هذا الخاطر فلم ينتف فخرجت أخترق ديارها وأجول أقطارها والعناية تكتنفني والرعاية تحفني لا ألقى نصرانياً إلا غض ناظره عني وتباعد مني إلى أن أتيت مصراً من الأمصار فوجدت عند بابها جماعة من العبيد عليهم الأسلحة وبأيديهم الحديد فلما رأوني قاوا على القدوم وقالوا لي: أطبيب أنت قلت: نعم فقالوا: أجب الملك واحتملوني إليه فإذا هو ملك عظيم ذو وجه وسيم. فلما دخلت عليه نظر إلي وقال: أطبيب أنت قلت: نعم فقال: احملوه إليها وعرفوه بالشرط قبل دخوله عليها فأخرجوني وقالوا لي: إن للملك ابنة قد أصابها إعلال شديد وقد أعيا الأطباء علاجها وما من طبيب دخل عليها وعالجها ولم يفد طبه إلا قتله الملك فانظر ماذا ترى فقلت لهم: إن الملك سألني إليها فأدخلوني عليها فاحتملوني إلى بابها فلما وصلت قرعوه فإذا هي تنادي: من داخل الدار أدخلوها على الطبيب صاحب السر العجيب وأنشدت تقول: افـتـحـوا الـبـاب فــقـــد جـــاء الـــطـــبـــيبوانـظـروا نـحـوي فــلـــي ســـر عـــجـــيب فـــلـــكـــم مـــقـــتـــرب مـــبـــتــــــعـــــــدولـــكـــم مـــبـــتـــعـــد وهــــــو قـــــــريب كــنـــتـــم فـــيمـــا بـــينـــكـــم فـــي غـــربةفـــأراد الـــحـــق أنـــســـي بـــــغـــــــريب جـــمـــعـــتـــنــــا نـــــــســـــــبة دينـــــــيةفـــتـــرى أي مـــحـــــــب وحـــــــبـــــــيب ودعـــانـــي لـــلـــتـــلاقـــــــي إذا دعـــــــاحـــجـــب الـــعـــاذل عـــنـــا والـــرقــــيب فـاتـركـوا عــذلـــي وخـــلـــوا لـــومـــكـــمإنـــنـــي يا ويحـــكـــم لـــســـت أجـــــــيب لـــســـت ألـــوي نـــحـــو فـــان غـــــــائبإنـــمـــا قـــصـــــدي بـــــــاق لا يغـــــــيب قال: فإذا شيخ كبير قد فتح الباب بسرعة وقال: ادخل فدخلت فإذا بيت مبسوط بأنواع الرياحين وستر مضروب في زاويته ومن خلفه أنين ضعيف يخرج من هيكل نحيف فجلست بإزاء الستر وأردت أن أسلم فتذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه فأمسكت فنادت من داخل الستر: أين سلام التوحيد والإخلاص يا خواص قال: فتعجبت من ذلك وقلت: من أين عرفتيني فقالت: إذا صفت القلوب والخواطر أعربت الألسن عن مخبآت الضمائر وقد سألته البارحة أن يبعث إلي ولياً من أوليائه يكون لي على يديه الخلاص فنوديت من زوايا بيتي لا تحزني إنا سنرسل إليك إبراهيم الخواص. فقلت لها: ما خبرك فقالت لي: أنا منذ أربع سنين قد لاح لي الحق المبين فهو المحدث والأنيس والمقرب والجليس. فرمقني قومي بالعيون وظنوا بي الظنون ونسبوني إلى الجنون فما دخل علي طبيب منهم إلا أوحشني ولا زائر إلا أدهشني فقلت: وما دليل ذلك على ما وصلت إليه قالت: براهينه الواضحة وآياته اللائحة وإذا وضح لك السبيل شاهدت المدلول والدليل قال: فبينما أنا أكلمها إذ جاء الشيخ الموكل بها وقال لها: ما فعل طبيبك قالت: عرف العلة وأصاب الدواء.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:15 AM
وفي الليلة الثانية والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الموكل بها لما دخل عليها قال لها: ما فعل طبيبك
قالت: عرف العلة وأصاب الدواء فظهر لي منه البشر والسرور وقابلني بالبر والحبور فسار إلى الملك وأخبره فحضه الملك على إكرامي فبقيت اختلف إليها سبعة أيام فقالت: يا أباإسحق متى تكون الهجرة إلى دار الإسلام فقلت: كيف يكون خروجك ومن يتجاسر عليه فقالت: الذي أدخلك علي وساقك إلي فقلت: نعم ما قلت.
فلما كان الغد خرجنا على باب الحصن وحجب عنا العيون من أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون قال: فما رأيت أصبر منها على الصيام والقيام فجاورت بيت الله الحرام سبعة أعوام ثم قضت نحبها وكانت أرض مكة تربتها أنزل الله عليها الرحمات ورحم الله من قال هذه الأبيات: ولـمـا أتـونـي بــالـــطـــبـــيب وقـــد بـــدتدلائل مـــن دم ســـفـــوح ومـــن ســـقـــــــم نـضـا الـثـوب عـن وجـهـي فـلـم ير تـحـتــهسـوى نـفـس مــن غـــير روح ولا جـــســـم فـــقـــال لـــهـــم ذا قـــد تـــعـــذر بــــــرؤهولـلـحـــب ســـر لـــيس يدرك بـــالـــوهـــم فـقـالـوا إذا لــم يعـــلـــم الـــنـــاس مـــابـــهولـــم يك تـــعـــريف بـــحـــد ولا رســـــــم فـكـــيف يكـــون الـــطـــب فـــيه مـــؤثـــراًدعـونـي فـإنـي لـسـت أحـكـــم بـــالـــوهـــم ومما يحكى أن رجلاً من خيار بني إسرائيل كان كثير المال وله ولد صالح مبارك فحضرت الرجل الوفاة فقعد ولده عند رأسه وقال: ياسيدي أوصني فقال: يا بني لا تحلف بالله باراً ولا فاجراً ثم مات الرجل وبقي الولد بعد أبيه فتسامع به فساق بني إسرائيل فكان الرجل يأتيه فيقول لي: عند والدك كذا وكذا وأ ت تعلم بذلك أعطني ما في ذماته وإلا فاحلف فيقف الولد على الوصية ويعطيه جميع ما طلبه فما زالوا به حتى فني ماله واشتد إقلاله وكان للولد زوجة صالحة مباركة وله منها ولدان صغيران فقال لها: إن الناس قد أكثروا طلبي ومادام معي ما أدفع به عن نفسي بذلته والآن لم يبق لي شيء فإن طالبني مطالب امتحنت أنا وأنت فالأولى أن نفوز بأنفسنا ونذهب إلى موضع لا يعرفنا فيه أحد ونتعيش بين أظهر الناس قال: فركب بها البحر وبولديه وهو لا يعرف أين يتوجه والله يحكم ولا معقب لحكمه ولسان الحال يقول: يا خـــارجـــاً خـــوف الـــعـــدا مـــــن دارهوالـــيســـر قـــد وافـــاه عـــنـــد فـــــــراره لا تـجـزعــن مـــن الـــبـــعـــاد فـــربـــمـــاعـــز الـــغـــريب يطـــول بـــعـــد مـــراره لـــو قـــد أقـــام الـــدر فـــي أصـــدافـــــــهمـا كـــان تـــاج الـــمـــلـــك بـــيت قـــراره
قال: فانكسرت السفينة وخرج الرجل على لوح وخرجت المرأة على لوح وخرج كل ولد على لوح وفرقتهم الأمواج فحصلت المرأة على بلدة وحصل أحد الولدين على بلدة أخرى والتقط الولد الآخر أهل سفينة في البحر وأما الرجل فقذفته الأمواج إلى جزيرة منقطعة فخرج إليها وتوضأ من البحر وأذن وأقام الصلاة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:16 AM
وفي الليلة الثالثة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرجل لما خرج إلى الجزيرة وتوضأ من البحر وأذن وأقام الصلاة. فإذا قد خرج من البحر أشخاص بألوان مختلفة فصلوا معه ولما فرغ قام إلى شجرة في الجزية فأكل من ثمرها فزال عنه جوعه ثم وجد عين ماء فشرب منها وحمد الله عز وجل وبقي ثلاثة أيام يصلي وتخرج أقوام يصلون مثل صلاته وبعد مضي الأيام الثلاثة سمع منادياً يناديه: يا أيها الرجل الصالح البار بأبيه المجل قدر ربه لا تحزن إن الله عز وجل مخلف عليك ما خرج من يدك فإن في هذه الجزية كنوزاً وأموالاً ومنافع يريد الله أن تكون لها وارثاً وهي في موضع كذا وكذا من هذه الجزيرة فاكشف عنها وإنا لنسوق إليك السفن فأحسن إلى الناس وادعهم إليك فإن الله عز وجل يميل قلوبهم إليك فقصد ذلك الموضع من الجزيرة وكشف الله تعالى له عن تلك الكنوز وصارت أهل السفن ترد عليه فيحسن إليهم إحساناً عظيماً ويقول لهم: لعلكم تدلون علي الناس. فإني أعطيكم كذا وكذا واجعل لهم كذا وكذا فصار الناس يأتون من الأقطار والأماكن. وما مضت عليه عشري سنين إلا والجزيرة قد عمرت والرجل صار ملكها لا يأوي إليه أحد إلا أحسن إليه.
وشاع ذكره في الأرض بالطول والعرض. وكان ولده الأكبر قد وقع عند رجل علمه وأدبه والآخر قد وقع عند رجل رباه وأحسن تربيته وعلمه طرق التجارة والمرأة قد وقعت عند رجل من التجار ائتمنها على ماله وعاهدها على أن لا يخونها وأن يعينها على طاعة الله عز وجل وكان يسافر بها في السفينة إلى البلاد ويستصحبها في أي موضع أراد فسمع الولد الأكبر بصيت ذلك الملك فقصده وهو لا يعلم من هو. فلما دخل عليه أخذه وائتمنه على سره وجعله كاتباً له وسمع الولد الآخر بذلك الملك العادل الصالح فقصده وسار إليه وهو لا يعلم من هو أيضاً. فلما دخل عليه وكله على النظر في أموره وبقي مدة من الدهر في خدمته وكل واحد منهم لا يعلم بصاحبه وسمع الرجل التاجر الذي عند المرأة بذلك الملك وبره للناس وإحسانه إليهم فأخذ جانباً
من الثياب الفاخرة ومما يستظرف من تحف البلاد وأتى بسفينة والمرأة معه حتى وصل إلى شاطئ الجزيرة ونزل إلى الملك وقدم له هديته فنظرها الملك وسر بها سروراً كبيراً وأمر للرجل بجائزة سنية وكان في الهدية عقاقير أراد الملك من التاجر أن يعرفها له بأسمائها ويخبره بمصالحها فقال الملك للتاجر: أقم الليلة عندنا.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:16 AM
وفي الليلة الرابعة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر لما قال له الملك: أقم الليلة عندنا قال: إن لي في السفينة وديعة عاهدتها أن لا أوكل أمرها إلى غيري وهي امرأة صالحة تمنيت بدعائها وظهرت لي البركة في آرائها فقال الملك: سأبعث لها أمناء يبيتون عليها ويحرسون كل ما لديها قال: فأجابه لذلك وبقي عند الملك ووجه الملك كاتبه ووكيله إليها وقال لهما: اذهبا واحرسا سفينة هذا الرجل الليلة إن شاء الله تعالى قال: فسارا وصعدا إلى السفينة وقعد هذا على مؤخرها وذاك على مقدمها وذكر الله عز وجل برهة من الليل ثم قال أحدهما للآخر: يا فلان إن الملك قد أمرنا بالحراسة ونخاف النوم فتعالى نتحدث بأخبار الزمان وما رأينا من الخير والامتحان فقال الآخر: يا أخي أما أنا فمن امتحاني أن فرق الدهر بيني وبين أبي وأمي وأخ لي كان اسمه كاسمك والسبب في ذلك أنه ركب والدنا البحر من بلد كذا وكذا فهاجت علينا الرياح واختلفت فكسرت السفينة وفرق الله شملنا.
فلما سمع الآخر بذلك قال: وما كان اسم والدتك يا أخي قال: فلانة قال: وما اسم والدك قال: فلان فترامى الأخ على أخيه وقال له: أنت أخي. والله حقاً وجعل كل واحد منهما يحدث أخاه بما جرى عليه في صغره والأم تسمع الكلام ولكنها كتمت أمرها وصبرت نفسها فلما طلع الفجر قال أحدهما للآخر: سر يا أخي نتحدث في منزلي قال: نعم فسارا وأتى الرجل فوجد المرأة في كرب شديد فقال لها: ما دهاك وما أصابك قالت: وبعثت إلي الليلة من أرادني بالسوء وكنت منهما في كرب عظيم فغضب التاجر وتوجه للملك وأخبره بما فعل الأمينان فأحضرهما الملك بسرعة وكان يحبهما لما تحقق فيهما من الأمانة والديانة ثم أمر بإحضار المرأة حتى تذكر ما كان منهما مشافهة. فجيء بها وأحضرت فقال لها: أيتها المرأة ماذا رأيت من هذين الأمينين فقالت: أيها الملك أسألك بالله العظيم رب العرشي الكريم. إلا ما أمرتهما يعيدا كلامهما الذي تكلما به البارحة فقال لهما الملك: قولا ما قلتما ولا تكتما منه
شيئاً فأعادا كلامهما. وإذا بالملك قد قام من فوق السرير وصاح صيحة عظيمة وترامى عليهما واعتنقهما. وقال: والله أنتما ولداي حقاً فكشفت المرأة عن وجهها وقالت: أنا والله أمهما فاجتمعوا جميعاً وصاروا في ألذ عيش وأهنأه إلى أن أتاهم الموت فسبحان من إذا قصده العبد نجا ولم يخب ما أمله فيه ورجا وما أحسن ما قيل في المعنى: لـــكـــل شـــيء مـــن الأشـــياء مـــيقــــاتوالأمـــر فـــيه أخـــي مـــحـــو واثـــبـــات لا تـــجـــز عـــن لامـــر قـــد دهـــيت بــــهفــقـــد أتـــانـــا بـــيســـر الـــعـــســـر آيات وكـم مـبـهـان عـيان الـــنـــاس تـــشـــنـــؤهمـن الـهـــوان تـــغـــشـــية الـــكـــرامـــات هـــذا الـــذي نـــالـــه كـــرب وكـــابـــــــدهضـر وحـلــت بـــه فـــي الـــوقـــت آفـــات وفـرق الـدهـر مـــنـــه شـــمـــل الـــفـــتـــهفـكـلـهـم بـعـد طـول الــجـــمـــع اشـــتـــات أعـطـاه مـــولاه خـــيرا ثـــم جـــاء بـــهـــموفـي الـجـمـيع إلـى الــمـــولـــى اشـــارات سـبـحـان مـن عــمـــت الأكـــوان قـــدرتـــهوأخـــبـــرت بـــتــــدانـــــــيه الـــــــدلالات فـــهـــو الـــقـــريب ولـــكـــن لا يكـــيفـــــهعـقـل ولـيسـت تـــدانـــيه الـــمـــســـافـــات
حكاية حاسب كريم الدين
ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان حكيم من حكماء اليونان وكان ذلك الحكيم يسمى دانيال وكان له تلامذة وجنود وكانت حكماء اليونان يذعنون لأمره ويعولون على علومه ومع هذا لم يرزق ولداً ذكراً فبينما هو ذات ليلة من الليالي يتفكر في نفسه على عدم إنجاب ولد يرثه في علومه من بعده إذ خطر بباله أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة من إليه أناب وأنه ليس على باب فضله أبواب ويرزق من يشاء بغير حساب ولا يرد سائلاً إذا سأله بل يجزل الخير والإحسان له فسأل الله تعالى الكريم أن يرزقه ولداً يخلفه من بعده ويجزل له الإحسان من عنده ثم رجع إلى بيته وواقع زوجته فحملت منه في تلك الليلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:17 AM
وفي الليلة الخامسة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم اليوناني رجع إلى بيته وواقع زوجته فحملت منه تلك الليلة ثم بعد أيام سافر إلى مكان في مركب فانكسرت به المركب وراحت كتبه في البحر وطلع هو على لوح من تلك السفينة وكان معه خمس ورقات بقيت من الكتب التي وقعت منه في البحر فلما رجع إلى بيته وضع تلك الأوراق في صندوق وقفل عليها وكانت زوجته قد ظهر حملها فقال لها: اعلمي أني قد دنت وفاتي وقرب انتقالي من دار الفناء إلى دار البقاء وأنت حامل فربما تلدين بعد موتي صبياً ذكراً فإذا وضعتيه فسميه حاسبا كريم الدين وربيه أحسن التربية فإذا كبر وقال لك: ما خلف لي أبي من الميراث فأعطيه هذه الخمس ورقات فإذا قرأها وعرف معناها يصير أعلم أهل زمانه ثم إنه ودعها وشهق شهقة ففارق الدنيا وما فيها رحمة الله تعالى عليه فبكت عليه أهله وأصحابه ثم غسلوه وأخرجوه خرجة عظيمة ودفنوه ورجعوا.
ثم إن زوجته بعد أيام قلائل وضعت ولداً مليحاً فسمته حاسبا كريم الدين كما أوصاها به ولما ولدته أحضرت له المنجمين فحسسوا طالعه وناظره من الكواكب ثم قالوا لها: اعلمي أيتها المرأة أن هذا المولود يعيش أياماً كثيرة ولكن بعد شدة تحصل له في مبتدا عمره فإذا نجا منها فإنه يعطى بعد ذلك علم الحكمة ثم مضى المنجمون إلى حال سبيلهم فأرضعته اللبن سنتين وفطمته.
فلما بلغ خمس سنين حطته في المكتب ليتعلم شيئاً من العلم فلم يتعلم فأخرجته من المكتب وحطته في الصنعة فلم يتعلم شيئاً من الصنعة ولم يطلع من يده شيء من الشغل فبكت أمه من أجل ذلك فقال لها الناس: زوجيه لعله يحمل هم زوجته ويتخذ له صنعة فقامت وخطبت له بنتاً وزوجته بها ومكث على ذلك الحال مدة من الزمان وهو لم يتخذ له صنعة أبداً ثم إنهم كان لهم جيران حطابون فأتوا أمه وقالوا لها: اشتري لابنك حماراً وحبلاً وفأساً ويروح معنا إلى الجبل فنحتطب نحن وإياه ويكون ثمن الحطب له ولنا وينفق عليكم مما يخصه.
فلما سمعت أمه ذلك من الحطابين فرحت فرحاً شديداً واشترت لابنها حماراً وحبلاً وفأساً وأخذته وتوجهت به إلى الحطابين وسلمته إليهم وأوصتهم عليه فقالوا لها: لا تحملي هم هذا الولد ربنا يرزقه وهذا ابن شيخنا ثم أخذوه معهم وتوجهوا إلى الجبل فقطعوا الحطب وأنفقوا على عيالهم ثم إنهم شدوا حميرهم ورجعوا إلى الاحتطاب في ثاني يوم وثالث يوم ولم يزالوا على هذه الحالة مدة من الزمان فاتفق أنهم ذهبوا إلى الاحتطاب في بعض الأيام فنزل عليهم مطر عظيم فهربوا إلى مغارة عظيمة ليداروا أنفسهم فيها من ذلك المطر فقام من عندهم حاسب كريم الدين وجلس وحده في مكان من تلك المغارة وصار يضرب الأرض بالفأس فسمع حس
الأرض خالية من تحت الفأس فلما عرف أنها خالية مكث يحفر ساعة فرأى بلاطة مدورة وفيها حلقة فلما رأى ذلك فرح ونادى جماعته الحطابين وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:18 AM
وفي الليلة السادسة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حاسبا كريم الدين لما رأى البلاطة التي فيها الحلقة فرح ونادى جماعته فحضروا إليه فرأوا تلك البلاطة فتسارعوا إليها وقلعوها فوجدوا تحتها باباً ففتحوا الباب الذي تحت البلاطة فإذا هو جب ملآن عسل نحل فقال الحطابون لبعضهم: هذا جب ملآن عسلاً وما لنا إلا أن نروح المدينة ونأتي بظروف ونعبي هذا العسل فيها ونبيعه ونقتسم حقه وواحد منا يقعد ليحفظه من غيرنا.
فقال حاسبك أنا أقعد وأحرسه حتى تروحوا وتأتوا بالظروف فتركوا حاسبا كريم الدين يحرس لهم الجب وذهبوا إلى المدينة وأتوا بظروف وعبوها من ذلك العسل وحملوا حميرهم ورجعوا إلى المدينة وباعوا ذلك العسل ثم عادوا إلى الجب ثاني مرة وما زالوا على هذه الحالة مدة من الزمان وهم يبيعون في المدينة ويرجعون إلى الجب يعبون من ذلك العسل وحاسب كريم الدين قاعد يحرس لهم الجب.
فقالوا لبعضهم يوماً من الأيام إن الذي لقي جب العسل حاسب كريم الدين وفي غد ينزل إلى المدينة ويدعي علينا ويأخذ ثمن العسل ويقول: أنا الذي لقيته ومالنا خلاص من ذلك إلا أن ننزله في الجب ليعبئ العسل الذي بقي فيه ونتركه هناك فيموت كمداً ولا يدري به أحدا فاتفق الجميع على هذا الأمر ثم ساروا وما زالوا سائرين حتى أتوا إلى الجب فقالوا له: يا حاسب انزل الجب وعبئ لنا العسل الذي بقي فيه فنزل حاسب في الجب وعبأ لهم العسل الذي بقي فيه وقال لهم اسحبوني فما بقي فيه شيء فلم يرد عليه أحد منهم جواباً وحملوا حميرهم وساروا إلى المدينة وتركوه في الجب وحده وصار يستغيث ويبكي ويقول: لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد مت كمداً هذا ما كان من أمر حاسب كريم الدين.
وأما ما كان من أمر الحطابين فإنهم لما وصلوا إلى المدينة باعوا العسل وراحوا إلى أم حاسب وهم يبكون وقالوا لها: يعيش رأسك في ابنك حاسب فقالت لهم: ما سبب موته قالوا لها: كنا قاعدين فوق الجبل فأمطرت علينا السماء مطراً عظيماً فآوينا إلى مغارة لنتدارى فيها من ذلك المطر فلم نشعر إلا وحمار ابنك هرب في الوادي فذهب خلفه ليرده من الوادي وكان فيه ذئب عظيم فافترس ابنك وأكل الحمار. فلما سمعت أمه كلام الحطابين لطمت وجهها وحثت التراب على رأسها وأقامت عزاءه وصار الحطابون يجيئون لها بالأكل والشرب في كل يوم هذا ما كان من أمر أمه.
وأما ما كان من أمر الحطابين فإنهم فتحوا لهم دكاكين وصاروا تجاراً ولم يزالوا في أكل وشرب وضحك ولعب.
وأما ما كان من أمر حاسب كريم الدين فإنه صار يبكي وينتحب فبينما هو قاعد في الجب على هذه الحالة وإذا بعقرب كبير وقع إليه فقام وقتله ثم تفكر في نفسه وقال: إن الجب كان ملآناً عسلاً فمن أين أتى هذا العقرب فقام ينظر المكان الذي وقع منه العقرب وصار يلتفت يميناً وشمالاً في الجب فرأى المكان الذي وقع منه العقرب يلوح منه النور فأخرج سكيناً كانت معه ووسع ذلك المكان حتى صار قدر الطاقة وخرج منه وتمشى ساعة في داخله فرأى دهليزاً عظيماً فمشى فيه فرأى باباً عظيماً من الحديد الأسود وعليه قفل من الفضة وعلى ذلك القفل مفتاح من الذهب فتقدم إلى الباب ونظر من خلاله فرأى نوراً عظيماً يلوح من داخله فأخذ المفتاح وفتح الباب وعبر إلى داخله وتمشى ساعة حتى وصل إلى بحيرة عظيمة فرأى في تلك البحيرة شيئاً يلمع مثل الماء فلم يزل يمشي حتى وصل إليه فرأى تلاً عالياً من الزبرجد الأخضر وعليه تخت منصوب من الذهب مرصع بأنواع الجواهر وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:18 AM
وفي الليلة السابعة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حاسبا الدين كريم لما وصل إلى التل وجده من الزبرجد الأخضر وعليه تخت منصوب من الذهب مرصع بأنواع الجواهر وحول ذلك التخت كراسي منصوبة بعضها من الذهب وبعضها من الفضة وبعضها من الزمرد الأخضر فلما أتى إلى تلك الكراسي تنهد ثم عدها فرآها اثني عشر كرسي فطلع على ذلك التخت المنصوب في وسط تلك الكراسي وقعد عليه وصار يتعجب من تلك البحيرة وتلك الكراسي المنصوبة ولم يزل متعجباً حتى غلب عليه النوم فنام ساعة وإذا هو يسمع نفخاً وصفيراً وهرجاً عظيماً ففتح عينيه وقعد فرأى على الكرسي حيات عظيمة طول كل حية منهن مائة ذراع فحصل له من ذلك فزع عظيم ونشف ريقه من شدة خوفه ويئس من الحياة وخاف خوفاً عظيماً ورأى عين كل حية تتوقد مثل الجمر وهي فوق الكراسي والتفت إلى البحيرة فرأى فيها حيات صغار لا يعلم عددها إلا الله تعالى. وبعد ساعة أقبلت عليه حية عظيمة مثل البغل وعلى ظهر تلك الحية طبق من الذهب وفي وسط ذلك الطبق حية تضيء مثل البلور ووجهها وجه إنسان وهي تتكلم بلسان فصيح فلما قربت من حاسب الدين سلمت عليه فرد عليها السلام.
ثم أقبلت حية من تلك الحيات التي فوق الكراسي إلى ذلك الطبق وحملت الحية التي فوقه وحطتها على كرسي من تلك الكراسي ثم إن تلك الحية زعقت في تلك الحيات بلغاتها فخرت جميع الحيات من فوق كراسيها ودعون لها وأشارت إليهن بالجلوس فجلسن ثم إن الحية قالت لحاسب كريم الدين لا تخف منا يا أيها الشاب فإني أنا ملكة الحيات وسلطانتهن فلما سمع حاسب كريم الدين ذلك الكلام من الحية اطمأن قلبه ثم إن الحية أشارت إلى تلك الحيات أن يأتوا بشيء من الأكل فأتوا بتفاح وعنب ورمان وفستق وبندق وجوز ولوز وموز وحطوه قدام حاسب كريم الدين ثم قالت له ملكة الحيات: مرحباً بك يا شاب ما اسمك فقال لها: اسمي حاسب كريم الدين فقالت له: يا حاسب كل من هذه الفواكه فما عندنا طعام غيرها ولاتخف منا أبداً فلما سمع حاسب هذا الكلام من الحية أكل حتى اكتفى وحمد الله تعالى.
فلما اكتفى من الأكل رفعوا السماط من قدامه ثم بعد ذلك قالت له ملكة الحيات: أخبرني يا حاسب من أين أنت ومن أين أتيت إلى هذا المكان وما جرى لك فحكى لها حاسب ما جرى لأبيه وكيف ولدته أمه وألحقته في المكتب وهو ابن خمس سنين ولم يتعلم شيئاً من العلم وكيف حطته في الصنعة وكيف اشترت أمه له الحمار وصار حطاباً وكيف لقي جب العسل وكيف تركه رفقاؤه الحطابون في الجب وراحوا وكيف نزل عليه العقرب وقتله وكيف وسع الشق الذي نزل منه العقرب وطلع من الجب وأتى إلى الباب الحديدي وفتحه حتى وصل إلى ملكة الحياة التي يكلمها ثم قال لها: وهذه حكايتي من أولها إلى آخرها والله أعلم بما يحصل لي بعد هذا كله.
فلما سمعت ملكة الحيات حكاية حاسب كريم الدين من أولها إلى آخرها قالت له ما يحصل لك إلا كل خير وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-17-2010, 03:19 AM
وفي الليلة الثامنة والستين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملكة الحيات لما سمعت حكاية حاسب كريم الدين من أولها
إلى آخرها قالت له ما يحصل لك إلا كل خير ولكن أريد منك يا حاسب أن تقعد عندي مدة من الزمن حتى أحكي لك حكايتي وأخبرك بما جرى لي من العجائب فقال لها: سمعاً وطاعة فيما تأمريني به فقالت له: اعلم يا حاسب أنه كان بمدينة مصر ملك من بني إسرائيل وكان له ولد اسمه بولقيا وكان هذا الملك عالماً عابداً مكباً على قراءة كتب العلم فلما ضعف وأشرف على الموت طلعت له أكابر دولته ليسلموا عليه فلما جلسوا عنده وسلموا عليه قال لهم. يا قوم اعلموا أنه قد دنا رحيلي من الدنيا إلى الآخرة وما لي عندكم شيء أوصيكم به إلا ابني بلوقيا فاستوصوا به ثم وشهق شهقة ففارق ال دنيا رحمة الله عليه فجهزوه وغسلوه ودفنوه وأخرجوه خرجة عظيمة وجعلوا ولده سلطاناً عليهم وكان ولده عادلاً في الرعية واستراحت الناس في زمانه فاتفق في بعض الأيام أنه فتح خزائن أبيه ليتفرج فيها ففتح خزانة من تلك الخزائن فوجد فيها صورة باب ففتحه فإذا هي خلوة صغيرة وفيها عامود من الرخام الأبيض وفوقه صندوق من الأبنوس فأخذه بلوقيا وفتحه فوجد فيه صندوقاً آخر من الذهب ففتحه فرأى فيه كتاباً ففتحه وقرأه فرأى فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه يبعث في آخر الزمان وهو سيد الأولين والآخرين.
فلما قرأ بلوقيا هذا الكتاب وعرف وتعلق قلبه بحبه ثم إن بلوقيا جمع أكابر بني إسرائيل من الكهان والأحبار والرهبان وأطلعهم على ذلك الكتاب وقرأه عليهم وقال لهم: يا قوم ينبغي أن أخرج أبي من قبره وأحرقه وأدرك شهرزاد الصباح .

هانى رفعت
04-30-2010, 03:43 AM
وفي الليلة الثانية والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عفان وضع القفص ونصب فيه فخاً ووضع فيه القدحين المملوءين خمراً ولبناً ثم تباعدا عن القفص واستخفيا ساعة فأقبلت ملكة الحيات على القفص حتى قربت من القدحين فتأملت فيهما ساعة فلما شمت رائحة اللبن نزلت من فوق ظهر الحية التي هي فوقها وطلعت من الطبق ودخلت القفص وأتت إلى القدح الذي فيه الخمر وشربت منه فلما شربت من ذلك القدح داخت رأسها ونامت.
فلما رأى ذلك عفان تقدم إلى القفص المقفل على ملكة الحيات ثم أخذها هو وبلوقيا وسارا فلما أفاقت رأت روحها في القفص من حديد والقفص على رأس رجل وبجانبه بلوقيا فلما رأت ملكة الحيات بلوقيا قالت هذا جزاء من لا يؤذي بني آدم فرد عليها بلوقيا وقال لها: لا تخافي منا يا ملكة الحيات فإننا لا نؤذيك أبداً ولكن نريد أن تدلينا على العشب كل من أخذه ودقه واستخرج ماءه ودهن به قدميه ومشى على أي بحر خلقه الله تعالى لا تبتل قدماه فإذا وجدنا ذلك العشب أخذناه ونرجع بك إلى مكانك ونطلقك إلى حال سبيلك ثم إن عفا وبلوقيا سارا بملكة الحيات نحو الجبال التي فيها الأعشاب ودارا بها على جميع الأعشاب فصار كل عشب فبينما هما في هذا الأمر والأعشاب تنطق يميناً وشمالاً وتخبر بمنافعها وإذا بعشب نطق وقال أنا العشب الذي كل من أخذني ودقني وأخذ مائي ودهن قدميه وجاز على أي بحر خلقه الله تعالى لا تبتل قدماه.
فلما سمع عفان كلام العشب حط القفص من فوق رأسه وأخذا من ذلك العشب ما يكفيهما ودقاه وعصراه وأخذا ماءه وجعلاه في قزازتين وحفظاهما والذي فضل منهما دهنا به أقدامهما ثم إن بلوقيا وعفان أخذا ملكة الحيات وسارا بها ليالي وأياماً حتى وصلا إلى الجزيرة التي كانت فيها وفتح عفان باب القفص فخرجت منه ملكة الحيات فلما خرجت قالت لهما: ما تصنعان بهذا الماء قالا لها: مرادنا أن ندهن به أقدامنا حتى نتجاوز السبعة أبحر ونصل إلى مدفن سيدنا سليمان ونأخذ الخاتم من اصبعه.
فقالت لهما ملكة الحيات: هيهات أن تقدرا على أخذ الخاتم فقالا لها: لأي شيء فقالت لهما: لأن الله تعالى من على سيدنا سليمان بإعطائه ذلك الخاتم وخصه بذلك لأنه قال: رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فما لكما وذلك الخاتم ثم قالت لهما: لو أخذتما من العشب الذي كل من أكل منه لا يموت إلى النفخة الأولى وهو بين تلك الأعشاب لكان أنفع لكما من هذا الذي أخذتماه فإنه لا يحصل لكما منه مقصودكما فلما سمعا كلامها ندما ندماً عظيماً وسارا إلى حال سبيلهما وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام

هانى رفعت
04-30-2010, 03:44 AM
وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا وعفان لما سمعا كلام ملكة الحيات ندما ندماً عظيماً وسارا إلى حال سبيلهما هذا ما كان من أمرهما.
وأما ما كان من أمر ملكة الحيات فإنها أتت إلى عساكرها فرأتهم قد ضاعت مصالحهم وضعف قويهم وضعيفهم مات فلما رأت الحيات ملكتهم بينهم فرحوا واجتمعوا حولها وقالوا لها: ما خبرك وأين كنت فحكت لهم جميع ما جرى لها مع عفان وبلوقيا ثم بعد ذلك جمعت جنودها وتوجهت بهم إلى جبل قاف لأنها كانت تشتي فيه وتصيف المكان الذي رآها فيه حاسب كريم الدين.
ثم إن الحية قالت: يا حاسب هذه حكايتي وما جرى لي فتعجب حاسب من كلام الحية ثم قال لها: أريد من فضلك أن تأمري أحداً من أعوانك أن يخرجني إلى وجه الأرض وأروح إلى أهلي فقالت له ملكة الحيات: يا حاسب ليس لك رواح من عندنا حتى يدخل الشتاء وتروح معنا إلى جبل قاف وتتفرج فيه على تلال ورمال وأشجار وأطيار تسبح الواحد القهار وتتفرج على مردة وعفاريت وجان ما يعلم عددهم إلا الله تعالى.
فلما سمع حاسب كريم الدين كلام ملكة الحيات صار مهموماً مغموماً ثم قال لها: اعلميني بعفان وبلوقيا لما فارقاك وسارا هل عديا السبعة بحور ووصلا إلى مدفن سيدنا سليمان أو لا وإذا كانا وصلا إلى مدفن سيدنا سليمان هل قدرا على أخذ الخاتم أو لا. فقالت له: اعلم أن عفان وبلوقيا لما فارقاني وسارا دهنا أقدامهما من ذلك الماء ومشيا على وجه البحر حتى عديا السبعة أبحر فلما عديا تلك البحار وجدا جبلاً عظيماً شاهقاً في الهواء وهو من الزمرد الأخضر وفيه عين تجري وترابه كله من المسك فلما وصلا إلى ذلك المكان فرحا وقالا: قد بلغنا مقصودنا ثم سارا حتى وصلا إلى جبل عال فمشيا فيه فرأيا مغارة من بعيد في ذلك الجبل وعليها قبة عظيمة والنور يلوح منها فلما رأيا تلك المغارة قصداها حتى وصلا إليها فدخلا فرأيا فيها تختاً منصوباً من الذهب مرصعاً بأنواع الجواهر وحوله كراسي منصوبة لايحصي لها عدد إلا الله تعالى ورأيا السيد سليمان نائماً فوق ذلك التخت وعليه حلة من الحرير الأخضر مزركشة بالذهب مرصعة بنفيس المعادن من الجوهر ويده اليمنى على صدره والخاتم في اصبعه
ونور الخاتم يغلب على نور تلك الجواهر التي في ذلك المكان ثم إن عفان علم بلوقيا أقساماً وعزائم وقال له: اقرأ هذه الأقسام ولا تترك قراءتها حتى آخذ الخاتم ثم تقدم عفان إلى التخت حتى قرب منه وإذا بحية عظيمة طلعت من تحت التخت ورعقت زعقة عظيمة فارتعد ذلك المكان من زعقتها وصار الشرر يطير من فمها ثم إن الحية قالت لعفان: إن لم ترجع أهلكتك فاشتغل عفان بالأقسام ولم ينزعج من تلك الحية فنفخت عليه الحية نفخة عظيمة كادت تحرق ذلك المكان وقالت: ويلك إن لم ترجع أحرقتك.
فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الحية طلع من المغارة وأما عفان فإنه لم ينزعج من ذلك ثم تقدم إلى السيد سليمان ومد يده ولمس الخاتم وأراد أن يسحبه من اصبع السيد سليمان وإذا بالحية نفخت على عفان فأحرقته وصار كوم رماد. وهاذ ما كان من أمر هؤلاء. وأما ما كان من أمر بلوقيا فإنه وقع مغشياً عليه من هذا الأمر وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:45 AM
وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما رأى عفان احترق وصار كوم رماد وقع مغشياً عليه وأمر الرب جل جلاله جبريل أن يهبط إلى الأرض قبل أن تنفخ الحية على بلوقيا فهبط إلى الأرض بسرعة فرأى بلوقيا مغشياً عليه ورأى عفان احترق من نفخة الحية فأتى جبريل إلى بلوقيا وأيقظه من غشيته. فلما أفاق سلم عليه جبريل وقال له: من أين أتيتما إلى هذا المكان ف حكى له بلوقيا جميع حكايته من الأول إلى الآخر ثم قال له: اعلم أنني ما أتيت إلى هذا المكان إلا بسبب محمد صلى الله عليه وسلم فإن عفان أخبرني أنه يبعث في آخر الزمان ولا يجتمع به إلا من يعيش إلى ذلك الوقت إلا من شرب من ماء الحياة ولايمكن ذلك إلا بالحصول على خاتم سليمان عليه السلام فصحبته إلى هذا المكان وحصل له ما حصل وهاهو قد احترق وأنا لم أحترق ومرادي أن تخبرني بمحمد أين يكون.
فقال له جبريل: يا بلوقيا اذهب إلى حال سبيلك فإن زمان محمد بعيد ثم ارتفع جبريل إلى السماء من وقته وأما بلوقيا فإنه صار يبكي بكاء شديداً وندم على ما فعل وتفكر قول ملكة الحيات: هيهات أن يقدر أحد على أخذ الخاتم فتجبر بلوقيا في نفسه وبكى ثم إنه نزل من الجبل وسار ولم يزل سائراً حتى قرب من شاطئ البحر وقعد هناك يتعجب من تلك الجبال والبحار
والجزائر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:45 AM
وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا تعجب من تلك الجبال والبحار والجزائر ثم بات تلك الليلة في ذلك الموضع ولما أصبح الصباح دهن قدميه من الذي كانا أخذاه من العشب ونزل البحر وصار ماشياً فيه أياماً وليالي وهو يتعجب من أهوال البحر وعجائبه وغرائبه ومازال ماشياً على وجه الماء حتى وصل إلى جزيرة كأنها الجنة فطلع بلوقيا إلى تلك الجزيرة وصار يتعجب منها ومن حسنها وساح فيها فرآها جزيرة عظيمة ترابها زعفران وحصاها من الياقوت والمعادن الفاخرة وسياجها الياسمين وزرعها من أحسن الأشجار وأبهج الرياحين وأطيبها وفيها عيون جارية وحطبها من العود القماري والعود القاقلي وبوصها من قصب السكر وحولها الورد والنرجس والغبهر والقرنفل والأقحوان والسوسن والبنفسج وكل ذلك فيها أشكال وألوان وأطيارها تناغي على تلك الأشجار وهي مليحة الصفات واسعة الجهات كثيرة الخيرات قد حوت جميع الحسن والمعاني وتغريد أطيارها ألطف من رنات المثاني وأشجارها باسقة وأطيارها ناطقة وأنهارها دافقة وعيونها جارية ومياهها خالية وفيها الغزلان تمرح والجآذر تسنح الأطيار على تلك الأغصان تسلي العاشق الولهان فتعجب بلوقيا من هذه الجزيرة وعلم أنه قد تاه عن الطريق التي قد أتى منها أول مرة حين كان معه عفان فساح في تلك الجزيرة وتفرج فيها إلى وقت المساء.
فلما أمسى عليه الليل طلع على شجرة عالية لينام فوقها وصار يتفكر في حسن تلك الجزيرة فبينما هو فوق الشجرة على تلك الحالة إذا بالبحر قد اختبط وطلع منه حيوان عظيم وصاح صياحاً عظيماً حتى انزعجت حيوانات تلك الجزيرة من صياحه فنظر إليه بلوقيا وهو جالس على الشجرة فرآه حيواناً عظيماً فصار يتعجب منه فلم يشعر بعد ساعة إلا وطلع خلفه من البحر وحوش مختلفة الألوان وفي يد كل وحش منها جوهرة تضيء مثل السراج حتى صارت الجزيرة مثل النهار من ضياء الجواهر.
وبعد ساعة أقبلت من الجزيرة وحوش لا يعلم عددها إلا الله تعالى فنظر إليها بلوقيا فرآها وحوش الفلاة من سباع ونمور وفهود وغير ذلك من حيوانات البر ولم تزل وحوش البر مقبلة حتى اجتمعت مع وحوش البحر في جانب الجزيرة وصاروا يتحدثون إلى الصباح فلما أصبح الصباح
افترقوا عن بعضهم ومضى كل واحد منهم إلى حال سبيله.
فلما داهم بلوقيا خاف ونزل من فوق الشجرة وسار إلى شاطئ البحر ودهن قدميه من الماء الذي معه ونزل البحر الثاني وسار على وجه الماء ليالي وأياماً حتى وصل إلى جبل عظيم وتحت ذلك الجبل واد ما له من آخر وذلك الوادي حجارته من المغناطيس ووحوشه سباع وأرانب ونمور فطلع بلوقيا إلى ذلك الجبل وساح فيه من مكان إلى مكان حتى أمسى عليه المساء فجلس تحت قنة من قنن ذنك الجبل بجانب البحر وصار يأكل من السمك الناشف الذي يقذفه البحر.
فبينما هو جالس يأكل من ذلك السمك وإذ بنمر عظيم أقبل على بلوقيا وأراد أن يفترسه فالتفت بلوقيا إلى ذلك النمر فرآه هاجماً عليه ليفترسه فدهن قدميه من الماء الذي معه ونزل البحر الثالث هرباً من ذلك النمر وسار على وجه الماء في الظلام وكانت ليلة سوداء ذات ريح عظيم وما زال سائراً حتى أقبل على جزيرة فطلع عليها فرأى فيها أشجاراً رطبة ويابسة فأخذ بلوقيا من ثمر تلك الأشجار وأكل وحمد الله تعالى ودار فيها يتفرج إلى وقت المساء.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:46 AM
وفي الليلة السادسة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا دار يتفرج في تلك الجزيرة ولم يزل دائراً يتفرج فيها إلى وقت المساء فنام في تلك الجزيرة ولما أصبح الصباح صار يتأمل في جهاتها ولم يزل يتفرج فيها مدة عشرة أيام وبعد ذلك توجه إلى شاطئ البحر ودهن قدميه ونزل البحر الرابع ومشى على الماء ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى جزيرة فرأى أرضها من الرمل الناعم الأبيض وليس فيها شيء من الشجر ولا من الزرع فتمشى فيها ساعة فوجد وحشها الصقور وهي معششة في ذلك الرمل فلما رأى ذلك دهن قدميه ونزل في البحر الخامس وسار فوق الماء ومازال سائراً ليلاً ونهاراً حتى أقبل على جزيرة صغيرة أرضها وجبالها مثل البلور وفيها العروق التي يصنع منها الذهب وفيها أشجار غريبة ما رأى مثلها في سياحته وأزهارها كلون الذهب فطلع منها بلوقيا إلى تلك الجزيرة وصار يتفرج فيها إلى وقت المساء.
فلما جن عليه الظلام صارت الأزهار تضيء في تلك الجزيرة كالنجوم فتعجب بلوقيا من هذه الجزيرة وقال: أن الأزهار التي في هذه الجزيرة هي التي تيبس من الشمس وتسقط على الأرض
فتضربها الرياح فتجتمع تحت الحجارة وتصير أكسيراً فيأخذونها ويصنعون منها الذهب ثم إن بلوقيا نام في تلك الجزيرة إلى وقت الصباح وعند طلوع الشمس دهن قدميه من الماء الذي معه ونزل البحر السادس وسار ليالي وأياماً حتى أقبل على جزيرة فطلع عليها وتمشى فيها ساعة فرأى فيها جبلين وعليهما أشجار كثيرة وأثمار تلك الشجرة كرؤوس الآدميين وهي معلقة من شعورها ورأى فيها أشجاراً أخرى أثمارها طيور خضر معلقة من أرجلها وفيها أشجار تتوقد مثل النار ولها فواكه مثل الصبر وكل من سقطت عليه نقطة من تلك الفواكه احترق بها ورأى بها فواكه تبكي وفواكه تضحك ورأى بلوقيا في تلك الجزيرة عجائب ثم إنه تمشي إلى شاطئ فلما أظلم الظلام طلع فوق الشجرة وصار يتفكر في مصنوعات الله تعالى فبينما هو كذلك إذا بالبحر قد اختلط وطلع منه نبات البحر وفي يد كل واحدة منهن جوهرة تضيء مثل المصباح وسرن حتى أتين تلك الشجرة وجلسن ولعبن ورقصن وطربن فصار بلوقيا يتفرج عليهن وهن في هذه الحالة ولم يزلن في لعب إلى الصباح.
فلما أصبحن نزلن إلى البحر فتعجب منهن بلوقيا ونزل من فوق الشجرة ودهن قدميه من الماء الذي معه ونزل البحر السابع وسار ولم يزل سائراً مدة شهرين وهو لا ينظر جبلاً ولا جزيرة ولا براً ولا وادياً ولا ساحلاً حتى قطع ذلك البحر وقاسى فيه جوعاً عظيماً حتى صار يخطف السمك من البحر ويأكله نيئاً من شدة جوعه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:46 AM
وفي الليلة السابعة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما قاسى في البحر الجوع العظيم وصار يخطف السمك من البحر ويأكله نيئاً من شدة جوعه ولم يزل سائراً على هذه الحالة حتى انتهى إلى جزيرة أشجارها كثيرة وأنهارها غزيرة فطلع إلى تلك الجزيرة وصار يمشي فيها ويتفرج يميناً وشمالاً وكان ذلك في وقت الضحى وما زال يتمشى حتى أقبل على شجرة تفاح فمد يده ليأكل من تلك الشجرة إذا بشخص صاح عليه من تلك الشجرة وقال له: إن تقربت إلى هذه الشجرة وأكلت منها شيئاً قسمتك نصفين فنظر بلوقيا إلى ذلك الشخص فرآه طويلاً طوله أربعون ذراعاً بذراع أهل الزمان فلما رآه بلوقيا خاف منه خوفاً شديداً وامتنع عن تلك الشجرة.
ثم قال بلوقيا: لي شيء تمنعني من الأكل من هذه الشجرة فقال له: لأنك ابن آدم وأبوك نسي عهد الله فعصها وأكل من الشجرة فقال له بلوقيا: أي شيء أنت ولمن هذه الجزيرة والأشجار وما اسمك فقال له الشخص: أنا اسمي شراهيا وهذه الأشجار والجزيرة للملك صخر وأنا من أعوانه وقد وكلني على هذه الجزيرة.
ثم أن شراهيا سأل بلوقيا وقال له: من أنت ومن أين أتيت إلى هذه البلاد فحكى له بلوقيا حكايته من الأول إلى الآخر فقال له شراهيا: لاتخف ثم جاء له بشيء من الأكل فأكل بلوقيا حتى اكتفى ثم ودعه وسار ولم يزل سائراً مدة عشرة أيام فبينما هو سائر في جبال ورمال إذ نظر غبرة عاقدة في الجو فقصد بلوقيا صوب تلك الغبرة فسمع صياحاً وضرباً وهرجاً عظيماً فمشى بلوقيا نحو تلك الغبرة حتى وصل إلى واد عظيم طوله مسيرة شهرين ثم تأمل بلوقيا في جهة ذلك الصياح فرأى أناساً راكبين على خيل وهم يقتتلون مع بعضهم وقد جرى الدم بينهم حتى صار مثل النهر ولهم أصوات الرعد وفي أيديهم رماح وسيوف وأعمدة من الحديد وقسى ونبال وهم في قتال عظيم فأخذه خوف شديد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:47 AM
وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما رأى هؤلاء الناس بأيديهم السلاح وهم في قتال عظيم أخذه الخوف الشديد وتحير في أمره فبينما هو كذلك إذ رأوه فلما رأوه امتنعوا عن بعضهم وتركوا الحرب ثم أتت إليه طائفة منهم فلما قربوا منه تعجبوا من خلقته ثم تقدم إليه فارس منهم وقال له: أي شيء أنت ومن أين أتيت وإلى أين رائح ومن دلك على هذا الطريق حتى وصلت إلى بلادنا فقال له بلوقيا: أنا من بني آدم وجئت هائماً في حب محمد صلى الله عليه وسلم ولكني تهت عن الطريق فقال له الفارس: نحن ما رأينا ابن آدم قط ولا أتى إلى هذه الأرض وصاروا يتعجبون منه ومن كلامه.
ثم إن بلوقيا سألهم وقال لهم أي شيء أنتم أيتها الخلقة قال له الفارس: نحن من الجان فقال له بلوقيا: يا أيها الفارس ما سبب القتال الذي بينكم وأين مسكنكم وما اسم هذا الوادي وهذه الأراضي فقال له الفارس نحن مسكننا الأرض البيضاء وفي كل عام يأمرنا الله تعالى أن نأتي إلى هذه الأرض ونغزو الجان الكافرين. فقال له بلوقيا: وأين الأرض البيضاء فقال له الفارس:
خلف جبل قاف بمسيرة خمسة وسبعين سنة وهذا الأرض يقال لها: أرض شاد بن عاد ونحن أتينا إليها لنغزوها وما لنا شغل سوى التسبيح والتقديس ولنا ملك يقال له: الملك صخر وما يمكن إلا أن تروح معنا إليه حتى ينظرك ويتفرج عليك.
ثم إنهم ساروا وبلوقيا معهم حتى أتوا منزلهم فنظر بلوقيا خياماً من الحرير الأخضر لا يعلم عددها إلا الله تعالى ورأى بينها خيمة منصوبة من الحرير الأحمر واتساعها مقدار ألف ذراع وأطنابها من الحرير الأزرق وأوتادها من الذهب والفضة فتعجب بلوقيا من تلك الخيمة ثم إنهم ساروا بي حتى أقبلوا على الخيمة فإذا هي خيمة الملك صخر. ثم دخلوا به حتى أتوا قدام الملك صخر فنظر بلوقيا إلى الملك فرآه جالساً على تخت عظيم من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجواهر وعلى يمينه ملوك الجان وعلى يساره الحكماء والأمراء وأرباب الدولة وغيرهم فلما رآه الملك صخر أمر أن يدخلوا به عنده فدخلوا به عند الملك فتقدم بلوقيا وسلم عليه وقبل الأرض بين يديه فرد عليه السلام الملك صخر ثم قال له: ادن مني أيها الرجل فدنا منه بلوقيا حتى صار بين يديه فعند ذلك أمر الملك صخر أن ينصبوا له كرسياً بجانبه فنصبوا له كرسياً بجانب الملك ثم أمره الملك صخر أن يجلس على ذلك الكرسي فجلس بلوقيا عليه.
ثم إن الملك صخر سأل بلوقيا وقال له: أي شيء أنت فقال له: أنا من بني آدم من بني إسرائيل فقال له الملك صخر: احك لي حكايتك وأخبرني بما جرى لك وكيف أتيت إلى هذه الأرض فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له في سياحته من الأول إلى ا لآخر فتعجب الملك صخر من كلامه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:48 AM
وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما أخبر الملك صخر بجميع ما جرى له في سياحته من الأول إلى الآخر تعجب من ذلك ثم أمر الفراشين أن يأتوا بسماط فأتوه به ومدوه ثم إنهم أتوا بصواني من الذهب الأحمر وصواني من الفضة وصواني من النحاس وبعض الصواني فيها خمسون جملاً مسلوقة وبعضها فيها عشرون جملاً وبعضها فيها خمسون رأساً من الغنم وعدد الصواني ألف وخمسمائة صينية. فلما رأى بلوقيا ذلك تعجب غاية العجب ثم إنهم أكلوا وأكل بلوقيا معهم حتى اكتفى وحمد الله تعالى وبعد ذلك رفعوا الطعام وأتوا بفواكه فأكلوا ثم بعد
ذلك سبحوا الله فلما سمع بلوقيا ذكر محمد تعجب وقال للملك صخر: أريد أن أسألك بعض مسائل فقال له الملك صخر: سل ماتريد فقال له بلوقيا: يا ملك أي شيء أنتم ومن أين أصلكم ومن أين تعرفون محمداً حتى تصلون عليه وتحبونه فقال له الملك صخر: يا بلوقيا إن الله تعالى خلق النار سبع طبقات بعضها فوق بعض وبين كل طبقة مسيرة ألف عام وجعل اسم الطبقة الأولى جهنم وأعدها لعصاة المؤمنين الذين يموتون من غير توبة واسم الطبقة الثانية لظى وأعدها للكفار واسم الطبقة الثالثة الجحيم وأعدها ليأجوج ومأجوج واسم الرابعة السعير وأعدها لقوم إبليس واسم الخامسة سقر وأعدها لتارك الصلاة واسم السادسة الحطمة وأعدها لليهود والنصارى واسم السابعة الهاوية وأعدها للمنافقين.
فهذه السبع طبقات فقال له بلوقيا: لعل جهنم أهون عذاباً من الجميع لأ ها هي الطبقة الفوقانية قال الملك صخر: نعم هي أهون الجميع عذاباً ومع ذلك فيها ألف جبل من النار وفي كل جبل سبعون ألف واد من النار وفي كل واد سبعون ألف مدينة من النار وفي كل مدينة سبعون ألف قلعة من النار وفي كل قلعة سبعون ألف بيت من النار وفي كل بيت سبعون ألف تخت من ال نار وفي كل تخت سبعون ألف نوع من العذاب وما في جميع طبقات النار يا بلوقيا أهون عذاباً من عذابها لأنها هي الطبقة الأولى وأما الباقي فلا يعلم عدد ما فيها من أنواع العذاب إلا الله تعالى فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الملك صخر وقع مغشياً عليه فلما أفاق من غشيته بكى وقال: يا ملك كيف يكون حالنا فقال له الملك صخر: يا بلوقيا لا تخف والعم أن من كان يحب محمد لم تحرقه النار وهو معتوق لأجل محمد صلى الله عليه وسلم وكل من كان على ملته تهرب منه النار وأما نحن فخلقنا الله تعالى من النار وأول ما خلق الله المخلوقات في جهنم خلق شخصين من جنوده أحدهما اسمه خليت والآخر اسمه مليت وجعل خليت على صورة أسد ومليت على صورة ذئب.
وكان ذنب مليت على صورة لأنثى ولونها أبلق وذنب خليت على صورة ذكر وهو في هيئة حية وذنب مليت في هيئة سلحفاة وطول ذنب خليت مسيرة عشرين سنة ثم أمر الله تعالى ذنبيهما أن يجتمعا مع بعضيهما ويتناكحا فتوالد منهما حيات وعقارب ومسكنهما في النار ليعذب الله بها من يدخلها.

ثم إن تلك الحيات والعقارب تناسلوا وتكاثروا ثم بعد ذلك أمر الله تعالى ذنبي خليت ومليت أن يجتمعا ويتناكحا ثاني مرة فاجتمعا وتناكحا فحمل ذنب مليت من ذنب خليت فلما وضعت ولدت سبعة ذكور وسبع إناث فتربوا حتى كبروا فلما كبروا تزوج الإناث بالذكور وأطاعوا والدهم إلا واحداً منهم عصى والده فصار دودة وتلك الدودة هي إبليس لعنه الله تعالى وكان من المقربين فإنه عبد الله تعالى حتى ارتفع إلى السماء وتقرب من الرحمن وصار رئيس المقربين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

هانى رفعت
04-30-2010, 03:49 AM
وفي الليلة الثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال له: إن إبليس كان عبد الله تعالى وصار رئيس المقربين ولما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أمر إبليس بالسجود له فامتنع من ذلك فطرده الله تعالى ولعنه فلما تناسل جاء ت منه الشياطين.
وأما الستة ذكور الذين قبلهم فهم الجان المؤمنون ونحن من نسلهم وهذا أصلنا يا بلوقيا فتجب بلوقيا من كلام الملك صخر ثم إنه قال: يا ملك أريد منك أن تأمر واحداً من أعوانك ليوصلني إلى بلادي فقال له الملك صخر: ما نقدر أن نفعل شيئاً من ذلك إلا إذا أمرنا الله تعالى ولكن يا بلوقيا إن شئت الذهاب من عندنا فإني أحضر لك فرساً من خيلي وأركبك على ظهرها وآمرها أن تسير بك إلى آخر حكمي فإذا وصلت إلى آخر حكمي يلاقيك جماعة ملك اسمه براخيا فينظرون الفرس فيعرفونها وينزلونك من فوقها ويرسلونها إلينا وهذا الذي نقدر عليه لا غير.
فلما سمع بلوقيا هذا الكلام بكى وقال للملك: افعل ما تريد فأمر الملك أن يأتوا له بالفرس فأتوا له بالفرس وأركبوه على ظهرها وقالوا له: احذر أن تنزل من فوق ظهرها أو تضربها أو تصيح في وجهها فإن فعلت ذلك أهلكتك بل استمر راكباً عليها مع السكون حتى تقف بك فانزل عن ظهرها ورح إلى حال سبيلك فقال لهم بلوقيا: سمعاً وطاعة ثم ركب الفرس وسار في الخيام مدة طويلة ولم يمر في سيره إلا على مطبخ الملك صخر فنظر بلوقيا إلى قدور معلقة في كل قدر خمسون جملاً والنار تلتهب من تحتها فلما رأى بلوقيا تلك القدور وكبرها تأملها وتعجب منها وأكثر التعجب والتأمل فيها فنظر إليه الملك فرآه متعجباً من المطبخ فظن الملك في نفسه أنه جائع فأمر أن يجيئوا له بجملين مشويين وربطوهما خلفه على ظهر الفرس ثم إنه ودعهم وسار حتى
وصل إلى آخر حكم الملك صخر فوقفت الفرس فنزل عنها بلوقيا ينفض تراب السفر من ثيابه.
وإذا برجال أتوا إليه ونظروا الفرس فعرفوها فأخذوها وساروا وبلوقيا معهم حتى وصلوا إلى الملك براخيا فلما دخل بلوقيا على الملك براخيا سلم عليه فرد عليه السلام ثم إن بلوقيا نظر إلى الملك فرآه جالساً في صيوان عظيم وحوله عساكر وأبطال وملوك الجان على يمينه وشماله ثم إن الملك أمر بلوقيا أن يدنو منه فتقدم بلوقيا إليه فأجلسه الملك بجانبه وأمر أن يأتوا بالسماط فنظر بلوقيا إلى حال الملك براخيا فرآه مثل حال الملك صخر ولما حضرت الأطعمة أكلوا وأكل بلوقيا حتى اكتفى وحمد الله تعالى ثم إنهم رفعوا الأطعمة وأتوا بالفاكهة فأكلوا ثم إن الملك براخيا سأل بلوقيا وقال له: متى فارقت الملك صخر فقال له: من مدة يومين فقال الملك براخيا لبلوقيا: أتدري مسافة كم يوم سافرت في هذين اليومين قال: لا قال: مسيرة سبعين شهراً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:51 AM
وفي الليلة الواحدة الثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك براخيا قال لبلوقيا: إنك سافرت في هذين اليومين مسيرة سبعين شهراً ولكنك لما ركبت الفرس فزعت منك وعلمت منك أنك ابن آدم وأرادت أن ترميك عن ظهرها فأثقلوها بهذين الجملين فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من الملك براخيا تعجب وحمد الله تعالى على السلامة ثم إن الملك براخيا قال لبلوقيا: أخبرني بما جرى لك وكيف أتيت إلى هذه البلاد فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له وكيف ساح وأتى إلى هذه البلاد فلما سمع الملك كلامه تعجب منه ومكث عنده شهرين.
فلما سمع حاسب كلام ملكة الحيات تعجب غاية العجب ثم قال لها: أريد من فضلك وإحسانك أن تأمري أحداً من أعوانك أن يخرجني إلى وجه الأرض حتى أروح إلى أهلي فقالت له ملكة الحيات: يا حاسب كريم الدين اعلم أنك متى خرجت إلى وجه الأرض تروح أهلك ثم تدخل الحمام وتغتسل وبمجرد ما تفرغ من غسلك أموت أنا لأن ذلك يكون سبباً لموتي فقال حاسب: أنا أحلف لك ما أدخل الحمام طول عمري وإذا وجب علي الغسل أغتسل في بيتي.
فقالت له ملكة الحيات: لو حلفت لي مائة يمين ما أصدقك أبداً فإن هذا لا يكون واعلم أنك ابن آدم مالك عهد فإن أباك آدم قد عاهد الله ونقض عهده وكان الله تعالى خمر طينته أربعين صباحاً وأسجد له ملائكته وبعد ذلك الكلام نسي العهد ونسيه خالقه.
فلما سمع حاسب ذلك الكلام سكت وبكى ومكث يبكي مدة عشرة أيام ثم قال لها حاسب: أخبريني بالذي جرى لبلوقيا بعد قعوده شهرين عند الملك براخيا فقالت له: اعلم يا حاسب أن بلوقيا بعد قعوده عند الملك بارخاي ودعه وسار في البراري ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى جبل عال فطلع ذلك الجبل فرأى فوقه ملكاً عظيماً جالساً على ذلك الجبل وهو يذكر الله تعالى ويصلي على محمد وبين يدي ذلك الملك لوح مكتوب فيه شيء أبيض وشيء أسود وهو ينظر في اللوح وله جناحان أحدهما ممدود بالمشرق والآخر ممدود بالمغرب فأقبل عليه بلوقيا وسلم عليه فرد عليه السلام ثم إن الملك سأل بلوقيا وقال له: من أنت ومن أين أتيت وغلى أين رائح وما اسمك.
فقال بلوقيا: أنا من بني آدم من قوم بني إسرائيل وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم واسمي بلوقيا فقال الملك: ما الذي جرى لك في مجيئك إلى هذه الأرض فحكى له بلوقيا جميع ما جرى له وما رأى في سياحته.
فلما سمع الملك من بلوقيا ذلك الكلام تعجب منه ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال: أخبرني أنت الآخر بهذا اللوح وأي شيء مكتوب فيه وما هذا الأمر الذي فيه وما اسمك فقال له: أنا اسمي ميخائيل وأنا موكل بتصريف الليل والنهار وهذا شغلي إلى يوم القيامة.
فلما سمع بلوقيا ذلك الكلام تعجب منه ومن صورة ذلك الملك ومن هيبته وعظم خلقته ثم إن بلوقيا ودع ذلك الملك وسار ليلاً وهاراً حتى وصل إلى مرج عظيم فتمشى في ذلك المرج فرأى فيه سبعة أنهر ورأى أشجاراً كثيرة فتعجب بلوقيا من ذلك المرج العظيم وسار في جوانبه فرأى فيه شجرة عظيمة وتحت تلك الشجرة أربعة ملائكة فتقدم إليهم بلوقيا ونظر إلى خلقتهم فرأى واحداً منهم صورته صورة بني آدم والثاني صورته صورة وحش والثالث صورته صورة طير والرابع صورته صورة ثور وهم مشغولون بذكر الله تعالى ويقول كل منهم: إلهي وسيدي ومولاي بحقك وبجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن تغفر لكل مخلوق خلقته على صورتي وتسامحه إنك على كل شيء قدير.
فلما سمع بلوقيا منهم ذلك الكلام تعجب وسار من عندهم ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى جبل قاف فطلع فوقه فرأى هناك ملكاً عظيماً وهو جالس يسبح الله تعالى ويقدسه ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ورأى ذلك الملك في قبض وبسط أو طي ونشر فبينما هو في هذا
الأمر إذ أقبل عليه بلوقيا وسلم عليه فرد الملك عليه السلام وقال له: أي شيء أنت ومن أين أتيت وإلى أين رائح وما اسمك فقال بلوقيا: أنا من بني إسرائيل من بني آدم واسمي بلوقيا وأنا سائح فلي حب محمد صلى الله عليه وسلم ولكن تهت في طريقي وحكى له جميع ما جرى.
فلما فرغ بلوقيا من حكايته سأل الملك وقال له: من أنت وما هذا الجبل وما هذا الشغل الذي أنت فيه فقال له: اعلم يا بلوقيا أن هذا جبل قاف المحيط بالدنيا وكل أرض خلقها الله في الدنيا فقبضتها في يدي فإذا أراد الله تعالى بتلك الأرض شيئاً من زلزلة أو قحط أو خصب أو قتال أو صلح أمرني أن أفعله فأفعل وأنا في مكاني وأعلم أن يدي قابضة بعروق الأرض.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لبلوقيا: واعلم أن يدي قابضة بعروق الأرض فقال بلوقيا للملك: هل خلق الله في جبل قاف أرضاً غير هذه الأرض التي أنت فيها قال الملك: نعم خلق الله ارضاً بيضاء مثل الفضة وما يعلم قدر اتساعها إلا الله سبحانه وتعالى وأسكنها ملائكة أكلهم وشربهم التسبيح والتقديس والإكثار من الصلاة وفي كل ليلة جمعة يأتون إلى هذا الجبل ويجتمعون ويدعون الله تعالى طول الليل إلى وقت الصباح ويهدون ثواب ذلك التسبيح والتقديس والعبادات للمذنبين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن من اغتسل غسل الجمعة وهذا حالهم إلى يوم القيامة.
ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال له: هل خلق الله جبالاً خلف جبل قاف فقال الملك: نعم خلف جبل قاف قدره مسيرة خمسمائة عام وهو من الثلج والبرد وهو الذي منع حر جهنم عن الدنيا ولولا ذلك الجبل لاحترقت الدنيا من حر نار جهنم وخلف جبل قاف أربعون أرضاً في كل منها قدر الدنيا أربعون مرة منها ما هو من الذهب ومنها ما هو من الفضة ومنها ما هو من الياقوت ولكل أرض من تلك الأراضي لون وأسكن الله في تلك الأراضي ملائكة لا شغل لهم سوى التسبيح والتقديس والتهليل والتكبير ويدعون الله لأمة العرب ولا يعرفون حواء ولا آدم ولا ليلاً ولا نهاراً واعلم يا بلوقيا أن الأرض سبع طباق بعضها فوق

هانى رفعت
04-30-2010, 03:52 AM
وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لبلوقيا: واعلم يا بلوقيا أن الأرض سبع طبقات
بعضها فوق بعض وخلق الله ملكاً من الملائكة لا يعلم أوصافه ولا قدره إلا الله عز وجل وهو حامل السبع أراضي على كاهله وخلق الله تعالى تحت ذلك الملك صخرة وخلق الله تعالى تحت تلك الصخرة نوراً. وخلق الله تعالى تحت ذلك النور حوتاً وخلق الله تعالى تحت ذلك الحوت بحراً عظيماً وقد أعلم الله تعالى عيسى عليه السلام بذلك الحوت. فقال له: يارب أرني ذلك الحوت حتى أنظر إليه فأمر الله تعالى ملكاً من الملائكة أن يأخذ عيسى ويروح به إلى الحوت حتى ينظره. فأتى ذلك الملك إلى عيسى عليه السلام وأخذه وأتى به البحر الذي فيه الحوت وقال له: انظر يا عيسى إلى الحوت فنظر عيسى إلى الحوت فلم يره فمر الحوت على عيسى مثل البرق.
فلما رأى ذلك عيسى وقع مغشياً عليه فلما أفاق أوحى الله إليه وقال: يا عيسى هل رأيت الحوت وهل علمت طوله وعرضه فقال عيسى: وعزتك وجلالك يا رب ما رأيته ولكن مر على ثور عظيم قدره مسافة ثلاثة أيام ولم أعرف ما شأن ذلك الثور فقال الله له: يا عيسى ذلك الذي مر عليك وقدره ثلاثة أيام إنما هو رأس الثور. واعلم يا عيسى أنني في كل يوم أخلق أربعين حوتاً مثل ذلك الحوت.
فلما سمع ذلك الكلام تعجب من قدرة الله تعالى ثم إن بلوقيا سأل الملك وقال له: أي شيء خلق الله تحت البحر الذي فيه الحوت فقال له الملك: خلق الله تحت البحر هواء عظيماً وخلق الله تحت الهواء ناراً وخلق تحت النار حية عظيمة اسمها فلق ولولا خوف تلك الحية من الله تعالى لابتلعت جميع ما فوقها من الهواء والنار والملك وما حمله ولم تحس بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:53 AM
وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لبلوقيا في وصف الحية ولولا خوفها من الله تعالى لابتلعت جميع ما فوقها من الهواء والنار والملك وما حمله ولم تحس بذلك ولما خلق الله تعالى الحية أوحى إليها: إني أريد منك أن أودع عندك أمانة فاحفظيها فقالت الحية: افعل ما تريد فقال الله تعالى لتلك الحية: افتحي فاك ففتحت فاها فأدخل الله جهنم في بطنها وقال لها: احفظي جهنم إلى يوم القيامة فإذا جاء يوم القيامة يأمر الله ملائكته أن يأتوا ومعهم سلاسل يقودون بها جهنم إلى المحشر ويأمر الله تعالى جهنم أن تفتح أبوابها فتفتحها ويطير منها شرر كبار أكبر من الجبال فلما سمع بلوقيا ذلك الكلام من ذلك الملك بكى بكاء شديداً.
ثم إنه ودع الملك وسار إلى ناحية الغرب حتى أقبل على شخصين فرآهما جالسين وعندهما باب عظيم مقفول فلما قرب منهما رأى أحدهما صورته صورة أسد والآخر صورته صورة ثور فسلم عليهما بلوقيا فردا عليه السلام ثم إنهما قالا له: أي شيء أنت ومن أين أتيت وإلى أين رائح فقال لهما بلوقيا: أنا من بني آدم وأنا سائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم ولكن تهت عن طريقي ثم إن بلوقيا سألهما وقال لهما: أي شيء أنتما وما هذا الباب الذي عندكما فقالا له: نحن حراس هذا الباب. الذي تراه ومالنا شغل سوى التسبيح والتقديس والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. فلما سمع بلوقيا هذا الكلام تعجب وقال لهما: أي شيء داخل هذا الباب فقالا: لا ندري فقال لهما: بحق ربكما الجليل أن تفتحا لي هذا الباب حتى أنظر شيئاً داخله فقالا له: ما نقدر أن نفتح هذا الباب ولا يقدر على فتحه أحد من المخلوقين إلا الأمين جبريل عليه السلام فلما سمع بلوقيا ذلك تضرع إلى الله تعالى وقال: يا رب ائتني بالأمين جبريل ليفتح لي هذا الباب حتى أنظر ما داخله فاستجاب الله أمر دعائه وأمر الأمين جبريل أن ينزل إلى الأرض ويفتح باب مجمع البحرين حتى ينظر بلوقيا فنزل جبريل إلى بلوقيا وسلم عليه وأتى إلى ذلك الباب وفتحه ثم إن جبريل قال لبلوقيا: ادخل إلى هذا الباب فإن الله أمرني أن أفتحه لك فدخل بلوقيا وسار فيه ثم إن جبريل قفل الباب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:53 AM
وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما دخل قفل جبريل الباب وارتفع إلى السماء ورأى بلوقيا داخل الباب بحراً عظيماً نصفه مالح ونصفه حلو وحول ذلك البحر جبلان وهذان الجبلان من الياقوت الأحمر وسار بلوقيا حتى أقبل على هذين الجبلين فرأى فيهما ملائكة مشغولين بالتسبيح والتقديس فلما رآهم بلوقيا سلم عليهم فردوا عليه السلام فسألهم عن البحر وعن هذين الجبلين فقال له الملائكة: إن هذا مكان تحت العرش وإن هذا البحر يمد كل بحر في الدنيا ونحن نقسم هذا الماء ونسوقه إلى الأراضي المالح للأرض المالحة والحلو للأرض الحلوة وهذان الجبلان خلقهما الله ليحفظا هذا الماء وهذا أمرنا إلى يوم القيامة.
ثم إنهم سألوه وقالوا له: من أين أقبلت وإلى أين رائح فحكى لهم بلوقيا حكايته من الأول
إلى الآخر ثم إن بلوقيا سألهم عن الطريق فقالوا له: اطلع هنا على ظهر هذا البحر ليلاً ونهاراً فبينما هو سائر وإذا هو بشاب مليح سائر على ظهر البحر فأتى إليه وسلم عليه فرد عليه السلام ثم إن بلوقيا لما فارق الشاب رأى أربعة ملائكة سائرين على وجه البحر وسيرهم مثل البرق الخاطف فتدقم بلوقيا ووقف في طريقهم فلما وصلوا إليه سلم عليهم بلوقيا وقال لهم: أريد أن أسألكم بحق العزيز الجليل ما اسمكم ومن أين أنتم وإلى أين تذهبون فقال واحد منهم: أنا اسمي جبريل والثاني اسمه إسرافيل والثالث اسمه ميكائيل والرابع اسمه عزرائيل وقد ظهر في المشرق ثعبان عظيم وذلك الثعبان خرب ألف مدينة وأكل أهلها وقد أمرنا الله تعالى أن نروح إليه ونمسكه ونرميه في جهنم فتعجب منهم بلوقيا ومن عظمهم وسار على عادته ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى جزيرة فطلع عليها وتمشى فيها ساعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:54 AM
وفي الليلة السادسة والثمانيني بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا طلع إلى الجزيرة وتمشى فيها ساعة فرأى شاباً مليحاً والنور يلوح من وجهه فلما قرب منه بلوقيا رآه جالساً بين قبرين مبنيين وهو ينوح ويبكي فأتى إليه بلوقيا وسلم عليه فرد عليه السلام ثم إن بلوقيا سأل الشاب وقال له: ماشأنك وما اسمك وما هذان القبران المبنيان اللذان أنت جالس بينهما وما هذا البكاء الذي أنت فيه فالتفت الشاب إلى بلوقيا وبكى بكاء شديد حتى بل ثيابه من دموعه وقال لبلوقيا: اعلم يا أخي أن حكايتي عجيبة وقصتي غريبة وأحب أن تجلس عندي حتى تحكي لي ما رأيت في عمرك وما سبب مجيئك إلى هذا المكان وما اسمك وإلى أين رائح واحكي لك أنا الآخر بحكايتي فجلس بلوقيا عند الشاب وأخبره بجميع ما وقع له في سياحته من الأول إلى الآخر وأخبره كيف مات والده وخلفه وكيف فتح الخلوة ورأى فيها الصندوق وكيف رأى الكتاب الذي فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكيف تعلق قلبه به وطلع سائحاً في حبه وأخبره بجميع ما وقع له إلى أن وصل إليه ثم قال له: وهذه حكايتي بتمامها والله أعلم وما أدري بالذي يجري علي بعد ذلك فلما سمع الشاب كلامه تنهد وقال له: يا مسكين أي شيء رأيت في عمرك اعلم يا بلوقيا أنني رأيت السيد سليمان زمانه ورأيت شيئاً لا يعد ولا يحصى وحكايتي عجيبت وقصتي غريبة وأريد منك أن تقعد عندي حتى أحكي لك حكايتي
وأخبرك بسبب قعودي هنا.
فلما سمع حاسب هذا الكلام من الحية تعجب وقال: يا ملكة الحيات بالله عليك أن تعتقيني وتأمري أحد خدمك أن يخرجني إلى وجه الأرض واحلف لك يميناً أنني لا أدخل الحمام طول عمري فقالت: إن هذا الأمر لا يكون ولا أصدقك في يمينك فلما سمع منها ذلك الكلام بكى وبكت الحيات جميعأً لأجله وصارت تتشفع له عند الملكة وتقول لها: نريد منك أن تأمري إحدانا أن يخرجنه إلى وجه الأرض ويحلف لك يميناً أنه لا يدخل الحمام طول عمره وكانت ملكة الحيات اسمها يمليخا فلما سمعت يلميخا منهن ذلك الكلام أقبلت على حاسب وحلفته فحلف لها ثم أمرت حية أن تخرجه إلى وجه الأرض فأتته وأرادت أن تخرجه.
فلما أتت تلك الحية لتخرجه قال لملكة الحيات: أريد منك أن تحكي لي حكاية الشاب الذي قعد عنده بلوقيا ورآه جالساً بين القبرين فقالت: اعلم يا حاسب أن بلوقيا جلس عند الشاب وحكى له حكايته من أولها إلى آخرها لأجل أن يحكي له الآخر قصته ويخبره بما جرى له في عمره ويعرفه بسبب قعوده بين القبرين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:55 AM
وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما حكى للشاب حكايته قال له الشاب: وأي شيء رأيت من العجائب يا مسكين أنا رأيت السيد سليمان في زمانه ورأيت عجائب لا تعد ولاتحصى واعلم يا أخي أن أبي كان يقال له: الملك طيغموس وكان يحكم على بلاد كابل وعلى بني شهلان وهم عشرة آلاف بهلوان كل بهلوان منهم يحكم على مائة مدينة ومائة قلعة بأسوارها وكان يحكم على سبعة سلاطين ويحمل له المال من المشرق إلى المغرب وكان عادلاً في حكمه وقد أعطاه الله تعالى كل هذا ومن عليه بذلك الملك العظيم ولم يكن له ولد وكان مراده في عمره أن يرزقه الله ولداً ذكراً ليخلفه في ملكه بعد موته.
فاتفق أنه طلب العلماء والمنجمين والحكماء وأرباب المعرفة والتقويم يوماً من الأيام وقال لهم: انظروا طالعي وهل يرزقني الله في عمري ولداً ذكراً فيخلفني في ملكي ففتح المنجمون الكتب وحسبوا طالعه وناظره من الكواكب ثم قالوا له: اعلم أيها الملك أنك ترزق ولداً ذكراً ولا يكون ذلك الولد إلا من بنت ملك خراسان. فلما سمع طيغموس ذلك منهم فرح فرحاً شديداً وأعطى المنجمين والحكماء مالاً كثيراً لا يعد ولا يحصى وذهبوا إلى حال سبيلهم وكان عند الملك
طيغموس وزيراً كبيراً وكان بهلواناً عظيماً مقوماً بألف فارس وكان اسمه عين زار فقال له: يا وزير أريد من ك أن تتجهز للسفر إلى بلاد خراسان وتخطب بنت الملك بهروان ملك خراسان وحكى الملك طيغموس لوزيره عين زار ما أخبره به المنجمون فلما سمع الوزير ذلك الكلام من الملك طيغموس ذهب من وقته وساعته وتجهز للسفر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير عين زار قام وتجهز للسفر ثم برز إلى خارج المدينة بالعساكر والأبطال والجيوش. هذا ما كان من أمر الوزير.
وأما ما كان من أمر الملك طيغموس فإنه جهز ألفاً وخمسمائة حمل من الحرير والجواهر واللؤلؤ واليواقيت والذهب والفضة والمعادن وجهز شيئاً كثيراً من آلة العرش وحملها على الجمال والبغال وسلمها إلى وزيره عين زار وكتب له كتاباً مضمونه: أما بعد فالسلام على الملك بهروان اعلم أننا قد جمعنا المنجمين والحكماء وأرباب التقاويم فأخبرونا أننا نرزق ولداً ذكراً ولا يكون ذلك الولد إلا من بنتك. وها أنا جهزت لك الوزير عين زار ومعه أشياء كثيرة من آلة العرس وإني أقمت وزيري مقامي في هذه المسألة ووكلته في قبول العقد وأريد من فضلك أن تقضي للوزير حاجته فإنها حاجتي ولا تبدي في ذلك إهمالاً ولا إمهالاً. وما فعلته من الجميل فهو مقبول منك والحذر من المخالفة في ذلك واعلم يا ملك بهروان أن الله قد من علي بمملكة كابل وملكني على بني شهلان وأعطاني ملكاً عظيماً وإذا تزوجت بنتك أكون أنا وأنت في الملك شيئاً واحداً وأرسل إليك في كل سنة ما يكفيك من المال. وهذا قصدي منك ثم إن الملك طيغموس ختم الكتاب وناوله لوزيره عين زار وأمره بالسفر إلى بلاد خراسان فسافر الوزير حتى وصل إلى قرب مدينة الملك بهروان فأعلموه بقدوم وزير الملك طيغموس.
فلما سمع الملك بهروان بذلك الكلام جهز أمراء دولته للملاقاة وجهز معهم أكلاً وشرباً وغير ذلك وأعطاهم عليقاً لأجل الخيل وأمرهم بالمسير إلى ملاقاة الوزير عين زار. فحملوا الأحمال وساروا حتى أقبلوا على الوزير وحطوا الأحمال ونزلت الجيوش والعساكر وسلم بعضهم على بعض ومكثوا في ذلك المكان مدة عشرة أيام وهم في أكل وشرب ثم بعد ذلك ركبوا وتوجهوا إلى المدينة وطلع الملك بهروان إلى مقابلة وزير الملك طيغموس وعانقه وسلم عليه وأخذه وتوجه به إلى القلعة ثم إن الوزير قدم الأحمال والتحف وجميع الأموال للملك بهروان وأعطاه الكتاب
فأخذه الملك بهروان وقراه وعرف ما فيه وفهم معناه وفرح فرحاً شديداً ورحب بالوزير وقال له: أشر بما تريد ولو طلب الملك طيغموس روحي لأعطيته إياها وذهب الملك بهروان من وقته وساعته إلى بنته وأمها وأقاربها وأعلمهم بذلك الأمر واستشارهم فيه فقالوا له: افعل ما شئت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:55 AM
وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك استشار البنت وأمها وأقاربها فقالوا له: افعل ما شئت ثم إن الملك بهروان رجع إلى الوزير عين زار وأعلمه بقضاء حاجته ومكث الوزير عند الملك بهروان مدة شهرين ثم بعد ذلك قال الوزير للملك: إننا نريد أن تنعم علينا بما أتيناك فيه ونروح إلى بلادنا. فقال الملك للوزير: سمعاً وطاعة ثم أمر بإقامة العرس وتجهيز الجهاز ففعلوا ما أمرهم به وبعد ذلك أمر بإحضار وزرائه وجميع الأمراء وأكابر دولته فحضروا جميعاً ثم أمر بإحضار الرهبان والقسيس فحضروا وعقدوا عقد البنت للملك طيغموس وهيأ الملك بهروان آلة السفر وأعطى بنته من الهدايا والتحف والمعادن وما يكل عنه الوصف وأمر بفرش أزقة المدينة وزينها بأحسن زينة وسافر الوزير عين زار ببنت الملك بهروان إلى بلاده.
فلما وصل الخبر إلى الملك طيغموس أمر بإقامة الفرح وزينت المدينة ثم إن الملك طيغموس دخل على بنت الملك بهروان وأزال بكارتها فما مضت عليه أيام قلائل حتى علقت منه ولما أتمت شهرها وضعت ذكراً مثل البدر في ليلة تمامه فلما علم الملك طيغموس أن زوجته وضعت ولداً ذكراً مليحاً فرح فرحاً شديداً وطلب الحكماء والمنجمين وأرباب التقاويم وقال لهم: أريد منكم أن تنظروا طالع هذا المولود وناظره من الكواكب وتخبروني بما يلقاه في عمره فحسب الحكماء والمنجمون طالعه وناظره فرأوا الولد سعيداً ولكنه يحصل له في أول عمره تعب وذلك عند بلوغه خمس عشرة سنة فإن عاش بعدها رأى خيراً كثيراً وصار ملكاً عظيماً أعظم من أبيه وعظم سعده وهلك ضده وعاش عيشاً هنيئاً وإن مات فلا سبيل إلى ما فات والله أعلم.
فلما سمع الملك ذلك الخبر فرح فرحاً شديداً وسماه جانشاه وسلمه للمراضع والدايات وأحسن تربيته فلما بلغ من العمر خمس سنين علمه أبوه القراءة وصار يقرأ في الإنجيل وعلمه فنون الحرب والطعن والضرب في أقل من سبع سنين وجعل يركب للصيد والقنص وصار بهلواناً عظيماً كاملاً في جميع آلات الفروسية وصار أبوه كلما سمع بفروسيته في جميع آلات الحرب يفرح فرحاً
شديداً فاتفق في يوم من الأيام أن الملك طيغموس أمر عسكره أن يركبوا للصيد والقنص فطلعت العسكر والجيوش فركب الملك هو وابنه جانشاه وساروا إلى البراري والقفار واشتغلوا بالصيد والقنص إلى عصر اليوم الثالث فسنحت لجانشاه غزالة عجيبة اللون وشردت قدامه فلما نظر جانشاه إلى تلك الغزالة وهي شاردة قدامه تبعها وأسرع في الجري وراءها وهي هاربة فانتبذ سبعة مماليك من مماليك الملك طيغموس وذهبوا في اثر جانشاه فلما نظروا إلى سيدهم وهو مسرع وراء تلك الغزالة راحوا مسرعين وراءه وهم على خيل سوابق ومازالوا سائرين حتى وصلوا إلى بحر فتهاجم الجميع على الغزالة ليمسكوها قنصاً ففرت منهم الغزالة وألقت نفسها في البحر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:56 AM
وفي الليلة التسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه هو ومماليكه لما هجموا على الغزالة ليمسكوها قنصاً ففرت منهم ورمت نفسها في البحر وكان في ذلك البحر مركب صياد فنطت فيه الغزالة فنزل جانشاه ومماليكه عن خيولهم إلى المركب وقنصوا الغزالة وأرادوا أن يرجعوا إلى البر وإذا بجانشاه ينظر إلى جزيرة عظيمة فقال للماليك الذين معه: إني أريد أن أذهب إلى هذه الجزيرة فقالوا له سمعاً وطاعة وساروا بالمركب إلى ناحية الجزيرة حتى وصلوا إليها فلما وصلوا إليها طلعوا فيها وساروا يتفرجون عليها. ثم بعد ذلك عادوا إلى المركب ونزلوا فيها وساروا والغزالة معهم قاصدين البر الذي أتوا منه فأمسى عليهم المساء وتأهبوا في البحر فهبت عليهم الريح وأجرت المركب في وسط البحر وناموا إلى وقت الصباح ثم انتبهوا لا يعرفون الطريق وهم لا يزالوا سائرين في البحر. هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر الملك طيغموس والد جانشاه فإنه تفقد ابنه فلم يره فأمر العسكر أن يروح جماعة منهم إلى طريق فصاروا دائرين يفتشون على ابن الملك طيغموس وذهب جماعة منهم إلى البحر فرأوا المملوك الذي خلوه عند الخيل فأتوه وسألوه عن سيده وعن الستة مماليك فأخبرهم المملوك بما جرى لهم فأخذوا المملوك والخيل ورجعوا إلى الملك طيغموصس وأخبروه بذلك الخبر فلما سمع الملك ذلك الكلام بكى بكاء شديداً ورمى التاج من فوق رأسه وعض يديه ندماً وقام من وقته وكتب كتباً وأرسلها إلى الجزائر التي في البحر وجمع مائة مركب وأنزل فيها عساكر وأمرهم أن يدوروا في البحر ويفتشوا على ولده جانشاه ثم إن الملك أخذ بقية العساكر
والجيوش ورجع إلى المدينة وصار في نكد شديد ولما علمت والدة جانشاه بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:57 AM
وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن والدة جانشاه لما علمت بذلك لطمت على وجهها وأقامت عزاءه. هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر جانشاه والمماليك الذين معه فإنهم لم يزالوا تائهين في البحر ولم يزل الرواد دائرين يفتشون عليهم في البحر مدة عشرة أيام فما وجدوهم فرجعوا إلى الملك وأعلموه بذلك ثم إن جانشاه والمماليك الذين معه هب عليهم ريح عاصف وساق المركب الذي هم فيه حتى أوصله إلى جزيرة فطلع جانشاه والستة مماليك من المركب وتمشوا في تلك الجزيرة حتى وصلوا إلى عين ماء في وسط تلك الجزيرة فرأوا رجلاً جالساً على بعد قريباً من العين فأتوه وسلموا عليه فرد عليهم السلام ثم إن الرجل كلمهم بكلام مثل صفير الطير.
فلما سمع جانشاه كلام الرجل تعجب ثم إن الرجل التفت يميناً وشمالاً وبينما هم يتعجبون من ذلك الرجل إذ هو انقسم إلى نصفين وراح كل نصف في ناحية وبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم أصناف رجال لا تحصى ولا تعد وأتوا من جانب الجبل وساروا حتى وصلوا إلى العين وصار كل واحد منهم منقسماً نصفين ثم إنهم أتوا جانشاه والمماليك ليأكلوهم.
فلما رآهم جانشاه يريدون أكلهم هرب منهم وهربت معه المماليك فتبعهم هؤلاء الرجال فأكلوا من المماليك ثلاثة وبقي ثلاثة مع جانشاه ثم إن جانشاه نزل في المركب ومعه الثلاثة مماليك ودفعوا المركب إلى وسط البحر وساروا ليلاً ونهاراً وهم لا يعرفون أين تذهب بهم المركب ثم إنهم ذبحوا الغزالة وصاروا يقتاتون منها فضربتهم الرياح فألقتهم إلى جزيرة أخرى فنظروا إلى تلك الجزيرة فرأوا فيها أشجاراً وأنهاراً وأثماراً وبساتين وفيها من جميع الفواكه والأنهار تجري من تحت تلك الأشجار وهي كأنها الجنة.
فلما رأى جانشاه تلك الجزيرة أعجبته وقال للماليك: من فيكم يطلع هذه الجزيرة وينظر لنا خبرها فقال مملوك منهم: أنا أطلع وأكشف لكم عن خبرها وأرجع إليكم فقال جانشاه: هذا أمر لايكون وإنما تطلعون أنتم الثلاثة وتكشفون خبر هذه الجزيرة وأنا قاعد لكم في المركب حتى ترجعوا ثم إن جانشاه أنزل الثلاثة مماليك ليكشفوا عن خبر هذه الجزيرة فطلع الثلاثة إلى

هانى رفعت
04-30-2010, 03:58 AM
وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المماليك الثلاثة لما طلعوا إلى الجزيرة داروا فيها شرقاً وغرباً فلم يجدوا فيها أحداً ثم مشوا فيها إلى وسطها فرأوا على بعد قلعة من الرخام الأبيض وبيوتها من البلور الصافي وفي وسط تلك القلعة بستان فيه جميع الفواكه اليابسة والرطبة ما يكل عنه الوصف وفيه جميع المشموم ورأوا في تلك القلعة أشجاراً وأثماراً وأطياراً تناغي على تلك الأشجار وفيها بحيرة عظيمة وبجانب البحيرة إيوان عظيم وعلى ذلك الإيوان كراسي منصوبة وفي وسط تلك الكراسي تخت منصوب من الذهب الأحمر مرصع بأنواع الجواهر واليواقيت.
فلما رأى المماليك حسن تلك القلعة وذلك البستان داروا في تلك القلعة يميناً وشمالاً فما رأوا فيها أحداً ثم طلعوا من القلعة ورجعوا إلى جانشاه وأعلموه بما رأوه فلما سمع جانشاه ابن الملك منهم هذا الخبر قال: إنه لابد لي من أن أتفرج في هذه القلعة ثم إن جانشاه طلع من المركب وطلعت معه المماليك وساروا حتى أتوا القلعة ودخلوا فيها فتعجب جانشاه من حسن ذلك المكان ثم داروا يتفرجون في البستان ويأكلون من تلك الفواكه ولم يزالوا دائرين إلى وقت المساء ولما أمسى عليهم المساء أتوا إلى الكراسي المنصوبة وجلس جانشاه على التخت المنصوب في الوسط وصارت الكراسي منصوبة عن يمينه وشماله ثم إن جانشاه لما جلس على ذلك التخت صار يتفكر ويبكي على فراق تخت والده وعلى فراق بلده وأهله وأقاربه وبكت حوله الثلاثة مماليك.
فبينما هم في ذلك الأمر إذا بصيحة عظيمة من جانب البحر فالتفتوا إلى تلك الصيحة فإذا هم قردة كالجراد المنتشر وكانت تلك القلعة والجزيرة للقردة ثم إن هؤلاء القردة لما رأوا المركب الذي أتى فيه جانشاه خسفوه على شاطئ البحر وأتوا إلى جانشاه وهو جالس في القلعة قالت ملكة الحيات كل هذا يا حاسب مما يحكيه الشاب الجالس بين القبرين لبلوقيا.
فقال لها حاسب: وما فعل جانشاه مع القردة بعد ذلك قالت له ملكة الحيات: لما طلع جانشاه جلس على التخت والمماليك عن يمينه وشماله أقبل عليهم القردة فأفزعوهم وأخافوهم خوفاً عظيماً ثم دخلت جماعة من القردة وتقدموا إلى أن قربوا من التخت الجالس عليه جانشاه وقبلوا الأرض بين يديه ووضعوا أيديهم على صدورهم ووقفوا قدامه ساعة وبعد ذلك أقبلت جماعة منهم ومعهم غزلان فذبحوها وأتوا بها إلى القلعة وسلخوها وقطعوا لحمها وشووها حتى طابت للأكل وحطوها في صيوان من الذهب والفضة ومدوا السماط وأشاروا إلى جانشاه وجماعته أن يأكلوا فنزل جانشاه من فوق التخت وأكل وأكلت معه القرود والمماليك حتى اكتفوا من الأكل ثم إن القرود رفعوا سماط الطعام وأتوا بفاكهة فأكلوا منها وحمدوا الله تعالى ثم إن جانشاه أشار إلى أكابر القرود بالإشارة وقال لهم: ماشأنكم ولمن هذا المكان فقال القردة بالإشارة اعلم أن هذا المكان كان لسيدنا سليمان بن داود عليهما السلام وكان يأتي إليه في كل سنة مرة يتفرج فيه ويروح من عندنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:58 AM
وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه أخبرته القرود عن القلعة وقالوا له أن هذا المكان لسيدنا سليمان بن داود وكان يأتي إليه في كل سنة مرة يتفرج ويروح من عندنا ثم قالت له القرود: اعلم أيها الملك أنك بقيت علينا سلطاناً ونحن في خدمتك وكل واشرب وكل ما أمرتنا به نفعله ثم قام القرود وقبلوا الأرض بين يديه وانصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله ونام جانشاه فوق التخت ونام المماليك حوله على الكراسي إلى وقت الصبح ثم دخل عليه الأربعة وزراء الرؤساء على القرود وعساكرهم حتى امتلأ ذلك المكان وصاروا حوله صفاً بعد صف وأتت الوزراء واشاروا إلى جانشاه أن يحكم بينهم بالصواب ثم صاح القرود على بعضهم وانصرفوا وبقي منهم جانب قدام الملك جانشاه من أجل الخدمة ثم أقبل قردة وهم معهم كلاب في صورة الخيل وفي راس كل كلب منهم سلسلة فتعجب جانشاه من هؤلاء الكلاب ومن عظم خلقتها ثم إن وزراء القرود أشاروا لجانشاه أن يركب ويسير معهم فركب جانشاه والثلاثة المماليك وركب معهم عسكر القرود وصاروا مثل الجراد المنتشر بعضهم راكب وبعضهم ماش فتعجب من أمورهم ولم يزالوا سائرين إلى شاطئ البحر. فلما رأى جانشاه المركب الذي كان راكباً فيه قد خسف التفت إلى وزرائه من القرود وقال لهم: أين المركب الذي كان هنا فقالوا له: اعلم أيها الملك أنكم لما أتيتم إلى جزيرتنا علمنا بأنك تكون سلطاناً علينا وخفنا أن تهربوا منا إذا أتينا عندكم وتنزلوا المركب فمن أجل ذلك خسفناه.
فلما سمع جانشاه هذا الكلام التفت إلى المماليك وقال لهم: ما بقي لنا حيلة في الرواح من عند هؤلاء القرود ولكن نصبر لما قدر الله تعالى ثم ساروا ومازالوا سائرين حتى وصلوا إلى شاطئ نهر وفي جانب ذلك النهر جبل عال فنظر جانشاه إلى ذلك الجبل فرأى غيلاناً كثيرة فالتفت إلى
القرود وقال لهم: ما شأن هؤلاء الغيلان فقال له القرود: اعلم أيها الملك أن هؤلاء الغيلان أعداءنا ونحن أتينا لنقاتلهم فتعجب جانشاه من هؤلاء الغيلان ومن عظم خلقتهم وهم راكبون على الخيل ورؤوس بعضهم على صورة رؤوس البقر وبعضهم على صورة الجمال.
فلما رأى الغيلان عسكر القرود هجموا عليهم ووقفوا على شاطئ النهر وصاروا يرجمونهم بشي من الحجارة في صورة العواميد وحصل بينهم حرب عظيم فلما رأى جانشاه الغيلان غلبوا لاقرود زعق على المماليك وقال لهم: اطلعوا القسي والنشاب وارموا عليهم بالنبال حتى تقتلوهم وتردوهم عنا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:59 AM
وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه قال لمماليكه: ارموا الغيلان بالنبال وردوهم عنا ففعل المماليك ما أمرهم به جانشاه حتى حصل للغيلان كرب عظيم وقتل منهم خلق كثير وانهزموا وولوا هاربين.
فلما رأى القرود من جانشاه هذا الأمر نزلوا في النهر وعبروه وجانشاه معهم وطردوا الغيلان حتى غابوا عن أعينهم وانهزموا وقتل منهم كثير ولم يزل جانشاه والقرود سائرين حتى وصلوا إلى جبل عال فنظر جانشاه إلى ذلك الجبل فوجد فيه لوحاً من المرمر مكتوباً فيه: اعلم يا من دخل هذه الأرض إنك تصير سلطاناً على هؤلاء القرود وما يتأتى لك رواحاً من عندهم إلا إن رحت من الدرب الشرقي بناحية الجبل وطوله ثلاثة أشهر وأنت سائر بين الوحوش والغيلان والمردة والعفاريت وبعد ذلك تنتهي إلى البحر المحيط بالدنيا أو رحت من الدرب الغربي وطوله أربعة أشهر وفي رأسه وادي النمل حتى تنتهي إلى جبل عال وذلك الجبل يتوقد مثل النار ومسيرة عشرة أيام فلما رأى جانشاه ذلك اللوح. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 03:59 AM
وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه لما رأى ذلك اللوح قرأه ورأى فيه ما ذكرناه ورأى في آخر الكلام ثم تنتهي إلى نهر عظيم وهو يجري وجريانه يخطف البصر من شدة عزمه وذلك النهر في كل يوم سبت ييبس وبجانبه مدينة أهلها كلهم يهود ولد بن محمد جحود ما فيهم مسلم وما في هذه الأرض إلا هذه المدينة وما دمت مقيم عند القرود هم منصورون على الغيلان
واعلم أن هذا اللوح كتبه السيد سليمان بن داود عليه السلام.
فلما قرأه جانشاه بكى بكاء شديداً ثم التفت إلى مماليكه وأعلمهم بما هو مكتوب على اللوح وبعد ذلك ركب وركب حوله عساكر القرود وصاروا فرحانين بالنصر على أعدائهم ورجعوا إلى قلعتهم ومكث جانشاه في القلعة سلطاناً على القرود سنة ونصف ثم بعد ذلك أمر جانشاه عساكر القرود أن يركبوا للصيد والقنص فركبوا وركب معهم جانشاه ومماليكه وساروا في البراري والقفار ولم يزالوا سائرين من مكان إلى مكان حتى عرف وادي النمل ورأى الإمارة المكتوبة في اللوح المرمر.
فلما رأى ذلك أمرهم أن ينزلوا في ذلك المكان فنزلوا ونزلت عساكر القرود ومكثوا في أكل وشرب مدة عشرة أيام ثم اختلى جانشاه بمماليكه لية من الليالي وقال لهم: إني أريد أن نهرب ونروح إلى وادي النمل ونسير إلى مدينة اليهود لعل الله ينجينا من هؤلاء القرود ونروح إلى حال سبيلنا فقالوا له سمعاً وطاعة. ثم إنه صبر حتى مضى من الليل شيء قليل وقام وقامت معه المماليك وتسلحوا بأسلحتهم وحزموا أوساطهم بالسيوف والخناجر وما أشبه ذلك من آلات الحرب وخرج جانشاه هو ومماليكه وساروا من أول الليل إلى وقت الصبح.
فلما انتبه القرود من نومهم لم يروا جانشاه ولا مماليكه فعلموا أنهم هربوا منهم فقالمت جماعة من القرود وركبوا وساروا ناحية الدرب الشرقي وجماعة ركبوا وساروا إلى وادي النمل. فبينما القرود سائرين إذ نظروا جانشاه والمماليك معه وهم مقبلون على وادي النمل فلما رأوهم أسرعوا وراءهم فلما نظرهم جانشاه هرب وهربت معه المماليك ودخلوا وادي النمل فما مضت ساعة من الزمان إلا والقرود قد هجمت عليهم وأرادوا أن يقتلوا جانشاه هو ومماليكه وإذا هم بنمل قد خرج من تحت الأرض مثل الجراد المنتشر كل نملة منه قدر الكلب.
فلما رأى النمل القرود هجم عليهم وأكل منهم جماعة وقتل من النمل جماعة كثيرة ولكن حصل النصر للنمل وصارت النملة تأتي إلى القرد وتضربه فتقسمه نصفين وصار العشرة قرود يركبون النملة الواحدة ويمسكونها ويقسمونها نصفين ووقع بينهم حرب عظيم إلى وقت المساء. ولما أمسى الوقت هرب جانشاه هو والمماليك في بطن الوادي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:00 AM
وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أقبل المساء هرب جانشاه هو ومماليكه في بطن الوادي إلى الصباح فلما أصبح الصباح أقبل القرود على جانشاه فلما رآهم زعق على مماليكه وقال لهم: اضربوهم بالسيوف فسحب المماليك سيوفهم وجعلوا يضربون القرود يميناً وشمالاً. فتقدم قرد عظيم له أنياب مثل أنياب الفيل وأتى إلى واحد من المماليك وضربه فقسمه نصفين وتكاثرت القرود على جانشاه فهرب إلى أسفل الوادي ورأى هناك نهراً عظيماً وبجانبه نمل عظيم. فلما رأى النمل جانشاه مقبلاً عليه احتاط به وإذا بمملوك ضرب نملة بالسيف فقسمها نصفين. فلما رأت عساكر النمل ذلك تكاثروا على المملوك وقتلوه فبينما هم في هذا الأمر إذا بالقرود قد أقبلوا فلما رأى جانشاه اندفاعهم عليه نزع ثيابه ونزل في النهر ونزل معه المملوك الذي بقي وعاما في الماء إلى وسط النهر ثم إن جانشاه رأى شجرة على شاطئ النهر من الجهة الأخرى فمد يده إلى غصن من أغصانها وتناوله وتعلق به وطلع إلى البر وأما المملوك فإنه غلب عليه التيار فأخذه وقطعه في الجبل وصار جانشاه واقفاً وحده في البر يعصر ثيابه وينشفها في الشمس ووقع بين القرود والنمل قتال عظيم ثم رجع القرود إلى بلادهم. هذا ما كان من أمر القرود والنمل.
وأما ما كان من أمر جانشاه فإنه صار يبكي إلى وقت المساء ثم دخل مغارة واستكن فيها وقد خاف خوفاً شديداً واستوحش لفقد مماليكه ثم سار ولم يزل سائراً ليالي وأياماً وهو يأكل من الأعشاب حتى وصل إلى الجبل الذي يتوقد مثل النار. فلما أتى إليه سار فيه حتى وصل إلى النهر الذي ينشف كل يوم سبت فلما وصل إليه رآه نهراً عظيماً وبجانبه مدينة عظيمة وهي مدينة اليهود التي رآها مكتوبة في اللوح فأقام هناك إلى أن أتى يوم السبت ونشف النهر ثم مشى من النهر حتى وصل إلى مدينة اليهود فلم ير فيها أحداً فمشى فيها حتى وصل إلى باب بيت ففتحه ودخله فرأى أهله ساكتين لا يتكلمون أبداً فقال لهم: إني رجل غريب جائع فقالوا له بإشارة: كل واشرب ولا تتكلم فقعد عندهم وأكل وشرب ونام تلك الليلة فلما أصبح الصباح سلم عليه صاحب البيت ورحب به وقال له: من أين أنت وإلى أين رائح فلما سمع جانشاه كلام ذلك اليهودي بكى بكاء شديداً وحكى له قصته وأخبره بمدينة أبيه فتعجب اليهودي من ذلك وقال له: ما سمعنا بهذه المدينة قط غير أننا كنا نسمع من قوافل التجار أن هناك بلاداً تسمى بلاد اليمن فقال جانشاه لليهودي: هذه البلاد التي تخبر بها التجار كم تبعد عن هذا المكان فقال له اليهودي: إن تجار تلك القوافل يزعمون أن مدة سفرهم من بلادهم إلى هنا سنتان وثلاثة أشهر فقال جانشاه لليهودي: ومتى تأتي القافلة فقال له: تأتي في السنة القابلة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:01 AM
وفي الليلة السابعة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه لما سأل اليهودي عن مجيء القافلة قال له: تأتي في السنة القابلة فلما سمع جانشاه كلامه بكى بكاء شديداً وحزن على نفسه وعلى مماليكه وعلى فراق أمه وأبيه وعلى ما جرى له في سفره فقال له اليهودي: لا تبك يا شاب واقعد عندنا حتى تأتي القافلة ونحن نرسلك معها إلى بلادك.
فلما سمع جانشاه ذلك الكلام قعد عند اليهودي مدة شهرين وصار في كل يوم يخرج إلى أزقة المدينة ويتفرج فيها فاتفق أنه خرج على عادته يوماً من الأيام ودار في شوارع المدينة يميناً وشمالاً فسمع رجلاً ينادي ويقول: من يأخذ ألف دينار وجارية حسناء بديعة الحسن والجمال ويعمل لي شغلاً من وقت الصباح إلى الظهر فلم يجبه أحد فلما سمع جانشاه كلام المنادي قال في نفسه: لولا أن هذا الشغل خطر ما كان صاحبه يعطي ألف دينار وجارية حسناء في شغل من الصبح إلى الظهر ثم إن جانشاه تمشى إلى المنادي وقال له: أنا أعمل هذا الشغل.
فلما سمع المنادي من جانشاه هذا الكلام أخذه وأتى به إلى بيت التاجر فدخل هو وجانشاه هذا البيت فوجده بيتاً عظيماً ووجد هناك رجلاً يهودياً آخراً جالساً على كرسي من الأبنوس فوقف المنادي قدامه وقال له: أيها التاجر إن لي ثلاثة شهور وأنا أنادي في المدينة فلم يجبني أحد إلا هذا الشاب. فلما سمع التاجر كلام المنادي رحب بجانشاه وأخذه ودخل به إلى مكان نفيس وأشار إلى عبيده أن يأتوا له بالطعام فمدوا له السماط وأتوا بأنواع الأطعمة فأكل التاجر وجانشاه وغسلا أيديهما وأتوا بالمشروب فشربا ثم إن التاجر قام وأتى لجانشاه بكيس فيه ألف دينار وأتى له بجارية بديعة الحسن والجمال وقال له: خذ هذه الجارية وهذا المال في الشغل الذي تعمله فأخذ جانشاه الجارية والمال وأجلس الجارية بجانبه وقال له التاجر: في غد اعمل لنا الشغل ثم ذهب التاجر من عنده ونام جانشاه هو والجارية في تلك الليلة.
ولما أصبح الصباح راح إلى الحمام فأمر التاجر عبيده أن يأتوا له ببدلة من الحرير فأتوا له ببدلة نفيسة من الحرير وصبروا حتى خرج من الحمام وألبسوه البدلة وأتوا به إلى البيت فأمر التاجر عبيده أن يأتوا بالجنك والعود والمشروب فأتوا إليهما بذلك فشربا ولعبا وضحكا إلى أن مضى
من الليل نصفه وبعد ذلك ذهب التاجر إلى حريمه ونام جانشاه مع الجارية إلى وقت الصباح ثم راح إلى الحمام.
فلما رجع من الحمام جاء إليه التاجر وقال: إني أريد أن تعمل لنا الشغل فقال جانشاه: سمعاً وطاعة فأمر التاجر عبيده أن يأتوا ببغلتين فأتوا ببغلتين فركب بغلة وأمر جانشاه أن يركب البغلة الثانية فركبها ثم إن جانشاه والتاجر سارا من وقت الصباح إلى وقت الظهر حتى وصلا إلى جبل عال ما له حد في العلو فنزل التاجر من فوق ظهر البغلة وأمر جانشاه أن ينزل فنزل جانشاه ثم إن التاجر ناول جانشاه سكيناً وحبلاً وقال له: أريد منك أن تذبح هذه البغلة فشمر جانشاه ثيابه وأتى إلى البغلة ووضع الحبل في أربعتها ورماها على الأرض وأخذ السكين وذبحها وسلخها وقطع أربعتها ورأسها وصارت كوم لحم فقال له التاجر: أمرتك أن تشق بطنها وتدخل فيه وأخيط عليك وتقعد هناك ساعة من الزمان ومهما تراه في بطنها فأخبرني به فشق جانشاه بطن البغلة ودخله وخيطها عليه التاجر ثم تركه وبعد عنه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر لما خيط بطن البغلة على جانشاه وتركه وبعد عنه واستخفى في ذيل الجبل بعد ساعة نزل على البغلة طائر عظيم فاختطفها وطار ثم حطها على أعلى الجبل وأراد أن يأكلها فأحس جانشاه بالطائر فشق بطن البغلة وخرج منها فجفل الطائر لما رأى جانشاه وطار وراح إلى حال سبيله فقام جانشاه على قدميه وصار ينظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً إلا رجالاً يابسة من الشمس فلما رأى ذلك قال في نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم إنه نظر إلى أسفل الجبل فرأى التاجر واقفاً تحت الجبل ينظر إلى جانشاه فلما رآه قال له: ارم لي من الحجارة نحو مائتي حجر وكانت الحجارة من الياقوت والزبرجد والجواهر الثمينة.
ثم إن جانشاه قال للتاجر: دلني على الطريق وأنا أرمي لك مرة أخرى فلم التاجر تلك الحجارة وحملها على البغلة التي كان راكبها وسار ولم يرد له جواباً وبقي جانشاه فوق الجبل وحده فصار يستغيث ويبكي ثم مكث فوق الجبل ثلاثة أيام فقام وسار في عرض الجبل مدة شهرين وهو يأكل من أعشاب الجبل وما زال سائراً حتى وصل في سيره إلى طرف الجبل فلما وصل إلى الجبل رأى وادياً على بعد وفيه أشجار وأثمار وأطيار تسبح الله الواحد القهار فلما أرى
جانشاه ذلك الوادي فرح فرحاً شديداً فقصده ولم يزل ماشياً ساعة من الزمان حتى وصل إلى شرم في الجبل ينزل منه السيل فنزل منه وسار حتى وصل إلى الوادي الذي رآه وهو على الجبل فنزل الوادي وصار يتفرج فيه يميناً وشمالاً وما زال يمشي ويتفرج حتى وصل إلى قصر عال شاهق في الهواء فتقرب جانشاه من ذلك القصر حتى وصل إلى بابه فرأى شيخاً مليح الهيئة يلمع وجهه وبيده عكاز من الياقوت وهو واقف على باب القصر فتمشى جانشاه حتى قرب منه وسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وقال له: اجلس يا ولدي فجلس جانشاه على باب ذلك القصر ثم إن الشيخ سأله وقال له: من أين أتيت إلى هذه الأرض وابن آدم ما داسها قط وإلى أين رائح فلما سمع جانشاه كلام الشيخ بكى بكاء شديداً من كثرة ما قاساه وخنقه البكاء فقال له الشيخ: يا ولدي اترك البكاء فقد أوجعت قلبي ثم قام الشيخ وأتى له بشيء من الأكل وحطه قدامه وقال له: كل من هذا فأكل جانشاه حتى اكتفى وحمد الله تعالى ثم إن الشيخ بعد ذلك سأل جانشاه وقال له: يا ولدي أريد منك أن تحكي لي حكايتك وتخبرني بما جرى لك فحكى له حكايته وأخبره بجميع ما جرى له من أول الأمر إلى أن وصل إليه فلما سمع كلامه تعجب منه عجباً شديداً فقال جانشاه للشيخ: أريد منك أن تخبرني بصاحب هذا الوادي ولمن هذا القصر العظيم فقال الشيخ لجانشاه: اعلم يا ولدي أن هذا الوادي وما فيه وذلك القصر وما حواه للسيد سليمان بن داود عليه السلام وأنا اسمي الشيخ نصر ملك الطيو واعلم أن السيد سليمان وكلني بهذا القصر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:02 AM
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد الأربعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ نصر ملك الطيور قال لجانشاه: واعلم أن السيد سليمان وكلني بهذا القصر وعلمني منطق الطير وجعلني حاكماً على جميع الطيور الذين في الدنيا وفي كل سنة تأتي الطيور إلى هذا القصر تنظره وتروح وهذا سبب قعودي في هذا المكان.
فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر بكى بكاء شديداً وقال له: يا والدي كيف تكون حيلتي حتى أروح إلى بلادي فقال له الشيخ: اعلم يا ولدي أنك بالقرب من جبل قاف وليس لك
رواح من هذا المكان إلا أذا أتت الطيور وأوصي عليك واحداً منها فيوصلك إلى بلادك فاقعد عندي في هذا المكان وكل واشرب وتفرج في هذه المقاصير حتى تأتي الطيور فقعد جانشاه عند الشيخ نصر وصار يدور في الوادي ويأكل من تلك الفواكه ويتفرج ويضحك ويلعب ولم يزل مقيماً في ألذ عيش مدة منالزمان حتى قرب مجيء الطيور قام على قدميه وقال لجانشاه يا جانشاه خذ هذه المفاتيح وافتح المقاصير التي في هذا القصر وتفرج على ما فيها إلا المقصورة الفلانية فاحذر أن تفتحها ومتى خالفتني وفتحتها ودخلتها لا يحصل لك خير أبداً ووصى جانشاه بهذه الوصية وأكد عليه فيها وسار من عنده لملاقاة الطيور فلما نظرت الطيور الشيخ نصر أقبلت عليه وقبلت يديه جنساً بعد جنس. هذا ما كان من أمر الشيخ نصر.
وأما ما كان من أمر جانشاه فإنه قام على قدميه وصار سائراً يتفرج على القصر يميناً وشمالاً وفتح جميع المقاصير التي في القصر حتى وصل إلى المقصورة التي حذره الشيخ نصر من فتحها فنظر إلى باب تلك المقصورة فأعجبه ورأى عليه قفلاً من الذهب فقال في نفسه: إن هذه المقصورة أحسن من جميع المقاصير التي في القصر يا ترى ما يكون في هذه المقصورة حتى منعني الشيخ نصر من الدخول فيها فلابد أن أدخل هذه المقصورة وأنظر الذي فيها وما كان مقدراً على العبد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:02 AM
وفي الليلة الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه قال: وما كان مقدراً على العبد لابد أن يستوفيه ثم مد يده وفتح المقصورة ودخلها فرأى فيها بحيرة عظيمة وبجانب البحيرة قصر صغير وهو مبني من الذهب والفضة والبلور وشبابيكه من الياقوت ورخامه من الزبرجد الأخضر والبلخش والزمرد واجلواهر مرصعة في الأرض على هيئة الرخام وفي وسط ذلك القصر فسقية من الذهب ملآنة بالماء وحول تلك الفسقية وحوش وطيور متنوعة من الذهب والفضة يخرج من بطونها الماء وإذا هب النسيم يدخل في آذانها فتصفر كل صورة بلغتها وبجانب الفسقية ليوان عظيم وعليه تخت عظيم من الياقوت مرصع بالدر والجواهر وعلى ذلك التخت خيمة منصوبة من الحرير الأخضر مزركشة بالفصوص والمعادن الفاخرة ومقدار سعتها خمسون ذراعاً وداخل تلك الخيمة مخدع فيه البساط الذي كان للسيد سليمان عليه السلام.
ورأى جانشاه حول ذلك القصر بستاناً عظيماً وفيه أشجار وأثمار وأنهار وفي دائرة القصر مزارع من الورد والريحان والنسرين ومن كل مشموم وإذا هبت الرياح على الأشجار تمايلت تلك الأغصان ورأى جانشاه في ذلك البستان من جميع الأشجار رطباً ويابساً وكل ذلك في تلك المقصورة. فلما رأى جانشاه هذا الأمر تعجب منه غاية العجب وصار يتفرج في ذلك البستان وفي ذلك القصر على ما فيهما من العجائب والغرائب ونظر إلى البحيرة فرأى حصاها وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:03 AM
وفي الليلة الواحدة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه رأى في تلك المقصورة شيئاً كثيراً فتعجب منه ثم تمشى حتى دخل القصر الذي في تلك المقصورة وطلع على التخت المنصوب على الليوان بجانب الفسقية ودخل الخيمة المنصوبة فوقه ونام في تلك الخيمة مدة من الزمان ثم أفاق وقام يتمشى حتى خرج من باب القصر وجلس على كرسي قدام باب القصر وهو يتعجب من حسن ذلك المكان فبينما هو جالس إذ أقبل عليه من الجو ثلاثة طيور في صفة الحمام ثم إن الطيور حطوا بجانب البحيرة ولعبوا ساعة وبعد ذلك نزعوا ما عليهم من الريش فصاروا ثلاث بنات كأنهن الأقمار ليس لهن في الدنيا شبيه ثم نزلن البحيرة وسبحن فيها ولعبن وضحكن.
فلما رآهن جانشاه تعجب من حسنهن وجمالهن واعتدال قدودهن ثم طلعن إلى البر ودرن يتفرجن في البستان فلما رآهن جانشاه طلعن إلى البر كاد عقله أن يذهب وقام على قدميه وتمشى حتى وصل إليهن فلما قرب منهن سلم عليهن فرددن عليه السلام ثم إنه سألهن وقال لهن: من أنتن أيتها السيدات الفاخرات ومن أين أقبلتن فقالت له الصغيرة: نحن أتينا من ملكوت الله تعالى لنتفرج في هذا المكان فتعجب من حسنهن ثم قال للصغيرة: ارحميني وتعطفي علي وارثي لحالي وما جرى لي في عمري فقالت له: دع عنك هذا الكلام واذهب إلى حال سبيلك فلما سمع الكلام بكى بكاء شديداً واشتدت به الزفرات وأنشد هذه الأبيات: بدت لي فـي الـبـسـتـان بـالـحـلـل الأخـضـرمـفـكـكة الأزرار مـــحـــلـــولة الـــشـــعـــر فـقـلـت لـهـا مـا الاسـم قـالـت أنـــا الـــتـــيكـويت قـلـوب الـعـاشـقـين عـلـى الـجــمـــر شـكـوت إلـيهـا مـا ألاقـــي مـــن الـــهـــوىفـقـالـت إلـى صـخـر شـكـــوت ولـــم تـــدر فـقـلـت لـهـا إن كــان قـــلـــبـــك صـــخـــرفـقـد أنـبـع الـلـه الـزلال مــن الـــصـــخـــر
فلما سمع البنات هذا الشعر من جانشاه ضحكن ولعبن وغنين وطربن ثم إن جانشاه أتى إليهن بشيء من الفواكه فأكلن وشربن ونمن مع جانشاه تلك الليلة إلى الصباح فلما أصبح الصباح لبست البنات ثيابهن الريش وصرن هيئة الحمام وطرن ذاهبات إلى حال سبيلهن فلما رآهن جانشاه طائرات وقد غبن عن عيونه كاد عقله أن يطير معهن وزعق زعقة عظيمة ووقع مغشياً عليه ومكث في غشيته طوال ذلك اليوم.
فبينما هو طريح على الأرض وإذا بالشيخ نصر قد أتى من ملاقاة الطيور وفتش على جانشاه ليرسله مع الطيور ويروح إلى بلاده فلم يره فعلم الشيخ نصر أنه دخل المقصورة وقد كان الشيخ نصر قد قال للطيور: إن عندي ولداً صغيراً جاءت به المقادير من بلاد بعيدة إلى هذه الأرض وأريد منكم أن تحملوه وتوصلوه إلى بلاده فقالوا له: سمعاً وطاعة ولم يزل الشيخ نصر يفتش على جانشاه حتى أتى إلى باب المقصورة التي نهاه عن فتحها فوجده مفتوحاً فدخل فرأى جانشاه مرمياً تحت شجرة وهو مغشي عليه فأتاه بشيء من المياه العطرية ورشه على وجهه فأفاق من غشيته وصار يلتفت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:04 AM
وفي الليلة الثانية بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ نصر لما رأى جانشاه مرمياً تحت شجرة أتاه بشيء من المياه العطرية ورشه على وجهه فأفاق من غشيته وصار يلتفت يميناً وشمالاً فلم ير عنده أحداً سوى الشيخ نصر فزادت به الحسرة وأنشد هذه الأبيات: فـبـدت كـبـدر الـتـم فـــي لـــيلة الـــســـعـــدمـنـعــمة الأطـــراف مـــمـــشـــوقة الـــقـــد لـهـا مـقـلة تـسـبـي الـعـقـول بـســحـــرهـــاوثـغـر حـكـى الـياقـوت فـي حـمـرة الـــورد تـحـدر فـوق الـــردف أســـود شـــعـــرهـــافـإياك إياك الـــحـــبـــاب مـــن الـــســـعـــد وتـرسـل سـهـم الـلـحـظ مـن قـوس حـاجـبيصـيب ولـم يخـطـئ ولـو كـان مـن بـــعـــد فـيا حـســـنـــهـــا قـــد فـــاق كـــل مـــلاحةولـــيس لـــهـــا بـــين الـــبـــرية مـــن نـــد فلما سمع الشيخ نصر من جانشاه هذه الأشعار قال له: يا ولدي أما قلت لك لا تفتح هذه المقصورة ولا تدخلها ولكن أخبني يا ولدي بما رأيت فيها واحك لي حكايتك وعرفني ما جرى لك فحكى له جانشاه حكايته وأخبره بما جرى له مع الثلاث بنات وهو جالس فلما
سمع الشيخ نصر كلامه قال له: يا ولدي إن هذه البنات من بنات الجان وفي كل سنة يأتين إلى هذا المكان فيلعبن وينشرحن إلى وقت العصر ثم يذهبن إلى بلادهن فقال له جانشاه: وأين بلادهن فقال له الشيخ نصر: والله يا ولدي ما أعلم أين بلادهن.
ثم إن الشيخ نصر قال له: قم معي وقو نفسك حتى أرسلك إلى بلادك مع الطيور وخل عنك هذا العشق فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه ولما أفاق قال له: يا والدي أنا لا أريد الرواح إلى بلادي حتى أجتمع بهؤلاء البنات واعلم يا والدي أني ما بقيت أذكر أهلي ولو أموت بين يديك ثم بكى وقال: أنا رضيت بأن أنظر وجه من عشقتها ولو في السنة مرة واحدة ثم صعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات: لـيت الـخـيال عـلـى الأحـبـاب مـا طـــرقـــاولـيت هـذا الـهـوى لـلـنـاس مــا خـــلـــقـــا أصـبـر الـقـلـــب فـــي يومـــي ولـــيلـــتـــهوصـار جـسـمـي بـنـار الـحـب مـحـتـــرقـــا وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:05 AM
وفي الليلة الثالثة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه لما فرغ من شعره وقع على رجلي الشيخ نصر وقبلهما وبكى بكاء شديداً وقال له: ارحمني يرحمك الله وأعينني على بلوتي يعينك الله فقال له الشيخ نصر: يا ولدي والله لا أعرف هؤلاء البنات ولا أدري أين بلادهن ولكن يا ولدي حيث تولعت بإحداهن فاقعد عندي إلى مثل هذا العام لأنهن يأتين في السنة القابلة في مثل هذا اليوم فإذا قربت الأيام التي يأتين فيها فكن في البستان تحت شجرة حين ينزلن البحيرة ويسبحن فيها ويلعبن ويبعدن عن ثيابهن فخذ ثياب التي تريدها منهن فإذا نظرتك يطلعن على البر ليلبسن ثيابهن وتقول لك التي أخذت ثيابها بعذوبة كلام وحسن ابتسام: أعطني ثيابي يا أخي حتى ألبسها وأستتر بها ومتى قبلت كلامها وأعطيتها ثيابها فإنك لا تبلغ مرادك منها أبداً بل تلبس ثيابها وتروح إلى أهلها ولا تنظرها بعد ذلك أبداً فإذا ظفرت بثيابها فاحفظها تحت إبطك ولا تعطها إياها حتى أرجع من ملاقاة الطيور وأوفق بينك وبينها وأرسلك إلى بلادك وهي معك
وفي الليلة الرابعة بعد الخمسمائة
أقدر عليه يا ولدي لاغير.
فلما سمع جانشاه كلام الشيخ نصر اطمأن قلبه وقعد عنده إلى ثاني عام وصار يعد الماضي من الأيام التي تأتي الطيور عقبها فلما جاء ميعاد مجيء الطيور أتى الشيخ نصر إلى جانشاه وقال له: اعمل بالوصية التي أوصيتك بها من أمر ثياب البنات فإنني ذاهب إلى ملاقاة الطيور فقال جانشاه: سمعاً وطاعة لأمرك يا والدي ثم ذهب الشيخ نصر إلى ملاقاة الطيور وبعد ذهابه قام جانشاه وتمشى حتى دخل البستان واختفى تحت شجرة بحيث لا يراه أحد وقعد أول يوم وثاني يوم وثالث يوم فلم يأتين إليه البنات فقلق وصار في بكاء وأنين ناشيء عن قلب حزين ولم يزل يبكي حتى أغمي عليه ثم بعد ساعة أفاق وجعل ينظر تارة إلى السماء وتارة ينظر إلى الأرض وتارة ينظر إلى البحيرة وتارة ينظر إلى البر وقلبه يرتجف من شدة العشق فبينما هو على هذه الحالة إذ أقبل عليه من الجو ثلاث طيور في صفة الحمام ولكن كل حمامة قدر النسر ثم إنهن نزلن بجانب البحيرة وتلفتن يميناً وشمالاً فلم يرين أحداً من الإنس ولا من الجن فنزعن ثيابهن ونزلن البحيرة وصرن يلعبن ويضحكن وينشرحن وهن كسبائك الفضة ثم إن الكبيرة منهن قالت لهن: أخشى يا أخواتي أن يكون أحداً مختفياً لنا في هذا القصر فقالت الوسطى منهن: يا أختي إن هذا القصر من عهد سليمان ما دخله إنس ولا جان فقالت الصغيرة منهن وهي تضحك: والله يا أخواتي إن كان أحد مختفياً في هذا المكان فإنه لا يأخذ إلا أنا ثم إنهن لعبن وضحكن وقلب جانشاه يرتجف من فرط الغرام وهو مختف تحت الشجرة ينظر وهن لا ينظرنه ثم إنهن سبحن في الماء حتى وصلن إلى وسط البحيرة وبعدن عن ثيابهن.
فقام جانشاه على قدميه وهو يجري كالبرق الخاطف وأخذ ثياب البنت الصغيرة وهي التي تعلق قلبه بها وكان اسمها شمسة فلما التفتت رأت جاناه فارتجفت قلوبهن واستترن منه بالماء وأتين إلى قرب البر ثم نظرن إلى وجه جانشاه فرأينه كأنه البدر في ليلة تمامه فقلن له: من أنت وكيف أتيت إلى هذا المكان وأخذت ثياب السيدة شمسة فقال لهن: تعالين عندي حتى أحكي لك حكايتي وأخبرك بما جرى لي وأعلمك بسبب معرفتي بك فقالت: يا سيدي وقرة عيني وثمرة فؤادي أعطني ثيابي حتى ألبسها وأستتر بها وأطلع عندك فقال لها جانشاه: يا سيدة الملاح ما يمكن أن أعطيك ثيابك وأقتل نفس من الغرام فلا أعطيك إلا إذا أتى الشيخ نصر ملك الطيور فلما سمعت السيدة شمسة كلام جانشاه قالت له: إن كنت لا تعطيني ثيابي
فتأخر عنا قليلاً حتى يطلع أخواتي إلى البر ويلبسن ثيابهن ويعطينني شيئاً أستتر به فقال جانشاه: سمعاً وطاعة.
ثم تمشى من عندهن إلى القصر ودخله فطلعت السيدة شمسة هي وأخواتها إلى البر ولبسن ثيابهن ثم إن أخت السيدة شمسة الكبيرة أعطتها ثياباً من ثيابهن لا يمكنها الطيران بها وألبستها إياها ثم قامت السيدة شمسة وهي كالبدر الطالع والغزال الرائع وتمشت حتى وصلت إلى جانشاه فرأته جالساً فوق التخت فسلمت عليه وجلست قريباً منه وقالت له: يا مليح الوجه أنت الذي قتلتني وقتلت نفسك ولكن أخبرنا بما جرى لك حتى ننظر ما خبرك.
فلما سمع جانشاه كلام السيدة شمسة بكى حتى بل ثيابه من دموعه فلما علمت أنه مغرم بحبها قامت على قدميها وأخذته من يده وأجلسته بجانبها ومسحت دموعه بكمها وقالت له: يا مليح الوجه دع عنك هذا البكاء واحك لي ما جرى لك فحكى لها ما جرى له وأخبرها بما رآه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:06 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة شمسة قالت لجانشاه: احك لي ما جرى لك فحكى لها جميع ما جرى له فلما سمعت السيدة شمسة منه هذا الكلام تنهدت وقالت له: يا سيدي إذا كنت مغرماً بي فأعطني ثيابي حتى ألبسها وأروح أنا وأخواتي إلى أهلي وأعلمهم بما جرى لك في محبتي ثم أرجع إليك وأحملك إلى بلادك. فلما سمع جانشاه منها هذا الكلام بكى بكاء شديداً وقال لها: أيحل لك من الله أن تقتليني ظلماً فقالت له: يا سيدي بأي سبب أقتلك ظلماً فقال لها: لأنك متى لبست ثيابك ورحت من عندي فإني أموت من وقتي فلما سمعت السيدة شمسة كلامه ضحكت وضحك أخواتها ثم قالت له: طب نفساً وقر عيناً فلابد أن أتزوج بك ومالت عليه وعانقته وضمته إلى صدرها وقبلت بين عينيه وفي خده وتعانقت هي وإياه ساعة من الزمان ثم افترقا وجلسا فوق ذلك التخت فقامت أختها الكبيرة وخرجت من القصر إلى البستان فأخذت شيئاً من الفواكه والمشموم وأتت به إليهم فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وضحكوا ولعبوا وكان جانشاه بديع الحسن والجمال رشيق القد والاعتدال. فقالت له السيدة شمسة: يا حبيبي والله أنا أحبك محبة عظيمة وما بقيت أفارقك أبداً فلما سمع جانشاه كلامها انشرح صدره وضحك سه واستمروا يضحكون ويلعبون فبينما هم في حظ وسرور إذا بالشيخ نصر قد أتى من ملاقاة الطيور. فلما أقبل عليهم نهض الجميع إليه قائمين على أقدامهم وسلموا عليه وقبلوا يديه فرحب بهم الشيخ نصر وقال لهم: اجلسوا فجلسوا ثم إن الشيخ نصر قال للسيدة شمسة: إن هذا الشاب يحبك محبة عظيمة فبالله عليك أن تتوصي به فإنه من أكابر الناس ومن أبناء الملوك وأبوه يحكم على بلاد كابل وقد حوى ملكاً عظيماً.
فلما سمعت السيدة شمسة كلام الشيخ نصر قالت له سمعاً وطاعة لأمرك ثم إنها قبلت يدي الشيخ نصر ووقفت قدامه فقال لها الشيخ نصر: إن كنت صادقة في قولك فاحلفي لي بالله أنك لا تخونينه مادمت على قيد الحياة فحلفت يميناً عظيماً أنها لا تخونه أبداً ولابد أن تتزوج به وبعد أن حلفت قالت: اعلم يا شيخ نصر أني لا أفارقه أبداً فلما حلفت السيدة شمسة للشيخ نصر صدق يمينها وقال لجانشاه: الحمد لله الذي وفق بينك وبينها ففرح جانشاه بذلك فرحاً شديداً ثم قعد جانشاه هو والسيدة شمسة عند الشيخ نصر مدة ثلاثة أشهر في أكل وشرب وعلب وضحك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:06 AM
وفي الليلة السادسة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه هو والسيدة شمسة قعدا عند الشيخ نصر ثلاثة أشهر في أكل وشرب ولعب وحظ عظيم وبعد ثلاثة أشهر قالت السيدة شمسة لجانشاه: إني أريد أن أروح إلى بلادك وتتزوج بي ونقيم فيها فقال لها سمعاً وطاعة ثم إن جانشاه شاور الشيخ نصر وقال له: إننا نريد أن نروح إلى بلادي وأخبره بما قالته السيدة شمسة فقال لهما الشيخ نصر: اذهبا إلى بلادك وتوصى بها فقال جانشاه سمعاً وطاعة ثم إنها طلبت ثوبها وقالت: يا شيخ نصر مره أن يعطيني ثوبي حتى ألبسه فقال له: يا جانشاه أعطها ثوبها فقال: سمعاً وطاعة ثم قام مسرعاً ودخل القصر وأتى بثوبها وأعطاه لها فأخذته منه ولبسته وقالت لجانشاه: اركب فوق ظهري وغمض عينيك وسكر أذنيك حتى لا تسمع دوي الفلك الدوار وأمسك في ثوبي الريش وأنت على ظهري بيدك واحترس على نفسك من الوقوع.
فلما سمع جانشاه كلامها ركب على ظهرها ولما أرادت الطيران قال لها الشيخ نصر: قفي حتى أصف لك بلاد كابل خوفاً عليكما أن تغلطا في الطريق فوقفت حتى وصف لها البلاد وأوصاها بجانشاه ثم ودعهما وودعت السيدة شمسة أختيها وقالت لهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.


وفي الليلة السابعة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شمسة قالت لأختيها: روحا إلى أهلكما وأعلماهم بما جرى لي مع جانشاه ثم إنها طارت من وقتها وساعتها وسارت في الجو مثل هبوب الريح والبرق اللامع وبعد ذلك طارت أختاها وذهبتا إلى أهليهما وأعلماهما بما جرى للسيدة شمسة مع جانشاه ومن حين طارت السيدة شمسة ولم تزل طائرة من وقت الضحى إلى وقت العصر وجانشاه راكب على ظهرها وفي وقت العصر لاح لهما على بعد واد ذو أشجار وأنهار فقالت لجانشاه: قصدي أن ننزل في هذا الوادي لنتفرج على ما فيه من الأشجار والنبات هذه الليلة فقال لها جانشاه: افعلي ما تريدين فنزلت من الجو وحطت في ذلك الوادي ونزل جانشاه من فوق ظهرها وقبلها بين عينيها ثم جلسا بجانب نهر ساعة من الزمان.
وبعد ذلك قاما على قدميهما وصارا دائرين في الوادي يتفرجان على ما فيه ويأكلان من تلك الأثمار ولم يزالا يتفرجان في الوادي إلى وقت المساء ثم أتيا إلى شجرة وناما عندها إلى الصباح ثم قامت السيدة شمسة وأمرت جانشاه أن يركب على ظهرها فقال جانشاه سمعاً وعطاعة ثم ركب جانشاه على ظهرها وطارت به من وقتها وساعتها ولم تزل طائرة من الصبح إلى وقت الظهر فبينما هما سائران إذ نظرا الإمارات التي أخبرهما الشيخ نصر فلما رأت السيدة شمسة تلك الإمارات نزلت من أعلى الجو إلى مرج فسيح ذي زرع مليح فيه غزلان رائعة وعيون نابعة وأثمار يانعة وأنهار واسعة فلما نزلت في ذلك المرج نزل جانشاه من فوق ظهرها وقبلها بين عينيها فقالت: يا حبيبي وقرة عيني أتدري ما المسافة التي سرناها قال لها: لا قالت: مسافة ثلاثين شهراً فقال لها جانشاه: الحمد لله على السلامة.
ثم جلس وجلست بجانبه وقعدا في أكل وشرب ولعب وضحك فبينما هما في هذا الأمر إذ أقبل عليهما مملوكان أحدهما الذي كان عند الخيل لما نزل جانشاه في مركب الصياد والثاني من المماليك الذين كانوا معه في الصيد والقنص فلما رأيا جانشاه عرفاه وسلما عليه وقالا له: عن إذنك نتوجه إلى والدك ونبشره بقدومك فقال لهما جانشاه: اذهبا إلى أبي وأعلماه بذلك وائتيا بالخيام ونحن نقعد في هذا المكان سبعة أيام لأجل الراحة حتى يجيء الموكب لملاقاتنا وندخل في موكب عظيم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:07 AM
وفي الليلة الثامنة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه قال للملوكين: اذهبا إلى أبي وأعلماه بي وائتيا بالخيام ونحن نقعد في هذا المكان سبعة أيام لأجل الراحة حتى يجيء الموكب لملاقاتنا وندخل في موكب عظيم فركب المملوكان خيلهما وذهبا إلى أبيه وقالا له البشارة يا ملك الزمان فلما سمع الملك طيغموس كلام المملوكين قال لهما: بأي شيء تبشراني هل قدم ابني جانشاه فقالا: نعم إن ابنك جانشاه أتى من غيبته وهو بالقرب منك في مرج الكراني. فلما سمع الملك كلام المملوكين فرح فرحاً شديداً ووقع مغشياً عليه من شدة الفرح فلما أفاق أمر وزيره أن يخلع على المملوكين كل واحد خلعة نفيسة ويعطي كل واحد منهما قدراً من المال فقال له الوزير: سمعاً وطاعة ثم قام من وقته وأعطى المملوكين ما أمره به الملك وقال لهما: خذا المال في نظير البشارة التي أتيتما بها هذه سواء كذبتما أو صدقتما فقال المملوكان: نحن ما نكذب وكنا في هذا الوقت قاعدين عنده وسلمنا عليه وقبلنا يديه وأمرنا أن نأتي له بالخيام وهو يقعد في مرج الكراني سبعة أيام حتى تذهب الأمراء والوزراء وأكابر الدولة لملاقاته ثم إن الملك قال لهما: كيف حال ولدي فقالا له: إن ولدك معه حورية كأنها خرجت من الجنة.
فلما سمع ذلك الكلام أمر بدق الكاسات والبوقات فدقت البشائر وأرسل الملك طيغموس المبشرين في جهات المدينة ليبشروا أم جانشاه ونساء الأمراء والوزراء وأكابرالدولة فانتشر المبشرون في المدينة وأعلموا أهلها بقدوم جانشاه ثم تجهز الملك طيغموس بالعساكر والجيوش إلى مرج الكراني فبينما جانشاه جالس والسيدة شمسة بجانبه وإذا بالعساكر أقبلت عليهما فقام جانشاه على قدميه وتمشى حتى قرب منهم فلما رأته العساكر عرفوه ونزلوا عن خيلهم وترجلوا إليه وسلموا عليه وقبلوا يديه وما زال جانشاه سائراً والعساكر قدامه واحداً بعد واحد حتى وصل إلى أبيه.
فلما نظر الملك طيغموس ولده رمى نفسه عن ظهر الفرس وحضنه وبكى بكاء شديداً ثم ركب وركب ابنه والعساكر عن يمينه وشماله وما زالوا سائرين حتى أتوا إلى جانب النهر فنزلت العساكر والجيوش ونصبوا الخيام والصواوين والبيارق ودقت الطبول وزمرت الزمور وضربت الكاسات وزعقت البوقات ثم إن الملك طيغموس أمر الفراشين أن يأتوا بخيمة من الحرير الأحمر وينصبوها للسيدة شمسة ففعلوا ما أمرهم به وقامت السيدة شمسة وقلعت ثوبها الريش وتمشت حتى وصلت إلى تلك الخيمة وجلست فيها فبينما هي جالسة وإذا بالملك طيغموس وابنه جانشاه بجانبه أقبلا عليها. فلما رأت السيدة شمسة الملك طيغموس قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يديه ثم جلس الملك وأخذ ولده جانشاه عن يمينه والسيدة شمسة عن شماله ورحب بالسيدة شمسة وسأل ابنه جانشاه وقال له: أخبرني بالذي وقع لك في هذه الغيبة فحكى له جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر فلما سمع الملك من ابنه هذا الكلام تعجب عجباً شديداً والتفت إلى السيدة شمسة وقال: الحمد لله الذي وفقك حتى جمعت بيني وبين ولدي إن هذا لهو الفضل العظيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طيغموس قال للسيدة شمسة: الحمد لله الذي وفقك حتى جمعت بيني وبين ولدي إن هذا لهو الفضل العظيم ولكن أريد منك أن تتمني علي ما تشتهينه حتى أفعله إكراماً لك فقالت له السيدة شمسة: تمنيت عليك عمارة قصر في وسط بستان والماء يجري من تحته فقال سمعاً وطاعة فبينما هما في الكلام وإذا بأم جانشاه أقبلت ومعها جميع نساء الأمراء والوزراء ونساء أكابر المدينة جميعاً فلما رآها جانشاه خرج من الخيمة وقابلها وتعانقا ساعة من الزمان ثم إن أمه من فرط الفرح أجرت دمع العين وأنشدت هذين البيتين: هـجـم الـــســـرور عـــلـــي حـــتـــى أنـــهمـن فـرط مـــا قـــد ســـرنـــي أبـــكـــانـــي يا عـين قـد صـار الـدمـع مــنـــك ســـجـــيةتـــبـــكـــين مـــن فـــرح ومـــن أحــــــزان ثم شكيا لبعضهما ما قاسياه من البعد وألم الشوق ثم انتقل والده إلى خيمته وانتقل جانشاه هو وأمه إلى خيمته وجلسا يتحدثان مع بعضهما فبينما هما جالسان إذ أقبلت المبشرون بقدوم السيدة شمسة وقالوا لأم جانشاه: إن السيدة شمسة أتت إليك وهي ماشية تريد أن تسلم عليك.
فلما سمعت أم جانشاه هذا الكلام قامت على قدميها وقابلتها وسلمت عليها وقعدتا ساعة من الزمان ثم قامت أم جانشاه مع السيدة شمسة وسارت هي وإياها ونساء الأمراء وأرباب الدولة وما زلن سائرات حتى صولن خيمة السيدة شمسة فدخلنها وجلسن فيها.
ثم إن الملك طيغموس أجزل العطايا وأكرم الرعايا وفرح بابنه فرحاً شديداً ومكثوا في ذلك المكان مدة عشرة أيام وهم في أكل وشرب وأهنأ عيش وبعد ذلك أمر الملك عساكره أن يرحلوا
ويتوجهوا إلى المدينة ثم ركب الملك وركبت حوله العساكر والجيوش وسارت الوزراء والحجاب عن يمينه وعن شماله وما زالوا سائرين حتى دخلوا المدينة.
وذهبت أم جانشاه هي والسيدة شمسة إلى منزلهم وتزينت المدينة بأحسن زينة ودنت البشائر والكاسات وذوقوا المدينة بالحلوى والحلل وفرشوا نفيس الديباج تحت سنابك الخيل وفرحت أرباب الدولة وأظهروا التحف وانبهر المتفرجون وأطعموا الفقراء والمساكين وعملوا فرحاً عظيماً مدة عشرة أيام وفرحت السيدة شمسة فرحاً شديداً لما رأت ذلك.
ثم إن الملك طيغموس أرسل إلى البنائين والمهندسين وأربا المعرفة وأمرهم أن يعملوا له قصراً في ذلك البستان فأجابوه بالسمع والطاعة وشرعوا في تجهيز ذلك القصر ثم إنهم أتموه على أحسن حال وحين علم جانشاه بصدور الأمر ببناء القصر أمر الصناع أن يأتوا بعمودين من الرخام الأبيض وأن ينقروه ويجوفوه ويجعلوه على صورة صندوق ففعلوا ما أمرهم ثم إن جانشاه أخذ ثوب السيدة شمسة الذي تطير به وحطه في ذلك العمود ودفنه على أساس القصر وأمر البنائين أن يبنوا فوقه القناطر التي عليها القصر ولما تم بناء القصر فرشوه وصار قصراً عظيماً في وسط ذلك البستان والأنهار تجري من تحته ثم إن الملك طيغموس بعد ذلك عمل عرس جانشاه في تلكا لمدة وصار فرحاً عظيماً لم ير له نظير وزفوا السيدة شمسة إلى عريسها وذهب كل واحد منهم إلى حال سبيله ولما دخلت السيدة شمسة في ذلك القصر شمت رائحة ثوبها الريش.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:08 AM
وفي الليلة العاشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة شمسة لما دخلت ذلك القصر شمت رائحة ثوبها الريش الذي تطير به وعرفت مكانه وأرادت أخذه فصبرت إلى نصف الليل حتى استغرق جانشاه في النوم ثم قامت وتوجهت إلى العامود الذي عليه القناطر وحفرت بجانبه حتى وصلت إلى العامود الذي فيه الثوب وأزالت الرصاص الذي كان مسبوكاً عليه وأخرجت منه الثوب ولبسته وطارت من وقتها وجلست على أعلى القصر وقالت لهم: أريد منكم أن تحضروا إلي جانشاه حتى أودعه فأخبروا جانشاه بذلك فذهب إليها فرآها فوق سطح القصر وهي لابسة ثوبها الريش فقال لها: كيف فعلت هذه الفعال فقالت له: يا حبيبي وقرة عيني وثمرة فؤادي والله إني أحبك محبة عظيمة وقد فرحت فرحاً شديداً حيث أوصلتك إلى أرضك وبلادك
ورأيت أمك وأباك فإن كنت تحبني كما أحبك فتعال عندي إلى قلعة جوهر تكني ثم طارت من وقتها وساعتها ومضت إلى أهلها.
فلما سمع جانشاه كلام السيدة شمسة وهي فوق سطح القصر كاد أن يموت من الجوع ووقع مغشياً عليه فمضوا إلى أبيه وأعلموه بذلك فركب أبوه وتوجه إلى القصر ودخل على ولده فرآه مطروحاً على الأرض فبكى الملك طيغموس وعلم أن ابنه مغرم بحب السيدة شمسة فرش على وجهه ماء ورد فأفاق فرأى أباه عند رأسه فبكى من فراق زوجته.
فقال له أبوه: ما الذي جرى لك يا ولدي فقال: اعلم يا أبي أن السيدة شمسة من بنات الجان وأنا أحبها ومغرم بها وقد عشقت جمالها وكان عندي ثوب لها وهي ما تقدر أن تطير بدونه وقد كنت أخذت ذلك الثوب وأخفيته في عامود على هيئة الصندوق وسكبت عليه الرصاص ووضعته على أساس القصر فحفرت ذلك الأساس وأخذته ولبسته وطارت ثم نزلت على القصر وقالت: إني أحبك وقد أوصلتك إلى بلادك واجتمعت بأبيك وأمك فإن كنت تحبني فتعال عندي في قلعة جوهر تكني ثم طارت من سطح القصر وراحت إلى حال سبيلها فقال الملك طيغموس: يا ولدي لا تحمل هماً فإننا نجمع أرباب التجارة والسواحين في البلاد ونستخبرهم عن تلك القلعة فإذا عرفناها نسير إليها ونذهب إلى أهل السيدة شمسة ونرجو من الله تعالى أن يعطوك إياها وتنزوج بها.
ثم خرج الملك من وقته وساعته وأحضر وزراءه الأربعة وقال لهم: اجمعوا كل من في المدينة من التجار والسواحين واسألوهم عن قلعة جوهر تكني وكل من عرفها ودل عليها فإني أعطيه خمسين ألف دينار فلما سمع الوزراء ذلك الكلام قالوا له سمعاً وطاعة ثم ذهبوا من وقتهم وساعتهم وفعلوا ما أمرهم به الملك وصاروا يسألون التجار والسواحين في البلاد عن قلعة جوهر تكني فما أخبرهم أحد فأتوا الملك وأخبروه بذلك فلما سمع الملك كلامهم قام من وقته وساعته وأمر أن يأتوا بابنه جانشاه من السراري الحسان والجواري ربات الالات والمحاظي المطربات بما لا يوجد مثلهن عند الملوك لعله يتسلى عن السيدة شمسة فأتوا بما طلبه.
ثم أرسل الملك رواداً وجواسيس إلى جميع البلاد والجزائر والأقاليم ليسالوا عن قلعة جوهر تكني فسألوا عنها مدة شهرين فما أخبرهم بها أحد فرجعوا إلى الملك وأعلموه بذلك فبكى بكاء شديداً وذهب إلى ابنه فوجده جالساً بين السراري والمحاظي وربات آلات الطرب من الجنك والسنطير وغيرهما وهو لا يتسلى بهن عن السيدة شمسة فقال له: يا ولدي ما وجدت من يعرف هذه القلعة وقد أتيتك بأجمل منها فلما سمع جانشاه ذلك الكلام بكى وأفاض دمع العين وأنشد هذين البيتين: تـــرحـــل صـــبـــري والـــغـــرام مـــقـــيموجـسـمـي مـــن فـــرط الـــغـــرام ســـقـــيم مـتـى تـجـمـع الأيام شـمـلـــي بـــشـــمـــسةوعـظــمـــي مـــن حـــر الـــفـــراق رمـــيم ثم إن الملك طيغموس كان بينه وبين ملك الهند عداوة عظيمة لأن الملك طيغموس كان قد تعدى عليه وقتل رجاله وسلب أمواله وكان ملك الهند يقال له: الملك كفيد وله جيوش وعساكر وأبطال وكان له ألف بهلوان وكل بهلوان منهم يحكم على ألف قبيلة وكل قبيل من تلك القبائل تشمل على أربعة آلاف فارس وكان عنده أربعة وزراء وتحته ملوك وأكابر وأمراء وجيوش كثيرة وكان يحكم على ألف مدينة لكل مدينة ألف قلعة وكان ملكاً عظيماً شديد البأس وعساكره قد ملأت جميع الأرض فلما علم الملك كفيد ملك الهند أن الملك طيغموس اشتعل بحب ابنه وترك الحكم والملك وقلت من عنده العساكر وصار في هم ونكد بسبب اشتغاله بحب ابنه جمع الوزراء والأمراء وأرباب الدولة وقال لهم: أما تعلمون أن الملك طيغموس قد هجم على بلادنا وقتل أبي وأختي ونهب أموالنا وما منكم أحد إلا وقتل له قريباً وأخذ له مالاً ونهب رزقه وأسر أهله وإني سمعت اليوم أنه مشغول بحب ابنه جانشاه وقد قلت من عنده العساكر وهذا وقت أخذ الثأر منه فتأهبوا للسفر إليه وجهزوا آلات الحبر للهجوم عليه ولا تتهاونوا في هذا الأمر بل نسير إليه ونهجم عليه ونقتله هو وابنه ونملك بلاده وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:09 AM
وفي الليلة الحادية عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد ملك الهند أمر جيوشه وعساكره أن يركبوا على بلاد الملك طيغموس وقال لهم تأهبوا للسفر إليه وجهزوا آلات الحرب للهجوم عليه ولا تتهاونوا في هذا الأمر بل نسير إليه ونهجم عليه ونقتله هو وابنه ونملك بلاده.
فلما سمعوا منه هذا الكلام قالوا سمعاً وطاعة وأخذ كل واحد منهم في تجهيز عدته واستمروا في تجهيز العدد والسلاح وجع العساكر ثلاثة أشهر ولما تكاملت العساكر والجيوش والأبطال دقوا الكاسات ونفخوا في البوقات ونصبوا البيارق والرايات ثم إن الملك كفيد خرج بالعساكر والجيوش وسار حتى وصل إلى أطراف بلاد كابل وهي بلاد الملك طيغموس ولما وصلوا إلى تلك البلاد نهبوها فسقوا في الرعية وذبحوا الكبار وأسروا الصغار فوصل الخبر إلى الملك طيغموس.
فلما سمع بذلك الخبر اغتاظ غيظاً شديداً وجمع أكابر دولته ووزراءه وأمراء مملكته وقال لهم اعلموا أن الملك كفيد قد أتى ديارنا ونزل بلادنا ويريد قتالنا ومعه جيوش وأبطال وعساكر لا يعلم عددهم إلا الله تعالى فما الرأي عندكم فقالوا يا ملك الزمان الرأي عندنا أننا نخرج إليه نقاتله ونرده عن بلادنا فقال لهم الملك طيغموس تجهزوا للقتال ثم أخرج لهم من الزرد والدروع والخوذ والسيوف وجميع آلات الحرب ما يردي الأبطال ويتلف صناديد الرجال فاجتمعت العساكر والجيوش والأبطال وتجهزوا للقتال ونصبوا الرايات ودقوا الكاسات ونفخ في البوقات وضربت الطبول وزمرت الزمور وسار الملك طيغموس على واد يقال له وادي زهران وهو في أطراف بلاد كابل.
ثم إن الملك طيغموس كتب كتاباً وأرسله مع رسول من عسكره إلى الملك كفيد مضمونه أما بعد فالذي نعم به الملك كفيد أنك ما فعلت إلا فعل الأوباش ولو كنت ملكاً ابن ملك ما فعلت هذه الفعال ولا كنت تجيء بلادي وتنهب أموال الناس وتفسق في رعيتي أما علمت أن هذا كله جور منك ولو علمت بأنك تتجارى على مملكتي لكنت أتيتك قبل مجيئك بمدة ومنعتك عن بلادي ولكن إن رجعت وتركت الشر بيننا وبينك فبها ونعمت وإن لم ترجع فابرز إلى حومة الميدان وتجلد لدي في موقف الحرب والطعان ثم إنه ختم الكتاب وسلمه لرجل عامل من عسكره وأرسل معه جواسيس يتجسسون له على الأخبار ثم إن الرجل أخذ الكتاب وسار به حتى وصل إلى الملك كفيد.
فلما قرب من مكانه رأى خياماً منصوبة على بعد وهي مصنوعة من الحرير الأطلس ورأى رايات من الحرير الأزرق ورأى بين الخيام خيمة عظيمة من الحرير الأحمر وحول تلك الخيمة عسكر عظيم وما زال سائراً حتى وصل إلى تلك الخيمة فسأل عنها فقيل له إنها خيمة الملك كفيد فنظر الرجل إلى وسط الخيمة فرأى الملك كفيد جالساً على كرسي مرصع بالجواهر وعنده الوزراء والأمراء وأرباب الدولة.
فلما رأى ذلك ظهر الكتاب في يده فذهب إليه جماعة من عسكر الملك كفيد وأخذوا الكتاب منه وأتوا به أمام الملك فأخذه الملك فلما قرأه عرف معناه وكتب له جواباً أما بعد فالذي نعلم به الملك طيغموس أنه لابد من أننا نأخذ الثأر ونكشف العار ونخرب الديار ونهتك الأسرار ونقتل الكبار ونأسر الصغار وفي غد ابرز إلى القتال في الميدان حتى أريك الحرب والطعان ثم ختم الكتاب وسلمه لرسول الملك طيغموس فأخذه وسار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد سلم رد الجواب الذي أرسله الملك طيغموس لرسوله فأخذه ورجع فلما وصل إليه قبل الأرض بين يديه ثم أعطاه الكتاب وأخبره بما رآه وقال له: يا ملك إني رأيت فرساناً وأبطالاً ورجالاً لا يحصى لهم عدد ولا يقطع لهم مدد فلما قرأ الكتاب وفهم معناه غضب غضباً شديداً وأمر وزيره عين زار أن يركب ومعه ألف فارس ويهجم على عسكر الملك كفيد في نصف الليل وأن يخوضوا فيهم ويقتلوهم.
فقال له الوزير عين زار: سمعاً وطاعة ثم ركب وركبت معه العساكر والجيوش وساروا نحو الملك كفيد وكان للمك كفيد وزير يقال له غطرفان فأمره أن يركب ويأخذ معه خمسة آلاف فارس ويذهب بهم إلى عسكر الملك طيغموس ويهجموا عليهم ويقتلوهم فركب الوزير غطرفان وفعل ما أمره به الملك كفيد وسار بالعسكر نحو الملك طيغموس ومازالوا سائرين إلى نصف الليل حتى قطعوا نصف الطريق فإذا بالوزير غطرفان وقع بالوزير عين زار فصاحت الرجال على الرجال ووقع بينهم قتال شديد القتال ومازال يقاتل بعضهم بعضاً إلى وقت الصباح.
فلما أصبح الصباح انهزمت عساكر الملك كفيد وولوا هاربين إليه فلما رأى ذلك غضب غضباً شديداً وقال لهم: يا ويلكم ما الذي أصابكم حتى فقدتم أبطالكم فقالوا له: يا ملك الزمان إنه لما ركب الوزير غطرفان وسرنا نحو الملك طيغموس ولم نزل سائرين إلى أن نصفنا الليل وقطعنا نصف الطريق فقابلنا عين زار وزير الملك طيغموس وأقبل علينا ومعه جيوش وأبطال وكانت المقابلة بجانب وادي زهران فما نشعر إلا ونحن في وسط العسكر ووقعت العين على العين وقاتلنا قتالاً شديداً من نصف الليل إلى الصباح وقد قتل خلق كثير وصار الوزير عين زار يصيح في وجه الفيل ويضربه فيجفل الفيل من شدة الضرب ويدوس الفرسان ويولي هارباً وما بقي أحد ينظر أحداً من كثرة ما يطير من الغبار وصار الدم يجري كالتيار ولولا أننا أتينا هاربين لكنا قتلنا عن آخرنا.
فلما سمع الملك كيفيد هذا الكلام قال: لا باركت فيكم الشمس بل غضبت عليكم غضباً شديداً ثم إن الوزير عين زار رجع إلى الملك طيغموس وأخبره بذلك فهنأه الملك طيغموس بالسلامة وفرح فرحاً شديداً وأمر بدق الكاسات والنفخ في البوقات ثم تفقد عسكره فإذا هم قد قتل منهم ائتا فارس من الشجعان الشداد ثم إن الملك كفيد هيأ عسكره وجنوده وجيوشه وأتى الميدان واصطفوا صفاً فكملوا خمسة عشر صفاً في كل صف عشرة آلاف فارس وكان معه ثلاثمائة بهلوان يركبون على الأفيال وقد انتخب الأبطال وصناديد الرجال ونصبت البيارق والرايات ودقت الكاسات ونفخ في البوقات وبرز الأبطال طالبين القتال.
وأما الملك طيغموس فإنه صف عسكره صفاً بعد صف فإذا هم عشرة صفوف كل صف عشرة آلاف فارس وكان معه مائة بهلوان يركبون عن يمينه وشماله ولما اصطفت الصفوف تقدم كل فارس موصوف وتصادمت الجيوش وضاق رحب الأرض عن الخيل وضربت الطبول وزمرت الزمور ودقت الكاسات ونفخ في البوقات وصاح النفير وصمت الأذان من صهيل الخيل في الميدان وصاحت الرجال بأصواتهم وانعقد الغبار على رؤوسهم واقتتلوا قتالاً شديداً من أول النهار إلى أن أقبل الظلام ثم افترقوا وذهبت العساكر إلى منازلهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:10 AM
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العساكر افترقوا وذهبوا إلى منازلهم فتفقد الملك كفيد عسكره فإذا هم قتل منهم خمسة آلاف فارس فغضب غضباً شديداً وتفقد الملك طيغموس عسكره فإذا هم قد فقد منهم ثلاثة آلاف فارس من خواص شجعانه فلما رأى ذلك غضب غضباً شديداً ثم إن الملك كفيد برز إلى الميدان ثانياً وفعل كما فعل أول مرة وكل واحدم منهما يطلب النصر لنفسه وصاح الملك كفيد على عسكره وقال: هل فيكم من يبرز إلى الميدان ويفتح لنا باب الحرب والطعان فإذا ببطل يقال له بركيك قد أقبل راكباً على فيل وكان بهلواناً عظيماً ثم تقدم ونزل من فوق ظهر الفيل وقبل الأرض بين يدي الملك كفيد واستأذنه في البراز ثم ركب الفيل وساقه إلى الميدان وصاح وقال: هل من مبارز هل من مناجز هل من مقاتل فلما سمع ذلك الملك طيغموس التفت إلى عسكره وقال لهم: من يبرز إلى هذا البطل منكم فإذا بفارس قد برز من بين الصفوف راكباً على جواد عظيم الخلقة وسار حتى أقبل على الملك طيغموس وقبل الأرض قدامه واستأذنه في المبارزة ثم توجه إلى بركيك فلما أقبل عليه قال له: من تكون أنت حتى تستهزئ بي وتبرز إلي وحدك وما اسمك فقال له: اسمي غضنفر بن كحيل فقال له بركيك: كنت أسمع بك وأنا في بلادي فدونك والقتال بين صفوف الأبطال. فلما سمع غضنفر كلامه سحب عمود الحديد من تحت فخذه وقد أخذ بركيك السيف في يده وتقاتلا قتالاً شديداً ثم إن بركيك ضرب غضنفر بالسيف فأتت الضربة في خوذته ولم يصبه منها ضرر فلما رأى ذلك غضنفر ضربه بالعمود فاستوى لحمه بلحم الفيل. فأتاه شخص وقال له: من أنت حتى تقتل أخي ثم أخذ نبلة في يده وضرب بها غضنفر فأصابت فخذه فسمرت الدرع فيه فلما رأى ذلك غضنفر جر السيف في يده وضربه فقسمه نصفين فنزل إلى الأرض يخور في دمه ثم إن غضنفر ولى هارباً نحو الملك طيغموس.
فلما رأى ذلك الملك كفيد صاح على عسكره وقال لهم: انزلوا إلى الميدان وقاتلوا الفرسان ونزل الملك طيغموس بعسكره وجيوشه وقاتلوا قتالاً شديداً وقد صهلت الخيل وصاحت الرجال على الرجال وتجردت السيوف وتقدم كل فارس موصوف وحملت الفرسان على الفرسان وفر الجبان من موقف الطعان ودقت الكاسات ونفخ في البوقات فما تسمع الناس إلا ضجة صياح وقعقعة سلاح وهلك في ذلك الوقت من الأبطال من هلك وما زالوا على هذا الحال إلى أن صارت الشمس في قبة الفلك ثم إن الملك طيغموس انفرق بعساكره وجيوشه وعاد لخيامه وكذلك الملك كفيد.
ثم إن الملك طيغموس تفقد رجاله فوجدهم قد قتل منهم خمسة آلاف فارس وانكسرت منهم أربعة بيارق فلما علم الملك طيغموس ذلك غضب غضباً شديداً وأما الملك كفيد فإنه تفقد عسكره فوجدهم قد قتل منهم ستمائة فارس من خواص شجعانه وانكسرت منهم تسعة بيارق ثم ارتفع القتال من بينهم مدة ثلاثة أيام وبعد ذلك كتب الملك كفيد كتاباً وأرسله مع رسول من عسكره إلى ملك يقال له فاقون الكلب فذهب الرسول إليه وكان كفيد يدعي أنه قريبه من جهة أمه فلما علم الملك فاقون بلذلك جمع عسكره وجيوشه وتوجه إلى الملك كفيد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك فاقون جمع عساكره وجيوشه وتوجه إلى الملك كفيد فبينما الملك طيغوس جالس في حظه إذ أتاه شخص وقال له: إني رايت غبرة ثائرة على بعد قد ارتفعت إلى الجو فأمر الملك طيغموس جماعة من عسكره أن يكشفوا خبر تلك الغبرة فقالوا له سمعاً وطاعة وذهبوا ورجعوا وقالوا: أيها الملك قد رأينا الغبرة وبعد ساعة ضربها الهواء وقطعها وبان من تحتها سبعة بيارق تحت كل بيرق ثلاثة آلاف فارس وساروا إلى ناحية الملك كفيد ولما وصل الملك فاقون الكلب إلى الملك كفيد سلم عليه وقال له: ما خبرك وما هذا القتال الذي أنت فيه فقال له الملك كفيد: أما تعلم أن الملك طيغموس عدوي وقاتل إخوتي وأبي وأنا قد جئته لأقاتله وآخذ بثأري منه. فقال الملك فاقون: باركت الشمس فيك ثم إن الملك كفيد أخذ الملك فاقون الكلب وذهب به إلى خيمته وفرح فرحاً شديداً هذا ما كان من أمر الملك طيغموس والملك كفيد.
وأما ما كان من أمر الملك جانشاه فإنه استمر شهرين وهو لم ينظر أباه ولم يأذن بالدخول عليه لأحد من الجواري اللواتي كن في خدمته فحصل له بذلك قلق عظيم فقال لبعض أتباعه: ما خبر أبي حتى أنه لم يأتني فأخبروه بما جرى لأبيه مع الملك كفيد فقال: ائتوني بجوادي حتى أذهب إلى أبي فقالوا له: سمعاً وطاعة وأتوا له بالجواد.
فلما حضر جواده قال في نفسه: أنا مشغول بنفسي فالرأي أن آخذ فرسي وأسير إلى مدينة اليهود وإذا وصلت إليها يهون الله على ذلك التاجر الذي استأجرني للعمل لعله يفعل بي مثل ما فعل أول مرة وما يدري أحد أين تكون الخيرة.
ثم إنه ركب وأخذ معه ألف فارس. حتى صار الناس يقولون إن جانشاه ذاهب إلى أبيه ليقاتل معه ومازالوا سائرين إلى وقت المساء ثم نزلوا في مرج عظيم وباتوا بذلك المرج فلما ناموا وعلم جانشاه أن عسكره ناموا كلهم قام في خفية وشد وسطه وركب جواده وسار إلى طريق بغداد لأنه كان سمع من اليهود أنه تأتيهم في كل سنة مرتين قافلة من بغداد وقال في نفسه: إذا وصلت إلى بغداد أسير مع القافلة حتى أصل إلى مدينة اليهود وصمم في نفسه على ذلك وسار إلى حال سبيله.
فلما استيقظ العساكر من نومهم ولم يروا جانشاه ولا جواده ركبوا وساروا يفتشون عن جانشاه يميناً وشمالاً فلم يجدوا له خبر فرجعوا إلى أبيه وأعلموه بما فعل ابنه فغضب غضباً شديداً وكاد الشرر يطلع من فيه ورمى بتاجه من فوق رأسه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد فقدت ولدي والعدو قبالي فقال له الملوك والوزراء: اصبر يا ملك الزمان فما بعد الصبر إلا الخير.
ثم إن جانشاه صار من أجل أبيه وفراق محبوبته حزيناً مهموماً جريح القلب قريح العين سهران الليل والنهار وأما أبوه فلما علم بفقده مع عساكره وجيوشه ورجع عن حرب عدوه وتوجه إلى مدينته ودخلها وغلق أبوابها وحصن أسوارها وصار هارباً من الملك كفيد وصار كفيد في كل شهر يجيء المدينة طالباً القتال والخصام ويقعد عليها سبع ليال وثمانية أيام وبعد ذلك يأخذ عسكره ويرجع بهم إلى الخيام ليداوي المجروحين من الرجال.
فأما أهل مدينة الملك طيغموس فإنهم عند انصراف العدو عنهم يشتغلون بإصلاح السلاح وتحصين الأسوار وتهيئة المنجنيقات ومكث الملك طيغموس والملك كفيد على هذه الحالة سبع سنين والحرب مستمرة بينهما.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
04-30-2010, 04:11 AM
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طيغموس مكث هو والملك كفيد على هذه الحالة سبع سنين. هذا ما كان من أمرهما.
وأما ما كان من أمر جانشاه فإنه لم يزل سائراً يقطع البراري والقفار وكلما وصل إلى بلد من البلاد سأل عن قلعة جوهر تكني فلم يخبره أحد بها وإنما يقولون له إننا لم نسمع بهذا الاسم أصلاً ثم إنه سأل عن مدينة اليهود فأخبره رجل من التجار أنها في أطراف بلاد المشرق وقال له في هذا الشهر سر معنا إلى مدينة شمعون ومنها إلى خوارزم وتبقى مدينة اليهود قريبة من خوارزم فإن بينهما مسافة سنة وثلاثة أشهر.
فصبر جانشاه حتى سافرت القافلة وسافر معها إلى أن وصل إلى مدينة مرزقان ولما دخل تلك المدينة صار يسأل عن قلعة جوهر تكني فلم يخبره أحد بها وقالوا له: ما سمعنا بهذا الاسم أصلاً وقاسى في الطريق شدة عظيمة وأهوالاً صعبة وجوعاً وعطشاً.
ثم سافر من الهند ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى بلاد خراسان وانتهى إلى مدينة شمعون ودخلها وسأل عن مدينة اليهود فأخبروه عنها ووصفوا له طريقها فسافر أياماً وليالي حتى وصل إلى نهر بجانب مدينة اليهود وجلس على شاطئه وصبر إلى يوم السبت حتى نشف بقدرة الله تعالى فعدى منه إلى بيت اليهودي الذي كان فيه أول مرة فسلم عليه هو وأهل بيته ففرحوا
به وأتوا بالأكل والشرب ثم قالوا له: أين كانت غيبتك فقال لهم: بملك الله تعالى ثم بات تلك الليلة عندهم ولما كان الغد دار في المدينة يتفرج فرأى منادياً ينادي ويقول: يا معاشر الناس من يأخذ ألف دينار وجارية حسنة ويعمل عندنا شغل نصف يوم فقال له جانشاه: أنا أعمل فقال له المنادي: اتبعني فتبعه حتى وصل إلى بيت اليهودي التاجر الذي وصل إليه أول مرة. ثم قال المنادي لصاحب البيت: إن هذا الولد يعمل الشغل الذي تريد فرحب به التاجر وقال له: مرحباً بك وأخذه ودخل به إلى الحريم وأتاه بالأكل والشرب فأكل جانشاه وشرب ثم إن التاجر قدم له الدنانير والجارية الحسنة وباتا معاً تلك الليلة ولما أصبح الصباح أخذ الدنانير والجارية وسلمها لليهودي الذي بات في بيته أول مرة. ثم رجع إلى التاجر صاحب الشغل فركب معه وساراً حتى وصلا إلى جبل عال شاهق العلو ثم إن التاجر أخرج حبلاً وسكيناً وقال لجانشاه: ارم هذه الفرس على الأرض فرماها وكتفها بالحبل وذبحها وسلخها وقطع قوائمها ورأسها وشق بطنها كما أمره التاجر ثم قال التاجر لجانشاه ادخل بطن هذه الفرس حتى أخيطهلا عليك ومهما رأيته فيه فقل لي عليه فهذا الشغل الذي أخذت أجرته فدخل جانشاه بطن الفرس وخيطها عليه التاجر ثم ذهب إلى محل بعيد عن الفرس واختفى فيه وبعد ساعة أقبل طير عظيم ونزل من الجو وخطف الفرس وارتفع بها إلى عنان السماء ثم نزل على رأس الجبل فلما استقر على رأس الجبل أراد أن يأكل الفرس فلما أحس به جانشاه شق بطن الفرس وخرج فجفل الطير منه وطار إلى حال سبيله.
فطلع جانشاه ونظر إلى التاجر فرآه واقفاً تحت الجبل مثل العصفور فقال ما تريد أيها التاجر فقال له ارم بشيء من هذه الحجار التي حواليك حتى أدلك على الطريق التي تنزل منها فقال جانشاه أنت الذي فعل بي كيت وكيت من مدة خمس سنين قد قاسيت جوعاً وعطشاً وحصل لي تعب عظيم وشر كثير وها أنت عدت بي إلى هذا المكان وأردت هلاكي فوالله لا أرمي لك شيء ثم إن جانشاه سار وقصد الطريق التي توصل إلى الشيخ نصر ملك الطيور.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:29 AM
وفي الليلة السادسة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جانشاه سار وقصد الطريق التي توصل إلى الشيخ نصر ملك الطيور ولم يزل سائراً أياماً وليالي وهو باكي العين حزين القلب وإذا جاع يأكل من نبات
الأرض وإذا عطش يشرب من أنهارها حتى وصل إلى قصر السيد سليمان فرأى الشيخ نصر جالساً على باب القصر فأقبل عليه وقبل يديه فرحب به الشيخ نصر وسلم عليه ثم قال له يا ولدي ما خبرك حتى جئت هذا المكان وكنت قد توجهت من هنا مع السيدة شمسة وأنت قرير العين منشرح الصدر فبكى جانشاه وحكى له ما جرى من السيدة شمسة لما طارت وقالت له: إن كنت تحبني تعال عندي في قلعة جوهر تكني.
فتعجب الشيخ نصر من ذلك وقال: والله يا ولدي ما أعرفها وحق السيد سليمان ولا سمعت بهذا الاسم طول عمري فقال جانشاه كيف أعمل وقد مت من العشق والغرام فقال له الشيخ نصر: اصبر حتى تأتي الطيور ونسألهم عن قلعة جوهر تكني لعل أحد منهم يعرفها.
فاطمأن قلب جانشاه ودخل القصر وذهب إلى المقصورة المشتملة على البحيرة التي رأى فيها البنات الثلاث ومكث عند الشيخ نصر مدة من الزمان فبينما هو جالس على عادته إذ قال له الشيخ نصر يا ولدي إنه قرب مجيء الطير ففرح جانشاه بذلك الخبر ولم تمض إلا أياماً قلائل حتى أقبلت الطيور فجاء الشيخ نصر إلى جانشاه وقال له يا ولدي تعلم هذه الأسماء وأقبل على الطيور.
فجاءت وسلمت على الشيخ نصر جنساً بعد جنس ثم سألها عن قلعة جوهر تكني فقال كل منها ما سمعت بهذه القلعة طول عمري فبكى بكاء شديداً وتحسر ووقع مغشياً عليه فطلب الشيخ نصر طيراً عظيماً وقال له أوصل هذا الشاب إلى بلاد كابل ووصف له البلاد وطريقها فقال له سمعاً وطاعة.
ثم ركب جانشاه على ظهره وقال له احترس على نفسك وإياك أن تميل فتنقطع في الهواء وسد أذنيك من الريح لئلا يضربك جري الأفلاك ودوي البحار فقبل جانشاه ما قاله الشيخ نصر ثم أقبل به الطير وعلا به إلى الجو وسار به يوماً وليلة ثم نزل به عند ملك الوحوش واسمه شاه بدوي فقال لجانشاه قد تهنا عن البلاد التي وصفها لنا الشيخ نصر وأراد أن يأخذ جانشاه ويطير به فقال له جانشاه اذهب إلى حال سبيلك واتركني في هذه الأرض حتى أموت وأصل إلى بلادي فتركه الطير عند ملك الوحوش شاه بدوي وذهب إلى حال سبيله ثم إن شاه بدوي سأله وقال له من أنت ومن أين أقبلت مع هذا الطير العظيم وما حكايتك فحكى له جميع ما جرى له من الأول إلى الآخر.
فتعجب ملك الوحوش من حكايته وقال له: وحق السيد سليمان إني ما أعرف هذه القلعة وكل من دلنا عليها نكرمه ونرسلك إليها فبكى جانشاه بكاء شديداً وصبر مدة قليلة وبعدها أتاه ملك الوحوش وهو شاه بدوي وقال له قم يا ولدي وخذ هذه الألواح واحفظ الذي فيها وإذا أتت الوحوش نسألها عن تلك القلعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:29 AM
وفي الليلة السابعة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شاه بدوي ملك الوحوش قال لجانشاه احفظ ما في هذه الألواح وإذا جاءت الوحوش نسألها عن تلك القلعة فما مضى غير ساعة حتى أقبلت الوحوش جنساً بعد جنس وصاروا يسلمون على الملك شاه بدوي ثم إنه سألهم عن قلعة جوهر تكني فقالوا له جميعاً ما نعرف هذه القلعة ولا سمعنا بها فبكى جانشاه وتأسف على عدم ذهابه مع الطير الذي أتى به من عند الشيخ نصر.
فقال له ملك الوحوش: يا ولدي لا تحمل هماً إن لي أخاً أكبر مني ويقال له الملك شماخ وكان أسيراً عند السيد سليمان لأنه كان عاصياً عليه وليس أحد من الجن أكبر منه هو والشيخ نصر فلعله يعرف هذه القلعة وهو يحكم على الجان الذين في هذه البلاد ثم أركبه ملك الوحوش على ظهر وحش منها وأرسل معه كتاباً إلى أخيه بالوصية عليه ثم إن ذلك الوحش سار من وقته وساعته ولم يزل سائراً بجانشاه أياماً وليالي حتى وصل إلى الملك شماخ فوقف ذلك الوحش في مكان وحده بعيداً عن الملك ثم نزل جانشاه من فوق ظهره وصار يتمشى حتى وصل إلى حضرة الملك شماخ فقبل يديه وناوله الكتاب فقرأه وعرف معناه ورحب به وقال له: والله يا ولدي إن هذه القلعة عمري ما سمعت بها ولا رأيتها فبكى جانشاه وتحسر.
فقال له الملك شماخ: احك لي حكايتك وأخبرني من أنت ومن أين أتيت وإلى أين تذهب فأخبره بجميع ما جرى له من الأول إلى الآخر فتعجب شماخ من ذلك وقال له: يا ولدي أنا أعرف راهباً في الجبل وهو كبير في العمر وقد أطاعته جميع الطيور والوحوش والجان من كثرة اقسامه لأنه ما زال يتلو الأقسام على ملوك الجن حتى أطاعوه قهراً عنهم من شدة تلك الأقسام والسحر الذي عنده وجميع الطيور والوحوش تسير إلى خدمته وأنا قد كنت عصيت السيد سليمان فهو أسرني عنده وما غلبني سوى هذا الراهب من شدة مكره وأقسامه وسحره وقد بقيت في خدمته واعلم أنه ساح في جميع البلاد والأقاليم وعرف جميع الطرق والجهات والأماكن والقلاع والمدائن وما أظن أنه يخفى عليه مكان فأنا أرسلك إليه لعله يدلك على هذه القلعة وإن لم يدلك هو عليها فما يدلك عليها أحد لأنه قد أطاعته الطيور والوحوش والجان وكلهم يأتونه من شدة سحره وقد اصطنع له عكازة ثلاث قطع فغرزها في الأرض ويتلو القسم على القطعة الأولى من العكازة فيخرج منها لحم ويخرج منها دم ويتلو القسم على القطعة الثانية فيخرج منها قمح وشعير وبعد ذلك يخرج العكازة من الأرض ثم يذهب إلى ديره وديره يسمى دير الماس وهذا الراهب الكاهن يخرج من يده اختراع كل صنعة غريبة وهو ساحر كاهن مخادع خبيث واسمه يغموس وقد حوى جميع الأقسام والعزائم ولابد من أن أرسلك إليه مع طير عظيم له أربعة أجنحة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:30 AM
وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شماخ قال لجانشاه: ولابد من أن أرسلك إلى الراهب مع طير عظيم له أربعة أجنحة ثم أركبه على ظهر طير عظيم له أربعة أجنحة طول كل جناح منها ثلاثون ذراعاً بالهاشمي وله أرجل مثل أرجل الفيل لكنه لا يطير في السنة إلا مرتين وكان عند الملك شماخ عون يقال له طمشون كل يوم يخطف لهذا الطير بختيتين من بلاد العراق ويفسخهما له ليأكلهما فلما ركب جانشاه على ظهره وسار به ليالي وأياماً حتى وصل إلى الجبل القلع ودير الماس فنزل جانشاه عند ذلك الدير فرأى يغموس الراهب داخل الكنيسة وهو يتعبد فيها فتقدم جانشاه إليه وقبل الأرض ووقف بين يديه. فلما رآه الراهب قال له: مرحباً بك يا ولدي يا غريب الدار وبعيد المزار أخبرني ما سبب مجيئك إلى هذا المكان فبكى جانشاه وحكى له حكايته من الأول إلى الآخر. فلما سمع الراهب الحكاية تعجب منها غاية العجب وقال له: والله يا ولدي عمري ما سمعت بهذه القلعة ولا رأيت من سمع بها أو رآها مع أني كنت موجوداً في عهد نوح نبي الله وحكمت من عهد نوح إلى زمن السيد سليمان بن داود على الوحوش والطيور والجان وما أظن أن السيد سليمان سمع بهذه القلعة ولكن اصبر يا ولدي حتى تأتي الطيور والوحوش وأعوان الجان واسألهم لعل أحداً منهم يخبرنا بها ويأتينا بخبر عنها ويهون الله تعالى عليك.
فقعد جانشاه مدة من الزمان عند الراهب فبينما هو قاعد إذ أقبلت عليه الطيور والوحوش والجان أجمعين وصار جانشاه والراهب يسألونهم عن قلعة جوهر تكني فما أحد منهم قال أنا رأيتها أو سمعت بها بل كان كل منهم يقول ما رأيت هذه القلعة ولا سمعت بها فصار جانشاه يبكي وينوح ويتضرع إلى الله تعالى فبينما هو كذلك وإذا بطير قد أقبل آخر الطيور وهو أسود اللون عظيم الخلقة ولما نزل من أعلى الجو جاء وقبل يدي الراهب فسأله الراهب عن قلعة جوهر تكني فقال له الطير: أيها الراهب إننا كنا ساكنين خلف جبل قاف بجبل البلور في بر عظيم وكنت أنا وإخوتي فراخاً صغاراً وأبي وأمي كانا يسرحان في كل يوم يجيئان برزقنا فاتفق أنهما سرحا يوماً من الأيام وغابا عنا سبعة أيام فاشتد علينا الجوع ثم أتيا في اليوم الثامن وهما يبكيان فقلنا لهما: ما سبب غيابكما عنا فقالا: إنه خرج علينا مارد فخطفنا وذهب بنا إلى قلعة جوهر تكني وأوصلنا إلى الملك شهلان فلما رآنا الملك شهلان أراد قتلنا فقلنا له: إن وراءنا فراخاً صغاراً فأعتقنا من القتل ولو كان أبي وأمي في قيد الحياة لكانا أخبراكم عن القلعة.
فلما سمع جانشاه هذا الكلام بكى بكاء شديداً وقال للراهب: أريد منك أن تأمر هذا الطير أن يوصلني إلى نحو وكر أبيه وأمه في جبل البلور خلف جبل قاف فقال الراهب للطير: أيها لاطير أريد منك أن تطيع هذا الولد في جميع ما يأمرك به فقال الطير للراهب سمعاً وطاعة لما تقول ثم إن ذلك الطير أركب جانشاه على ظهره وطار ولم يزل طائراً به أياماً وليالي حتى أقبل على جبل البلور ثم نزل به هناك ومكث برهة من الزمان ثم أركبه على ظهره وطار ولم يزل طائراً به مدة يومين حتى وصلا إلى الأرض التي فيها الوكر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:30 AM
وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الطير لم يزل طائراً بجانشاه مدة يومين حتى وصل به إلى الأرض التي فيها الوكر ونزل به هناك ثم قال له: يا جانشاه هذا الوكر الذي كنا فيه فبكى جانشاه بكاء شديداً وقال للطير: أريد منك أن تحملني وتوصلني إلى الناحية التي كان أبوك وأمك يذهبان إليها ويجيئان منها بالرزق.
فقال له الطير سمعاً وطاعة يا جانشاه ثم حمله وطار به ولم يزل طائراً سبع ليالي وثمانية أيام حتى وصل به إلى جبل عال ثم أنزله من فوق ظهره فنام في رأس ذلك الجبل فلما أفاق من النوم رأى بريقاً على بعد يملأ نوره الجو فصار متحيراً في نفسه من ذلك اللمعان والبريق ولم يدر أنه أمام القلعة التي هو يفتش عليها وكان بينه وبينها مسيرة شهرين وهي مبنية من الياقوت الأحمر وبيوتها من الذهب الأصفر ولها ألف برج مبنية من المعادن النفيسة التي تخرج من بحر الظلمات ولهذا سميت قلعة جوهر تكني لأنها من نفيس الجواهر والمعادن وكانت قلعة عظيمة واسم ملكها شهلان وهو أبو البنات الثلاث. هذا ما كان من أمر جانشاه.
وأما ما كان من أمر السيدة شمسة فإنها لما هربت من عند جانشاه وراحت عند أبيها وأمها وأهلها أخبرتهم بما جرى لها مع جانشاه وحكت لهم حكايته وأعلمتهم أنه ساح في الأرض ورأى العجائب وعرفتهم بمحبته لها ومحبتها له وبما وقع بينهما. فلما سمع أبوها وأمها ذلك الكلام قالا لها: ما يحل لك من الله أن تفعلي معه هذا الأمر ثم إن أباها حكى هذه المسألة لأعوانه من مردة الجان وقال لهم: كل من رأى منكم إنسياً فيأتيني به وكانت السيدة شمسة أخبرت أمها أن جانشاه مغرم بها وقالت لها: ولابد من أنه يأتينا لأني لما طرت من فوق البيت قلت له: إن كنت تحبني فتعال في قلعة جوهر تكني ثم إن جانشاه لما رأى ذلك البريق واللمعان قصد نحوه ليعرف ما هو وكانت السيدة شمسة قد أرسلت عوناً من الأعوان في شغل بناحية جبل قرموس فبينما ذلك العون سائر إذ هو نظر من بعيد شخص أنسي. فلما رآه أقبل نحوه وسلم عليه فخاف جانشاه من ذلك العون ورد عليه السلام فقال له العون: ما اسمك فقال له: اسمي جانشاه وكنت قبضت على جنية اسمها السيدة شمسة لأني تعلقت بحسنها وجمالها وكنت أحبها محبة عظيمة ثم إنها هربت مني بعد دخولها إلى قصر والدي وحكى له جميع ما جرى له وصار جانشاه يكلم المارد وهو يبكي.
فلما نظر العون إلى جانشاه وهو يبكي أحرق قلبه وقال له: لا تبك فإنك قد وصلت إلى مرادك واعلم أنها تحبك محبة عظيمة وقد أعلمت أباها وأمها بمبتك لها وكل من في القلعة يحبك لأجلها فطب نفساً وقر عيناً ثم إن المارد حمله على كاهله وسار به حتى وصل إلى قلعة جوهر تكني وذهب المبشرون إلى الملك شهلان وإلى السيدة شمسة وإلى أمها يبشرونهم بمجيء جانشاه. فلما جاءتهم البشائر بذلك فرحوا فرحاً عظيماً ثم إن الملك شهلان أمر جميع الأعوان أن يلاقوا جانشاه وركب هو وجميع الأعوان والعفاريت والمردة إلى ملاقاة جانشاه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:31 AM
وفي الليلة العشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهلان ركب هو وجميع الأعوان والعفاريت والمردة إلى ملاقاة جانشاه فلما أقبل الملك شهلان أبو السيدة شمة على جانشاه عانقه ثم إن جانشاه قبل يدي الملك شهلان فأمر له الملك بخلعة عظيمة من الحرير مختلفة الألوان مطرزة بالذهب ومرصعة بالجوهر ثم ألبسه التاج الذي ما رأى مثله أحد من ملوك الإنس ثم أمر له بفرس عظيمة من خيل ملوك الجان فركبها ثم ركب الأعوان عن يمينه وشماله وسار هو والملك في موكب عظيم حتى أتوا باب القصر فنزل الملك ونزل جانشاه في ذلك القصر فرآه قصراً عظيماً حيطانه مبنية بالجواهر واليواقيت ونفيس المعادن فقام الملك إليه وأجلسه على تخته بجانبه ثم إنهم أتوا بالسماط فأكلوا وشربوا ثم غسلوا أيديهم.
بعد ذلك أقبلت عليه أم السيدة شمسة فسلمت عليه ورحبت به وقالت له: قد بلغت المقصود من التعب ونامت عينك بعد السهر والحمد لله على سلامتك ثم ذهبت من وقتها إلى ابنتها السيدة شمسة وأتت بها إلى جانشاه. فلما أقبلت عليه السيدة شمسة سلمت عليه وأقبلت عليه وأطرقت برأسها خجلاً منه ومن أمها وأبيها وأتى أخواتها اللواتي كن معها في القصر وقبلوا يديه وسلموا عليه ثم إن والدة شمسة قالت له: مرحباً يا ولدي ولكن بنتي شمسة قد أخطأت في حقك ولا تؤاخذها بما فعلت معك لأجلنا. فلما سمع جانشاه منها ذلك الكلام صاح ووقع مغشياً عليه فتعجب الملك منه ثم إنهم رشوا على وجهه ماء الورد الممزوج بالمسك والزباد فأفاق ونظر إلى السيدة شمسة وقال: الحمد لله الذي بلغني مرادي وأطفأ ناري حتى لم يبق في قلبي نار فقالت له السيدة شمسة: سلامتك من النار ولكن يا جانشاه أريد أن تحكي لي على ما جرى لك بعد فراقي وكيف أتيت إلى هذا المكان مع أن أكثر الجان لا يعرفون قلعة جوهر تكني. ونحن عاصون على جميع الملوك وما أحد عرف طريق هذا المكان ولا سمع به.
فأخبرها جانشاه بجميع ما جرى له وكيف أتى وأعلمهم بما جرى لأبيه مع الملك كفيد وأخبرهم بما قاساه في الطريق وما رآه من الأهوال والعجائب وقال لها: كل هذا من أجلك يا سيدتي شمسة فقال له أبوها قد بلغت المراد والسيدة شمسة جارية نهديها إليك فلما سمع ذلك جانشاه فرح فرحاً شديداً فقالت له بعد ذلك إن شاء الله تعالى في الشهر القابل ننصب الفرح ونعمل العرس ونزوجك بها ثم تذهب بها إلى بلادك ونعطيط ألف مارد من الأعوان لو أذنت لأقل من فيهم أن يقتل الملك كفيد هو وقومه لفعل ذلك في لحظة وفي كل عام نرسل إليك قوماً إذا أمرت واحداً منهم بإهلاك أعداءك جميعاً أهلكهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:32 AM
وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا السيدة شمسة قال له: وفي كل عام نرسل إليك قوماً إذا أمرت أقل واحد منهم بإهلاك أعداءك جميعاً أهلكهم عن آخرهم ثم إن الملك شهلان جلس فوق التخت وأمر أرباب الدولة أن يعملوا فرحاً عظيماً ويزينوا المدينة سبعة أيام بلياليها فقالوا سمعاً وطاعة. ثم ذهبوا في ذلك الوقت وأخذوا في تجهيز الأهبة للفرح ومكثوا في التجهيز مدة شهرين وبعد ذلك عملوا عرساً عظيماً للسيدة شمسة حتى صار فرحاً عظيماً لم يكن مثله ثم أدخلوا جانشاه على السيدة شمسة واستمر معها مدة سنتين في ألذ عيش وأهنأه وأكل وشرب ثم بعد ذلك قال للسيدة شمسة: إن أباك قد وعدنا بالذهاب إلى بلادي وأن نقعد هناك سنة وهنا سنة فقالت السيدة شمسة: سمعاً وطاعة ولكن اصبر إلى أول الشهر حتى نجهز لكما الأعوان فأخبرت جانشاه بما قاله أبوها وصبر المدة التي عينها وبعد ذلك أذن الملك شهلان للأعوان أن يخرجوا في خدمة السيدة شمسة وجانشاه حتى يوصلوهما إلى بلاد جانشاه وقد جهز لهما تختاً عظيماً من الذهب الأحمر المرصع بالدر والجواهر فوقه خيمة من الحرير الأخضر منقوشة بسائر الألوان مرصعة بنفس الجواهر يحار في حسنها الناظر. فطلع جانشاه هو والسيدة شمسة فوق التخت ثم انتخب من الأعوان أربعة ليحملوا ذلك التخت فحملوه وصار كل واحد منهم في جهة من جهاته وجانشاه والسيدة شمسة فوقه ثم إن السيد شمسة ودعت أمها وأبيها وأخواتها وأهلها وقد ركب أبوها وسار مع جانشاه وسارت الأعوان بذلك التخت ولم يزل الملك شهلان سائراً معهم إلى وسط النهار ثم حطت الأعوان ذلك التخت ونزلوا وودعوا بعضهم وصار الملك شهلان يوصي جانشاه على السيدة شمسة ويوصي الأعوان عليها.
ثم أمر الأعوان أن يحملوا التخت فوقه السيدة شمسة وكذلك جانشاه وسارا ورجع أباها وكان أبوها قد أعطاها ثلاثمائة من السراري الحسان وأعطى جانشاه ثلاثمائة مملوك من أولاد الجان ثم إنهم ساروا من ذلك الوقت بعد أن طلعوا بأجمعهم على ذلك التخت والأعوان الأربعة قد حملته وطارت به بين السماء والأرض وصاروا يسيرون كل يوم مسيرة ثلاثين شهراً ولم يزالوا سائرين على هذه الحالة مدة عشرة أيام وكان في الأعوان عون يعرف بلاد كابل فلما رآها أمرهم أن ينزلوا على المدينة الكبيرة في تلك المدينة وكانت تلك المدينة مدينة الملك طيغموس فنزلوا عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:32 AM
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الأعوان نزلوا على مدينة الملك طيغموس ومعهم جانشاه والسيدة شمسة وكان الملك طيغموس قد انهزم من الأعداء وهرب من مدينته وصار في حصر عظيم وضيق عليه الملك كفيد.
فلما رأت السيدة شمسة الملك طيغموس ومملكته في ذلك الحال أمرت الأعوان أن يضربوا العسكر الذين حاصروهم ضرباً شديداً ويقتلوهم وقالت للأعوان: لا تبقوا منهم أحداً ثم إن جانشاه أومأ إلى عون من الأعوان شديد البأس اسمه قراطش وأمره أن يجيء بالملك كفيد مقيداً ثم إن الأعوان ساروا وأخذوا ذلك التخت معهم وما زالوا سائرين حتى حطوا ثم هجموا على الملك كفيد وعساكره وصاروا يقتلونهم وصار الواحد يأخذ عشرة أو ثمانية وهم على ظهر الفيلة ويطير بهم إلى الجو ثم يلقيهم فيتمزقون في الهواء وكان بعض الأعوان يضرب العساكر بالعمد الحديد.
ثم إن العون الذي اسمه قراطش ذهب من وقته إلى خيمة كفيد فهجم عليه وهو جالس فوق السرير وأخذه وطار به إلى الجو فزعق من هيبة ذلك العون ولم يزل طائراً به حتى وضعه على التخت قدام جانشاه فأمر الأعوان الأربعة أن يقتلعوا التخت وينصبوه في الهواء فلم ينتبه الملك كفيد إلا وقد رأى نفسه ما بين السماء والأرض فصار يلطم وجهه ويتعجب من ذلك هذا ما كان من أمر الملك كفيد.
وأما ما كان من أمر الملك طيغموس فإنه لما رأى ابنه كاد يموت من شدة الفرح وصاح صيحة عظيمة ووقع مغشياً عليه فرشوا على وجهه ماء الورد فلما أفاق تعانق هو وابنه وبكيا بكاء شديداً ولم يعلم الملك طيغموس بأن الأعوان في قتال الملك كفيد وبعد ذلك قامت السيدة شمسة وتمشت حتى وصلت إلى الملك طيغموس أبي جانشاه وقبلت يديه وقالت له: يا سيدي اصعد إلى أعلى القصر وتفرج على قتال أعوان أبي. فصعد الملك إلى أعلى القصر وجلس هو والسيدة شمسة يتفرجان على حرب الأعوان وذلك أنهم صاروا يضربون في العساكر طولاً وعرضاً وكان منهم من يأخذ العمود الحديد ويضرب به الفيل فينهرس الفيل والذي على ظهره حتى صارت الفيلة لا تتميز من الآدميين ومنهم من يحيي جماعة وهم هاربون فيصيح في وجوههم فيسقطون ميتين ومنهم من يقبض على العشرين فارساً ويقلع بهم إلى الجو ويلقيهم إلى الأرض فيتقطعون قطعاً هذا وجانشاه ووالده والسيدة شمسة ينظرون إليهم ويتفرجون على القتال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:33 AM
وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طيغموس وابنه جانشاه وزوجته السيدة شمسة ارتقوا إلى أعلى القصر وصاروا يتفرجون على قتال الأعوان مع عسكر الملك كفيد وصار الملك كفيد ينظر إليهم وهو فوق التخت ويبكي ومازال القتل في عسكره مدة يومين حتى قطعوا عن آخرهم ثم إن جانشاه أمر الأعوان أن يأتوا بالتخت وينزلوا به إلى الأرض في وسط قلعة الملك طيغموس فأتوا به وفعلوا ما أمرهم به سيدهم الملك جانشاه ثم إن الملك طيغموس أمر عوناً من الأعوان يقال له شموال أن يأخذ الملك كفيد ويجعله في السلاسل والأغلال ويسجنه في البرج الأسود ففعل شمول ما أمره به. ثم بعد ذلك بأيام توجهت السيدة شمسة إلى الملك طيغموس وتشفعت عنده في الملك كفيد وقالت له: أطلقه ليرجع إلى بلاده وإن حصل منه شر أمرت أحد الأعوان أن يخطفه ويأتيك به. فقال لها سمعاً وطاعة ثم أرسل إلى شموال أن يحضر إليه الملك كفيد فأتى به في السلاسل والأغلال فلما قدم عليه قبل الأرض بين يديه فأمر الملك طيغموس أن يحلوه من تلك الأغلال فحلوه منها ثم أركبه على فرس عرجاء وقال له: إن الملكة شمسة قد تشفعت فيك فاذهب إلى بلادك وإن عدت لما كنت عليه فإنها ترسل إليك عوناً من الأعوان فيأتي بك فسار الملك كفيد إلى بلاده وهو في أسوأ حال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:34 AM
وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك كفيد سار إلى بلاده وهو في أسوأ حال ثم إن جانشاه قعد هو وأبوه والسيدة شمسة في ألذ عيش وأهنأ وأطيب سرور وأوفاه وكل هذا يحكيه الشاب الجالس بين القبرين لبلوقيا ثم قال له: وها أنا جانشاه الذي رأيت هذا كله يا أخي يابلوقيا فتعجب بلوقيا من حكايته. ثم إن بلوقيا السائح في حب محمد صلى الله عليه وسلم قال لجانشاه: يا أخي وما شأن هذين القبرين وما سبب جلوسك بينهما وما سبب بكائك فرد
عليه جانشاه وقال له: اعلم يا بلوقيا أننا كنا في ألذ عيش وأهنأ وأطيب سرور وأوفاه وكنا نقيم ببلادنا سنة وبقلعة جوهر تكني سنة ولا نسير إلا ونحن جالسون فوق التخت والأعوان تحمله وتطير به بين السماء والأرض.
فقال له بلوقيا: يا أخي يا جانشاه ما كان طول المسافة التي بين تلك القلعة وبين بلادكم فرد عليه جانشاه وقال له: كنا نقطع في كل يوم مسافة ثلاثين شهراً وكنا نصل إلى القلعة في عشرة أيام ولم نزل على هذه الحالة مدة من السنين فاتفق أننا سافرنا على عادتنا حتى وصلنا إلى هذا المكان فنزلنا فيه بالتخت لنتفرج فيه على هذه الجزيرة فجلسنا على شاطئ النهر وأكلنا وشربنا. فقالت السيدة شمسة: إني أريد أن أغتسل في هذا النهر ثم نزعت ثيابها ونزع الجواري ثيابهن ونزلن في النهر وسبحن فيه ثم إني تمشيت على شاطئ النهر وتركت الجواري يلعبن فيه مع السيدة شمسة فإذا بفرس عظيم من دواب البحر ضربها في رجلها من دون الجواري فصرخت ووقعت ميتة من وقتها وساعتها فطلعت الجواري من النهر هاربات إلى الخيمة من ذلك الفرس ثم إن بعض الجواري حملها وأتى بها الخيمة وهي ميتة. فلما رأيتها ميتة وقعت مغشياً علي فرشوا وجهي بالماء فلما أفقت بكيت عليها وأمرت الأعوان أن يأخذوا التخت ويروحوا به إلى أهلها ويعلموهم بما جرى لها فراحوا إليهم وأعلموهم بما جرى فلم يغب أهلها إلا قليلاً حتى أتوا هذا المكان فغسلوها وكفنوها وفي هذا المكان دفنوها وعملوا عزاءها وطلبوا أن يأخذوني معهم إلى بلادهم فقلت لأبيها: أريد منك أن تحفر لي حفرة بجانب قبرها واجعل تلك الحفرة قبراً لي لعلي إذا مت أدفن فيها بجانبها فأمر الملك شهلان عوناً من الأعوان بذلك ففعل لي ما أردته ثم راحوا من عندي وخلوني هنا أنوح وأبكي عليها وهذه قصتي وسبب قعودي بين هذين القبرين ثم أنشد هذين البيتين: مـا الـدار مـــذ غـــبـــتـــم يا ســـادتـــي داركـلا ولا ذلـك الـــجـــار الـــرضـــي جـــار ولا الأنـيس الـــذي قـــد كـــنـــت أعـــهـــدهفـــيهـــا أنـــيس ولا الأنـــــــوار أنـــــــوار فلما سمع بلوقيا هذا الكلام من جانشاه تعجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما سمع هذا الكلام من جانشاه تعجب وقال والله كنت أظن أنن سحت ودرت طائفاً في الأرض والله إني نسيت الذي رأيته بما سمعته من قصتك ثم إنه قال لجانشاه: أريد من فضلك وإحسانك يا أخي أن تدلني على طريق السلامة فدله على الطريق ثم ودعه وسار وكل هذا الكلام تحكيه ملكة الحيات لحاسب كريم الدين.
فقال لها حاسب يا ملكة الحيات أخبريني بما جرى لبلوقيا حين عاد إلى مصر فقالت له اعلم يا حاسب أن بلوقيا لما فارق جانشاه سار ليالي وأياماً حتى وصل إلى بحر عظيم ثم إنه دهن قدميه من الماء الذي معه ومشى على وجه الماء حتى وصل إلى جزيرة ذات أشجار وأنهار كأنها الجنة ودار في تلك الجزيرة فرأى شجرة عظيمة ورقها مثل قلوع المراكب فقرب من تلك الشجرة فرأى تحتها سماطاً ممدوداً وفيه جميع الألوان الفاخرة من الطعام ورأى على تلك الشجرة طيراً عظيماً من اللؤلؤ والزمرد الأخضر ورجلاه من الفضة ومنقاره من الياقوت الأحمر وريشه من نفيس المعادن وهو يسبح الله تعالى ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:35 AM
وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما طلع إلى الجزيرة ووجدها كالجنة تمشي في جوانبها ورأى فيها من العجائب ومن جملتها الطير الذي هو من اللؤلؤ والزمرد الأخضر وريشه من نفيس المعادن على تلك الحالة وهو يسبح الله تعالى ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم.
فلما رأى بلوقيا ذلك الطائر العظيم قال له من أنت وما شأنك فقال له أنا من طيور الجنة واعلم يا أخي أن الله تعالى أخرج آدم من الجنة وأخرج معه أربع ورقات استتر بها فسقطن في الأرض فوحدة منهن أكلها الدود فصار منها الحرير والثانية أكلها الغزلان فصار منها المسك والثالثة أكلها النحل فصار منها العسل والرابعة وقعت في الهند فصار منها البهار وأما أنا فإني سحت في جميع الأرض إلى أن من الله علي بهذا المكان فمكثت فيه وإنه في كل جمعة ويومها تأتي الأولياء والأقطاب الذين في الدنيا هذا المكان ويزورونه ويأكلون من هذا الطعام وهو ضيافة الله تعالى لهم يضيفهم به في كل ليلة ويومها وبعد ذلك يرتفع السماط إلى الجنة ولا ينقص أبداً ولا يتغير فأكل بلوقيا ولما فرغ من الأكل حمد الله تعالى فإذا الخضر عليه السلام قد أقبل فقام بلوقيا وسلم عليه وأراد أن يذهب.
فقال له الطير اجلس يا بلوقيا في حضرة الخضر عليه السلام فجلس بلوقيا فقال له الخضر أخبرني بشأنك واحك لي حكايتك فأخبره بلوقيا بجميع ما فيه بين يدي الخضر ثم قال له يا فلما سمع بلوقيا هذا الكلام بكى ثم وقع على يد الخضر وقبلها وقال له أنقذني من هذه الغربة وأجرك على الله لأني قد أشرفت على الهلاك وما بقيت لي حيلة فقال له الخضر ادع الله تعالى أن يأذن لي أن أوصلك إلى مصر قبل أن تهلك فبكى بلوقيا وتضرع إلى الله تعالى فتقبل الله دعاؤه وألهم الخضر عليه السلام أن يوصله إلى أهله.
فقال الخضر عليه السلام لبلوقيا ارفع رأسك فقد تقبل الله دعاؤك وألهمني أن أوصلك إلى مصر فتعلق بي واقبض علي بيديك وأغمض عينيك فتعلق بلوقيا بالخضر عليه السلام وقبض عليه بيديه وأغمض عينيه وخطى عليه السلام خطوة ثم قال لبلوقيا افتح عينيك ففتح عينيه فرأى نفسه واقفاً على باب منزله ثم التفت ليودع الخضر عليه السلام فلم يجد له أثراً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:37 AM
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بلوقيا لما أوصله الخضر عليه السلام إلى باب منزله فتح عينيه ليودعه فلم يجده فدخل بيته فلما رأته أمه صاحت صيحة عظيمة ووقعت مغشياً عليها من شدة الفرح فرشوا على وجهها الماء حتى أفاقت فلما أفاقت عانقته وبكت بكاء شديداً وصار بلوقيا تارة يبكي وتارة يضحك وأتاه أهله وجماعته وجميع أصحابه وصاروا يهنؤونه بالسلامة وشاعت الأخبار في البلاد وجاءته الهدايا من جميع الأقطار ودقت الطبول وزمرت الزمور وفرحوا فرحاً شديداً.
ثم بعد ذلك حكى لهم بلوقيا حكايته وأخبرهم بجميع ما جرى له وكيف أتى به الخضر وأوصله إلى باب منزله فتعجبوا من ذلك وبكوا حتى ملوا من البكاء وكال هذا تحكيه ملكة الحيات لحاسب كريم الدين فتعجب حاسب كريم الدين من ذلك وبكى بكاء شديداً ثم قال لملكة الحيات إني أريد الذهاب إلى بلادي فقالت ملكة الحيات إني أخاف يا حاسب إذا وصلت بلادك أن تنقض العهد وتحنث في اليمين الذي حلفته وتدخل الحمام فحلف يميناً آخر وثيقة أنه لا يدخل الحمام طول عمره فأمرت حية وقالت لها أخرجي حاسب كريم الدين إلى وجه الأرض فأخذته الحية وسارت به إلى مكان حتى أخرجته على وجه الأرض من سطح جب مهجور.
ثم مشى حتى وصل إلى المدينة وتوجه إلى منزله وكان ذلك في آخر النهار وقت اصفرار الشمس ثم طرق الباب فخرجت أمه وفتحت الباب فرأت ابنها واقفاً فلما رأته صاحت من شدة الفرح وألقت نفسها عليه وبكت فلما سمعت زوجته بكاءها خرجت إليها فرأت زوجها فسلمت عليه وقبلت يديه وفرح بعضهم ببعض فرحاً عظيماً ودخل البيت وبعد ما استقر بهم الجلوس وقعد بين أهله سأل عن الحطابين الذين كانوا معه وراحوا وخلوه في الجب فقالت له أمه أنهم أتوني وقالوا لي أن ابنك أكله الذئب في الوادي وقد صاروا تجاراً وأصحاب أملاك ودكاكين واتسعت عليهم الدنيا وهم في كل يوم يجيئوننا بالأكل والشرب وهذا دأبهم إلى الآن فقال لأمه في غد روحي إليهم وقولي لهم قد جاء حاسب كريم من سفره فتعالوا وقابلوه وسلموا عليه.
فلما أصبح الصباح راحت أمه إلى بيوت الحطابين وقالت لهم ما وصاها به ابنها فلما سمع الحطابون ذلك الكلام تغيرت ألوانهم وقالوا سمعاً وطاعة وقد أعطاها كل واحد منهم بدلة من الحرير مطرزة بالذهب وقالوا لها أعطي ولدك هذه ليلبسها وقولي له أنهم في غد يأتوك عندك فقالت لهم سمعاً وطاعة ثم رجعت من عندهم إلى ابنها وأعلمته بذلك وبما أعطوها إياه هذا ما كان من أمر حاسب كريم الدين وأمه.
وأما ما كان من أمر الحطابين فإنهم جمعوا جماعة من التجار وأعلموهم بما حصل منهم في حق حاسب كريم الدين وقالوا لهم كيف نصنع معه الآن فقال لهم التجار ينبغي لكل منكم أن يعطيه نصف ماله معه وذهبوا إليه جميعاً وسلموا عليه وقبلوا يديه وأعطوه ذلك وقالوا له هذا من بعض إحسانك وقد صبرنا بين يديك فقبله منهم وقال لهم قد راح الذي راح وهذا مقدر من الله تعالى والمقدر يغلب المحذور فقالوا له قم بنا نتفرج في المدينة وندخل الحمام فقال لهم أنا قد صدر مني يمين أنني لا أدخل الحمام طول عمري فقالوا قم بنا لبيوتنا حتى نضيفك فقال لهم سمعاً وطاعة.
ثم قام وراح معهم إلى بيوتهم وصار كل واحد منهم يضيفه ليلة ولم يزالوا على هذه الحالة مدة سبع ليال وقد صار صاحب أموال وأملاك ودكاكين واجتمعت به تجار المدينة فأخبرهم بجميع ما جرى له وما رآه وصار من أعيان التجار ومكث على هذا الحال مدة من الزمان فاتفق إنه خرج يوماً من الأيام يتمشى في المدينة فرآه صاحب حمام وهو جالس على باب الحمام ووقعت العين على العين فسلم عليه وعانقه وقال له تفضل علي بدخول الحمام وتكيس حتى أعمل لك ضيافة فقال له صدر مني يمين أنني لا أدخل الحمام مدة عمري فحلف الحمامي وقال له نسائي الثلاث طالقات ثلاثاً إن لم تدخل معي الحمام وتغتسل فيه فتحير حاسب كريم الدين في نفسه وقال: أتريد يا أخي أنك تيتم أولادي وتخرب بيتي وتجعل الخطيئة في رقبتي فارتمى الحمامي على رجل حاسب كريم الدين وقبلها وقال له: أنا في جيرتك أن تدخل معي الحمام وتكون الخطيئة في رقبتي أنا واجتمع عمال الحمام وكل من فيه على حاسب كريم الدين وتداخلوا عليه ونزعوا عنه ثيابه وأدخلوه الحمام.
فبمجرد ما دخل الحمام وقعد بجانبالحائط وسكب على رأسه من الماء أقبل عليه عشرون رجلاً وقالوا له: قم يا أيها الرجل من عندنا فإنك غريم السلطان وأرسلوا واحداً منهم إلى وزير السلطان فراح الرجل وأعلم الوزير فركب الوزير وركب معه ستون مملوكاً وساروا حتى أتوا إلى الحمام واجتمعوا بحاسب كريم الدين وسلم عليه الوزير ورحب به وأعطى الحمامي مائة دينار وأمر أن يقدموا لحاسب حصاناً ليركبه ثم ركب الوزير وحاسب وكذلك جماعة الوزير وأخذوه معهم وساروا به حتى وصلوا إلى قصر السلطان فنزل الوزير ومن معه ونزل حاسب كريم الدين وجلسوا في القصر وأتوا بالسماط فأكلوا وشربوا ثم غسلوا أيديهم وخلع عليه الوزير خلعتين كل واحدة تساوي خمسة آلاف دينار وقال له: اعلم أن الله قد من علينا بك ورحمنا بمجيئك فإن السلطان كان أشرف على الموت من الجذام الذي به وقد دلت عندنا الكتب على أن حياته على يديك فتعجب حاسب من أمرهم ثم تمشى الوزير وحاسب وخواص الدولة من أبواب القصر السبعة إلى أن دخلوا على الملك وكان يقال له الملك كرزدان ملك العجم وقد ملك الأقاليم السبعة وكان في خدمته مائة سلطان يجلسون على كراسي من الذهب الأحمر وعشرة آلاف بهلوان وكل بهلوان تحت يده مائة نائب ومائة جلاد بأيديهم السيوف والأطيار فوجدوا ذلك الملك نائماً ووجهه ملفوف في منديل وهو يئن من شدة الأمراض.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير شمهور أقبل على حاسب وأجلسه على كرسي عن يمين الملك كرزدان وأحضروا السماط فأكلوا وشربوا وغسلوا أيديهم ثم بعد ذلك قام الوزير شمهور وقام لأجله كل من في المجلس هيبة له وتمشى إلى نحو حاسب كريم الدين وقال له: نحن في خدمتك وكل ما طلبت نعطيك ولو طلبت نصف الملك أعطيناك إياه لأن شفاء الملك على يديك ثم أخذه من يده وذهب به إلى الملك فكشف حاسب عن وجه الملك ونظر إليه فرآه في غاية المرض فتعجب من ذلك ثم إن الوزير نزل على يد حاسب وقبلها وقال له: نريد منك أن تداوي هذا الملك والذي تطلبه نعطيك إياه وهذه حاجتنا عندك.
فقال حاسب: نعم إني ابن دانيال نبي الله لكنني ما أعرف شيئاً من العلم فإنهم وضعوني في صنعة الطب ثلاثين يوماً فلم أتعلم شيئاً من تلك الصنعة وكنت أود لو عرفت شيئاً من العلم وأداوي هذاالملك فقال الوزير: لا تطل علينا الكلام فلو جمعنا حكماء المشرق والمغرب ما يداوي الملك إلا أنت فقال له حاسب: كيف أداويه وأنا لا أعرف داءه ولا دواءه قال له الوزير: إن دواء الملك عندك فقال له حاسب: لو كنت أعرف دواءه لداويته فقال له الوزير: أنت تعرف دواءه معرفة تامة فإن دواءه ملكة الحيات وأنت تعرف مكانها وكنت عندها.
فلما سمع حاسب هذا الكلام عرف أن سبب ذلك دخول الحمام وصار يتندم حيث لا ينفعه الندم وقال لهم. كيف يكون دواءه ملكة الحيات وأنا لا أعرفها ولا سمعت طول عمري بهذا الاسم فقال الوزير: لا تنكر معرفتها فإن عندي دليلاً على أنك تعرفها وأقمت عندها سنتين.
فقال حاسب: أنا لا أعرفها ولارأيها ولا سمعت بهذا الخبر إلا في هذا الوقت منكم فأحضر الوزير كتاباً وفتحه وصار يحسب ثم قال: إن ملكة الحيات تجتمع برجل ويمكث عندها سنتين ويرجع من عندها ويطلع على وجه الأرض فإذا دخل الحمام تسود بطنه ثم قال حاسب: انظر إلى بطنك فنظرإليه فرآه أسود فقال لهم حاسب: إن بطني أسود من يوم ولدتني أمي فقال له: أنا كنت وكلت على كل حمام ثلاثة مماليك لأجل أن يتعهدوا كل من يدخل الحمام وينظروا إلى بطنه ويعلموني به فلما دخلت أنت الحمام نظروا إلى بطنك فوجدوه أسود فأرسلوا إلي خبراً بذلك وما صدقنا أننا نجتمع بك في هذا اليوم وما لنا عندك حاجة إلا أن ترينا الموضع الذي طلعت منه وتروح إلى حال سبيلك ونحن نقدر على إمساك ملكة الحيات وعندنا من يأتينا بها.
فلما سمع حاسب هذا الكلام ندم على دخول الحمام ندماً عظيماً حيث لا ينفعه الندم وصار الأمراء والوزراء يتداخلون على حاسب في أن يخبرهم بملكة الحيات حتى عجزوا وهو يقول: لا رأيت هذا الأمر ولا سمعت به. فعند ذلك طلب الوزير الجلاد فأتوه به فأمره أن ينزع ثياب حاسب عنه ويضربه ضرباً شديداً ففعل ذلك حتى عاين الموت من شدة الضرب وبعد ذلك قال الوزير: إن عندنا دليلاً على أنك تعرف مكان ملكة الحيات فلأي شيء أنت تنكره أرنا الموضع الذي خرجت منه وابعد عنا وعندنا الذي يمسكها ولا ضرر عليك ثم لاطفه وأقامه وأمر له بخلعة مزركشة بالذهب والمعادن فامتثل حاسب لأمر الوزير وقال له: أنا أريكم الموضع الذي خرجت منه.
فلما سمع الوزير كلامه فرح فرحاً شديداً وركب هو والأمراء جميعاً وركب حاسب كريم الدين وسار قدام العسكر ومازالوا سائرين حتى وصلوا إلى الجبل ثم أنه دخل بهم إلى المغارة وبكى وتحسن ونزلت الأمراء والوزراء وتمشوا وراء حاسب حتى وصلوا إلى البئر الذي طلع منه ثم تقدم الوزير وجلس وأطلق البخور وأقسم وتلا العزائم ونفث وهمهم لأنه كان ساحراً ماكراً كاهناً يعرف علم الروحاني وغيره ولما فرغ من عزيمته الأولى قرأ عزيمة ثانية وعزيمة ثالثة وكلما فرغ البخور وضع غيره على النار ثم قال. اخرجي يا ملكة الحيات فإذا البئر قد غاض ماؤها وانفتح فيها باب عظيم وخرج منها صراخ عظيم مثل الرعد حتى ظنوا أن تلك البئر قد انهدمت ووقع جميع الحاضرين في الأرض مغشياً عليهم ومات بعضهم وخرج من تلك البئر حية عظيمة مثل الفيل يطير من عينيها ومن فاها الشرر مثل الجمر وعلى ظهرها طبق من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر وفي وسط ذلك الطبق حية تضيء المكان ووجهها كوجه إنسان وتتكمل بأفصح لسان وهي ملكة الحيات والتفتت يميناً وشمالاً فوقع بصرها على حاسب كريم الدين فقالت له: أين العهد الذي عاهدتني به واليمين الذي حلفته لي من أنك لا تدخل الحمام ولكن لا تنفع حيلة في القدر والذي على الجبين مكتوب ما منه مهروب وقد جعل الله آخر عمري على يديك وبهذا حكم الله وأراد أن أقتل أنا والملك يشفى من مرضه ثم إن ملكة الحيات بكت بكاء شديداً وبكى حاسب لبكائها.
ولما رأى الوزير شمهور الملعون ملكة الحيات مد إليها يده ليسمكها فقالت له: امنع يدك يا ملعون وإلا نفخت عليك وصيرتك كوم أسود ثم صاحت على حاسب وقالت له: تعال عندي وخذني بيدك وحطني في هذه الصينية التي معكم واحملها على رأسك فإن موتي على يدك مقدر من الأزل ولا حيلة لك في دفعه.
فأخذها حاسب وحطها في الصينية وحملها على رأسه وعادت البئر كما كانت ثم ساروا وحاسب حامل الصينية التي هي على رأسه فبينما هم في أثناء الطريق غذ قالت ملكة الحيات لحاسب كريم الدين سراً: يا حاسب اسمع ما أقوله لك من النصيحة وإن كنت نقضت العهد وحنثت في اليمين وفعلت هذه الأفعال لأن ذلك مقدر من الأزل. فقال لها: سمعاً وطاعة ما الذي تأمرينني به يا ملكة الحيات فقالت له: إذا وصلت إلى بيت الوزير فإنه يقول لك اذبح
ملكة الحيات وقطعها ثلاث قطع فامتنع من ذلك ولا تفعل وقل له: أنا ما أعرف الذبح لأجل أن يذبحني هو بيده ويعمل في ما يريد فإذا ذبحني وقطعني يأتيه رسول من عند الملك كرزدان ويطلبه إلى الحضور عنده فيضع لحمي في قدر من النحاس ويضع القدر فوق الكانون قبل الذهاب إلى الملك ويقول لك: أوقد النار على القدر حتى تطلع رغوة اللحم فخذها وحطها في قنينة واصبر عليها حتى تبرد واشربها فإذا شربتها لا يبقى في بدنك وجع فإذا طلعت الرغوة الثانية فحطها عندك في قنينة ثانية حتى يجيء من عندك الملك واشربها من أجل مرض في صلبي ثم إنه يعطيك القنينتين ويروح إلى الملك فإذا راح إليه فأوقد النار على القدر حتى تطلع الرغوة الأولى فخذها وحطها في قنينة واحفظها عندك وإياك أن تشربها فإن شربتها لم يحصل لك خيراً وإذا طلعت الرغوة الثانية فحطها في القنينة الثانية واصبر حتى تبرد واحفظها عندك حتى تشربها فإذا جاء من عند الملك وطلب منك القنينة فأعطه الأولى وانظر ما يجري له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:38 AM
وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملكة الحيات أوصت حاسب كريم الدين بعدم الشرب من الرغوة الأولى والمحافظة على الرغوة الثانية وقالت له: إذا رجع الوزير من عند الملك وطلب منك القنينة الثانية فأعطه الأولى وانظر ما يجري له ثم بعد ذلك اشرب أنت الثانية فإذا شربتها يصير قلبك بيت الحكمة ثم بعد ذلك اطلع اللحم وحطه في صينية من النحاس وأعط الملك إياه ليأكله فإذا أكله واستقر في بطنه فاستر وجهه بمنديل واصبر عليه إلى وقت الظهر حتى يبرد بطنه وبعد ذلك اسقه شيئاً من الشراب فإنه يعود صحيحاً بها وحافظ عليها كل المحافظة وما زالوا سائرين حتى أقبلوا على بيت الوزير.
فقال الوزير لحاسب: ادخل معي البيت فلما دخل الوزير وحاسب وتفرق العساكر وراح كل منهم إلى حال سبيله وضع حاسب الصينية التي فيها ملكة الحيات من فوق رأسه ثم قال له الوزير اذبح ملكة الحيات فقال له حاسب: أنا لاأعرف الذبح وعمري ما ذبحت شيئاً فإن كان لك غرض في ذبحها فاذبحها أنت بيدك فقام الوزير شمهور وأخذ ملكة الحيات من الصينية التي هي فيها وذبحها. فلما رأى حاسب ذلك بكى بكاء شديداً فضحك شمهور ومنه وقال له: يا ذاهل العقل كيف تبكي من أجل ذبح حية وبعد أن ذبحها الوزير قطعها ثلاث قطع ووضعها في قدر من النحاس ووضع القدر على النار وجلس ينتظر نضج لحمها فبينما هو جالس وإذا بمملوك أقبل من عند الملك وقال له: إن الملك يطلبك في هذه الساعة. فقال له: سمعاً وطاعة ثم قام وأحضر قنينتين لحاسب وقال له: أوقد النار على هذا القدر حتى تخرج رغوة اللحم الأولى فإذا خرجت فاكشفها من فوق اللحم وحطها في إحدى هاتين القنينتين واصبر عليها حتى تبرد واشربها أنت فإذا شربتها صح جسمك ولا يبقى في جسدك وجع ولا مرض وإذا طلعت الرغوة الثانية فضعها في القنينة الأخرى واحفظها عندك حتى أرجع من عند الملك وأشربها لأن في صلبي وجعاً عساه يبرأ إذا شربتها ثم توجه إلى الملك بعد أن أكد على حاسب في تلك الوصية فصار حاسب يوقد النار تحت القدر حتى طلعت الرغوة الأولى فكشطها وحطها في قنينة من الاثنتين ووضعها عنده ولم يزل يوقد النار تحت القدر حتى طلعت الرغوة الثانية فكشطها في القنينة الأخرى وحفظها عنده ولما استوى اللحم أنزل القدر من فوق النار وقعد ينتظر الوزير.
فلما أقبل الوزير من عند الملك قال لحاسب: أي شيء فعلت فقال له حاسب: قد انقضى الشغل فقال له الوزير ما فعلت في القنينة الأولى قال له: شربت ما فيها في هذا الوقت فقال له الوزير: أرى جسدك لم يتغير منه شيء. فقال له حاسب: إن جسدي من فوق إلى قدمي أحس منه بأنه يشتعل مثل النار فكتم الماكر الوزير شمهور الأمر عن حاسب خداعاً ثم إنه قال له: هات القنينة الثانية لأشرب ما فيها لعلي أشفى وأبرأ من هذا المرض الذي في صلبي ثم إنه شرب ما في القنينة الأولى وهو يظن أنها الثانية فلم يتم شربها حتى سقطت من يده وتورم من ساعته وصح فيه قول صاحب المثل: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
فلما رأى حاسب ذلك الأمر تعجب منه وصار خائفاً من شرب القنينة الثانية ثم تفكر وصية الحية وقال في نفسه: لو كان ما في القنينة الثانية مضراً ما كان الوزير اختارها لنفسه ثم إنه قال: توكلت على الله تعالى وشرب ما فيها ولما شربه فجر الله في قلبه ينابيع الحكمة وفتح له عين العلم وحصل له الفرح والسرور وأخذ اللحم الذي كان في القدر ووضعه في صينية من نحاس وخرج به من بيت الوزير ورفع رأسه إلى السماء فرأى السموات السبع وما فيهن إلى سدرة المنتهى ورأى كيفية دوران الفلك وكشف الله له عن جميع ذلك ورأى النجوم السيارة والثوابت وعلم كيفية سير الكواكب وشاهد هيئة البر والبحر واستيقظ من ذلك وعلم
التنجيم وعلم الهيئة وعلم الفلك وعلم الحساب وما يتعلق بذلك كله وعرف ما يترتب على الكسوف والخسوف وغير ذلك ثم نظر إلى الأرض فعرف ما فيها من المعادن والنبات والأشجار وعلم جميع ما لها من الخواص والمنافع واستنبط من ذلك علم الطب وعلم الكيمياء وعلم السيمياء وعرف صنعة الذهب والفضة ولم يزل سائراً بذلك اللحم حتى وصل إلى قصر الملك كرزدان ودخل عليه وقبل الأرض بين يديه وقال له: تعيش رأسك في وزيرك شمهور. فاغتاظ الملك غيظاً شديداً بسبب موت وزيره وبكى بكاء شديداً وبكت عليه الوزراء والأمراء وأكابر الدولة ثم بعد ذلك قال الملك كرزدان: إن الوزير شمهور كان عندي في هذا الوقت وهو في غاية الصحة ثم ذهب ليأتيني باللحم إن كان طبخه فما سبب موته في هذه الساعة وأي شيء عرض له من العوارض فحكى حاسب للملك جميع ما جرى لوزيره ثم إنه شرب القنينة وتورم وانتفخ بطنه ومات فحزن عليه الملك حزناً شديداً ثم قال لحاسب: كيف حالي بعد شمهور فقال حاسب: لاتحمل هماً يا ملك الزمان فأنا أداويك في ثلاثة أيام ولا أترك في جسمك شيء من الأمراض فانشرح صدر الملك كرزدان وقال لحاسب: أنا مرادي أن أعافى من هذا البلاء ولو بعد مدة من السنين. فقام حاسب وأتى بالقدر وحطه قدام الملك وأخذ قطعة من لحم ملكة الحيات وأطعمها للملك كرزدان وغطاه ونشر على وجهه منديلاً وقعد عنده وأمره بالنوم فنام من وقت الظهر إلى وقت المغرب حتى دارت قطعة اللحم في بطنه ثم بعد ذلك أيقظه وسقاه شيئاً من الشراب وأمره بالنوم فنام الليل إلى وقت الصبح ولما طلع النهار فعل معه ما فعل بالأمس حتى أطعمه القطع الثلاث على ثلاثة أيام فقب جلد الملك وانقشر جميعه فعند ذلك عرق الملك حتى جرى العرق من رأسه إلى قدمه وتعافى وما بقي في جسده شيء من الأمراض.
وبعد ذلك قال له حاسب: لابد من دخول الحمام ثم أدخله الحمام وغسل جسده وأخرجه فصار جسمه مثل قضيب الفضة وعاد لما كان عليه من الصحة وردت له العافية أحسن ما كانت أولاً ثم إنه لبس أحسن ملبوسه وجلس على التخت وأذن لحاسب كريم الدين في أن يجلس معه فجلس بجانبه ثم أمر الملك بمد السماط فمد وأكلا وغسلا أيديهما وبعد ذلك أمر أن يأتوا بالمشروب فأتوا بما طلب فشربا.
ثم بعد ذلك أتى جميع الأمراء والوزراء والعسكر وأكابر الدولة وعظماء رعيته وهنوه بالعافية
ودقوا الطبول وزينوا المدينة من أجل سلامة الملك ولما اجتمعوا عنده للتهنئة قال لهم الملك: يا معشر الوزراء والأمراء وأرباب الدولة هذا حاسب كريم الدين داواني من مرضي اعلموا أني قد جعلته وزيراً أعظم من مكان الوزير شمهور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:39 AM
وفي الليلة الثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال لوزرائه وأكابر دولته أن الذي داواني من مرضي هو حاسب كريم الدين وقد جعلته وزيراً أعظم من مكان الوزير شمهور فمن أحبه قد أحبني ومن أكرمه فقد أكرمني ومن أطاعه فقد أطاعني. فقالوا له جميعاً: سمعاً وطاعة ثم قاموا كلهم وقبلوا يد حاسب كريم الدين وسلموا عليه وهنوه بالوزارة ثم بعد ذلك خلع عليه خلعة سنية منسوجة بالذهب الأحمر مرصعة بالدر والجوهر أقل جوهرة فيها تساوي خمسة آلاف دينار وأعطاه ثلاثمائة مملوك وثلاثمائة سرية تضيء مثل الأقمار وثلاثمائة جارية من الجيش وخمسمائة بغلة محملة من المال وأعطاه من المواشي والغنم والجاموس والبقر ما يكل عنه الوصف.
وبعد هذا كله أمر وزراءه وأمراءه وأرباب دولته وأكابر مملكته وعموم رعيته أن يهادوه ثم ركب حاسب كريم الدين وركبت خلفه الوزراء والأمراء وأرباب الدولة وجميع العساكر وساروا إلى بيته الذي أخلاه له الملك ثم جلس على كرسي وتقدمت إليه الأمراء والوزراء وقبلوا يده وهنوه بالوزارة وجاء أهله وهنوه بالسلامة والوزارة وفرحوا به فرحاً شديداً ثم بعد ذلك أقبل عليه أصحابه الحطابون وهنوه بالوزارة وبعد ذلك ركب وسار حتى وصل إلى قصر الوزير شمهور فختم على بيته ووضع يده على ما فيه. ثم نقله إلى بيته وبعد أن كان لا يعرف شيئاً من العلوم ولاقراءة الخط صار عالماً بجميع العلوم بقدرة الله تعالى وانتشر علمه وشاعت حكمته في جميع البلاد واشتهر بالتبحر في علم الطب والهيئة والهندسة والتنجيم والكيمياء والسيمياء والروحاني وغير ذلك من العلوم ثم إنه قال لأمه يوماً من الأيام: يا والدتي إن أبي دانيال كان عالماً فاضلاً فأخبريني بما خلفه من الكتب وغيرها. فلما سمعت أمه كلامه أتته بالصندوق الذي كان أبوه قد وضع فيه الورقات الخمس الباقية من الكتب التي غرقت في البحر وقالت له: ما خلف أبوك شيء من الكتب إلا الورقات الخمس التي في هذا الصندوق ففتح الصندوق وأخذ منه الورقات الخمس وقرأها وقال لها: يا أمي إن هذه الأوراق من جملة كتاب وأين بقيته فقالت له: إن أباك كان قد سافر بجميع كتبه إلى البحر فانكسر به المركب وغرقت كتبه ونجاه الله من الغرق ولم يبق من كتبه إلا هذه الورقات الخمس ولما جاء أبوك من السفر كنت حاملاً بك فقال لي ربما تلدين ذكراً فخذي هذه الأوراق واحفظيها عندك فإذا كبر الغلام وسأل عن تركتي فأعطيه إياها وقولي له: إن أباك لم يخلف غيرها وهذه هي ثم إن حاسباً كريم الدين تعلم جميع العلوم ثم بعد ذلك قعد في أكل وشرب وأطيب معيشة وأرغد عيش إلى أن أتاه هادم اللذات ومفرق الجماعات وهذا آخر ما انتهى إلينا من حديث حاسب بن دانيال رحمه الله تعالى والله أعلم.

حكاية السندباد
قالت: بلغني أنه كان في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال وكان رجلاً فقير الحال يحمل تجارته على رأسه فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة وكان ذلك اليوم شديد الحر فتعب من تلك الحملة وعرق واشتد عليه الحر فمر على باب رجل تاجر قدامه كنس ورش وهناك هواء معتدل وكان بجانب الباب مصطبة عريضة فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:39 AM
وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحمال لما حط حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء خرج عليه من ذلك الباب نسيم رائق ورائحة ذكية فاستلذ الحمال لذلك وجلس على جانب المصطبة فسمع في ذلك المكان نغم أوتار وعود وأصوات مطربة وأنواع إنشاد معربة وسمع أيضاً أصوات طيور تناغي وتسبح الله تعالى باختلاف الأصوات وسائر اللغات من قماري وهزار وشحارير وبلابل وفاخت وكروان.
فعند ذلك تعجب من نفسه وطرب طرباً شديداً فتقدم إلى ذلك فوجد داخل البيت بستاناً عظيماً. ونظر فيه غلماناً وعبيداً وخداماً وحشماً وشيئاً لا يوجد إلا عند الملوك والسلاطين وبعد ذلك هبت عليه رائحة أطعمة طيبة ذكية من جميع الألوان المختلفة والشراب الطيب فرفع طرفه إلى السماء وقال: سبحانك يا رب يا خالق يا رزاق ترزق من تشاء بغير حساب اللهم إني أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك من العيوب يا رب لا أعترض عليك في حكمك
وقدرتك فإنك لا تسأل عما تفعل وأنت على كل شيء قدير سبحانك تغني من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء لا إله إلا أنت ما أعظم شأنك وما أقوى سلطانك وما أحسن تدبيرك قد أنعمت على من تشاء من عبادك فهذا المكان صاحبه في غاية النعمة وهو متلذذ بالروائح اللطيفة والمآكل اللذيذه والمشارب الفاخرة في سائر الصفات وقد حكمت في خلقك بما تريد وما قدرته عليهم فمنهم تعبان ومنهم مستريح ومنهم سعيد ومنهم من هو مثلي في غاية التعب والذل وأنشد يقول: فـــكـــم مـــن شـــــــقـــــــي بـــــــلا راحةينـــعـــم فـــي خــــــير فـــــــيء وظـــــــل وأصـــبـــحـــت فــــــي تـــــــعـــــــب زائدوأمـــري عـــجـــيب وقـــد زاد حـــمـــلـــي وغـــيري ســـعـــيد بـــــــلا شـــــــقـــــــوةومـا حـمـل الـدهـــر يومـــاً كـــحـــمـــلـــي وكـــل الـــخـــلائق مــــــن نـــــــطـــــــفةأنـــا مـــثـــل هـــذا وهـــذا كـــمـــثـــلــــي ولـــكـــن شـــتـــان مـــا بــــــينـــــــنـــــــاوشـــتـــان بــــين خـــــــمـــــــر وخـــــــل ولـــســـت أقـــول عـــلـــيك افـــــتـــــــراءفـــأنـــت حـــكـــيم حـــكـــمـــت بـــعـــــدل فلما فرغ السندباد الحمال من شعره ونظمه أراد أن يحمل حملته ويسير إذ قد طلع عليه من ذلك الباب غلام صغير السن حسن الوجه مليح القد فاخر الملابس فقبض على يد الحمال وقال له: ادخل كلم سيدي فإنه يدعوك فأراد الحمال الامتناع عن الدخول مع الغلام فلم يقدر على ذلك فحط حملته عند الباب في وسط المكان ودخل مع الغلام داخل الدار فوجد داراً مليحة وعليها أنس ووقار ونظر إلى مجلس عظيم فنظر فيه من السادات الكرام والموالي العظام وفيه من جميع أصناف الزهر وجميع أصناف المشموم ومن أنواع النقل والفواكه وشيء كثير من أصناف الأطعمة النفيسة وفيه مشروب من خواص دوالي الكروم وفيه آلات السماع والطرب من أصناف الجواري الحسان كل منهن في مقامه على حسب الترتيب. وفي صدر ذلك المجلس رجل عظيم محترم قد لكزه الشيب في عوارضه وهو مليح الصورة حسن المنظر وعليه هيبة ووقار وعز وافتخار فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه: والله إن هذا المكان من بقع الجنان أو أنه يكون قصر ملك أو سلطان ثم تأدب وسلم عليهم وقبل الأرض بين أيديهم

هانى رفعت
05-05-2010, 01:40 AM
وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد الحمال لما قبل الأرض بين أيديهم وقف منكس
الرأس متخشع فأذن له صاحب المكان بالجلوس فجلس وقد قربه إليه وصار يؤانسه بالكلام ويرحب به ثم إنه قدم له شيئاً من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس فتقدم السندباد الحمال وسمى وأكل حتى اكتفى وشبع وقال: الحمد لله على كل حال ثم إنه غسل يديه وشكرهم على ذلك.
فقال صاحب المكان: مرحبا بك ونهارك مبارك فما يكون اسمك وما تعاني من الصنائع فقال له: يا سيدي اسمي السندباد الحمال وأنا أحمل على رأسي أسباب الناس بالأجرة فتبسم صاحب المكان وقال له: اعلم يا حمال أن اسمك مثل اسمي فأنا السندباد البحري ولكن يا حمال قصدي أن تسمعني الأبيات التي كنت تنشدها وأنت على الباب فاستحى الحمال وقال له: بالله عليك لا تؤاخذني فإن التعب والمشقة وقلة ما في اليد تعلم الإنسان قلة الأدب والسفه. فقال له: لا تستحي فأنت صرت أخي فانشد هذه الأبيات فإنها أعجبتني لما سمعتها منك وأنت تنشدها على الباب فعند ذلك أنشده الحمال تلك الأبيات فأعجبته وطرب لسماعها وقال له: اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي من قبل أن أصير في هذه السعادة واجلس في هذا المكان الذي تراني فيه فإني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة وكم قاسيت في الزمن الأول من التعب والنصب وقد سافرت سبع سفرات وكل سفرة لها حكاية تحير الفكر وكل ذلك بالقضاء والقدر وليس من المكتوب مفر ولا مهروب.
الحكاية الأولى من حكايات السندباد البحري وهي أول السفرات اعلموا يا سادة يا كرام أنه كان لي أب تاجر وكان من أكابر الناس والتجار وكان عنده مال كثير ونوال جزيل وقد مات وأنا ولد صغير وخلف لي مالاً وعقاراً وضياعاً فلما كبرت وضعت يدي على الجميع وقد أكلت أكلاً مليحاً وشربت شرباً مليحاً وعاشرت الشباب وتجملت بلبس الثياب ومشيت مع الخلان والأصحاب واعتقدت أن ذلك يدوم لي وينفعني ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان ثم إني رجعت إلى عقلي وأفقت من غفلتي فوجدت مالي قد مال وحالي قد حال وقد ذهب جميع ما كان عندي ولم أستفق لنفسي إلا وأنا مرعوب مدهوش وقد تفكرت حكاية كنت أسمعها سابقاً وهي حكاية سيدنا سليمان بن داود عليه السلام في قوله: ثلاثة خير من ثلاثة يوم الممات خير من يوم الولادة وكلب حي خير من سبع ميت والقبر خير
من القصر. ثم إني قمت وجمع ما كان عندي من أثاث وملبوس وبعته ثم بعت عقاري وجميع ما تملك يدي فجمعت ثلاثة آلاف درهم وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس وتذكرت كلام بعض الشعراء حيث قال: بـقـدر الـكـد تــكـــتـــســـب الـــمـــعـــالـــيومـن طـلـب الـعــلا ســـهـــر الـــلـــيالـــي يغـوص الـبـحـر مـــن طـــلـــب الـــلآلـــئويحـــظـــى بـــالـــســـيادة والـــــنـــــــوال ومـن طـــلـــب الـــعـــلا مـــن غـــير كـــدأضـاع الـعـمـر فـي طـــلـــب الـــمـــحـــال فعند ذلك هممت فقمت واشتريت لي بضاعة ومتاعاً وأسباباً وشيئاً من أغراض السفر وقد سمحت لي نفسي بالسفر في البحر فنزلت المركب وانحدرت إلى مدينة البصرة مع جماعة من التجار وسرنا في البحر أياماً وليالي وقد مررنا بجزيرة بعد جزيرة ومن بحر إلى بحر ومن بر إلى بر وفي كل مكان مررنا به نبيع ونشتري ونقايض بالبضائع فيه وقد انطلقنا في سير البحر إلى أن وصلنا إلى جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة فأرسى بنا صاحب المركب على تلك الجزيرة ورمى مراسيها وشد السقالة فنزل جميع من كان في المركب في تلك الجزيرة وعملوا لهم كوانين وأوقدوا فيها النار واختلفت أشغالهم فمنهم من صار يطبخ ومنهم من صار يغسل ومنهم من صار يتفرج وكنت أنا من جملة المتفرجين في جوانب الجزيرة.
وقد اجتمع الركاب على أكل وشرب ولهو ولعب فبينما نحن على تلك الحالة وإذا بصاحب المركب واقف على جانبه وصاح بأعلى صوته: يا ركاب السلامة أسرعوا واطلعوا إلى المركب وبادروا إلى الطلوع واتركوا أسبابكم واهربوا بأرواحكم وفوزوا بسلامة أنفسكم من الهلاك فإن هذه الجزيرة التي أنتم عليها ما هي جزيرة وإنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر فبنى عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة وقد نبتت عليها الأشجار من قديم الزمان فلما وقدتم عليها النار أحست بالسخونة فتحركت وفي هذا الوقت تنزل بكم في البحر فتغرقون جميعاً فاطلبوا النجاة لأنفسكم قبل الهلاك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:41 AM
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ريس المركب لما صاح على الركاب وقال لهم: اطلبوا النجاة لأنفسكم واتركوا الأسباب ولما سمع الركاب كلام ذلك الريس أسرعوا وبادروا بالطلوع إلى المركب وتركوا الأسباب وحوائجهم ودسوتهم وكوانينهم فمنهم من لحق المركب ومنهم من لم يلحقه وقد تحركت تلك الجزيرة ونزلت إلى قرار البحر بجميع ما كان عليها وانطبق عليها البحر العجاج المتلاطم بالأمواج وكنت من جملة من تخلف في الجزيرة فغرقت في البحر مع جملة من غرق ولكن الله تعالى أنقذني ونجاني من الغرق ورزقني بقطعة خشب كبيرة من القطع التي كانوا يغسلون فيها فمسكتها بيدي وركبتها من حلاوة الروح ورفست في الماء برجلي مثل المجاذيف والأمواج تلعب بي يميناً وشمالاً.
وقد نشر الريس قلاع المركب وسافربالذين طلع بهم في المركب ولم يلتفت لمن غرق منهم ومازلت أنظر إلى ذلكالمركب حتى خفي عن عيني وأيقنت بالهلاك ودخل علي الليل وأنا على هذه الحالة فمكثت على ما أنا فيه يوماً وليلة وقد ساعدني الريح والأمواج إلى أن رست بي تحت جزيرة عالية وفيها أشجار مطلة على البحر فمسكت فرعاً من شجرة عالية وتعلقت به بعدما أشرفت على الهلاك وتمسكت به إلى أن طلعت إلى الجزيرة فوجدت في رجلي خدلاً وأثر أكل السمك في بطونهما ولم أشعر بذلك من شدة ما كنت فيه من الكرب والتعب وقد ارتميت في الجزيرة وأنا مثل الميت وغبت عن وجودي وغرقت في دهشتي ولم أزل على هذه الحالة إلى ثاني يوم. وقد طلعت الشمس علي وانتبهت في الجزيرة فوجدت رجلي قد ورمتا فسرت حزيناً على ما أنا فيه فتارة أزحف وتارة أحبو على ركبي وكان في الجزيرة فواكه كثيرة وعيون ماء عذب فصرت آكل من تلك الفواكه ولم أزل على هذه الحالة مدة أيام وليال فانتعشت نفسي وردت لي روحي وقويت حركتي وصرت أتفكر وأمشي في جانب الجزيرة وأتفرج بين الأشجار مما خلق الله تعالى. وقد عملت لي عكازاً من تلك الأشجار أتوكأ عليه ولم أزل على هذه الحالة إلى أن تمشيت يوماً من الأيام في جانب الجزيرة فلاح لي شبح من بعيد فظننت أنه وحش أو أنه دابة من دواب البحر فتمشيت إلى نحوه ولم أزل أتفرج عليه وإذا هو فرس عظيم المنظر مربوط في جانب الجزيرة على شاطئ البحر فدنوت منه فصرخ علي صرخة عظيمة فارتعبت منه وأردت أن أرجع وإذا برجل خرج من تحت الأرض وصاح علي واتبعني وقال لي: من أنت ومن أين جئت وما سبب وصولك إلى هذا المكان فقلت له: يا سيدي اعلم أني رجل غريب وكنت في مركب وغرقت أنا وبعض من كان فيها فرزقني الله بقطعة خشب فركبتها وعامت بي إلى أن رمتني الأمواج في هذه الجزيرة.
فلما سمع كلامي أمسكني من يدي وقال لي: امش معي فنزل بي في سرداب تحت الأرض ودخل بي إلى قاعة كبيرة تحت الأرض وأجلسني في صدر تلك القاعة وجاء لي بشيء من الطعام وأنا كنت جائعاً فأكلت حتى شبعت واكتفيت وارتاحت نفسي ثم إنه سألني عن حالي وما جرى لي فأخبرته بجميع ما كان من أمري من المبتدأ إلى المنتهى فتعجب من قصتي.
فلما فرغت من حكايتي قلت: بالله عليك ياسيدي لا تؤاخذني فأنا قد أخبرتك بحقيقة حالي وما جرى لي وأنا أشتهي منك أن تخبرني من أنت وما سبب جلوسك في هذه القاعة التي تحت فقال لي اعلم أننا جماعة متفرقون في هذه الجزيرة على جوانبها ونحن سياس الملك المهرجان وتحت أيدينا جميع خيوله وفي كل شهر عند القمر نأتي بالخيل الجياد ونربطها في هذه الجزيرة من كل بكر ونختفي في هذه القاعة تحت الأرض حتى لا يرانا أحد فيجيء حصان من خيول البحر على رائحة تلك الخيل ويطلع على البر فلم ير أحداً فيثب عليها ويقضي منها حاجته وينزل عنها ويريد أخذها معه فلا تقدر أن تسير معه من الرباط فيصيح عليه ويضربها برأسه ورجليه ويصيح فنسمع صوته فنعلم أنه نزل عنها فنطلع صارخين عليه فيخاف وينزل البحر والفرس تحمل وتلد مهراً أو مهرة تساوي خزنة مال ولا يوجد لها نظير على وجه الأرض وهذا وقت طلوع الحصان وإن شاء الله تعالى آخذك معي إلى الملك المهرجان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:42 AM
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السايس قال للسندباد البحري آخذك معي إلى الملك المهرجان وأفرجك على بلادنا واعلم أنه لولا اجتماعك علينا ما كنت ترى أحداً في هذا المكان غيرنا وكنت تموت كمداً ولا يدري بك أحد ولكن أنا أكون سبب حياتك ورجوعك إلى بلادك فدعوت له وشكرته على فضله وإحسانه فبينما نحن في هذا الكلام وإذا بالحصان قد طلع من البحر وصرخ صرخة عظيمة ثم وثب على الفرس فلما فرغ منها نزل عنها وأراد أخذها معه فلم يقدر ورفست وصاحت عليه فأخذ الرجل السايس سيفاً بيده ودرقة وطلع من باب تلك القاعة وهو يصيح على رفقته ويقول اطلعوا إلى الحصان ويضرب بالسيف على الدرقة فجاء جماعة بالرماح صارخين فجفل منهم الحصان وراح إلى حال سبيله ونزل في البحر مثل الجاموس وغاب تحت الماء.
فعند ذلك جلس الرجل قليلاً وإذا هو بأصحابه قد جاؤه ومع كل واحد فرس يقودها
فنظروني عنده فسألوني عن أمري فأخبرتهم بما حكيته لو وقربوا مني ومدوا السماط وأكلوا وعزموني فأكلت معهم ثم إنهم قاموا وركبوا الخيول وأخذوني إلى مدينة الملك المهرجان وقد دخلوا عليه وأعلموه بقصتي فطلبني فأدخلوني عليه وأوقفوني بين يديه فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي وحياني بإكرام وسألني عن حالي فأخبرته بجيع ما حصل لي وبكل ما رأيته من المبتدأ إلى المنتهى.
فعند ذلك تعجب مما وقع لي ومما جرى لي فعند ذلك قال لي يا ولدي والله لقد حصل لك مزيد السلامة ولولا طول عمرك ما نجوت من هذه الشدائد ولكن الحمد لله على السلامة ثم إنه أحسن إلي وأكرمني وقربني إليه وصار يؤانسني بالكلام والملاطفة وجعلني عنده عاملاً في ميناء البحر وكاتباً على كل مركب عبر إلى البر وصرت واقفاً عنده لأقضي له مصالحه وهو يحسن إلي وينفعني من كل جانب وقد كساني كسوة مليحة فاخرة وصرت مقدماً عنده في الشفاعات وقضاء مصالح الناس ولم أزل عنده مدة طويلة.
وأنا كلما اشق على جانب البحر اسأل التجار والمسافرين والبحريين عن ناحية مدينة بغداد لعل أحداً يخبرني عنها فأروح معه إليها وأعود إلى بلادي فلم يعرفها أحد ولم يعرف من يروح إليها وقد تحيرت في ذلك وسئمت من طول الغربة ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت يوماً من الأيام ودخلت على الملك المهرجان فوجدت عنده جماعة من الهنود فسلمت عليهم فردوا علي السلام ورحبوا بي وقد سألوني عن بلادي فذكرتها لهم وسألتهم عن بلادهم ذركوا لي أنهم أجناس مختلفة فمنهم الشاركية وهم أشرف أجناسهم لا يظلمون أحداً ولا يقهرونه.
ومنهم جماعة تسمى البراهمة وهم قوم لا يشربون الخمر أبداً وإنما هم أصحاب حظ وصفاء ولهو وطرب وجمال وخيول ومواشي وأعلموني أن صنف الهنود يفترق على اثنين وسبعين فرقة فتعجبت من ذلك غاية العجب.
ورأيت في مملكة المهرجان جزيرة من جملة الجزائر يقال لها كابل يسمع فيها ضرب الدفوف والطبول طول الليل وقد أخبرنا أصحاب الجزائر والمسافرين أنهم أصحاب الجد والرأي. ورأيت في البحر سمكة طولها مائتا ذراع ورأيت أيضاً سمكاً وجهه مثل وجه البوم ورأيت في تلك السفرة كثيراً من العجائب والغرائب مما لو حكيته لكم لطال شرحه ولم أزل أتفرج على تلك الجزائر وما فيها إلى أن وقفت يوماً من الأيام على جانب البحر وفي يدي عكاز حسب عاداتي وإذا بمركب قد أقبل وفيه تجار كثيرون.
فلما وصل إلى ميناء المدينة وفرضته وطوى الريس قلوعه وأرسله على البر ومد السقالة واطلع البحرية جميع ما كان في ذلك المركب إلى البر وأبطأوا في تطليعه وأنا واقف أكتب عليهم فقلت لصاحب المركب هل بقي في مركبك شيء فقال نعم يا سيدي معي بضائع في بطن المركب ولكن صاحبها غرق معنا في البحر في بعض الجزائر ونحن قادمون في البحر وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:43 AM
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الريس قال للسندباد البحري أن صاحب هذه البضائع غرق وصارت بضائعه معنا فغرضنا أننا نبيعها ونأخذ ثمنها لأجل أن نوصله إلى أهله في مدينة بغداد دار السلام فقلت للريس ما يكون اسم ذلك الرجل صاحب البضائع فقال اسمه السندباد البحري وقد غرق معنا في البحر.
فلما سمعت كلامه حققت النظر فيه فعرفته وصرخت عليه صرخة عظيمة وقلت يا ريس اعلم أني أنا صاحب البضائع التي ذكرتها وأنا السندباد البحري الذي نزلت من المركب في الجزيرة مع جملة من نزل من التجار ولما تحركت السمكة التي كنا عليها وصحت أتت علينا طلع من طلع وغرق الباقي وكنت أنا من جملة من غرق ولكن الله تعالى سلمني ونجاني من الغرق بقطعة كبيرة من القطع التي كان الركاب يغسلون فيها. فركبتها وصرت أرفس برجلي وساعدني الريح والموج إلى أن وصلت إلى هذه الجزيرة فطلعت فيها وأعانني الله تعالى بسياس الملك المهرجان فأخبرته بقصتي فأنعم علي وجعلني كاتباً على ميناء هذه المدينة فصرت أنتفع بخدمته وصار لي عنده قبول وهذه البضائع التي معك بضائعي ورزقي قال الريس لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما بقي لأحد أمانة ولا ذمة فقلت له يا ريس ما سبب ذلك وأنك سمعتني أخبرتك بقصتي فقال الريس لأنك سمعتني أقول أن معي بضائع صاحبها غرق فتريد أن تأخذها بلا حق وهذا حرام عليك فإننا رأيناه لما غرق وكان معه جماعة من الركاب كثيرون وما نجا فقلت له يا ريس اسمع قصتي وافهم كلامي يظهر لك صدقي فإن الكذب سيمة المنافقين ثم إني حكيت للريس جميع ما كان مني من حين خرجت معه من مدينة بغداد إلى أن وصلنا تلك الجزيرة التي غرقنا فيها وأخبرته ببعض أحوال جرت بيني وبينه فعند ذلك تحقق الريس والتجار من صدقي فعرفوني وهنوني بالسلامة وقالوا جميعاً والله ما كنا نصدق بأنك نجوت من الغرق ولكن رزقك الله عمراً جديداً ثم إنهم أعطوني البضائع فوجدت اسمي مكتوباً عليها ولم ينقص منها شيء ففتحتها وأخرجت منها شيئاً نفيساً غالي الثمن وحملته معي بحرية المركب وطلعت به إلى الملك على سبيل الهدية وأعلمت الملك بأن هذا المركب الذي كنت فيه وأخبرته أن بضائعي وصلت إلي بالتمام والكمال وأن هذه الهدية منها.
فتعجب الملك من ذلك الأمر غاية العجب وظهر له صدقي في جميع ما قلته وقد أحبني محبة شديدة وأكرمني إكراماً زائداً ووهب لي شيئاً كثيراً في نظير هديتي ثم بعت حمولتي وما كان معي من البضائع وكسبت فيها شيئاً كثيراً واشتريت بضاعة وأسباباً ومتاعاً من تلك المدينة.
ولما أراد تجار المركب السفر شحنت جميع ما كان معي في المركب ودخلت عند الملك وشكرته على فضله وإحسانه ثم استأذنته في السفر إلى بلادي وأهلي فودعني وأعطاني شيئاً كثيراً عند سفري من متاع تلك المدينة فودعته ونزلت المركب وسافرنا بإذن الله تعالى وخدمنا السعد وساعدتنا المقادير ولم نزل مسافرين ليلاً ونهاراً إلى أن وصلنا بالسلامة إلى مدينة البصرة وطلعنا إليها وأقمنا فيها زمناً قليلاً وقد فرحت بسلامتي وعودتي إلى بلادي.
وبعد ذلك توجهت إلى مدينة بغداد دار السلام ومعي الحمول والمتاع والأسباب شيء كثير له قيمة عظيمة ثم جئت إلى حارتي ودخلت بيتي وقد جاء جميع أهلي وأصحابي ثم إني اشتريت لي خدماً وحشماً ومماليك وسراري وعبيداً حتى صار عندي شيء كثير واشتريت لي دوراً وأماكن وعقاراً أكثر من الأول ثم إني عاشرت الأصحاب ورافقت الخلان وصرت أكثر مما كنت عليه في الزمن الأول ونسيت جميع ما كنت قاسيت من التعب والغربة والمشقة وأهوال السفر واشتغلت باللذات والمسرات والمآكل الطيبة والمشارب النفيسة ولم أزل على هذه الحالة. وهذا ما كان في أول سفراتي وفي غد إن شاء الله تعالى أحكي لكم الثانية من السبع سفرات.
ثم إن السندباد البحري عشى السندباد البري عنده وأمر له بمائة مثقال ذهباً وقال له آنستنا في هذا النهار فشكره الحمال وأخذ معه ما وهبه له وانصرف إلى حال سبيله وهو متفكر فيما يقع وما يجري للناس ويتعجب غاية العجب ونام تلك الليلة في منزله.
ولما أصبح الصباح جاء إلى بيت السندباد البحري ودخل عنده فرحب به وأكرمه وأجلسه عنده ولما حضر بقية أصحابه قدم لهم الطعام والشراب وقد صفا لهم الوقت وحصل لهم الطرب فبدأ السندباد البحري بالكلام وقال اعلموا يا إخواني أنني كنت في ألذ عيش وأصفى سرور على ما تقدم ذكره لكم بالأمس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
الحكاية الثانية من حكايات السندباد البحري وهي السفرة الثانية

هانى رفعت
05-05-2010, 01:43 AM
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما اجتمع عنده أصحابه قال لهم إني كنت في ألذ عيش إلى أن خطر ببالي يوماً من الأيام السفر إلى بلاد الناس واشتاقت نفسي إلى التجارة والتفرج في البلدان والجزر واكتساب المعاش فهممت في ذلك الأمر وأخرجت من مالي شيئاً كثيراً اشتريت به بضائع وأسباباً تصلح للسفر وحزمتها وجئت إلى الاسحل فوجدت مركباً مليحاً جديداً وله قلع قماش مليح وهو كثير الرجال زائد العدة وأنزلت حمولتي فيه أنا وجماعة من التجار وقد سافرنا في ذلك النهار وطاب لنا السفر ولم نزل من بحر إلى بحر ومن جزيرة إلى جزيرة وكل محل رسونا عليه نقابل التجار وأرباب الدولة والبائعين والمشترين ونبيع ونشتري ونقايض بالبضائع فيه.
ولم نزل على هذه الحالة إلى أن ألقتنا المقادير على جزيرة كثيرة الأشجار يانعة الأثمار فائحة الأزهار مترنمة الأطيار صافية الأنهار ولكن ليس بها ديار ولا نافخ نار فأرسى بنا الريس على تلك الجزيرة وقد طلع التجار والركاب إلى تلك الجزيرة يتفرجون على ما بها من الأشجار والأطيار ويسبحون الله الواحد القهار ويتعجبون من قدرة الملك الجبار فعند ذلك طلعت إلى الجزيرة مع جملة من طلع وجلست على عين ماء صاف بين الأشجار وكان معي شيء من المأكل فجلست في هذا المكان آكل ما قسم الله تعالى لي وقد طاب النسيم بذلك المكان وصفا لي الوقت فأخذتني سنة من النوم فارتحت في ذلك المكان وقد استغرقت في النوم وتلذذت بذلك النسيم الطيب والروائح الزكية ثم إني قمت فلم أجد أحداً لا من التجار ولا من البحرية فتركوني في الجزيرة وقد التفت فيها يميناً وشمالاً فلم أجد بها أحد غيري فحصل عندي قهر شديد ما عليه من مزيد وكادت مرارتي تنفقع من شدة ما أنا فيه من الغم والحزن والتعب ولم يكن معي شيء من حطام الدنيا ولا من المأكل ولا من المشرب وصرت وحيداً وقد تعبت في نفسي ويئست من الحياة وبعد ذلك قمت على حيلي وتمشيت في الجزيرة يميناً وشمالاً وصرت لا أستطيع الجلوس في محل واحد ثم إني صعدت على شجرة عالية وصرت أنظر من فوقها يميناً وشمالاً فلم أر غير سماء وماء وأشجار وأطيار وجزر ورمال ثم حققت النظر فلاح لي في الجزيرة شيء أبيض عظيم الخلقة فنزلت من فوق الشجرة وقصدته وصرت أمشي إلى ناحيته ولم أزل سائراً إلى أن وصلت غليه وإذا به قبة كبيرة بيضاء شاهقة فيالعلو كبيرة الدائرة فدنوت منها ودرت حولها فلم أجد لها باباً ولم أجد لي قوة ولا حركة في الصعود عليها من شدة النعومة فعلمت مكان وقوفي ودرت حول القبة أقيس دائرتها فإذا هي خمسون خطوة وافية فصرت متفكراً في الحيلة الموصلة إلى دخولها وقد قرب زوال النهار وغروب الشمس وإذا بالشمس قد خفيت والجو قد أظلم واحتجبت الشمس عني ظننت أنه جاء على الشمس غمامة وكان ذلك في زمن الصيف فتعجبت ورفعت رأسي وتأملت في ذلك فرأيت طيراً عظيم الخلقة كبير الجثة عريض الأجنحة طائراً في الجو وهو الذي غطى عين الشمس وحجبها عن الجزيرة فازددت من ذلك عجباً ثم إني تذكرت حكاية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:44 AM
وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما زاد تعجبه من الطائر الذي رآه في الجزيرة تذكر حكاية أخبره بها قديماً أهل السياحة والمسافرون وهي أن في بعض الجزائر طيراً عظيماً يقال له الرخ يزق أولاده بالأفيال فتحققت أن القبة التي رأيتها إنما هي بيضة من بيض الرخ ثم إني تعجبت من خلق الله تعالى فبينما أنا على هذه الحالة وإذا بذلك الطير نزل على تلك القبة وحضنها بجناحيه وقد مد رجليه من خلفه على الأرض ونام عليها فسبحان من لا ينام فعند ذلك فككت عمامتي من فوق رأسي وثنيتها وفتلتها حتى صارت مثل الحبل وتحزمت بها وشددت وسطي وربطت نفسي في رجلي ذلك الطير وشددتها شداً وثيقاً وقلت في نفسي لعل هذا يوصلني إلى بلاد المدن والعمار ويكون ذلك أحسن من جلوسي في هذه الجزيرة وبت تلك الليلة ساهراً خوفاً من أن أنام فيطير بي على حين غفلة.
فلما طلع الفجر وبان الصباح قام الطائر من على بيضته وصاح صيحة عظيمة وارتفع بي إلى الجو حتى ظننت أنه وصل إلى عنان السماء وبعد ذلك تنازل بي حتى نزل إلى الأرض وحط على مكان مرتفع عال فلما وصلت إلى الأرض أسرعت وفككت الرباط من رجليه وأنا أنتفض مشيت في ذلك المكان ثم إنه أخذ شيئاً من على وجه الأرض في مخالبه وطار إلى عنان السماء فتأملته فإذا هو حية عظيمة الخلقة كبيرة الجسم قد أخذها وذهب بها إلى البحر فتعجبت من ذلك ثم إني تمشيت في ذلك المكان فوجدت نفسي في مكان عال وتحته واد كبير واسع عميق وبجانبه جبل عظيم شاهق في العلو لا يقدر أحد أن يرى أعلاه من فرط علوه وليس لأحد قدرة على الطلوع فوقه فلمت نفسي على ما فعلته وقلت يا ليتني مكثت في الجزيرة فإنها أحسن من هذا المكان القفر لأن الجزيرة كان يوجد فيها شيء آكله من أصناف الفواكه وأشرب من أنهارها وهذا المكان ليس فيه أشجار ولا أثمار ولا أنهار فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا كل ما أخلص من مصيبة أقع فيما هو أعظم منها وأشد.
ثم إني قمت وقويت نفسي ومشيت في ذلك الوادي فرأيت أرضه من حجر الألماس الذي يثقبون به المعادن والجواهر ويثقبون به الصيني والجزع منه شيئاً ولا أن يكسره إلا بحجر الرصاص وكل تلك الوادي حيات وأفاع وكل واحدة مثل النخلة ومن أعظم خلقتها لو جاءها فيل لابتلعته وتلك الحيات يظهرن في الليل ويختفين في النهار خوفاً من طير الرخ والنسر أن يختطفها ويقطعها ولا أدري ما سبب ذلك.
فأقمت بتلك الوادي وأنا متندم على ما فعلته وقلت في نفسي والله إني قد عجلت بالهلاك على نفسي وقد ولى النهار علي فصرت أمشي في تلك الوادي والتفت على محل أبيت فيه وأنا خائف من تلك الحيات ونسيت أكلي وشربي ومعاشي واشتغلت بنفسي فلاح لي مغارة بالقرب مني فمشيت فوجدت بابها ضيقاً فدخلتها ونظرت إلى حجر كبير عند بابها فدفعته وسددت به باب تلك المغارة وأنا داخلها وقلت في نفسي قد أمنت لما دخلت في هذا المكان وإن طلع النهار اطلع وأنظر ما تفعل القدرة.
ثم التفت في داخل المغارة فرأيت حية عظيمة نائمة في صدر المغارة على بيضها فاقشعر بدني وأقمت رأسي وسلمت أمري للقضاء والقدر وبت ساهراً طوال الليل إلى أن طلع الفجر ولاح فأزحت الحجر الذي سددت به باب المغارة وخرجت منه وأنا مثل السكران دائخ من شدة السهر والجوع والخوف وتمشيت في الوادي.
وبينما أنا على هذه الحالة وإذا بذبيحة قد سقطت من قدامي ولم أجد أحداً فتعجبت من ذلك أشد العجب وتفكرت حكاية أسمعها من قديم الزمان من بعض التجار والمسافرين وأهل السياحة أن في جبال حجر الألماس الأهوال العظيمة ولا يقدر أحد أن يسلك إليه ولكن التجار الذين يجلبونه يعملون حيلة في الوصول إليه ويأخذون الشاة من الغنم ويذبحونها ويسلخونها ويرشون لحمها ويرمونه من أعلى ذلك الجبل إلى أرض الوادي فتنزل وهي طرية فيلتصق بها شيء من هذه الحجارة ثم تتركها التجار إلى نصف النهار فتنزل الطيور من النسور والريخ إلى ذلك اللحم وتأخذه في مخالبها وتصعد إلى أعلى الجبل فيأتيها التجار وتصيح عليها وتصير من عند ذلك اللحم وتخلص منه الحجارة اللاصقة به ويتركون اللحم للطيور والوحوش ويحملون الحجارة إلى بلادهم ولا أحد يقدر أن يتوصل إلى مجيء حجر الألماس إلا بهذه الحيلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:45 AM
.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري صار يحكي لأصحابه جميع ما حصل له في جبل الماس ويخبرهم أن التجار لا يقدرون على مجيء شيء منه إلا بحيلة مثل الذي ذكره ثم قال فلما نظرت إلى تلك الذبيحة تذكرت هذه الحكاية قمت وجئت عند الذبيحة فنقيت من هذه الحجارة شيئاً كثيراً وأدخلته في جيبي وبين ثيابي وصرت أنقي وأدخل في جيوبي وحزامي وعمامتي وبين حوائجي فبينما أنا على هذه الحالة وإذا بذبيحة كبيرة فربطت نفسي عليها ونمت على ظهري وجعلتها على صدري وأنا قابض عليها فصارت عالية على الأرض وإذا بنسر نزل على تلك الذبيحة وقبض عليها بمخالبه وأقلع بها إلى الجو وأنا معلق بها ولم يزل طائراً بها إلى أن صعد بها إلى أعلى الجبل وحطها وأراد أن ينهش منها وإذا بصيحة عظيمة عالية من خلف ذلك النسر وشيء يخبط بالخشب على ذلك الجبل فجفل النسر وطار إلى الجو ففككت نفسي من الذبيحة وقد تلوثت ثيابي من دمها ووقفت بجانبها وإذا بذلك التاجر الذي صاح على النسر تقدم إلى الذبيحة فرآني واقفاً فلم يكلمني وقد فزع مني وارتعب وأتى الذبيحة وقلبها فلم يجد فيها شيئاً فصاح صيحة عظيمة وقال واخيبتاه لا حول ولا قوة إلا بالله نعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو يتندم ويخبط كفاً على كف ويقول واحسرتاه أي شيء هذا الحال..
فتقدمت إليه فقال لي: من أنت وما سبب مجيئك إلى هذا المكان فقلت له: لا تخف ولا تخش فإني إنسي من خيار الإنس وكنت تاجراً ولي حكاية عظيمة وقصة غريبة وسبب وصولي إلى هذا الجبل وهذا الوادي حكاية عجيبة فلا تخف فلك ما يسرك مني وأنا معي شيء كثير من حجر الألماس فأعطيك منه شيئاً يكفيك وكل قطعة معي أحسن من كل شيء يأتيك فلا تجزع ولا تخف.
فعند ذلك شكرني الرجل ودعا لي وتحدث معي وإذا بالتجار سمعوا كلامي مع رفيقهم فجاؤوا إلي وكان كل تاجر رمى ذبيحته فلما قدموا علينا سلموا علينا وهنؤوني بالسلامة وأخذوني معهم وأعلمتهم بجميع قصتي وما قاسيته في سفرتي وأخبرتهم بسبب وصولي إلى هذه الوادي ثم إني أعطيت لصاحب الذبيحة التي تعلقت فيها شيئاً كثيراً مما كان معي ففرح بي جداً فما أحد وصل إلى هذا المكان قبلك ونجا منه ولكن الحمد لله على بسلامتي ونجاتي من وادي الحيات ووصولي إلى بلاد العمار.
ولما طلع النهار قمنا وسرنا على ذلك الجبل العظيم وصرنا ننظر في ذلك الجبل حيات كثيرة ولم نزل سائرين إلى أن أتينا بستاناً في جزيرة عظيمة مليحة وفيها شجر الكافور وكل شجرة منها يستظل تحتها إنسان وإذا أراد أن يأخذ منه أحد يثقب من أعلى الشجرة ثقباً بشيء طويل ويتلقى ما ينزل منه فيسيل منه ماء الكافور ويعقد مثل الشمع وهو عسل ذلك الشجر وبعد وفي تلك الجزيرة صنف من الوحوش يقال له الكركدن يرعى فيها رعياً مثل ما يرعى البقر والجاموس في بلادنا ولكن جسم ذلك الوحش أكبر من جسم الجمل ويأكل العلق وهو دابة عظيمة لها قرن واحد غليظ في وسط رأسها طوله قدر عشرة أذرع وفيه صورة إنسان وفي تلك الجزيرة شيء من صنف البقر.
وقد قال لنا البحريون المسافرون وأهل السياحة في الجبال والأراضي أن هذا الوحش المسمى بالكركدن يحمل الفيل الكبيرعلى قرنه ويرعى به في الجزيرة والسواحل ولا يشعر به ويموت الفيل على قرنه ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجيء له طير الريخ فيحمله في مخالبه ويروح به عند أولاده ويزقهم به وبما على قرنه وقد رأيت في تلك الجزيرة شيئاً كثيراً من صنف الجاموس ليس له عندنا نظير وفي تلك الوادي شيء كثير من حجر ألماس الذي حملته معي وخبأته في جيبي وقايضوني عليه ببضائع ومتاع من عندهم وحملوها لي عهم وأعطوني دراهم ودنانير ولم أزل سائراً معهم وأنا أتفرج على بلاد الناس وعلى ما خلق الله من واد إلى واد ومن مدينة إلى مدينة ونحن نبيع ونشتري إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة وأقمنا بها أياماً قلائل ثم جئت إلى مدينة بغداد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:46 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما رجع من غيبته ودخل مدينة بغداد دار السلام وجاء إلى حارته ودخل داره ومعه من صنف حجر الألماس شيء كثير ومعه مال ومتاع وبضائع لها صورة وقد اجتمع بأهله وأقاربه ثم تصدق ووهب وأعطى وهادى جميع أهله وأصحابه وصار يأكل طيباً ويشرب طيباً ويلبس ملبساً طيباً ويعاشر ويرافق ونسي جميع ما قاساه ولم يزل في عيش هني وصفاء خاطر وانشراح صدر ولعب وطرب وصار كل من سمع بقدومه يجيء إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه فيتعجب من شدة ما قاساه ويهنئه بالسلامة وهذا آخر ما جرى لي وما اتفق لي في السفرة الثانية ثم قال لهم وفي الغد إن شاء الله تعالى أحكي لكم حال السفرة الثالثة.
فلما فرغ السندباد البحري من حكايته للسندباد البري تعجبوا من ذلك وتشعوا عنده وأمر للسندباد بمائة مثقال ذهباً فأخذها وتوجه إلى حال سبيله وهو يتعجب مما قاساه السندباد البحري وشكره ودعا له في بيته ولما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح قام السندباد البري كما أمره ودخل إليه وصبح عليه فرحب به وجلس معه حتى أتاه باقي أصحابه وجماعته فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وانشرحوا ثم ابتدأ السندباد البحري بالكلام وقال: الحكاية الثالثة من حكايات السندباد البحري وهي السفرة اعلموا يا إخواني واسمعوا مني حكاية فإنها أعجب من الحكايات المتقدمة قبل تاريخه والله أعلم بغيبة واحكم أني فيما مضى وتقدم لما جئت من السفرة الثانية وأنا في غاية البسط والانشراح فرحان بالسلامة وقد كسبت مالاً كثيراً كما حكيت لكم أمس تاريخه وقد عوض الله علي ما راح مني أقمت بمدينة بغداد مدة من الزمان وأنا في غاية الحظ والصفاء والبسط والانشراح فاشتاقت نفسي إلى السفر والفرجة وتشوقت إلى المتجر والكسب والفوائد والنفس أمارة بالسوء فهممت واشتريت شيئاً كثيراً من البضائع المناسبة لسفر البحر وحزمتها للسفر وسافرت بها من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة وجئت إلى ساحل البحر فرأيت مركباً عظيماً وفيه تجار وركاب كثيرة أهل خير وناس ملاح طيبون أهل دين ومعروف وصلاح فنزلت معهم في ذلك المركب وسافرنا على بركة الله تعالى بعونه وتوفيقه وقد استبشرنا بالخير والسلامة.
ولم نزل سائرين من بحر إلى بحر ومن جزيرة إلى جزيرة ومن مدينة إلى مدينة وفي كل مكان مررنا عليه نتفرج ونبيع ونشتري ونحن في غاية الفرح والسرور إلى أن كنا يوماً من الأيام سائرين في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج فإذا بالريس وهو جانب المركب ينظر إلى نواحي البحر ثم
إنه لطم وجهه وطوى قلوع المركب ورمى مراسيه ونتف لحيته ومزق ثيابه وصاح صيحة عظيمة فقلنا له يا ريس ما الخبر فقال اعلموا يا ركاب السلامة أن الريح غلب علينا وعسف بنا في وسط البحر ورمتنا المقادير لسوء بختنا إلى جبل القرود وما وصل إلى هذا المكان أحد ولم يسلم منه قط وقد أحس قلبي بهلاكنا أجمعين.
فما استتم قول الريس حتى جاءنا القرود وأحاطوا المركب من كل جانب وهم شيء كثير مثل الجراد المنتشر في المركب وعلى البر فخفنا إن قتلنا منهم أحداً أو طردناه أن يقتلونا لفرط كثرتهم والكثرة تغلب الشجاعة وبقينا خائفين منهم أن ينهبوا رزقنا ومتاعنا وهم أقبح الوحوش وعليهم شعور مثل لبد الأسود ورؤيتهم تفزع ولا يفهم لهم أحد كلاماً ولا خيراً وهم مستوحشون من الناس صفر العيون وسود الوجوه صغار الخلقة طول كل واحد منهم أربعة أشبار وقد طلعوا على حبال المرساة وقطعوها بأسنانهم وقطعوا جميع حبال المركب من كل جانب فمال المركب من الريح ورسى على جبلهم وصار المركب في برهم وقبضوا على جميع التجار والركاب وطلعوا إلى الجزيرة وأخذوا المركب بجميع ما كان فيه وراحوا به.
فبينما نحن في تلك الجزيرة نأكل من أثمارها وبقولها وفواكهها ونشرب من الأنهار التي فيها إذ لاح لنا بيت عامر في وسط تلك الجزيرة فقصدناه ومشينا إليه فإذا هو قصر مشيد الأركان عالي الأسوار له باب بدرفتين مفتوح وهو من خشب الأبانوس فدخلنا باب ذلك القصر فوجدنا له حظيراً واسعأً مثل الحوش الواسع الكبير وفي دائره أبواب كثيرة وفي صدره مصطبة عالية كبيرة وفيها أواني طبيخ معلقة على الكوانين وحواليها عظام كثيرة ولم نر فيها أحد فتعجبنا من ذلك غاية العجب وجلسنا في حضير ذلك القصر. قليلاً ثم بعد ذلك نمنا ولم نزل نائمين من ضحوة النهار إلى غروب الشمس وإذ بالأرض قد ارتجت من تحتنا وسمعنا دوياً من الجو وقد نزل علينا من أعلى القصر شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان وهو أسود اللون طويل القامة كأنه نحلة عظيمة وله عينان كأنهما شعلتان من نار وله أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل البئر وله مشافر مثل مشافر الجمل مرخية على صدره وله أذنان مثل الحرامين مرخيتان على أكتافه وأظافر يديه مثل مخالب السبع فلما نظرناه على هذه الحالة غبنا عن وجودنا وقوي خوفنا واشتد فزعنا وصرنا مثل الموتى من شدة الخوف والجزع والفزع.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:47 AM
وفي الليلة الأربعون بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري ورفقته لما رأوا هذا الشخص الهائل الصورة وحصل لهم غاية الخوف والفزع فلما نزل على الأرض جلس قليلاً على المصطبة ثم إنه قام وجاء عندنا ثم قبض على يدي من بين أصحابي التجار ورفعني بيده عن الأرض وحبسني وقلبني فصرت في يده مثل اللقمة الصغيرة وصار يحبسني مثل ما يحبس الجزار ذبيحة الغنم فوجدني ضعيفاً من كثرة القهر هزيلاً من كثرة التعب والسفر وليس في شيء من اللحم فأطلقني من يده وأخذ واحداً غيري من رفاقي وقلبه كما قلبني وحبسه كما حبسني وأطلقه ولم يزل يحبسنا ويقلبنا واحداً بعد واحد إلى أن وصل إلى ريس المركب الذي كنا فيه وكان رجلاً سميناً غليظاً عريض الأكتاف صاحب قوة وشدة فأعجبه وقبض عليه مثل ما يقبض الجزار على ذبيحته ورماه على الأرض ووضع رجله على رقبته وجاء بسيخ طويل فأدخله في حلقه حتى أخرجه من دبره وأوقد ناراً شديدة وركب عليها ذلك السيخ المشكوك فيه الريس ولم يزل يقلبه على الجمر حتى استوى لحمه وأطلعه من النار وحطه أمامه وفسخه كما يفسخ الرجل الفرخة. وصار يقطع لحمه بأظافره ويأكل منه ولم يزل على هذه الحالة حتى أكل لحمه ونهش عظمه. ولم يبق منه شيئاً ورمى باقي العظام في جنب القصر.
ثم إنه جلس قليلاً وانطرح ونام على تلك المصطبة وصار يشخر مثل شخير الخروف أو البهيمة المذبوحة ولم يزل نائماً إلى الصباح ثم قام وخرج إلى حال سبيله. فلما تحققنا بعده تحدثنا مع بعضنا وبكينا على أرواحنا وقلنا ليتنا غرقنا في البحر وأكلتنا القرود خير من شوي الإنسان على الجمر والله إن هذا الموت رديء ولكن ما شاء الله كان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ثم إننا قمنا وخرجنا إلى الجزيرة لننظر لنا مكان نختفي فيه أو نهرب وقد هان علينا أن نموت ولا يشوى لحمنا بالنار فلم نجد مكان نختفي فيه وقد أدركنا المساء فعدنا إلى القصر من شدة خوفنا وجلسنا قليلاً وإذا بالأرض قد ارتجفت من تحتنا وأقبل ذلك الشخص الأسود وجاء عندنا وصار يقلبنا واحداً بعد الآخر مثل المرة الأولى ويحبسنا حتى أعجبه واحد.
فقبض عليه وفعل به مثل ما فعل بالريس في أول يوم فشواه وأكله على تلك المصطبة ولم يزل نائماً في تلك الليلة وهو يشخر مثل الذبيحة فلما طلع النهار قام وراح إلى حال سبيله وتركنا على جري عادته فاجتمعنا وتحدثنا وقلنا لبعضنا والله لأن نلقي أنفسنا في البحر ونموت غرقاً خير من أن نموت حرقاً لأن هذه قتلة شنيعة فقال واحد منا اسمعوا كلامي أننا نحتال عليه ونرتاح من همه ونريح المسلمين من عدوانه وظلمه.
فقلت لهم اسمعوا يا إخواني إن كان لابد من قتله فإننا نحول هذا الخشب وننقل شيئاً من هذا الحطب ونعمل لنا فلكاً مثل المركب وبعد ذلك نحتال في قتله وننزل في الفلك ونروح في البحر إلى أي محل يريده الله. وإننا نقعد في هذا المكان حتى يمر علينا مركب فننزل فيه وإن لم نقدر على قتله ننزل ونروح في البحر ولو كنا نغرق نرتاح من شوينا على النار ومن الذبح وإن سلمنا سلمنا وإن غرقنا متنا شهداء.
فقالوا جميعاً والله هذا رأي سديد وفعل رشيد واتفقنا على هذا الأمر وشرعنا في فعله فنقلنا الأخشاب إلى خارج القصر وصنعنا فلكاً وربطناه على جانب البحر ونزلنا فيه شيئاً من الزاد وعدنا إلى القصر.
فلما كان وقت المساء إذا بالأرض قد ارتجفت بنا ودخل علينا الأسود وهو كأنه الكلب العقور ثم قلبنا وحبسنا واحداً بعد واحد ثم أخذ واحداً وفعل به مثل ما فعل بسابقيه وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:47 AM
وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري قال إن الأسود أخذ واحداً منا وفعل به مثل ما فعل بسابقيه وأكله ونام على المصطبة وصار شخيره مثل الرعد فنهضنا وقمنا وأخذنا سيخين من حديد من الأسياخ المنصوبة ووضعناهما في النار القوية حتى احمرا وصارا مثل الجمر وقبضنا عليهما قبضاً شديداً وجئنا بهما إلى ذلك الأسود وهو نائم يشخر ووضعناهما في عينيه واتكأنا عليهما جميعاً بقوتنا وعزمنا فأدخلناهما في عينيه وهو نائم فانطمستا وصاح صيحة عظيمة فارتعبت قلوبنا منه.
ثم قام من فوق تلك المصطبة بعزمه وصار يفتش علينا ونحن نهرب منه يميناً وشمالاً فلم ينظرنا وقد عمي بصره فخفنا منه مخافة شديدة وأيسنا في تلك الساعة بالهلاك ويأسنا من النجاة فعند ذلك قصد الباب وهو يتحسس وخرج منه وهو يصيح ونحن في غاية الرعب منه وإذا بالأرض ترتج من تحتنا من شدة صوته.
فلما خرج من القصر وراح إلى حال سبيله وهو يدور علينا ثم إنه رجع ومعه أنثى أكبر وأوحش منه خلقة فلما رأيناه والذي معه أفظع حالة منه خفنا غاية الخوف فلما رأونا أسرعنا ونهضنا ففككنا الفلك الذي صنعناه ونزلنا فيه ودفعناه في البحر وكان مع كل واحد منهم صخرة عظيمة وصارا يرجماننا بها إلى أن مات أكثرنا من الرجم وبقي منا ثلاثة أشخاص أنا واثنان وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:47 AM
وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما نزل في الفلك هو وأصحابه وصار يرجمهم السود ورفيقته فمات أكثرهم ولم يبق منهم إلا ثلاثة أشخاص فطلع بهم الفلك إلى جزيرة قال فمشينا إلى آخر النهار فدخل علينا ونحن على هذه الحالة فنمنا قليلاً واستيقظنا من نومنا وإذا بثعبان عظيم الخلقة كبير الجثة واسع الجوف قد أحاط بنا وقصد واحداً فبلعه إلى أكتافه ثم بلع باقيه فسمعنا أضلاعه تتكسر في بطنه وراح في حال سبيله فتعجبنا من ذلك غاية العجب وحزنا على رفيقنا وصرنا في غاية الخوف على أنفسنا وقلنا والله هذا أمر عجيب وكل موتة أشنع من السابقة وكنا فرحنا بسلامتنا من الأسود فما تمت الفرحة ولا حول ولا قوة إلا بالله والله قد نجونا من الأسود ومن الغرق فكيف تكون نجاتنا من هذه الآفة المشؤومة ثم إننا قمنا فمشينا في الجزيرة وأكلنا من ثمرها وشربنا من أنهارها ولم نزل فيها إلى وقت المساء فوجدنا صخرة عظيمة عالية فطلعناها ونمنا فوقها وقد طلعت أنا على فروعها.
فلما دخل الليل وأظلم الوقت جاء الثعبان وتلفت يميناً وشمالاً ثم إنه قصد تلك الشجرة التي نحن عليها ومشى حتى وصل إلى رفيقي وبلعه حتى أكتافه والتف به على الشجرة فسمعت عظامه تتكسر في بطنه ثم بلعه بتمامه وأنا أنظر بعيني ثم إن الثعبان نزل من فوق الشجرة وراح إلى حال سبيله ولم أزل على تلك الشجرة في تلك الليلة.
فلما طلع النهار وبان النور ونزلت من فوق الشجرة وأنا مثل الميت من كثرة الخوف والفزع وأردت أن ألقي بنفسي في البحر وأستريح من الدنيا فلم تهن علي روحي لأن الروح عزيزة فربطت خشبة عريضة على أقدامي بالعرض وربطت واحدة مثلها على جنبي الشمال ومثلها على جنبي اليمين ومثلها على بطني وربطت واحدة طويلة عريضة من فوق رأسي بالعرض مثل التي تحت أقدامي وصرت أنا في وسط هذا الخشب وهو محتاط بي من كل جانب وقد شددت ذلك شداً وثيقاً وألقيت نفسي بالجميع على الأرض فصرت نائماً بين تلك الأخشاب وهي محيطة بي كالمقصورة.
فلما أمسى الليل أقبل الثعبان على جري عادته ونظر إلي وقصدني فلم يقدر أن يبلغني وأنا على تلك الحالة والأخشاب حولي من كل جانب فدار الثعبان حولي فلم يستطع الوصول إلي وأنا أنظر بعيني وقد صرت كالميت من شدة الخوف والفزع وصار الثعبان يبعد عني ويعود إلي ولم يزل على هذه الحالة وكلما أراد الوصول إلي ليبتلعني تمنعه تلك الأخشاب المشدودة علي من كل جانب ولم يزل كذلك من غروب الشمس إلى أن طلع الفجر وبان النور وأشرقت الشمس فمضى الثعبان إلى حال سبيله وهو في غاية من القهر والغيظ.
فعند ذلك مددت يدي وفككت نفسي من تلك الأخشاب وأنا في حكم الأموات من شدة ماقاسيت من ذلك الثعبان ثم إني قمت ومشيت في الجزيرة حتى انتهيت إلى آخرها فلاحت لي مني التفاتة إلى ناحية البحر فرأيت مركباً على بعد في وسط اللجة فأخذت فرعاً كبيراً من شجرة ولوحت به إلى ناحيتهم وأنا أصيح عليهم.
فلما رأوني قالوا لابد أننا ننظر ما يكون هذا لعله إنسان إنهم قربوا مني وسمعوا صياحي عليهم فجاءوا إلي وأخذوني معهم في المركب وسألوني عن حالي فأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره وماقاسيته من الشدائد فتعجبوا من ذلك غاية العجب ثم إنهم ألبسوني من عندهم ثياباً وستروا عورتي.
وبعد ذلك قدموا لي شيئاً من الزاد حتى اكتفيت وسقوني ماء بارداً عذباً فانتعش قلبي وارتاحت نفسي وحصل لي راحة عظيمة وأحياني الله تعالى بعد موتي فحمدت الله تعالى على نعمه الوافرة وشكرته وقويت همتي بعدما كنت أيقنت بالهلاك حتى تخيل لي أن جميع ما أنا فيه منام ولم نزل سائرين وقد طاب لنا الريح بإذن الله تعالى إلى أن أشرفنا على جزيرة يقال لها جزيرة السلاهطة فأوقف الريس المركب عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:49 AM
وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المركب الذي نزل فيه السندباد البحري رسى على جزيرة فنزل منه جميع التجار فالتفت إلي صاحب المركب وقال لي اسمع كلامي أنت رجل غريب فقير وقد أخبرتنا أنك قاسيت أهوالاً كثيرة ومرادي أنفعك بشيء يعينك على الوصول إلى بلادك وتبقى تدعو لي فقلت له نعم ولك مني الدعاء.
فقال اعلم أنه كان معنا رجل مسافر فقدناه ولم نعلم هل بالحياة أم مات ولم نسمع عنه خبراً ومرادي أن أدفع لك حمولة لتبيعها في هذه الجزيرة وتحفظها وأعطيك شيئاً في نظير تعبك وخدمتك وما بقي منها نأخذه إلى أن تعود إلى مدينة بغداد فنسأل عن أهله وندفع إليهم بقيتها وثمن ما بيع منها فهل لك أن تتسلمها وتنزل بها هذه الجزيرة فتبيعها مثل التجار فقلت سمعاً وطاعة لك يا سيدي ولك الفضل والجميل ودعوت له وشكرته على ذلك فعند ذلك أمر الحالين والبحرية بإخراج تلك البضائع إلى الجزيرة وأن يسلموها إلي.
فقال كاتب المركب يا ريس ما هذه الحمول التي أخرجها البحرية والحمالون واكتبها باسم من من التجار. فقال اكتب عليها اسم السندباد البحري الذي كان معنا وغرق في الجزيرة ولم يأتنا عنه خبر فنريد أن يبيعها هذا الغريب ونحمل ثمنها ونعطيه شيئاً منه نظير تعبه وبيعه والباقي نحمله معنا حتى نرجع إلى مدينة بغداد فإن وجدناه أعطيناه إياه وإن لم نجده ندفعه إلى أهله في مدينة بغداد فقال الكاتب كلامك مليح ورأيك رجيح.
فلما سمعت كلام الريس وهو يذكر أن الحمول باسمي قلت في نفسي والله أنا السندباد البحري وأنا غرقت في الجزيرة مع جملة من غرق ثم إني تجلدت وصبرت إلى أن طلع التجار من المركب واجتمعوا يتحدثون ويتذاكرون في أمور البيع والشراء فتقدمت إلى صاحب المركب وقلت له يا سيدي هل تعرف كيف كان صاحب الحمول التي سلمتها إلي لأبيعها فقال لي لا أعلم له حالاً ولكنه كان رجلاً من مدينة بغداد يقال له السندباد البحري وقد أرسينا على جزيرة من الجزائر فغرق منا فيها خلق كثير وفقد بجملتهم ولم نعلم له خبراً إلى هذا الوقت.
فعند ذلك صرخت صرخة عظيمة وقلت له يا ريس السلامة اعلم أني أنا السندباد البحري لم أغرق ولكن لما أرسيت على الجزيرة وطلع التجار والركاب طلعت أنا مع جملة الناس ومعي شيء آكله بجانب الجزيرة ثم إني تلذذت بالجلوس في ذلك المكان فأخذتني سنة من النوم فنمت وغرقت في النوم ثم إني قمت فلم أجد المركب ولم أجد أحداً عندي وهذا المال مالي وهذه البضائع بضائعي وجميع التجار الذين يجلبون حجر الألماس رأوني وأنا في جبل الألماس ويشهدون لي بأني أنا السندباد البحري كما أخبرتهم بقصتي وما جرى لي معكم في المركب وأخبرتكم بأنكم نسيتموني في الجزيرة نائماً وقمت فلم أجد أحداً وجرى لي ما جرى.
فلما سمع التجار والركاب كلامي اجتمعوا علي فمنهم من صدقني ومنهم من كذبني فبينما نحن كذلك وإذا بتاجر من التجار حين سمعني أذكر وادي الألماس نهض وتقدم عندي وقال لهم اسمعوا يا جماعة كلامي إني لما كنت ذكرت لكم أعجب ما رأيت في أسفاري لما ألقينا الذبائح في وادي الألماس وألقيت ذبيحتي معهم على جري عادتي طلع على ذبيحتي رجل متعلق بها ولم تصدقوني بل كذبتموني فقالوا له نعم حكيت لنا على هذا الأمر ولم نصدقك فقال لهم التاجر هذا الذي تعلق في ذبيحتي وقد أعطاني شيء من حجر الألماس الغالي الثمن الذي لا يوجد نظيره وعوضني أكثر ما كان يطلع لي في ذبيحتي وقد استصحبه معي إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة وبعد ذلك توجه إلى بلاده وودعنا ورجعنا إلى بلادنا وهو هذا وأعلمنا أن اسمه السندباد البحري وقد أخبرنا بذهاب المركب وجلوسه في هذه الجزيرة واعلموا أن هذا الرجل ما جاءنا هنا إلا لتصدقوا كلامي مما قلته لكم وهذه البضائع كلها رزقه فإنه أخبر بها في وقت اجتماعه علينا وقد ظهر صدقه في قوله.
فلما سمع الريس كلام ذلك التاجر قام على حيله وجاء عندي وحقق في النظر ساعة وقال ما علامة بضائعك فقلت له اعلم أن علامة بضائعي ما هو كذا وكذا وقد أخبرته بأمر السندباد البحري فعانقني وسلم علي وهنأني بالسلامة وقال لي يا سيدي إن قصتك عجيبة وأمرك غريب ولكن الحمد لله الذي جمع بيننا وبينك ورد بضائعك ومالك عليك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما تبين للريس والتجار أنه هو بعينه وقال له الريس الحمد لله الذي رد بضائعك ومالك عليك قال فعند ذلك تصرفت في بضائعي بمعرفتي وربحت بضائعي في تلك السفرة شيئاً كثيراً وفرحت بذلك فرحاً عظيماً وهنأت بالسلامة وعاد مالي إلي ولم نزل نبيع ونشتري في الجزائر إلى أن وصلنا إلى بلاد السندباد وبعنا فيها واشترينا ورأيت في ذلك البحر شيئاً كثيراً من العجائب والغرائب لا تعد ولا تحصى ومن جملة ما رأيت في ذلك البحر سمكة على صفة البقرة وشيئاً على صفة الحمير ورأيت طيراً يخرج من صدف البحر. ويبيض ويفرخ على وجه الماء ولا يطلع من البحر على وجه الأرض أبداً.
وبعد ذلك لم نزل مسافرين بإذن الله تعالى وقد طاب لنا الريح والسفر إلى أن وصلنا إلى اببصرة وقد أقمت فيها أياماً قلائل وبعد ذلك جئت إلى مدينة بغداد فتوجهت إلى حارتي ودخلت بيتي وسلمت على أهلي وأصحابي وأصدقائي وقد فرحت بسلامتي وعودتي إلى بلادي وأهلي ومدينتي ودياري وتصدقت ووهبت وكسوت الأرامل والأيتام. وجمعت أصحابي وأحبابي ولم أزل على هذه الحالة في أكل وشرب ولهو وضرب وأنا آكل وأشر طيباً وأعاشر وأخالط وقد نسيت جميع ما جرى لي وما قاسيت من الشدائد والأهوال وكسبت شيئاً في هذه السفرة لا يعد ولا يحصى وهذا أعجب ما رأيت في هذه السفرة وفي غد إن شاء الله تعالى تجيء إلي وأحكي لك حكاية السفرة الرابعة فإنها أعجب من هذه السفرات ثم إن السندباد البحري أمر بأن يدفعوا إليه مائة مثقال من الذهب على جري عادته وأمر بمد السماط فمدوه وتعشى الجماعة وهم يتعجبون من تلك الحكاية وما جرى فيها ثم إنهم بعد العشاء انصرفوا إلى حال سبيلهم وقد أخذ السندباد الحمال ما أمر له من الذهب وانصرف إلى حال سبيله وهو متعجب مما سمعه من السندباد البحري وبات في بيته.
ولما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح قام السندباد الحمال وصلى الصبح وتمشى إلى السندباد البحري وقد دخل عليه وتلقاه بالفرح والانشراح وأجلسه عنده إلى أن حضر بقية أصحابه وقدموا الطعام فأكلوا وشربوا وانبسطوا فبدأهم بالكلام وحكى لهم الحكاية الرابعة.
الحكاية الرابعة من حكايات السندباد البحري وهي السفرة الرابعة قال السندباد البحري: اعلموا يا إخواني أني لما عدت إلى مدينة بغداد واجتمعت على أصحابي وأحبابي وصرت في أعظم ما يكون من الهناء والسرور والراحة وقد نسيت ما كنت فيه لكثرة الفوائد وغرقت في اللهو والطرب ومجالسة الأحباب والأصحاب وأنا في ألذ ما يكون من العيش فحدثتني نفسي الخبيثة بالسفر إلى بلاد الناس وقد اشتقت إلى مصاحبة الأجناس والبيع والمكاسب فهممت في ذلك الأمر واشتريت بضاعة نفيسة تناسب البحر وحزمت حمولاً كثيرة زيادة عن العادة وسافرت من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة ونزلت حمولتي في المركب واصطحبت بجماعة من أكابر البصرة وقد توجهنا إلى السفر وسافر بنا المركب على بركة الله تعالى في البحر العجاج المتلاطم بالأمواج وطاب لنا السفر ولم نزل على هذه الحالة مدة ليالي وأيام من جزيرة إلى جزيرة ومن بحر إلى بحر. إلى أن خرجت علينا ريح مختلفة يوماً من الأيام فرمى الريس مراسي المركب وأوقفه في وسط البحر خوفاً عليه من الغرق.
فبينما نحن على هذه الحالة ندعو ونتضرع إلى الله تعالى إذ خرج علينا ريح عاصف شديد مزق القلع وقطعه قطعاً وغرق الناس وجميع حمولهم وما معهم من المتاع والأموال وغرقت أنا بجملة من غرق. وعمت في البحر نصف نهار وقد تخليت عن نفسي فيسر الله تعالى لي قطعة لوح خشب من ألواح المركب فركبتها أنا وجماعة من التجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:49 AM
وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري بعد أن غرق المركب وطلع على لوح خشب هو وجماعة من التجار قال اجتمعنا على بعضنا ولم نزل راكبين على ذلك اللوح ونرفس فلما كان ثاني يوم ضحوة نهار ثار علينا ريح وهاج البحر وقوي الموج والريح فرمانا الماء على جزيرة ونحن مثل الموتى من شدة السهر والتعب والبرد والجوع والخوف والعطش وقد مشينا في جوانب تلك الجزيرة فوجدنا فيها نباتاً كثيراً. فأكلنا منه شيئاً يسد رمقنا ويقيتنا. وبتنا تلك الليلة على جانب الجزيرة.
فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح قمنا ومشينا في الجزيرة يميناً وشمالاً فلاح لنا عمارة على بعد فسرنا في تلك الجزيرة قاصدين تلك العمارة التي رأيناها من بعد ولم نزل سائرين إلى أن وقفنا على بابها. فبينما نحن واقفون هناك إذ خرج علينا من ذلك الباب جماعة عراة ولم يكلمونا وقد قبضوا علينا وأخذونا عند ملكهم فأمرنا بالجلوس فجلسنا وقد أحضروا لنا طعاماً لم نعرفه ولا في عمرنا رأينا مثله فلم تقبله نفسي ولم آكل منه شيئاً دون رفقتي وكان قلة أكلي منه لطفاً من الله تعالى حتى عشت إلى الآن.
فلما أكل أصحابي من ذلك الطعام ذهلت عقولهم وصاروا يأكلون مثل المجانين وتغيرت أحوالهم وبعد ذلك أحضروا لهم دهن النارجيل فسقوهم منه ودهنوهم منه فلما شرب أصحابي من ذلك الدهن زاغت أعينهم من وجوههم وصاروا يأكلون من ذلك الطعام بخلاف أكلهم المعتاد فعند ذلك احترت في أمرهم وصرت أتأسف عليهم وقد صار عندي هم عظيم من شدة الخوف على نفسي من هؤلاء العرايا وقد تأملتهم فإذا هم قوم مجوس وملك مدينتهم غول وكل من وصل إلى بلادهم أو رأوه في الوادي أو الطرقات يجيئون به إلى ملكهم ويطعمونه من ذلك الطعام ويدهنونه بذلك الدهن فيتسع جوفه لأجل أن يأكل كثيراً ويذهل عقله وتنطمس فكرته ويصير مثل الإبل فيزيدون له الأكل والشرب من ذلك الطعام والدهن حتى يسمن ويغلظ فيذبحونه
ويشوونه ويطعمونه لملكهم. وأما أصحاب الملك فيأكلون من لحم الإنسان بلا شوي ولا طبخ.
فلما نظرت منهم ذلك الأمر صرت في غاية الكرب على نفسي وعلى أصحابي وقد صار أصحابي من فرط ما دهشت عقولهم لا يعلمون ما يفعل بهم وقد سلموهم إلى شخص فصار يأخذهم كل يوم ويخرج يرعاهم في تلك الجزيرة مثل البهائم وأما أنا فقد صرت من شدة الخوف والجوع ضعيفاً سقيم الجسم وصار لحمي يابساً على عظمي.
فلما رأوني على هذه الحالة تركوني ونسوني ولم يتذكرني منهم أحد ولا خطرت لهم على بال إلى أن تحيلت يوماً من الأيام وخرجت من ذلك المكان ومشيت في تلك الجزيرة ولم أزل سائراً حتى طلع النهار وأصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وطلعت الشمس على رؤوس الروابي والبطاح وقد تعبت وجعت وعطشت فصرت آكل من الحشيش والنبات الذي في الجزيرة ولم أزل آكل من ذلك النبات حتى شبعت وانسد رمقي وبعد ذلك قمت ومشيت في الجزيرة ولم أزل على هذه الحالة طول النهار والليل وكلما أجوع آكل من النبات ولم أزل على هذه الحالة مدة سبعة أيام بلياليها.
فلما كانت صبيحة اليوم الثامن لاحت مني نظرة فرأيت شبحاً من بعيد فسرت إليه ولم أزل سائراً إلى أن حصلته بعد غروب الشمس فحققت النظر فيه بعد وأنا بعيد عنه وقلبي خائف من الذي قاسيته أولاً وثانياً وإذا هم جماعة يجمعون حب الفلفل فلما قربت منهم ونظروني تسارعوا إلي وجاءوا عندي وقد أحاطوني من كل جانب وقالوا لي من أنت ومن أين أقبلت فقلت لهم اعلموا يا جماعة أني رجل غريب مسكين وأخبرتهم بجميع ما كان من أمري وما جرى لي من الأهوال والشدائد وما قاسيته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:50 AM
وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما رأى الجماعة الذين يجمعون حب الفلفل في الجزيرة وسألوه عن حاله حكى لهم جميع ما جرى له وما قاساه من الشدائد فقالوا والله هذا أمر عجيب ولكن كيف خلاصتك من السودان وكيف مرورك عليهم في هذه الجزيرة وهم خلق كثيرون ويأكلون الناس ولا يسلم منهم أحد ولا يقدر أن يجوز عليهم أحد. فأخبرتهم بما جرى لي معهم وكيف أخذوا أصحابي وأطعموهم الطعام ولم آكل منه فهنوني بالسلامة وصاروا يتعجبون مما جرى لي ثم أجلسوني عندهم حتى فرغوا من شغلهم وأتوني بشيء من الطعام فأكلت منه وكنت جائعاً وارتحت عندهم ساعة من الزمان.
وبعد ذلك أخذوني ونزلوا بي في مركب وجاؤوا إلى جزيرتهم ومساكنهم وقد عرضوني على ملكهم فسلمت عليه ورحب بي وأكرمني وسألني عن حالي فأخبرته بما كان من أمري. وما جرى لي وما اتفق لي من يوم خروجي من مدينة بغداد إلى حين وصلت إليه فتعجب ملكهم من قصتي غاية العجب هو ومن كان حاضراً في مجلسه ثم إنه أمرني بالجلوس عنده فجلست وأمر بإحضار الطعام فأحضروه فأكلت منه على قدر كفايتي وغسلت يدي وشكرت فضل الله تعالى وحمدته وأثنيت عليه.
ثم إني قمت من عند ملكهم وتفرجت في مدينته فإذا هي مدينة عامرة كثيرة الأهل والمال.
كثيرة الطعام والأسواق والبضائع والبائعين والمشترين ففرحت بوصولي إلى تلك المدينة وارتاح خاطري واستأنست بأهلها وصرت عندهم وعند ملكهم معززاً مكرماً زيادة عن أهل مملكته من عظماء مدينته ورأيت جميع أكابرها وأصاغرها يركبون الخيل الجياد الملاح من غير سروج فتعجبت من ذلك.
ثم إني قلت للملك لأي شيء يا مولاي لم تركب على سرج فإن فيه راحة للراكب وزيادة قوة فقال لي: كيف يكون السرج هذا شيء عمرنا ما رأيناه ولا ركبنا عليه فقلت له: هل لك أن تأذي أن أصنع لك سرجاً تركب عليه وتنظر حظه فقال لي افعل فقلت له أحضر لي شيئاً من الخشب فأمر لي بإحضار جميع ما طلبته.
فعند ذلك طلبت نجاراً شاطراً وجلست عنده وعلمته صنعة السرج وكيف يعمله ثم إني أخذت صوفاً ونقشته وصنعت منه لبداً وأحضرت جلداً وألبسته السرج وصقلته ثم إني ركبت سيوره وشددت شريحته وبعد ذلك أحضرت الحداد ووصفت له كيفية الركاب فدق ركاباً عظيماً وبردته وبيضته بالقصدير ثم إني شددت له أهداباً من الحرير وبعد ذلك قمت وجئت بحصان من خيار خيول الملك وشددت عليه السرج وعلقت فيه الركاب وألجمته بلجام وقدمته إلى الملك فأعجبه ولاق بخاطره وشكرني وركب عليه وقد حصل له فرح شديد بذلك السرج وأعطاني شيئاً كثيراً في نظير عملي له.
فلما نظرني وزيره عملت ذلك السرج طلب مني واحداً مثله فعملت له سرجاً مثله وقد صار أكابر الدولة وأصحاب المناصب يطلبون مني السروج فأفعل لهم وعلمت النجار صنعة السرج والحداد صنعة الركاب وصرنا نعمل السروج والركابات ونبيعها للأكابر والمخاديم وقد جمعت من ذلك مالاً كثيراً وصار لي عندهم مقاماً كبيراً وأحبوني محبة زائدة وبقيت صاحب منزلة عالية عند الملك وجماعته وعند أكابر البلد وأرباب الدولة إلى أن جلست يوماً من الأيام عند الملك وأنا في غاية السرور والعز.
فبينما أنا جالس قال لي الملك اعلم يا هذا أنك صرت معزوزاً مكرماً عندنا وواحداً منا ولا نقدر على مفارقتك ولا نستطيع خروجك من مدينتنا ومقصودي منك شيء تطيعني فيه ولا ترد قولي فقلت له: وما الذي تريد أيها الملك فإني لا أرد قولك لأنه صار لك فضل وجميل وإحسان علي والحمد لله أنا صرت من بعض خدامك فقال أريد أن أزوجك عندنا زوجة حسنة مليحة ظريفة صاحبة مال وجمال وتصير مستوطناً عندنا وأسكنك عندي في قصري فلا تخالفني ولا ترد كلامي.
فلما سمعت كلام الملك استحييت منه وسكت ولم أرد عليه جواباً من كثرة الحياء فقال لي لما لا ترد علي يا ولدي! فقلت يا سيدي الأمر أمرك يا ملك الزمان فأرسل من وقته وساعته وأحضر القاضي والشهود وزوجني في ذلك الوقت بامرأة شريفة القدر عالية النسب كثيرة المال والنوال عظيمة الأصل بديعة الجمال والحسن صاحبة أماكن وأملاك وعقارات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:51 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري بعد أن زوجه الملك وعقد له على امرأة عظيمة قال: ثم إنه أعطاني بيتاً عظيماً مليحاً بمفرده وأعطاني خداماً وحشماً ورتب له جرايات وجوامك وصرت في غاية الراحة والبسط والانشراح ونسيت جميع ما حصل لي من التعب والمشقة والشدة وقلت في نفسي إذا سافرت إلى بلادي آخذها معي وكل شيء مقدر على الإنسان لابد منه ولم يعلم بما يجري له وقد أحببتها وأحبتني محبة عظيمة ووقع الوفاق بيني وبينها وقد أقمنا في ألذ عيش وأرغد مورد ولم نزل على هذه الحالة مدة من الزمن فأفقد الله زوجة جاري وكان صاحباً لي فدخلت إليه لأعزيه في زوجته فرأيته في أسوأ حال وهو مهموم تعبان السر والخاطر فعند ذلك عزيته وسليته وقلت له لا تحزن على زوجتك الله يعوضك خيراً منها ويكون عمرك طويلاً إن شاء الله تعالى فبكى بكاء شديداً وقال يا صاحبي: كيف أتزوج بغيرها أو كيف يعوضني الله خيراً منها وأنا بقي من عمري يوم واحد فقلت له يا أخي ارجع لعقلك ولا تبشر على روحك بالموت فإنك طيب بخير وعافية فقال لي يا صاحبي وحياتك في غد تعدمني وما بقيت عمرك تنظرني فقلت له وكيف ذلك فقال لي في هذا النهار يدفنون زوجتي ويدفنوني معها في القبر فإنها عادتنا في بلادنا إذا ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة حتى لا يتلذذ فقلت له بالله إن هذه العادة رديئة جداً وما يقدر عليها أحد فبينما نحن في ذلك الحديث وإذا بغالب أهل المدينة قد حضروا وصاروا يعزون صاحبي في زوجته وفي نفسه وقد شرعوا في تجهيزها على جري عادتهم فأحضروا تابوتاً وحملوا فيه المرأة وذلك الرجل معهم وخرجوا بهما إلى خارج المدينة وأتوا إلى مكان في جانب الجبل على البحر وتقدموا إلى مكان ورفعوا عنه حجراً كبيراً فبان من تحت ذلك الحجر خرزة من الحجر مثل خرزة البئر فرموا تلك المرأة فيها وإذا هو جب كبير تحت الجبل ثم إنهم جاؤوا بذلك الرجل وربطوه تحت صدره في سلبة وأنزلوه في ذلك الجب وأنزلوا عنده كوز ماء عذب كبير وسبعة أرغفة من الزاد ولما أنزلوه فك نفسه من السلبة فسحبوا السلبة وغطوا فم البئر بذلك الحجر الكبير مثل ما كان وانصرفوا إلى حال سبيلهم وتركوا صاحبي عند زوجته فقلت في نفسي والله إن هذا الموت أصعب منالموت الأول ثم إني جئت عند ملكهم وقلت له يا سيدي كيف تدفنون الحي مع الميت في بلادكم.
فقال لي اعلم أن هذه عادتنا في بلادنا إذا مات الرجل ندفن معه زوجته وإذا ماتت المرأة ندفن معها زوجها بالحياة حتى لا نفرق بينهما في الحياة ولا في الممات وهذه العادة عن أجدادنا فقلت يا ملك الزمان وكذا الرجل الغريب مثلي إذا ماتت زوجته عندكم تفعلون به مثل ما فعلتم بهذا فقال لي نعم ندفنه معها ونفعل به كما رأيت.
فلما سمعت ذلك الكلام منه انشقت مرارتي من شدة الغم والحزن على نفسي وذهل عقلي وصرت خائفاً أن تموت زوجتي قبلي فيدفنوني معها وأنا بالحياة ثم إني سليت نفسي لعلي أموت أنا قبلها ولم يعلم أحد السابق من اللاحق وصرت أتلاهى في بعض الأمور. فما مضت مدة يسيرة بعد ذلك حتى مرضت زوجتي وقد مكثت أياماً قلائل وماتت.
فاجتمع غالب الناس يعزونني ويعزون أهلها فيها وقد جاءني الملك يعزيني فيها على جري عادتهم ثم إنهم جاؤوا لها بغاسلة فغسلوها وألبسوها أفخر ما عندها من الثياب والمصاغ والقلائد والجواهر من المعادن. فلما ألبسوا زوجتي وحطوها في التابوت وحملوها وراحوا بها إلى ذلك الجبل ورفعوا الحجر عن فم الجب وألقوها فيه وأقبل جميع أصحابي وأهل زوجتي يودعونني في روحي وأنا أصيح بينهم أنا رجل غريب وليس لي صبر على عادتكم وهم لا يسمعون قولي ولا يلتفتون إلى كلامي. ثم إنهم أمسكوني وربطوني بالغضب وربطوا معي سبعة أقراص من الخبز وماء عذب على جري عادتهم وأنزلوني في ذلك البئر فإذا هو مغارة كبيرة تحت ذلك الجبل وقالوا لي فك نفسك من الحبال فلم أرض أن أفك نفسي فرموا علي الحبال ثم غطوا فم المغارة بذلك الحجر الكبير الذي كان عليها وراحوا إلى حال سبيلهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما حطوه في المغارة مع زوجته التي ماتت وردوا باب المغارة وراحوا إلى حال سبيلهم قال وأما أنا فإني رأيت في تلك المغارة أمواتاً كثيرة ورائحتها منتنة كريهة فلمت نفسي على فعلتي وقلت: والله إني أستحق جميع ما يجري لي وما يقع لي ثم إني صرت لا أعرف الليل من النهار وصرت أتقوت باليسير ولا آكل حتى يكاد أن يقطعني الجوع ولا أشرب حتى يشتد بي العطش وأنا خائف أن يفرغ ما عندي من الزاد والماء وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أي شيء بلاني بالزواج في هذه المدينة وكلما أقول خرجت من مصيبة أقع في مصيبة أقوى منها والله إن هذا الموت موت مشؤوم يا ليتني غرقت في البحر أو مت في الجبال كان أحسن لي من هذا الموت الرديء ولم أزل على هذه الحالة ألوم نفسي ونمت على عظام الأموات واستعنت بالله حتى أحرق قلبي الجوع وألهبني العطش فقعدت وحسست على الخبز وأكلت منه شيئاً قليلاً وتجرعت عليه شيئاً قليلاً من الماء.
ثم إني قمت ووقفت على حيلي وصرت أمشي في جانب تلك المغارة فرأيتها متسعة الجوانب خالية البطون ولكن في أرضها أموات كثيرة وعظام رميمة من قديم الزمان فعند ذلك عملت لي مكاناً في جانب المغارة بعيداً عن الموتى الطريين وصرت أنام فيه وقد قل زادي وما بقي معي إلا شيء يسير وقد كنت آكل في كل يوم أو أكثر أكلة وأشرب شربة خوفاً من فراغ الماء والزاد من عندي قبل موتي ولم أزل على هذه الحالة إلى أن جلست يوماً من الأيام فبينما أنا جالس متفكر في نفسي كيف أفعل إذا فرغ زادي والماء من عندي وإذا بالصرة قد تزحزحت من مكانها ونزل منه النور عندي فقلت يا ترى ما الخبر وإذا بالقوم واقفون على رأس البئر وقد أنزلوا رجلاً ميتاً وامرأة معه بالحياة وهي تبكي وتصيح على نفسها وقد أنزلوا عندها شيئاً
كثيراً من الزاد والماء فصرت انظر المرأة وهي لم تنظرني وقد غطوا فم البئر بالحجر وانصرفوا إلى حال سبيلهم.
فقمت أنا وأخذت في يدي قصبة رجل ميت وجئت إلى المرأة وضربتها في وسط رأسها فوقعت على الأرض مغشياً عليها فضربتها ثانياً وثالثاً فماتت فأخذت خبزها وما معها ورأيت عليها شيئاً كثيراً من الحلي والحلل والقلائد والجواهر والمعادن ثم إني أخذت الماء والزاد الذي مع المرأة وقعدت في الموضع الذي كنت عملته في جانب المغارة لأنام فيه وصرت آكل من ذلك الزاد شيئاً قليلاً على قدر ما يقوتني حتى لا يفرغ بسرعة فأموت من الجوع والعطش وأقمت في تلك المغارة مدة من الزمان وأنا كل من دفنوه أقتل من دفن معه بالحياة وآخذ أكله وشربه أتقوت به إلى أن كنت نائماً يوماً من الأيام فاستيقظت من منامي وسمعت شيئاً يكركب في جانب المغارة فقلت ما يكون هذا ثم إني قمت ومشيت نحوه ومعي قصبة رجل ميت فلما أحس بي فر وهرب مني فإذا هو وحش فتبعته إلى صدر المغارة فبان لي نور من مكان صغير مثل النجمة تارة يبين لي وتارة يخفى عني.
فلما نظرته قصدت نحوه وبقيت كلما أتقرب منه يظهر لي نور منه ويتسع فعند ذلك تحققت أنه خرق في تلك المغارة ينفذ للخلاء فقلت في نفسي لابد أن يكون لهذا المكان حركة إما أن يكون مدفناً ثانياً مثل الذي نزلوني منه وإما أن يكون تخريق من هذا المكان ثم إني تفكرت في نفسي ساعة من الزمان ومشيت إلى ناحية النور وإذا به ثقب في ظهر الجبل من الوحوش ثقبوه وصاروا يدخلون منه إلى هذا المكان ويأكلون الموتى حتى يشبعون ويطلعون من ذلك الثقب فلما رأيته هدأت واطمأنت نفسي وارتاح قلبي وأيقنت بالحياة بعد الممات وصرت كأني في المنام ثم إني عالجت حتى طلعت من ذلك الثقب فرأيت نفسي على جانب البحر المالح فوق جبل عظيم وهو قاطع بين البحرين وبين الجزيرة والمدينة ولا يستطيع أحد الوصول إليه فحمدت الله تعالى وشكرته وفرحت فرحاً عظيماً وقوي قلبي.
ثم إني بعد ذلك رجعت من الثقب إلى المغارة ونقلت جميع ما فليها من الزاد والماء الذي كنت وفرته ثم إني أخذت من ثياب الأموات ولبست شيئاً منها غير الذي كان علي وأخذت مما عليهم شيئاً كثيراً من أنواع العقود والجواهر وقلائد اللؤلؤ والمصاغ من الفضة والذهب المرصع بأنواع المعادن والتحف وربطته في ثياب الموتى وطلعتها من الثقب إلى ظهر الجبل ووقفت على
جانب البحر وبقيت في كل يوم أنزل المغارة وأطلع وكل من دفنوه آخذ زاده وماؤه وأقتله سواء كان ذكراً أو أنثى وأطلع من ذلك الثقب فأجلس على جانب البحر لأنتظر الفرج من الله تعالى وإذا بمركب يجوز علي وصرت أنقل من تلك المغارة كل شيء رأيته من المصاغ وأربطه في ثياب الموتى ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:52 AM
وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري سار ينقل من تلك المغارة ما يلقاه فيها من مصاغ وغيره ويجلس على جانب البحر مدة من الزمان قال فبينما أنا جالس يوماً من الأيام على جانب البحر وأنا متفكر في أمري وإذا بمركب سائر في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج فأخذت في يدي ثوباً أبيض من ثياب الموتى وربطته في عكاز وجريت به على شاطئ البحر وصرت أشير إليهم بذلك الثوب حتى لاحت منهم التفاتة فرأوني وأنا في رأس الجبل فجاؤوا إلي وسمعوا صوتي وأرسلوا إلي زورقاً من عندهم وفيه جماعة من المركب ولم نزل مسافرين من جزيرة إلى جزيرة ومن بحر إلى بحر وأنا أرجو النجاة وصرت فرحاناً بسلامتي وكلما أتفكر قعودي في المغارة مع زوجتي يغيب عقلي.
وقد وصلنا بقدرة الله تعالى مع السلامة إلى مدينة البصرة فطلعت إليها وأقمت فيها أياماً قلائل وبعدها جئت إلى مدينة بغداد فجئت إلى حارتي ودخلت داري وقابلت أهلي وأصحابي وسألت عنهم ففرحوا بسلامتي وهنوني وقد خزنت جميع ما كان معي من الأمتعة في حواصلي وتصدقت ووهبت وكسوت الأيتام والأرامل وصرت في غاية البسط والسرور وقد عدت لما كنت عليه من المعاشرة والمرافقة ومصاحبة الإخوان واللهو والطرب وهذا أعجب ما صار لي في السفرة الرابعة ولكن يا أخي تعش عندي وخذ عادتك وفي غد تجيء عندي فأخبرك بما كان لي وما جرى لي في السفرة الخامسة فإنها أعجب وأغرب مما سبق ثم أمر له بمائة مثقال ذهب ومد السماط وتعشى الجماعة وانصرفوا إلى حال سبيلهم وهم متعجبون غاية العجب وكل حكاية أعظم من التي قبلها.
وقد راح السندباد الحمال إلى منزله وبات في غاية البسط والانشراح وهو متعجب ولما أصبح الصباح وأضاء نوره ولاح قام السندباد البري وصلى الصبح وتمشى إلى أن دخل دار السندباد
البحري وصبح عليه. فرحب به وأمره بالجلوس عنده حتى جاءه بقية أصحابه فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ودارت بينهم المحادثات فابتدأ السندباد البحري بالكلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
الحكاية الخامسة من حكايات السندباد البحري وهي السفرة الخامسة

هانى رفعت
05-05-2010, 01:53 AM
وفي الليلة الخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري ابتدأ بالكلام فيما جرى وما وقع له في الحكاية الخامسة فقال اعلموا يا إخواني أني لما رجعت من السفرة الرابعة وقد غرقت في اللهو والطرب والانشراح وقد نسيت جميع ما كنت لقيته وما جرى لي وما قاسيته من شدة فرحي بالمكسب والربح والفوائد فحدثتني نفسي بالسفر والتفرج في بلاد الناس وفي الجزائر فقمت وهممت في ذلك الوقت واشتريت بضاعة تناسب البحر وحزمت الحمول وسرت من مدينة بغداد وتوجهت إلى مدينة البصرة ومشيت على جانب الساحل فرأيت مركباً كبيراً مليحاً فأعجبني فاشتريته وكانت عدته جديدة واكتريت له ريساً وبحرية ونظرت عليه عبيدي وغلماني وأنزلت فيه حمولي وجاءني جماعة من التجار فنزلوا حمولهم فيه ودفعوا لي الأجرة وسرنا ونحن في غاية الفرح والسرور وقد استبشرنا بالسلامة والكسب ولم نزل مسافرين من جزيرة إلى جزيرة ومن بحر إلى بحر ونحن نتفرج في الجزر والبلدان ونطلع إليها نبيع فيها ونشتري ولم نزل على هذه الحالة إلى أن وصلنا يوماً من الأيام إلى جزيرة خالية من السكان. وليس فيها أحد وهي خراب وفيها قبة عظيمة بيضاء كبيرة الحجم فطلعنا نتفرج عليها وإذا هي بيضة رخ كبيرة.
فلما طلع التجار إليها وتفرجوا عليها ولم يعلموا أنها بيضة رخ فضربوها بالحجارة فكسرت ونزل منها ماء كثير وقد بان منها فرخ الرخ فسحبوه منها وطلعوه من تلك البيضة وذبحوه وأخذوا منه لحماً كثيراً وأنا في المركب ولم أعلم ولم يطلعوني على ما فعلوه فعند ذلك قال لي واحد من الركاب يا سيدي قم تفرج على هذه البيضة التي تحسبنها قبة فقمت لاتفرج عليها فوجدت التجار يضربون البيضة فصحت عليهم لا تفعلوا هذا الفعل فيطلع طير الرخ ويكسر مركبنا ويهلكنا فلم يسمعوا كلامي.
فبينما هم على هذه الحالة وإذا بالشمس قد غابت عنا والنهار أظلم وصار فوقنا غمامة أظلم الجو منها فرفعنا رؤوسنا لننظر ما الذي حال بيننا وبين الشمس فرأينا أجنحة الرخ هي التي حجبت عنا ضوء الشمس حتى أظلم الجو وذلك أنه لما جاء الرخ رأى بيضه انكسرت تبعنا وصاح علينا فجاءت رفيقته وصارا حائمين على المركب يصرخان علينا بصوت أشد من الرعد فصحت أنا على الريس والبحرية وقلت لهم: ادفعوا المركب واطلبو السلامة قبل أن فلما رآنا الرخ سرنا في البحر غاب عنا ساعة من الزمان وقد سرنا وأسرعنا في السير بالمركب نريد الخلاص منهما والخروج من أرضهما وإذا بهما قد تبعانا وأقبلا علينا وفي رجل كل واحد منهما صخرة عظيمة من الجبل فألقى الصخرة التي كان معه علينا فجذب الريس المركب وقد أخطأها نزول الصخرة بشيء قليل فنزلت في البحر تحت المركب فقام بنا المركب وقعد من عظم وقوعها في البحر وقد رأينا قعر البحر من شدة عزمها.
ثم إن رفيقة الرخ ألقت علينا الصخرة التي معها وهي أصغر من الأولى فنزلت بالأمر المقدر على مؤخر المركب فكسرته وطيرت الدفة عشرين قطعة وقد غرق جميع ما كان في المركب بالبحر فصرت أحاول النجاة من حلاوة الروح فقدر الله تعالى لي لوحاً من ألواح المركب فتعلقت فيه وركبته وصرت أقذف عليه برجلي والريح والموج يساعداني على السير وكان المركب قد غرق بالقرب من جزيرة في وسط البحر فرمتني المقادير بإذن الله تعالى إلى تلك الجزيرة فطلعت عليها وأنا على آخر نفس وفي حالة الموت من شدة ما قاسيته من التعب والمشقة والجوع والعطش.
ثم إني انطرحت على شاطئ البحر ساعة من الزمان حتى ارتاحت نفسي واطمأن قلبي ثم مشيت في تلك الجزيرة فرأيتها كأنها روضة من رياض الجنة أشجارها يانعة وأنهارها دافقة وطيورها مغردة تسبح من له العزة والبقاء وفي تلك الجزيرة شيء كثير من الأشجار والفواكه وأنواع الأزهار فعند ذلك أكلت من الفواكه حتى شبعت وشربت من تلك الأنهار حتى رويت وحمدت الله تعالى على ذلك واثنيت عليه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:53 AM
وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري حمد الله وأثنى عليه وقال ولم أزل على هذه الحالة قاعداً في الجزيرة إلى أن أمسى المساء وأقبل الليل وأنا مثل القتيل مما حصل لي من التعب والخوف ولم أسمع في تلك الجزيرة صوتاً ولم أر فيها أحداً ولم أزل راقداً فيها إلى الصباح ثم قمت على حيلي ومشيت بين تلك الأشجار ساقية على عين ماء جارية وعند تلك الساقية شيخ جالس مليح وذلك الشيخ مؤتزر بإزار من ورق الأشجار فقلت في نفسي لعل هذا الشيخ طلع إلى هذه الجزيرة وهو من الغرقى الذين كسر بهم المركب ثم دنوت منه وسلمت عليه فرد الشيخ علي السلام بالإشارة ولم يتكلم فقلت له يا شيخ ما سبب جلوسك في هذا المكان فحرك رأسه وتأسف وأشار لي بيده يعني احملني على رقبتك وانقلني من هذا المكان إلى جانب الساقية الثانية فقلت في نفسي اعمل مع هذا معروفاً وأنقله إلى المكان الذي يريده لعل ثوابه يحصل لي فتقدمت إليه وحملته على أكتافي وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه وقلت له انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافي وقد لف رجليه على رقبتي فنظرت إلى رجليه فرأيتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة ففزعت منه وأردت أن أرميه من فوق أكتافي فقرط على رقبتي برجليه وخنقني بهما حتى اسودت الدنيا في وجهي وغبت عن وجودي ووقعت على الأرض مغشياً علي مثل الميت فرفع ساقيه وضربني على ظهري وعلى أكتافي فحصل لي ألم شديد فنهضت قائماً به وهو راكب فوق أكتافي وقد تعبت منه فأشار لي بيده أن ادخل بين الأشجار فدخلت إلى أطيب الفواكه وكنت إذا خالفته يضربني برجليه ضرباً أشد من ضرب الأسواط.
ولم يزل يشير إلي بيده إلى كل مكان أراده وأنا أمشي به إليه وإن توانيت أو تمهلت يضربني وأنا معه شبه الأسير وقد دخلنا في وسط الجزيرة بين الأشجار وصار يبول ويغوط على أكتافي ولا ينزل ليلاً ولا نهاراً وإذا أراد النوم يلف رجليه على رقبتي وينام قليلاً ثم يقوم ويضربني فأقوم مسرعاً به ولا أستطيع مخالفته من شدة ما أقاسي منه وقد لمت نفسي على ما كان مني من حمله والشفقة عليه.
ولم أزل معه على هذه الحالة وأنا في أشد ما يكون من التعب وقلت في نفسي أنا فعلت مع هذا خيراً فانقلب علي شراً والله ما بقيت أفعل مع أحد خيراً طول عمري وقد صرت أتمنى الموت من الله تعالى في كل وقت وكل ساعة من كثرة ما أنا فيه من التعب والمشقة.
ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت به يوماً من الأيام إلى مكان في الجزيرة فوجدت فيه يقطيناً كثيراً ومنه شيء يابس فأخذت منه واحدة كبيرة يابسة وفتحت رأسها وصفيتها إلى شجرة العنب فملأتها منها وسددت رأسها ووضعتها في الشمس وتركتها مدة أيام حتى صارت خمراً صافياً وصرت كل يوم أشرب منه لأستعين به على تعبي مع ذلك الشيطان المريد وكلما سكرت منها تقوى همتي فنظرني يوماً من الأيام وأنا أشرب فأشار لي بيده ما هذا فقلت له هذا شيء مليح يقوي القلب ويشرح الخاطر.
ثم إني جريت به ورقصت بين الأشجار وحصل لي نشوة من السكر فصفقت وغنيت وانشرحت فلما رآني على هذه الحالة أشار لي أن أناوله اليقطينة ليشرب منها فخفت منه وأعطيتها له فشرب ما كان باقياً فيها ورماها على الأرض وقد حصل له طرب فصار يهتز على أ: تافي ثم إنه سكر وغرق في السكر وقد ارتخت جميع أعضائه وفرائصه وصار يتمايل من فوق أكتافي فلما علمت بسكره وأنه غاب عن الوجود مددت يدي إلى رجليه وفككتهما من وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:54 AM
وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما ألقى الشيطان عن أكتافه على الأرض قال فما صدقت أن خلصت نفسي ونجوت من الأمر الذي كنت فيه ثم إني خفت منه أي يقوم من سكره ويؤذيني وأخذت صخرة عظيمة من بين الأشجار وجئت إليه فضربته على رأسه وهو نائم فاختلط لحمه بدمه وقد قتل فلا رحمة الله عليه وبعد ذلك مشيت في الجزيرة وقد ارتاح خاطري وجئت إلى المكان الذي كنت فيه على ساحل البحر ولم أزل في تلك الجزيرة آكل من أثمارها وأشرب من أنهارها مدة من الزمان وأنا أترقب مركباً يمر علي إلى أن كنت جالساً يوماً من الأيام متفكراً فيما جرى لي وما كان من أمري وأقول في نفسي يا ترى هل يبقيني الله سالماً ثم أعود إلى بلادي وأجتمع بأهلي وأصحابي وإذا بمركب قد أقبل من وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج ولم يزل سائراً حتى رسى على تلك الجزيرة وطلع منه الركاب إلى الجزيرة فمشيت إليهم فلما نظروني أقبلوا علي كلهم مسرعين واجتمعوا حولي وقد سألوني عن حالي وما سبب وصولي إلى تلك الجزيرة فأخبرتهم بأمري وما جرى لي فتعجبوا من ذلك غاية العجب وقالوا إن هذا الرجل الذي ركب على أكتافك يسمى شيخ البحر وما أحد دخل تحت أغضائه وخلص منه إلا أنت والحمد لله على سلامتك ثم إنهم جاؤوا إلي بشيء من الطعام فأكلت حتى اكتفيت وأعطوني شيئاً من الملبوس لبسته وسترت به عورتي.
ثم أخذوني معهم في المركب وقد سرنا أياماً وليالي فرمتنا المقادير على مدينة عالية البناء جميع بيوتها مطلة على البحر وتلك المدينة يقال لها مدينة القرود وإذا دخل الليل يأتي الناس الذين هم ساكنون في تلك المدينة فيخرجون من هذه الأبواب التي على البحر ثم ينزلون في زوارق ومراكب ويبيتون في البحر خوفاً من القرود أن ينزلوا عليهم في الليل من الجبال فطلعت أتفرج في تلك المدينة فسافر المركب ولم أعلم فندمت على طلوعي إلى تلك المدينة وتذكرت رفقتي وما جرى لي مع القرود أولاً وثانياً فقعدت أبكي وأنا حزين.
فتقدم إلي رجل من أصحاب هذه البلد. وقال يا سيدي كأنك غريب في هذه الديار فقلت نعم أنا غريب ومسكين وكنت في مركب قد رسى على تلك المدينة فطلعت منه لأتفرج في المدينة وعدت إليه فلم أره. فقال قم وسر معنا انزل الزورق فإنك إن قعدت في المدينة ليلاً أهلكتك القرود فقلت له سمعاً وطاعة وقمت من وقتي وساعتي ونزلت معهم في الزورق فلما أصبح الصباح رجعوا بالزورق إلى المدينة وطلعوا وراح كل واحد منهم إلى شغله ولم تزل هذه عادتهم كل ليلة وكل مت تخلف منهم في المدينة بالليل جاء إليه القرود وأهلكوه وفي النهار تطلع القرود إلى خارج المدينة فيأكلون من أثمار البساتين ويرقدون في الجبال إلى وقت المساء ثم يعودون إلى المدينة وهذه المدينة في أقصى بلاد السودان ومن أعجب ما وقع لي من أهل هذه المدينة أن شخصاً من الجماعة الذين بت معهم في الزورق قال لي يا سيدي أنت غريب في هذه الديار فهل لك صنعة تشتغل فيها فقلت لا والله يا أخي ليس لي صنعة ولست أعرف عمل شيء وأنا رجل تاجر صاحب مال ونوال وكان لي مركب ملكي مشحوناً بأموال كثيرة وبضائع فكسر في البحر وغرق جميع ما كان فيه وما نجوت من الغرق إلا بإذن الله فرزقني الله بقطعة لوح ركبتها فكانت السبب في نجاتي من الغرق فعند ذلك قام الرجل وأحضر لي مخلاة من قطن وقال لي خذ هذه المخلاة واملأها حجارة زلط من هذه المدينة واخرج مع جماعة من أهل المدينة وأنا أرافقك به وأوصيهم عليك وافعل كما يفعلون فلعلك أن تعمل بشيء تستعين به على سفرك وعودتك إلى بلادك.
ثم إن ذلك الرجل أخذني وأخرجني إلى خارج المدينة فنقيت حجارة صغيرة من الزلط وملأت تلك المخلاة وإذا بجماعة خارجين من المدينة فأرفقني بهم وأوصاهم علي وقال لهم هذا رجل غريب فخذوه معكم وعلموه اللقط فلعله يعمل بشيء يتقوت به ويبقى لكم الأجر والثواب فقالوا سمعاً وطاعة ورحبوا بي وأخذوني معهم وساروا وكل واحد منهم معه مخلاة مثل المخلاة التي معي مملوءة زلطاً ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى واد واسع فيه أشجار كثيرة عالية لا يقدر أحد على أن يطلع عليها وفي تلك الوادي قرود كثيرة.
فلما رأتنا هذه القرود نفرت منا وطلعت تلك الأشجار فصاروا يرجمون القرود بالحجارة التي معهم في المخالي والقرود تقطع من ثمار تلك الأشجار وترمي بها هؤلاء الرجال فنظرت تلك الثمار التي ترميها القرود وإذا هي جوز هندي فلما رأيت ذلك العمل من القوم اخترت شجرة عظيمة عليها قرود كثيرة وجئت إليها وصرت أرجم هذه القرود فتقطع ذلك الجوز وترميني به فأجمعه كما يفعل القوم فما فرغت الحجارة من مخلاتي حتى جمعت شيئاً كثيراً.
فلما فرغ القوم من هذا العمل لموا جميع ما كان معهم وحمل كل واحد منهم ما أطاقه ثم عدنا إلى المدينة في باقي يومنا فجئت إلى الرجل صاحبي الذي أرفقني بالجماعة وأعطيته جميع ما جمعت وشكرت فضله فقال لي خذ هذا بعه وانتفع بثمنه ثم أعطاني مفتاح مكان في داره وقال لي ضع في هذا المكان هذا الذي بقي معك من الجوز واطلع في كل يوم مع الجماعة مثل ما طلعت هذا اليوم والذي تجيء به ميز منه الرديء وبعه وانتفع بثمنه واحفظه عندك في هذا المكان فلعلك تجمع منه شيئاً يعينك على سفرك فقلت له أجرك على الله تعالى وفعلت مثل ما قال لي ولم أزل في كل يوم أملأ المخلاة من الحجارة وأطلع مع القوم وأعمل مثل ما يعملون وقد صاروا يتواصون بي ويدلونني على الشجرة التي فيها الثمر الكثير ولم أزل على هذا الحال مدة من الزمان وقد اجتمع عندي شيء كثير من الجوز الهندي الطيب وبعت شيئاً كثيراً وكثر عندي ثمنه وصرت أشتري كل شيء رأيته ولاق بخاطري وقد صفا وقتي وزاد في المدينة حظي ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان.
فبينما أنا واقف على جانب البحر وإذا بمركب قد ورد إلى تلك المدينة ورسى على الساحل وفيها تجار معهم بضائع فصاروا يبيعون ويشترون ويقايضون على شيء من الجوز الهندي وغيره فجئت عند صاحبي وأعلمته بالمركب الذي جاء وأخبرته بأني أريد السفر إلى بلادي فقال الرأي لك فودعته وشكرته على إحسانه لي ثم إني جئت عند المركب وقابلت الريس واكتريت معه وأنزلت ما كان معي من الجوز وغيره في ذلك المركب وقد ساروا بالمركب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:55 AM
وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما نزل من مدينة القرود في المركب وأخذ ما كان معه من الجوز الهندي وغيره واكترى مع الريس قال وقد ساروا بالمركب في ذلك اليوم ولم نزل سائرين من جزيرة إلى جزيرة ومن بحرإلى بحر إلى أن وصلنا البصرة فطلعت فيها وأقمت بها مدة يسيرة ثم توجهت إلى مدينة بغداد ودخلت حارتي وجئت إلى بيتي وسلمت على أهلي وأصحابي فهنوني بالسلامة وخزنت جميع ما كان معي من البضائع والأمتعة وكسوت الأيتام والأرامل وتصدقت ووهبت وهاديت أهلي وأصحابي وأحبابي وقد عوض الله علي بأكثر مما راح مني أربع مرات وقد نسيت ما جرى لي وما قاسيته من التعب بكثرة الربح والفوائد وعدت لما كنت عليه في الزمن الأول من المعاشر والصحبة وهذا أعجب ما كان من أمري في السفرة الخامسة ولكن تعشوا وفي غد تعالوا أخبركم بما كان في السفرة السادسة فإنها أعجب من هذه فعند ذلك مدوا السماط وتعشوا.
فلما فرغوا من العشاء أمر السندباد للحمال بمائة مثقال من الذهب فأخذها وانصرف وهو متعجب من ذلك الأمر وبات السندباد الحمال في بيته ولما أصبح الصباح قام وصلى الصبح ومشى إلى أن وصل إلى دار السندباد البحري فدخل عليه وأمره بالجلوس فجلس عنده ولم يزل يتحدث معه حتى جاء بقية أصحابه فتحدثوا ومدوا السماط وشربوا وتلذذوا وطربوا.
وابتدأ السندباد البحري يحدثهم بحكاية السفرة السادسة فقال لهم اعلموا يا إخواني وأحبائي وأصحابي أني لما جئت من تلك السفرة الخامسة ونسيت ما كنت قاسيته بسبب اللهو والطرب والبسط والانشراح وأنا في غاية الفرح والسرور ولم أزل على هذه الحالة إلى أن جلست يوماً من الأيام في حظ وسرور وانشراح زائد.
فبينما أنا جالس إذا بجماعة من التجار وردوا علي وعليهم آثار السفر فعند ذلك تذكرت أيام قدومي من السفر وفرحي بدخولي بلقاء أهلي وأصحابي وأحبائي وفرحي ببلادي فاشتاقت نفسي إلى السفر والتجارة فعزمت على السفر واشتريت لي بضائع نفيسة فاخرة تصلح للبحر وحملت حمولي وسافرت من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة فرأيت سفينة عظيمة فيها تجار وأكابر ومعهم بضائع نفيسة فنزلت حمولي معهم في هذه السفينة وسرنا بالسلامة من مدينة البصرة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:55 AM
وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما جهز حموله ونزلها في المركب من مدينة البصرة وسافر قال ولم نزل مسافرين من مكان إلى مكان ومن مدينة إلى مدينة ونحن نبيع ونشتري ونتفرج على بلاد الناس وقد طاب لنا السعد والسفر واغتنمنا المعاش إلى أن كنا سائرين يوماً من الأيام وإذا بريس المركب صرخ وصاح ورمى عمامته ولطم على وجهه ونتف لحيته ووقع في بطن المركب من شدة الغم والقهر.
فاجتمع عليه جميع التجار والركاب وقالوا له يا ريس ما الخبر فقال لهم الريس اعلموا يا جماعة أننا قد تهنا بمركبنا وخرجنا من البحر الذي كنا فيه ودخلنا بحر لم نعرف طرقه وإذا لم يقيض الله لنا شيئاً يخلصنا من هذا البحر هلكنا جميعاً فادعوا الله تعالى أن ينجينا من هذا الأمر ثم إن الريس قام وصعد على الصاري وأراد أن يحل القلوع فقوي الريح على المركب فرده على مؤخره فانكسرت دفته قرب جبل عال فنزل الريس من الصاري وقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا يقدر أحد أن يمنع المقدور واعلموا أننا قد وقعنا في مهلكة عظيمة ولم يبق لنا منها خلاص ولا نجاة فبكى جميع الركاب على أنفسهم وودع بعضهم بعضاً لفراغ أعمارهم وانقطع رجاؤهم ومال المركب على ذلك الجبل فانكسر وتفرقت الواحة فغرق جميع ما فيه ووقع التجار في البحر فمنهم من غرق ومنهم من تمسك بذلك الجبل وطلع عليه وكنت أنا من جملة من طلع على ذلك الجبل وإذا فيه جزيرة كبيرة عندها كثير من المراكب المكسرة وفيها أرزاق كثيرة على شاطئ البحر من الذي يطرحه البحر من المراكب التي كسرت وغرق ركابها وفيها شيء كثير يحير العقل والفكر من المتاع والأموال التي يلقيها البحر على جوانبها.
فعند ذلك طلعت على تلك الجزيرة ومشيت فيها. فرأيت في وسطها عين ماء عذب حار خارج من تحت أول ذلك الجبل وداخل في آخره من الجانب الثاني فعند ذلك طلع جميع الركاب على ذلك الجبل إلى الجزيرة وانتشروا فيها وقد ذهلت عقولهم من ذلك وصاروا مثل المجانين من كثرة ما أروا في الجزيرة من الأمتعة والأموال على ساحل البحر. وقد رأيت في وسط تلك العين شيئاً كثيراً من أصناف الجواهر والمعادن واليواقيت اللآلئ الكبار الملوكية وهي مثل الحصى في مجاري الماء في تلك الغيطان وجميع أرض تلك العين تبرق من كثرة ما فيها من المعادن وغيرها.
ورأينا كثيراً في تلك الجزيرة من أعلى العود العود الصيني والعود القماري وفي تلك الجزيرة عين نابعة من صنف العنبر الخام وهو يسيل مثل الشمع على جانب تلك من شدة حر الشمس ويمتد على ساحل البحر فتطلع الهوايش من البحر وتبتلعه وتنزل في البحر فيحمي في بطونها فتقذفه من أفواهها في البحر فيجمد على وجه الماء فعند ذلك يتغير لونه وأحواله فتقذفه الأمواج إلى جانب البحر فيأخذه السواحون والتجار الذين يعرفونه فيبيعونه.
وأما العنبر الخالص من الابتلاع فإنه يسيل على جانب تلك العين ويتجمد بأرضه وإذا طلعت عليه الشمس يسيح وتبقى منه رائحة ذلك الوادي كله مثل المسك وإذا زالت عنه الشمس يجمد وذلك المكان الذي هو فيه هذا العنبر الخام لا يقدر أحد على دخوله ولا يستطيع سلوكه فإن الجبل محاط بتلك الجزيرة ولا يقدر أحد على صعود الجبل ولم نزل دائرين في تلك الجزيرة نتفرج على ما خلق الله تعالى فيها من الأرزاق ونحن متحيرون من أمرنا وفيما نراه وعندنا خوف شديد.
وقد جمعنا على جانب الجزيرة شيئاً قليلاً من الزاد فصرنا نوفره ونأكل منه في كل يوم أو يومين أكلة واحدة ونحن خائفون أن يفرغ الزاد منا فنموت كمداً من شدة الجوع والخوف وكل من مات منا نغسله ونكفنه في ثياب وقماش من الذي يطرحه البحر على جانب الجزيرة حتى مات منا خلق كثير ولم يبق منا إلا جماعة قليلة فضعفنا بوجع البطن من البحر وأقمنا مدة قليلة فمات جميع أصحابي ورفقائي واحداً بعد واحد وكل من مات منهم ندفنه وبقيت في تلك الجزيرة وحدي وبقي معي زاد قليل بعد أن كان كثيراً فبكيت على نفسي وقلت يا ليتني مت قبل رفقائي وكانوا غسلوني ودفنوني فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:56 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما دفن رفقاءه جميعاً وصار في الجزيرة وحده قال: ثم إني أقمت مدة يسيرة ثم قمت حفرت لنفسي حفرة عميقة في جانب تلك الجزيرة وقلت في نفسي إذا ضعفت وعلمت أن الموت قد أتاني أرقد في هذا القبر فأموت فيه ويبقى الريح يسف الرمل علي فيغطيني وأصير مدفوناً فيه وصرت ألوم نفسي على قلة عقلي وخروجي من بلادي ومدينتي وسفري إلى البلاد بعد الذي قاسيته أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً ولا سفرة من الأسفار إلا وأقاسي فيها أهوالاً وشدائداً أشق وأصعب من الأهوال التي قبلها وما أصدق بالنجاة والسلامة وأتوب عن السفر في البحر وعن عودي إليه ولست محتاجاً لمال وعندي شيء كثير والذي عندي لا أقدر أن أفنيه ولا أضيع نصفه في باقي عمري وعندي ما يكفيني وزيادة ثم إني تفكرت في نفسي وقلت والله لابد أن هذا النهر له أول وآخر ولابد له من مكان يخرج منه إلى العمار والرأي السديد عندي أن أعمل لي فلكاً صغيراً على قدر ما أجلس فيه وأنزل وألقيه في هذا النهر وأسير به فإن وجدت خلاصاً أخلص وأنجو بإذن الله تعالى وإن لم أجد لي خلاصاً أموت داخل هذا النهر أحسن من هذا المكان وصرت أتحسر على نفسي.
ثم إني قمت وسعيت فجمعت أخشاباً من تلك الجزيرة من خشب العود الصيني والقماري وشددتها على جانب البحر بحبال المراكب التي كسرت وجئت بألواح مساوية من ألواح المراكب ووضعتها في ذلك الخشب وجعلت ذلك الفلك في عرض ذلك النهر أو أقل من عرضه وشددته طيباً مكيناً وقد أخذت معي من تلك المعادن والجواهر والأموال واللؤلؤ الكبير الذي مثل الحصى وغير ذلك من الذي في تلك الجزيرة وشيئاً من العنبر الخام الخالص الطيب ووضعته في ذلك الفلك ووضعت فيه جميع ما جمعته من الجزيرة وأخذت معي جميع ما كان باقياً من الزاد ثم إني ألقيت ذلك الفلك في هذا النهر وجعلت له خشبتين على جنبيه مثل المجاديف وعملت بقول بعض الشعراء: تـــرحـــل عـــن مـــكـــان فــــيه ضـــــــيموخــل الـــدار تـــنـــعـــي مـــن بـــنـــاهـــا فـــإنــــك واجـــــــد أرضـــــــاً بـــــــأرضونـفـسـك لـم تـــجـــد نـــفـــســـاً ســـواهـــا ولا تـــجـــزع لـــحـــادثة الـــلـــــيالـــــــيفـــكـــل مـــصـــيبة يأتـــي انـــتـــهـــاهــــا ومـــن كـــانـــت مـــنـــيتـــــــه بـــــــأرضفـــلـــيس يمـــوت فـــي أرض ســـواهــــــا ولا تـــبـــعـــث رســـولـــك فـــي مـــهـــــمفـــمـــا لـــنـــفـــس نـــاصـــحة ســـواهــــا وسرت بذلك الفلك في النهر وأنا متفكر فيما يصير إليه أمري ولم أزل سائراً إلى المكان الذي يدخل فيه النهر تحت ذلك الجبل وأدخلت الفلك في هذا المكان وقد صرت في ظلمة شديدة فأخذتني سنة من النوم من شدة القهر فنمت على وجهي في الفلك ولم يزل سائراً بي وأنا نائم لا أدري بكثير ولا قليل حتى استيقظت فوجدت نفسي في النور ففتحت عيني فرأيت مكاناً واسعاً وذلك الفلك مربوط على جزيرة وحولي جماعة من الهنود والحبشة فلما رأوني قمت نهضوا إلي وكلموني بلسانهم فلم أعرف ما يقولون وبقيت أظن أنه حلم وأن هذا في المنام من شدة
ما كنت فيه من الضيق والقهر.
فلما كلموني ولم أعرف حديثهم ولم أرد عليهم جواباً تقدم إلي رجل منهم وقال لي بلسان عربي السلام عليك يا أخانا من أنت ومن أين جئت وما سبب مجيئك إلى هذا المكان ونحن أصحاب الزرع والغيطان وجئنا لنسقي غيطاننا وزرعنا فوجدناك نائماً في الفلك فأمسكناه وربطناه عندنا حتى تقوم على مهلك فأخبرنا ما سبب وصولك إلى هذا المكان فقلت له بالله عليك يا سيدي ائتني بشيء من الطعام فإني جائع وبعد ذلك اسألني عما تريد فأسرع وأتاني بالطعام فأكلت حتى شبعت واسترحت وسكن روعي وازداد شبعي وردت لي روحي فحمدت الله تعالى على كل حال وفرحت بخروجي من ذلك النهر ووصولي إليهم وأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره وما لقيته في ذلك النهار وضيقه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:58 AM
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما طلع من الفلك على جانب الجزيرة ورأى فيها جماعة من الهنود والحبشة واستراح من تعبه سألوه عن خبره فأخبرهم بقصته.
ثم إنهم تكلموا مع بعضهم وقالوا لابد أن نأخذه معنا ونعرضه على ملكنا ليخبره بما جرى له.
قال: فأخذوني معهم وحملوه معي الفلك بجميع ما فيه من المال والنوال والجواهر والمعادن والمصاغ وأدخلوني على ملكهم وأخبروه بما جرى فسلم علي ورحب بي وسألني عن حالي وما اتفق لي من الأمور فأخبرته بجميع ما كان من أمري وما لاقيته من أوله إلى آخره فتعجب الملك من هذه الحكاية غاية العجب وهنأني بالسلامة.
فعند ذلك قمت واطلعت من ذلك الفلك شيئاً كثيراً من المعادن والجواهر والعود والعنبر الخام وأهديته إلى الملك. فقبله مني وأكرمني إكراماً زائداً وأنزلني في مكان عنده وقد صاحبت أخيارهم وأكابرهم وأعزوني معزة عظيمة وصرت لا أفارق دار الملك وصار الواردون إلى تلك الجزيرة يسألونني عن أمور بلادي فأخبرهم بها. وكذلك أسألهم عن أمور بلادهم فيخبروني بها إلى أن سألني ملكهم يوماً من الأيام عن أحوال بلادي. وعن أحوال حكم الخليفة في بلاد مدينة بغداد فأخبرته بعدله في أحكامه فتعجب من أموره وقال لي والله إن هذا الخليفة له أمور عقلية وأحوال مرضية وأنت قد حببتني فيه ومرادي أن أجهز له هدية وأرسلها معك إليه فقلت سمعاً وطاعة يا مولانا أوصلها إليه وأخبره أنك محب صادق ولم أزل مقيماً عند ذلك الملك وأنا في غاية العز والإكرام وحسن المعيشة مدة من الزمان إلى أن كنت جالساً يوماً من الأيام في دار الملك فسمعت بخبر جماعة من تلك المدينة أنهم جهزوا لهم مركباً يريدون السفر فيه إلى نواحي مدينة البصرة فقلت في نفسي ليس لي أوفق من السفر مع هؤلاء الجماعة.
فأسرعت من وقتي وساعتي وقبلت يد ذلك الملك وأعلمته بأن مرادي السفر مع الجماعة في المركب الذي جهزوه لأني اشتقت إلى أهلي وبلادي فقال لي الملك الرأي لك وإن شئت الإقامة عندنا فعلى الرأس والعين وقد حصل لنا أنسك فقلت والله يا سيدي لقد غمرتني بجميلك وإحسانك ولكن قد اشتقت إلى أهلي وبلادي وعيالي.
فلما سمع كلامي أحضر التجار الذين جهزوا المركب وأوصاهم علي ووهب لي شيئاً كثيراً من عنده ودفع عني أجرة المركب وأرسل معي هدية عظيمة إلى الخليفة هارون الرشيد بمدينة بغداد.
ثم إني ودعت الملك ووعدت جميع أصحابي الذين كنت أتردد عليهم ثم نزلت المركب مع التجار وسرنا وقد طاب لنا الريح والسفر ونحن متوكلون على الله سبحانه وتعالى ولم نزل مسافرين من بحر إلى بحر ومن جزيرة إلى جزيرة إلى أن وصلنا بالسلامة بإذن الله إلى مدينة البصرة فطلعت من المركب ولم أزل مقيماً بأرض البصرة أياماً وليالي حتى جهزت نفسي وحملت حمولي وتوجهت إلى مدينة بغداد دار السلام فدخلت على الخليفة هارون الرشيد وقدمت إليه تلك الهدية وأخبرته بجميع ما جرى لي.
ثم خزنت جميع أموالي وأمتعتي ودخلت حارتي وجاءني أهلي وأصحابي وفرقت الهدايا على جميع أهلي وتصدقت ووهبت وبعد مدة من الزمان أرسل إلي الخليفة فسألني عن سبب تلك الهدية ومن أين هي فقلت: يا أمير المؤمنين والله لا أعرف المدينة التي هي منها اسماً ولا طريقاً ولكن لما غرق المركب الذي كنت فيه طلعت على جزيرة وصنعت لي فلكاً ونزلت فيه في نهر كان في وسط الجزيرة وأخبرته بما جرى لي فيها وكيف كان خلاصي من ذلك النهر إلى تلك المدينة وبما جرى لي فيها وبسبب إرسال الهدية فتعجب من ذلك غاية العجب وأمر المؤرخون أن يكتبوا حكايتي ويجعلوها في خزائنه ليعتبر بها كل من رآها ثم إنه أكرمني إكراماً زائداً.
أقمت بمدينة بغداد على ما كنت عليه في الزمن الأول ونسيت جميع ما جرى لي وما قاسيته
من أوله إلى آخره ولم أزل في لذة عيش ولهو وطرب فهذا ما كان من أمري في السفرة السادسة يا إخواني وإن شاء الله تعالى في غد أحكي لكم حكاية السفر السابعة فإنها أعجب وأغرب من هذه السفرات ثم إنه أمر بمد السماط وتعشوا عنده وأمر السندباد البحري للسندباد الحمال بمائة مثقال من الذهب فأخذها وانصرف الجماعة وهم متعجبون من ذلك غاية العجب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:58 AM
الحكاية السابعة من حكايات السندباد البحري وهي السفرة السابعة
وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما حكى حكاية سفرته السادسة وراح كل واحد إلى حال سبيله بات السندباد الحمال في منزله ثم صلى الصبح وجاء إلى منزل السندباد البحري وأقبل الجماعة.
فلما تكلموا ابتدأ السندباد البحري بالكلام في حكاية السفرة السابعة وقال اعلموا يا جماعة أني لما رجعت من السفرة السادسة وعدت لما كنت عليه في الزمن الأول وأنا متواصل الهناء والسرور ليلاً ونهاراً وقد حصل لي مكاسب كثيرة وفوائد عظيمة فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد وإلى ركوب البحر وعشرة التجار وسماع الأخبار فهممت بذلك الأمر وحزمت أحمالاً بحرية من الأمتعة الفاخرة وحملتها من مدينة بغداد إلى مدينة البصرة فرأيت مركباً محضراً للسفر وفيه جماعة من التجار العظام فنزلت معهم واستأنست بهم وسرنا بسلامة وعافية قاصدين السفر وقد طاب لنا الريح حتى وصلنا إلى مدينة الصين ونحن في غاية الفرح والسرور نتحدث مع بعضنا في أمر السفر والمتجر.
فبينما نحن على هذه الحالة وإذا بريح عاصف هب من مقدم المركب ونزل علينا مطر شديد حتى ابتلينا وابتلت حمولنا فغطينا الحمول باللباد والخيش خوفاً على البضاعة من التلف بالمطر وصرنا ندعوا الله تعالى ونتضرع إليه في كشف ما نزل بنا مما نحن فيه فعند ذلك قام ريس المركب وشد حزامه وتشمر وطلع على الصاري وصار يلتفت يميناً وشمالاً وبعد ذلك نظر إلى أهل المركب ولطم على وجهه ونتف لحيته فقلنا يا ريس ما الخبر فقال لنا اطلبوا من الله تعالى النجاة مما وقعنا وابكوا على أنفسكم وودعوا بعضكم واعلموا أن الريح قد غلب علينا ورمانا في آخر بحار الدنيا.
ثم إن الريس نزل من فوق الصاري وفتح صندوقه وأخرج منه كيساً قطناً وفكه وأخرج منه تراباً مثل الرماد وبله بالماء وصبر عليه قليلاً وشمه ثم إنه أخرج من ذلك الصندوق كتاباً صغيراً وقرأ فيه وقال لنا اعلموا يا ركاب أن في هذا الكتاب أمراً عجيباً يدل على أن كل من وصل إلى هذه الأرض لم ينج منها بل يهلك فإن هذه الأرض تسمى إقليم الملوك وفيها قبر سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام وفيه حيات عظام الخلقة هائلة المنظر فكل مركب وصل إلى هذا الإقليم يطلع له حوت من البحر فيبتلعه بجميع ما فيه.
فلما سمعنا هذا الكلام من الريس تعجبنا غاية العجب من حكايته فلم يتم الريس كلامه لنا حتى صار المركب يترفع بنا عن الماء ثم ينزل وسمعنا صرخة عظيمة مثل الرعد القاصف فارتعبنا منها وصرنا كالأموات وأيقنا بالهلاك في ذلك الوقت وإذا بحوت قد أقبل على المركب كالجبل العالي ففزعنا منه وقد بكينا على أنفسنا بكاء شديداً وتجهزنا للموت وصرنا ننظر إلى ذلك الحوت ونتعجب من خلقته الهائلة وإذا بحوت ثان قد أقبل علينا فما رأينا أعظم خلقة منه ولا أكبر.
فعند ذلك ودعنا بعضنا ونحن نبكي على أرواحنا وإذا بحوت ثالث قد أقبل وهو أكبر من الاثنين اللذين جاءا قبله وصرنا لا نعي ولا نعقل وقد اندهشت عقولنا من شدة الخوف والفزع ثم إن هذه الحيتان الثلاثة صاروا يدورون حول المركب وقد أهوى الحوت الثالث ليبتلع المركب بكل ما فيه وإذا بريح عظيم ثار فقام المركب ونزل على شعب عظيم فانكسر وتفرقت جميع الألواح وغرقت جميع الحمول والتجار والركاب في البحر.
فخلعت أنا جميع ما علي من الثياب ولم يبق علي غير ثوب واحد ثم عمت قليلاً فلحقت لوحاً من ألواح المركب وتعلقت به ثم إني طلعت عليه وركبته وقد صارت الأمواج والأرياح تلعب بي على وجه الماء وأنا قابض على ذلك اللوح والموج يرفعني ويحطني وأنا في أشد ما يكون من المشقة والخوف والجوع والعطش وصرت ألوم نفسي على ما فعلته وقد تعبت نفسي بعد الراحة وقلت لروحي يا سندباد يا بحري أنت لم تتب كل مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب ولم تتب عن سفر البحر وإن تبت تكذب في التوبة فقاس كل ما تلقاه فإنك تستحق جميع ما يحصل لك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

هانى رفعت
05-05-2010, 01:59 AM
وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الخمسمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد البحري لما غرق في البحر ركب لوحاً من الخشب وقال في نفسه أستحق جميع ما يجري لي وكل هذا مقدر علي من الله تعالى حتى أرجع عما أنا فيه من الطمع وهذا الذي أقاسيه من طمعي فإن عندي مالاً كثيراً ثم إنه قال وقد رجعت لعقلي وقلت إني في هذه السفرة قد تبت إلى الله تعالى توبة نصوحاً عن السفر وما بقيت عمري أذكره على لساني ولا على بالي ولم أزل أتضرع إلى الله تعالى وأبكي ثم إني تذكرت في نفسي ما كنت فيه من الراحة والسرور واللهو والطرب والانشراح ولم أزل على هذه الحالة أول وثاني يوم إلى أن طلعت على جزيرة عظيمة فيها شيء كثير من الأشجار والأنهار فصرت آكل من ثمر تلك الأشجار وأشرب من ماء تلك الأنهار حتى انتعشت وردت لي روحي وقويت همتي وانشرح صدري ثم مشيت في الجزيرة فرأيت في جانبها الثاني نهراً عظيماً من الماء العذب ولكن ذلك النهر يجري جرياً قوياً: فتذكرت أمر الفلك الذي كنت فيه سابقاً وقلت في نفسي لابد أن أعمل لي فلكاً مثله لعلي أنجو من هذا الأمر فإن نجوت به حصل المراد وتبت إلى الله تعالى من السفر وإن هلكت ارتاح قلبي من التعب والمشقة ثم إني قمت فجعلت أخشاباً من تلك الأشجار من خشب الصندل العال الذي لا يوجد مثله وأنا لا أدري أي شيء هو ولما جمعت تلك الأخشاب تخليت بأغصان ونبات من هذه الجزيرة وفتلتها مثل الحبال وشددت بها الفلك وقلت إن سلمت فمن الله ثم إني أنزلت في ذلك الفلك وسرت به في ذلك النهر حتى خرجت من آخر الجزيرة ثم بعدت عنها ولم أزل سائراً أول يوم وثاني يوم وثالث يوم بعد مفارقة الجزيرة وأنا نائم ولم آكل في هذه المدة شيئاً ولكن إذا عطشت شربت من ذلك النهر وصرت مثل الفرخ الدايخ من شدة التعب والجوع حتى انتهى بي الفلك إلى جبل عال والنهر داخل من تحته.
فلما رأيت ذلك خفت على نفسي من الضيق الذي كنت أنا فيه أول مرة في النهر السابق وأردت أن أوقف الفلك وأطلع منه إلى جانب الجبل فغلبني الماء فجذب الفلك وأنا فيه ونزل به حت الجبل فلما رأيت ذلك أيقنت بالهلاك وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولم يزل الفلك سائراً مسافة يسيرة ثم طلع إلى مكان واسع وإذا هو واد كبير والماء يهدر فيه وله دوي مثل دوي الرعد وجريان مثل جريان الريح فصرت قابضاً على ذلك الفلك بيدي وأنا خائف أن أقع فوقه والأمواج تلعب يميناً وشمالاً في وسط ذلك المكان ولم يزل الفلك منحدراً مع الماء الجاري في ذلك الوادي وأنا لا أقدر على منعه ولا أستطيع الدخول به في جهة البر إلى أن رسى بي على جانب مدينة عظيمة المنظر مليحة البناء فيها خلق كثير.
فلما رأوني وأنا في ذلك الفلك منحدر في وسط النهر مع التيار رموا علي الشبكة والحبال في ذلك الفلك ثم أطلعوا الفلك من ذلك النهر إلى البر فسقطت بينهم وأنا مثل الميت من شدة الجوع والسهر والخوف فتلقاني من بين هؤلاء الجماعة رجل كبير في السن وهو شيخ عظيم ورحب بي ورمى لي ثياباً كثيرة جميلة فسترت بها عورتي ثم إنه أخذني وسار بي وأدخلني الحمام وجاء لي بالأشربة والروائح الذكية ثم بعد خروجنا من الحمام أخذني إلى بيته وأدخلني فيه ففرح بي أهل بيته ثم أجلسني في مكان ظريف وهيأ لي شيئاً من الطعام الفاخر فأكلت حتى شبعت وحمدت وبعد ذلك قدم لي غلمانه ماء ساخناً فغسلت يدي وجاءني حواريه بمناشف من الحرير فنشفت يدي ومسحت فمي ثم إن ذلك الشيخ قام من وقته وأخلى لي مكاناً منفرداً وحده في جانب داره وألزم غلمانه وجواريه بخدمتي وقضاء حاجتي وجميع مصالحي فصاروا يتعهدونني ولم أزل على هذه الحالة عنده في دار الضيافة ثلاثة أيام وأنا على أكل طيب وشرب طيب ورائحة طيبة حتى ردت لي روحي وسكن روعي وهدأ قلبي وارتاحت نفسي.
فلما كان اليوم الرابع تقدم إلي الشيخ وقال لي آنستنا يا ولدي والحمد لله على سلامتك فهل لك أن تقوم مع إلى ساحل البحر وتنزل السوق فتبيع البضاعة وتقبض ثمنها لعلك تشتري بها شيئاً تتجر فيه.
فسكت قليلاً وقلت في نفسي ليس معي بضاعة وما سبب هذا الكلام قال الشيخ يا ولدي لا تهتم ولا تفكر فقم بنا إلى السوق فإن رأينا من يعطيك في بضاعتك ثمناً يرضيك أقبضه لك وإن لم يجيء فيها شيء يرضيك أحفظها لك عندي في حواصلي حتى تجيء أيام البيع والشراء فتفكرت في أمري وقلت لعقلي طاوعه حتى تنظر أي شيء تكون هذه البضاعة ثم إني قلت له سمعاً وطاعة يا عم الشيخ والذي تفعله فيه البركة ولا يمكنني مخالفتك في شيء ثم إني جئت معه إلى السوق فوجدته قد فك الفلك الذي جئت فيه وهو من خشب الصندل وأطلق المنادي وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.